الرئيسية > فضاء التواصل
دراسات فكرية ونقدية

اللسانيات في الثقافة العربية وإشكالية التلقي: حافظ إسماعيلي العلوي

اللسانيات في الثقافة العربية وإشكالات التلقي

-اللسانيات التمهيدية نموذجا-

hafid-ismaili-alaoui

حافظ إسماعيلي علوي

 

0. توطئة:

الكتابة التمهيدية (أو التيسيرية) طريقة في التأليف لا يمكن لأي علم أن يذيع وينتشر بدونها؛ لذلك من الطبيعي أن يشكل هذا النوع من التأليف إحدى الاهتمامات الأساسية لنشر العلوم وتقريبها إلى القراء. فهل نجحت الكتابة اللسانية التمهيدية العربية في تقريب اللسانيات إلى القارئ العربي؟

تشكل الغاية التعليمية الهدف الذي تروم تحقيقه اللسانيات التمهيدية، وهذا يستوجب أن يكون كل مؤلف من المؤلفات اللسانية التمهيدية بنية خطابية متكاملة علميا ومنهجيا، بدءا بعنوان الكتاب، مرورا بمقدمته، وعناوين أقسامه، وأبوابه، وفصوله، وصولا إلى خاتمته. وسنحاول بتتبعنا لبعض المؤلفات اللسانية التمهيدية أن نكشف عن إشاراتها الخارجية والداخلية، وما تحمله من وظائف دلالية وتداولية معتمدين، في ذلك، منطلقا في التحليل يركز على العتبات (seuils) أساسا قد يسعفنا في إرساء قواعد جديدة للكشف عن تجليات حضور هذا النوع من الكتابة في الثقافة العربية الحديثة، وسنركز، بشكل خاص، على عناوين المؤلفات اللسانية التمهيدية وخطاب المقدمات.

فقد أولت المناهج الحديثة والمعاصرة، في نظريات القراءة، وسيميائيات النص، وجماليات التلقي، أهمية كبيرة لعنوان النص ومقدمته، واعتبرتهما مكونين أساسين، ودالين؛ فقد جعلهما جيرار جينيت (Gérard Génétte) من النصوص الموازية Paratextes الدالة التي ترافق النصوص الرئيسة[1]والتي لا يمكن الاستغناء أو التغاضي عنها.

وتكمن أهمية هذين المكونين (العنوان والمقدمة) في كونهما أول المؤشرات التي تتحاور مع المتلقي، فتثير فيه نوعا من الإغراء، والفضول العلمي والمعرفي، وإليهما توكل مهمة نجاح الكتاب في إثارة استجابة القارئ بالإقبال عليه وتداوله، أو النفور منه واستهجانه.

أولا. العنوان:

العنوان مكون نصي لا يقل أهمية عن المكونات النصية الأخرى، إنه سلطة النص وواجهته الإعلامية، وهذه السلطة تمارس على المتلقي »إكراها أدبيا، كما أنه الجزء الدال من النص»[2]، وهذا ما يؤهله »للكشف عن طبيعة النص والإسهام في فك غموضه»[3]، بل يعين مجموع النص ويظهر معناه. وهذا يعني أن العنوان هو مرآة النسيج النصي، وهو الدافع للقراءة، وهو الشرك الذي ينصب لاقتناص المتلقي، ومن ثم فإن الأهمية التي يحظى بها العنوان نابعة من اعتباره مفتاحا في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي[4]؛ بحيث لا يمكن لأي قارئ أن يلج عوالم النص أو الكتاب، وتفكيك بنياته التركيبية والدلالية، واستكشاف مدلولاته ومقاصدها التداولية، دون امتلاك المفتاح؛ أعني العنوان.

وعليه فالعنوان هو الثريا التي تضيء فضاء النص، وتقود إلى استكشاف أغواره، فيكون بكل ذلك ضرورة كتابية تساعد على اقتحام عوالم النص؛ لأن المتلقي »يدخل إلى "العمل" من بوابة "العنوان" مؤولا له، وموظفا خلفيته المعرفية في استنطاق دواله الفقيرة عددا وقواعد تركيب وسياقا، وكثيرا ما كانت دلالية العمل هي ناتج تأويل عنوانه، أو يمكن اعتبارها كذلك دون إطلاق[5]«، كما يستمد العنوان أهميته من كونه علامة كاملة تحمل دالا ومدلولا.

ولا تخضع العناوين لبنية تركيبية متماثلة إلا في حالات نادرة، وتتوزع بين الطول والقصر والتوسط، وتتألف من كلمة واحدة أو كلمتين أو أكثر، وقد تكون عنوانا رئيسا فقط، وقد تجمع بين عنوان رئيس وعنوان فرع، وقد تكون غير هذا. ويقسم جنيت (Génétte) العنوان إلى» 1. العنوان (الأساس أو الرئيس)، 2.العنوان الفرعي3 .التعيين الجنسي« [6].

ثانيا. المقدمة:

المتلقي هو الغائب الحاضر في كل عملية تأليف، والمقدمة هي الصورة المثالية التي يتطلع الكاتب إلى إنجازها؛ إذ عليها يترتب نجاح التلقي أو فشله، وإليها توكل مهمة »توجيه القراءة وتنظيمها، وبالتالي تهييء القارئ لاستقبال مشروع قيد الإنجاز، سيكونمجاله-لا محالة- متن الكتاب. وهذا يعني أن المقدمة هي نوع من التعاقد بين المؤلف والقارئ»[7].

ولم تكن أهمية المقدمة لتخفى على النقاد العرب القدامى، فهي قديمة أصيلة في الثقافة العربية، فقد حددها ابن منظور لغة بقوله: »من قدم بمعنى تقدم، وقدم استعير لكل شيء، فقيل مقدمة الكتاب، ومقدمة الكلام بكسر الدال»[8]. أما اصطلاحا فهي ما يتوقف عليه المباحث الآتية، مباحث الكتاب طبعا.

للمقدمة إذن، وظيفة إقامة الاتصال (phatique) التي قال بها مالينوفسكي (Malinovski) وتبناها رومان ياكوبسون (Jakobson.R)، حيث اعتبرها من الرسائل التي تؤدي إلى ربط التواصل أو إطالته أو قطعه[9]. وبذلك تكون المقدمة بمثابة العتبة أو المدخل أو البهو الذي يلج منه المتلقي إلى دهاليز النص أو الكتاب ليمسك بخيوطه الأولية والأساسية ليتحاور معه[10]. ولهذه الأهمية يعتبرها ج.جينيت (G.Génétte) من النصوص الموازية للنصوص الرئيسية، وعنصرا من عناصر التعالي النصي (Transtextualité)، ومنجما من الأسئلة التي ليست لها أجوبة، وجنسا قائما بذاته له مبادئه التكوينية ومميزاته التجنيسية[11].

1. قراءة في عتبات الكتابة اللسانية التمهيدية

1.1. العناوين:

تحضر الغاية التعليمية بكثافة في الكتابة اللسانية التمهيدية، كما يظهر من هذه العناوين التي نسوقها هنا تمثيلا لا حصرا:

(علم اللغة)، علي عبد الواحد وافي

(علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي)، محمود السعران

(علم اللغة العام)،توفيق محمد شاهين

(في علم اللغة العام)، عبد الصبور شاهين

(اللسانيات التوليدية والتحويلية)، عادل فاخوري

(الألسنية (علم اللغة الحديث) المبادئ والأعلام، ميشال زكريا

(المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث فيه)، رمضان عبد التواب

(مدخل في اللسانيات)، صالح الكشو

(مدخل إلى علم اللغة)، محمد فهمي حجازي

(مدخل إلى علم اللغة)، محمد علي الخولي

(مدخل للسانيات سوسير)، مبارك حنون

(مدخل للصواتة التوليدية)، ادريس السغروشني

(دروس في السيميائيات)، مبارك حنون

(مقدمة في علوم اللغة)، البدراوي زهران

(مقدمة في اللسانيات)، عاطف فضل

(مقدمة في اللسانيات)، عيسى برهومة

(توطئة لدراسة علم اللغة)، التهامي الراجي

(مبادئ اللسانيات)، أحمد محمد قدور

(مبادئ اللسانيات)، خولة طالب الإبراهيمي

(مبادئ اللسانيات البنوية)، الطيب دبة

(مدارس علم اللغات)، المعتمد بن رشد ومحمد خريص

(اللسانيات العامة واللسانيات العربية)، عبد العزيز حليلي

(اللسانيات الوظيفية: مدخل نظري)، أحمد المتوكل

1.1.1.3. وظائف العناوين

تعد العناوين منطلقات ضرورية للقراءة بالنظر إلى الوظائف التي تؤديها، والتي يحددها جيرار جينيت في »أربع وظائف هي: الإغراء-الإيحاء-الوصف-التعيين« [12]. ونجد من الباحثين من يذهب أبعد من ذلك، حيث يتم الربط بين الوظائف التي يؤديها العنوان ووظائف اللغة كما يحددها ياكوبسون، فيعطي العنوان بذلك وظائف أخرى هي: »الوظيفة المرجعية (المركزة على الموضوع)، والوظيفة الندائية (المركزة على المرسل إليه)، والوظيفة الشعرية (المركزة على الرسالة)؛ "وقد تتسع هذه الوظائف لدى هنري ميتران (Henri Mitterand) لتشمل"الوظيفة التعيينية، والوظيفة التحريضية (حث فضول المرسل إليه ومناداته)، والوظيفة الإيديولوجية""وهي جميعها تسور العنوان بسلطة تروم إخضاع المرسل إليه»[13].

إن العنوان هو البنية الرحمية لكل نص؛ تمارس على المتلقي إكراها أدبيا يسهم بشكل أو بآخر في توجيه عملية القراءة. فكيف تحضر الوظائف السابقة في الكتابة اللسانية التمهيدية؟

1.1.1.1. الوظيفة التواصلية

إن الهدف من الوظيفة التواصلية هو تبئير انتباه المتلقي وربط نوع من التواصل بينه وبين المقروء، إضافة إلى خلق نوع من التقارب بينهما؛ لتحريض المتلقي على القراءة والتلقي، ومحاولة تقليص المسافة بينه وبين الكتاب، وهي وظيفة تؤديها عناوين الكتابة اللسانية التمهيدية بدون استثناء.

2.1.1.1. الوظيفة الانفعالية/ التأثيرية/ الإغرائية

إن متلقي الكتابة اللسانية التمهيدية قارئ مبتدئ غايته التعرف على مبادئ اللسانيات باعتبارها علما جديدا، لذلك يجب على من يؤلف في هذا اللون من الكتابة أن يختار ما يراه مناسبا لجلب القارئ، وإثارة انتباهه، وإغرائه بعبارات محبوكة توحي بالتبسيط والتسهيل، وتروم الانتفاع، لخلق نوع من التفاعل والانسجام بين النص والقارئ. وتؤدي عناوين الكتابة اللسانية التمهيدية هذه الوظيفة بدرجات مختلفة ومتفاوتة، كما يتم التركيز على كلمة مفتاح تشكل بؤرة العنوان وهدف الكتاب الأسمى، ونمثل لذلك بالعناوين الآتية (عنوان الكتاب متبوعا بالكلمة المبئرة):

مدخل إلى علم اللغة

مدخل للسانيات سوسير

مدخل في اللسانيات

مدخل إلى الألسنية

مدخل إلى السيميائيات السردية

مدخل للصواتة التوليدية

مدخل

المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث فيه

المدخل

مبادئ اللسانيات

مبادئ

علم اللغة مقدمة إلى القارئ العربي

مقدمة

توطئة لدراسة علم اللغة

توطئة

دروس في علم اللغة العام

دروس

فالكلمات المبئرة للعنوان تظهر بوضوح الرغبة في التأثير والتسهيل، وخلق نوع من تجاوب القارئ والنص.

3.1.1.1. الوظيفة المرجعية/ الإحالية

هدفها تعيين موضوع الكتاب وتحديد غاياته، فتشكل هذه الوظيفة بذلك نوعا من التعاقد بين المؤلف والقارئ، وتؤدي عناوين الكتابة اللسانية التمهيدية هذه الوظيفة بطرائق مختلفة:

- الإحالة على اللسانيات بطريقة عامة:

+ مدخل إلى علم اللغة

+ مدخل إلى الألسنية

+ توطئة في علم اللغة

+ مبادئ في اللسانيات

+ مبادئ في علم اللسانيات الحديث...

- الإحالة على مدرسة لسانيات محددة:

+ اللسانيات البنيوية

+ اللسانيات الوظيفية

+ اللسانيات التوليدية التحويلية...

- الإحالة على قطاع خاص من قطاعات اللسانيات:

+ علم الأصوات

+ علم الدلالة

+ السيميائيات...

- الإحالة على فرع داخل قطاع معين:

+ مدخل للصواتة التوليدية

+ مدخل إلى السيميائيات السردية...

- التعريف بإسهامات علَم من أعلام اللسانيات:

+ مدخل للسانيات سوسير

+ النظرية الأمريكية في اللغة: تشومسكي...

4.1.1.1. الوظيفة الإيديولوجية

وهي ذات حضور لافت في كل المؤلفات التمهيدية التي تضع نصب عينيها هدفا معينا، سواء عبر عن ذلك المؤلف تصريحا أو تلميحا، وهذا ما تومئ إليه عناوين هذه الكتابة. ويأتي في طليعة تلك الأهداف التعريف باللسانيات باعتبارها علما قائم الذات. ويتخذ التعريف شكل تحديد شامل لأهداف ومقاصد اللسانيات، أو لأحد قطاعاتها، والهدف هو جعل القارئ ينخرط في دائرة البحث اللساني.

2.1. خطاب المقدمات

المقدمة إذن، هي الصورة المثالية التي يتطلع الكاتب إلى إنجازها؛ إذ عليها يترتب نجاح التلقي أو فشله، كما تؤدي وظائف مختلفة.

1.2.1. وظائف المقدمة

إذا كان العنوان يؤدي وظائف مختلفة انفعالية وتأثيرية وإغرائية، ومرجعية إحالية، وشعرية جمالية إيحائية، وإيديولوجية، وتاريخية إخبارية، فإن هذه الوظائف تحضر أيضا في خطاب مقدمات للكتابة اللسانية التمهيدية[14].

1.1.2.1. الوظيفة الانفعالية/ التأثيرية/ الإغرائية

تحضر هذه الوظيفة بشكل لافت في مقدمات الكتابة اللسانية التمهيدية بالتركيز على الغاية التعليمية التبسيطية، مع الإشارة إلى أهمية الدرس اللساني ومكانته.

2.1.2.1. الغاية التعليمية التبسيطية:

تمثل الغاية التعليمية الهدف الأسمى الذي يستأثر باهتمام كل مؤلف تمهيدي، ومن هذا المنطلق تلح مقدمات المؤلفات اللسانية التمهيدية على هذا الجانب، وتوليه ما يستحق من اهتمام، خصوصا وأن هذه المقدمات هي أول ما يقرأ، فتكون بمثابة تعاقد بين الكاتب والقارئ؛ تعاقد على الإقبال من لدن القارئ، وتسهيل وانتفاع من لدن الكاتب، فمن البديهي أن تعزف كل الكتابات التمهيدية على هذا الوتر الحساس عند القارئ، وأن تعبر عن ذلك بشكل صريح، كما تظهر هذه النصوص:«هدفنا الوحيد الجدوى التربوية والإبلاغ التعليمي، وبهذا الصنيع يغدو الكتاب أداة تثقيفية إذ بوسعه أن يمكن القارئ العادي من الاسترسال مع صفحاته متتبعا قصة اللسانيات في يسر، وعلى غير تراكب فني»[15].

وجاء في مقدمة كتاب تمهيدي آخر: «أقدم للقارئ العربي توطئة تساعده على معرفة اللغة، وتهيئه لتتبع الخطوات اللاحقة بيسر ومردود كبير« [16].

وإلى الغاية نفسها تشير كتابات تمهيدية أخرى. يقول صاحب كتاب مدخل إلى علم اللغة: »هذا كتاب يضم فصولا تمهيدية في علم اللغة، تقرب حقائقه الأساسية»[17]. وهو الغرض نفسه الذي يرومه عبد العزيز حليلي من تأليف كتابه. يقول: »الغرض من مواضيع هذه المجموعة التعريف بأسس اللسانيات العامة، ووصف بعض أدواتها الإجرائية وتوضيح أهم أهدافها، وكذا المساهمة في تطوير وإغناء أساليب بحثها»[18].

ولا تكتفي بعض الكتابات بمثل هذه الإشارات الواضحة، بل تسعى إلى إغراء المتلقي بعبارات محفزة لاستدراجه إلى خبايا المقروء، كما نقرأ في هذا النص: «قصدنا دعوة القارئ العربي إلى تذوق هذا العلم الحديث، والإلمام به، من أجل ذلك هو كتاب تمهيدي»[19].

إن الغاية التعليمية لا تقتصر على الكتابات التمهيدية ذات الصلة باللسانيات العامة، بل تظهر بوضوح في باقي أصناف الكتابة اللسانية التمهيدية كالصواتة التوليدية: »هذه الدراسة تمكن القارئ من التعرف على مختلف الاتجاهات الصواتية في إطار الصواتة التوليدية التي تكون جزءا من النحو التوليدي التحويلي»[20]، والسيميائيات: »لا أتوخى من هذا الكتاب سوى تقديم مجموعة من المعارف الضرورية والمفاهيم الأساسية للسيميائيات»[21].

وتظهر الغاية التعليمية بشكل أكثر كثافة في مقدمات الكتب اللسانية التمهيدية المترجمة، وربما يعود سبب ذلك إلى أن هذه الكتب موجهة، في الأصل، إلى قارئ غير القارئ العربي، إذ يلجأ المترجم إلى هذا التكثيف والتركيز لدرء كل أشكال الالتباس، ولاستقطاب أنظار القراء. جاء في مقدمة كتاب تمهيدي مترجم: «هو مرجع مبسط، ويصل إلى حقائق الاتصال الشفهي، دونما الكثير من التعقيد الذي تتميز به بعض الكتب الأخرى في هذا الموضوع، إذ إنه يحتوي على العديد من الصور والجداول والأشكال الإيضاحية، وهو مهتم بشكل رئيسي بكيفية إيصال الفكرة من دماغ المتكلم إلى دماغ المستمع»[22].

وإلى الهدف نفسه يشير مبارك حنون في تقديمه لأحد الكتب المترجمة، يقول:»ومن الأكيد أن القيام باختيار هذا النص وتعريبه يخدم هدفين اثنين: الهدف الأول ويكمن في تقديم المعارف الحديثة الجيدة وتعميمها على أوسع القراء، والهدف الثاني يتجلى في محاولة تأصيل هذا العمل وجعله جزءا لا يتجزأ من بنيتنا الثقافية عملا على استنهاضها، وذلك انطلاقا من معاودة النظر في مكوناتها، وفي بنائها على أسس معرفية صلبة وجديدة»[23].

تشير هذه النصوص المقتطفة من مقدمات بعض الكتابات اللسانية التمهيدية، إلى الوظيفة التعليمية التبسيطية باعتبارها وظيفة غايتها تقديم اللسانيات إلى القارئ المبتدئ، بالتركيز على مفاهيم غايتها الإثارة والإغراء وجلب المتلقي كما يظهر من خلال هذه العبارات: الجدوى التعليمية...، الإبلاغ التعليمي...، تهيئة (القارئ)...، تقرب حقائقه (علم اللسان)...، توطئة تساعده (المتلقي)...، تهيئه لتتبع...، تقرب حقائقه...، توضح أهم أهدافها (اللسانيات)...، تعريف الدارس المبتدئ بأصول... ومناهج... تذوق... هذه الدراسة تمكن القارئ... هو مرجع مبسط...[24].

ويتخذ حضور الوظيفة الانفعالية التأثيرية في التعريف باللسانيات أشكالا مختلفة:

أولا. تعريف اللسانيات بالإشارة إلى أهميتها:

تعرف اللسانيات في بعض الكتابات اللسانية التمهيدية بالإشارة إلى أهميتها، والمكانة التي تضطلع بها بين العلوم الإنسانية، فقد »أصبحت اللسانيات تحتل موقعا مركزيا داخل العلوم الإنسانية الشيء الذي جعلها تفرض عليها نموذجها التحليلي ومعجمها المفهومي« [25]، وتفسر تلك الأهمية بالإقبال المتزايد عليها، حيث«اكتسبت قضايا علم اللغة الحديث رواجا في الجامعات العربية، وأقبل كثير من الدارسين على متابعتها، والتخصص فيها، من حيث كانت مخرجا من الحائط المسدود الذي وقفت عنده دراسات النحو والصرف واللغة من بعيد« [26].

وقد شمل هذا الاهتمام كل مجالات البحث الإنساني، وأخذ» يزداد مع مرور الأيام كما وكيفا، وهذا ما يفسر حصول طفرة كبرى في عدد الكتب والأطروحات والمحاضرات والندوات في هذا الحقل المعرفي، مما يدل بدوره على مدى تأثير اللسانيات في الدراسات الأكاديمية والأبحاث العلمية« [27]. وهي أهمية تجعل اللسانيات في مقدمة كل العلوم الإنسانية مما يوجب، بل ويحتم، على القارئ الإلمام بمبادئها وأصولها إن هو أراد مسايرة الركب والانخراط في دائرة الثقافة المعاصرة.

على النهج نفسه تسير بعض الكتابات الأخرى، نقرأ في مقدمة كتاب تمهيدي يعرف بالنظرية التوليدية: »لا أقصد بهذه الترجمة أن أدعو إلى نظرية أو أروج لمذهب، وإنما هي محاولة لمعرفة نظرية علمية أثرت في الفكر اللغوي الإنساني أكثر من ربع قرن، وما زال أثرها واضحا، حتى اليوم، في دراسات وأبحاث علماء اللغة المعاصرين، حتى قيل إن مكانة أي نظرية لغوية لا يمكن أن تتجاهل نظرية تشومسكي، بل إن مكانة أي نظرية وإنجازها في حقل الدراسات اللغوية المعاصرة يتحدد بمدى صلتها بنظرية تشومسكي، قربا وبعدا، أو نقدا وتعديلا»[28].

ويشير إلى هذه الأهمية وهذه المكانة حمزة بن قبلان المزيني في تقديمه لترجمة أحد كتب تشومسكي: »يتبوأ نعام تشومسكي مكانة في تاريخ اللسانيات لا يدانيه فيها إلا القلة من العلماء. فلقد بدأ توجها جديدا في دراسة هذا الموضوع منذ أن نشر كتابه (البنى التركيبية) في سنة 1957، فأحدث بذلك ما يشبه الانفصال عن المناهج التي كانت تتبعها اللسانيات، وعن الأهداف التي كانت ترسمها لنفسها. فلم يعد الهدف وصف المادة اللغوية التي يجمعها الدارس، بل صار تفسيرا يقصد إلى اكتشاف ما يكمن وراء الظاهر الذي تمثله هذه المادة اللغوية. وكان هذا الهدف هو الدافع وراء كل التغيرات التي طرأت على اللسانيات منذ 1957م. فكل نموذج مقترح يقترب خطوة من ذلك الهدف، ذلك أنه يمهد السبيل إلى اقتراح نموذج آخر أكثر إحكاما وكفاءة« [29].

وهو النهج الذي يسلكه مؤلف آخر في إشارة واضحة إلى أهمية الدلائلية: «إن الاهتمام يتركز اليوم على "قطاعات" دلائلية أدنى ما تتصف به هو التعدد، والتنوع، والتباين، والتشعب، ويتوفر أغلبها على أعمال رائدة»[30].

فالإشارة إلى أهمية اللسانيات، أو أحد قطاعاتها يشكل بؤرة اهتمام الكتابة اللسانية التمهيدية دون استثناء.

ثانيا- تعريف اللسانيات من خلال موضوعها:

تقدم اللسانيات للقارئ العربي أيضا بالإشارة إلى موضوعها يقول علي عبد الواحد وافي:«موضوعات علم اللغة موضع عناية عدد كبير من أعلام الباحثين في أمم الغرب. وقد بذلت في هذا السبيل جهود قيمة مشكورة، بلغ بفضلها هذا العلم درجة راقية من النضج والكمال، فوضحت حدوده ومناهجه، وهذبت أساليبه وطرق دراسته، وتميزت فروعه بعضها من بعض، واختص في كل فرع منها عدد كبير من العلماء، فتوفروا على دراسته، وقتلوا مسائله بحثا. من ثم أصبحت مراجع هذا العلم من أكثر مراجع العلوم عددا، وأوسعها نطاقا، وأدقها بحثا، وأجلها قيمة« [31].

 

إن موضوع اللسانيات هو دراسة اللغة »واللغة التي تدور حولها مباحث علم اللغة وعلومها، وتتخذها موضوعا لدراستها ليست لغة بعينها، وإنما هي اللغة التي تتمثل في كل الكلام الإنساني، فالأصول والخصائص الجوهرية التي تجمع بين سائر اللغات في كل صورها هي موضوعات علم اللغة... وليست لغة بعينها بل اللغة من حيث هي وظيفة إنسانية عامة»[32].

وهذا ما يذهب إليه مؤلف كتاب (علم اللسان) عندما يشير إلى أن اللسانيات تدرس »كل أشكال اللغة وألوانها وتغيراتها وتطوراتها، وتركز اهتمامها على كل ما يرتبط بموهبة الكلام التي تميز الإنسان عمن سواه (...) ويهتم اللسانيون إلى جانب اللغات الحية -باللغات الميتة- التي لا تتكلم بها أية جماعة بشرية»[33].

بيد أننا نجد من يجعل موضوع اللسانيات أعم وأشمل، فهي »العلم الحديث الذي موضوعه اللغة في ذاتها، ولذاتها (وهو مفهوم فرديناند دو سوسور) وينطوي تحته كل المصطلحات المعروفة، وهي: علم اللهجات Dialéctologie، وعلم الاشتقاق التاريخي Etymologie، والنحو Grammaire، والمعاجم Lexicologie، والصرف Morphologie، والأعلام Onomastique، والفيلولوجيا Philologie، وعلم الأصوات العام Phonétique، وعلم الأصوات التشكيلي Phonologie ، وعلم الدلالة Sémantique، وعلم الأسلوبStylistique ، وأسماء البلدان Toponymie»[34].

إن أغلب التعريفات التي تقدمها الكتابة اللسانية التمهيدية تركز على موضوع اللسانيات، إلا أن الموضوع لا يقدم دائما بالدقة المطلوبة كما سنبين لاحقا.

ثالثا- تعريف اللسانيات من خلال منهجها:

نحا هذا المنحى غير واحد من مؤلفي الكتابة اللسانية التمهيدية؛ إذ تقدم اللسانيات إلى القارئ العربي باعتبارها منهجا علميا تطبعه الدقة والوضوح، فقد نجحت في »تطوير منهج "علمي" متماسك، له أدوات واضحة، وإجراءات قوية، ومصطلحات مستقرة، وقد أصبح علم اللغة دون نزاع سيد العلوم الاجتماعية، و"نموذجا" لتطبيق مناهج "العلم" عليها« [35].

إن منهج اللسانيات غير مسبوق في مجال الدراسات اللغوية، والسر في ذلك ما يعتمده من »مناهج ووسائل محدثة لا تقتصر على هذه اللغة دون غيرها»[36].

ثالثا- من مبادئ الدرس اللغوي إلى اللسانيات:

يأخذ التعريف باللسانيات، ومحاولة تقريبها من القارئ العربي شكل مقارنة بين مبادئها ومبادئ التراث اللغوي؛ إذ يعتقد أصحاب هذا التوجه أن من شأن ذلك مساعدة القارئ على فهم مبادئ اللسانيات الحديثة، وقد تحول ذلك إلى اقتناع يعبر عنه سامي عياد حنا وشرف الدين الراجحي بالقول: »اقتناعا بضرورة الربط بين التراث ومناهج علم اللغة الحديث، كان لا بد من المقارنة والمقابلة لعل في هذا تأصيل علم اللغة« [37].

وتحضر هذه الرغبة بحماس أكبر عند التهامي الراجي، يقول: »إن لنا -نحن العرب- في هذا الباب علما قديما، بل ركاما من هذا العلم، فهل من الصواب أن نفرط في هذا الكنز بدعوى أنه جد جديد في الموضوع؟ أفلا يكون من الرصانة أن نحاول ربط الماضي بالحاضر، لا سيما وأن هذا الماضي مشرق ووضاء (...) لهذا كان لزاما علينا أن نربط الحديث بالقديم»[38].

كثيرا ما نقع على مثل هذه الآراء، وإن كنا نجد مواقف أخرى تقف على طرف نقيض مع ما ذكرناه، حيث تعتبر التوفيق خلطا واضطرابا لا يساعد على فهم القارئ بل يشوش عليه و»لا ييسر له متابعة التصورات والمذاهب الحديثة في علم اللغة« [39]. والواقع أن الاتجاه الأول قد ساد في ثقافتنا العربية حتى غدا يشكل اتجاها قائم الذات، هو ما يعرف بلسانيات التراث[40].

وإذ اتضح أن تقديم اللسانيات إلى القارئ المبتدئ في الكتابة اللسانية التمهيدية يأخذ صورا مختلفة، فإن ذلك لا يعني الخروج عن المقاصد العامة التي ترومها تلك الكتابة، وهي تقريب اللسانيات من القارئ وإثارة انتباهه إليها باعتبارها معرفة حديثة، لتبقى تلك التعريفات متداخلة ومتكاملة، وكل تمييز بينها تمييز إجرائي لا غير.

3.1.2.1. الوظيفة المرجعية/ الإحالية

إن إحالة المؤلف على مصادره ومراجعه يكون بهدف كسب ثقة المتلقي واستدراجه إلى خبايا الكتاب، فمراجع الكتاب ومصادره تكسب الكتاب مصداقية أكبر عند القارئ، لأن أهمية المؤلف وقيمته تتحدد غالبا بالمصادر التي اعتمدها منطلقا في دراسته، ونعني بالمصادر هنا كل ما يعتمده الباحث في دراسته، »وتحدد هذه المصادر الأبحاث التي انطلق منها الباحث أو استند إليها للوصول إلى نتائج معينة. ويندرج في هذا السياق إحالات الباحث إلى غيره من الباحثين المشتغلين بنفس القضية، أو العاملين معه في نفس الحقل، أو في حقول معرفية أخرى يكون في حاجة إليها« [41].

وبتتبعنا لمصادر الكتابة اللسانية التمهيدية، يمكن أن نميز في مرجعياتها بين مرجعيتين:

o مرجعية غربية:

يتم التركيز -هنا- على مصدر واحد دون سواه، أو على مجموعة من المصادر الغربية، ويرجع ذلك إلى طبيعة الكتاب والمواضيع التي يعالجها، فإن كانت هذه المواضيع متنوعة كانت المصادر كذلك؛ أما إذا كان الموضوع يصب في اتجاه واحد فإن المصدر المعتمد يكون واحدا. وإن كانت هذه المسألة لا تحضر بهذا الشكل المعياري دائما.

يشير مؤلفا كتاب (علم اللسانيات الحديث) إلى مصادرهما بالقول: »إن الفلسفة والمبادئ التي يقوم عليها هذا الكتاب، والمحاور التي تدور حولها إطاراته النظرية مبنية على الأسس والأفكار والفلسفة التي يقوم عليها المرجع التالي:

R.H Robins,General Linguistics, An Introduction, third edition, New York, Longman Inc,1980. »[42]

o مرجعية مزدوجة:

تظهر ازدواجيتها في جمعها بين ما هو عربي وما هو غربي، (بين ما هو تراثي، وما هو حديث)، وتتعدى ذلك أحيانا إلى الجمع بين ما هو عام وما هو خاص. فأحمد محمد قدور، وهو مؤلف أحد الكتب التمهيدية، يشير إلى مصادره بالقول:»أما مصادر هذا الكتاب فهي مجموعة من المصادر الأجنبية المترجمة إلى العربية، ومجموعة أخرى من مصادر عربية لغوية متنوعة منها ما هو منحى لساني عام متأثر بالدرس الأجنبي، ومنها ما هو ذو منحى لغوي خاص بالعربية وعلومها. إضافة إلى جملة من الكتب القديمة والحديثة مما كان مجالا لاستمداد الأفكار الجزئية، أو الأمثلة والشواهد المتعددة، وهناك أيضا مجموعة من الدوريات العربية التي حوت دراسات مهمة، وكتبا أجنبية موضوعة باللغتين الإنجليزية والفرنسية« [43].

4.1.2.1. الوظيفة الإيديولوجية

إن الوظائف المحددة آنفا تعود لتأتلف وتتوحد لخدمة وظيفة أساس هي الوظيفة الإيديولوجية، وهي الوظيفة الاستراتيجية التي تصب فيها كل قنوات الوظائف الأخرى، وتتركز عليها أهداف الكاتب ومقاصده العامة؛ فالمؤلف يسعى جاهدا إلى جلب القارئ من خلال التأثير فيه، وحثه على اقتحام فضاءات النص، وكأنه يشير من خلال كل ما يقوله إلى القارئ بالقول: «ألا يستحق ذلك محاولة القراءة و المناقشة؟»[44].

ويغلب على مقدمات الكتب اللسانية التمهيدية كل أشكال الإشادة بمزاياها وتفردها موضوعا ومنهجا، وهي دعوة صريحة إلى الإقبال على قراءة الكتاب وتبني أفكاره.

5.1.2.1. الوظيفة الإخبارية/ التقويمية/ النقدية

لا تخلو الكتابة اللسانية التمهيدية من وظائف إخبارية تفيدنا كثيرا في تكوين صورة، ولو عامة، عما يطبع اللسانيات داخل ثقافتنا من قضايا وإشكالات، ومن المعطيات التي نستشفها:

المعطى الأول: اختلاف اللسانيين حول تصورهم للبحث اللساني، وهو اختلاف يتعدى حدود الاختلافات القائمة بين المدارس والتوجهات اللسانية -لأنه لو كان كذلك لكان اختلافا مشروعا- إلى اختلافات في الأصول والمبادئ، وهذا مكمن الإشكال.

المعطى الثاني: تخلف اللسانيات في الثقافة العربية، مقارنة مع مثيلاتها في الغرب، وهذا ما يستنتج من مضمون الكتب اللسانية التمهيدية.

المعطى الثالث: غياب التنسيق بين اللسانيين داخل القطر الواحد، وداخل الأقطار العربية عموما.

المعطى الرابع: عدم مراعاة "القطائع" في مجال اللسانيات، التي خلخلت الكثير من معطيات علم اللغة التقليدي، ويترتب على ذلك عدم مراعاة "نقطة اللاعودة التي يبدأ منها علم ما".

المعطى الخامس: الخلل المنهجي في التحليل، وهذا يجعل الكثير من الكتابات التي تنسب نفسها إلى اللسانيات بعيدة كليا عن البحث اللساني بمعناه العلمي الدقيق.

إن المعطيات السابقة، وإن عرضناها بإيجاز، تلوح بإشكالات البحث اللساني في الثقافة العربية، لتؤكد ما ذهبنا إليه في المباحث السابقة؛ حيث عرضنا لبعض عوائق البحث اللساني العربي ولبعض إشكالاته. وهذا يحملنا على الظن أن العوائق المطروحة أكبر من أن تحصر في جوانب معينة، لكن السؤال الهام هنا هو: ألا تتحمل الكتابة اللسانية التمهيدية، في بعض جوانبها، قسطا من المسؤولية في تخلف البحث اللساني العربي، خصوصا وأن هذا النوع من الكتابة موكول إليه -قبل غيره من أصناف الكتابة اللسانية الأخرى- مهمة إنارة المتلقي العربي، وتزويده بمعرفة سليمة منهجا وموضوعا. فهل نجحت الكتابة اللسانية التمهيدية في مسعاها هذا؟ وهل كانت وفية لتعاقداتها مع القارئ؟ أم أن الشعارات التي تفيض بها عناوينها وخطاب مقدماتها ردود متشنجة تتستر بها على نقائصها؟ هذا ما سنجيب عنه في المبحث الموالي الذي سنخصصه لإشكالات التلقي في الكتابة اللسانية التمهيدية.

2. إشكالات التلقي في الكتابة اللسانية التمهيدية

تبلغ العناية بالقارئ ذروتها في جمالية التلقي، ويبدو أن ما أولته الكتابة اللسانية التمهيدية من عناية بمتلقيها لا يخرج عن ذلك، لكن الملاحظ أن عناية جمالية التلقي بقارئها تتأسس على مبدإ التفاعل بين النص والقارئ وعلى ناتج التلقي. وناتج التلقي هو ما سنتوقف عنده من خلال التساؤل التالي: هل يخدم ناتج التلقي في الكتابة اللسانية التمهيدية الغايات التي سطرتها هذه الكتابات؟ وهل جاء مستجيبا لها؟ أو لنقل بتعبير أدق: إذا كان القارئ يعيد النظر في تنظيم ما يتلقاه ليخدم وظيفة معقودة قبلا (الوظيفة التعليمية التبسيطية هنا)، ليصل إلى فهم ترتضيه الذات القارئة وترتاح إليه، فهل نجحت الكتابة اللسانية التمهيدية في تحقيق هذا الهدف؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات تقتضي بالضرورة متابعة متأنية لمحتوى الكتابات اللسانية التمهيدية، والربط بينها وبين ما تشير إليه عناوينها وخطاب مقدماتها، وسنعتمد في تحليلنا على ما تسميه نظرية التلقي: الوقع والتلقي باعتبارهما »حجرا الزاوية لنقد استجابة القارئ حيث تجمع مناهجهما بين (التلقي) الاجتماعي التاريخي و(الواقع) النظري النصي، ولا يمكن لنقد استجابة القارئ أن يكون مثمرا إلا إذا كان تياراه المختلفان هذان يتضافران ويتفاعلان« [45].

يفتح التلقي آفاقا واسعة لدراسة المؤلفات، والنصوص، والكشف عن إمكانياتها وقدراتها على التأثير في القراء من خلال التركيز على الكتاب/النص، ونوعيته، وأفق الانتظار، ونوعية القارئ وقراءته...، وبذلك يكون التلقي مؤشرا »على أنواع التفضيل وضروب الميول التي تظهر استعداد القارئ»[46]، أو على أنواع الإخفاق وضروب النفور التي تظهر استهجانه ونفوره.

1.2. أي قارئ لأي كتابة لسانية تمهيدية؟

نعتبر قارئ الكتابة اللسانية التمهيدية قارئا ضمنيا بالمعنى الذي حدده أمبرتو إيكو (Umberto Eco) لهذا القارئ، فهو موجود بالنسبة إليه داخل النص، وعلى الباحث أن يستخرجه منه. وهو بالنسبة إلى فولفغانغ إيزر(Wolfgang Iser) ليس شخصا خياليا مدرجا داخل النص، ولكنه دور مكتوب في كل نص. وعلى هذا الأساس يعنى نقد استجابة القارئ، كما يقدمه إيزر، بما يحدثه النص في أذهان المتلقين.

إن تحديد طبيعة القارئ المتلقي بالنسبة إلى الكتابة اللسانية التمهيدية «سواء من حيث نوعية ثقافته العامة، أو من حيث مستواه المعرفي في مجال البحث اللغوي، يلعب (...) دورا كبيرا في مدى تحقيق المهمة الملقاة على هذا الضرب من الكتابة والمتمثلة في تيسير المعرفة وتقريبها من ذهن القارئ العربي، سواء كان قارئا عاديا أم له معرفة نسبية باللسانيات. فلكل كتاب كما نعرف جمهور معين من القراء، وبدون تحديد لطبيعة الجمهور القارئ من حيث مستواه ووعيه لا نتصور أن عملية التأليف ستكون مجدية»[47].

ورغم نجاح بعض المؤلفات اللسانية التمهيدية في تحديد قارئها، فإن الملاحظ أن مؤلفات كثيرة أخرى لم تهتد إلى تحديد صائب ودقيق لهذا القارئ، حتى وإن كانت مؤلفات تمهيدية تبسيطية. هذا ما نقرأه مثلا، في مقدمة كتاب علم اللسان: «لا أستطيع أن أتكهن من يكون قارئي الآن، ولا أستطيع أن أخمن أية عينين تتابعان الآن حروف كتابي هذا وكلماته وأسطره، ولا أدري في أية يد وقع، أهي يد يافع يتوق للمعرفة، ويتحرق لها، أم يد شاب بدأ يحدد موقعه في حياة مجتمعنا، أم أنها يد كهل اعتاد على موقف محدد من كل جديد أو قديم؟»[48]. فهل محتوى الكتاب بكل هذا التعقيد وهذا الغموض؟ وهل حجم الكتاب بهذه الضخامة التي تحجب وضوح الرؤية؟

2.2. الكتابة اللسانية التمهيدية وأفق انتظار المتلقي

تلتزم الكتابة اللسانية التمهيدية بالجانب التعليمي التبسيطي، وبإعطاء القارئ المبتدئ المفاتيح التي تمكنه من فك مستغلقات اللسانيات، وتمكينه من مبادئها، وهذا ما تنطق به عناوينها وخطاب مقدماتها كما رأينا. غير أن ما يعبر عنه متن بعض هذه الكتابات يبقى، في غالبيته، مغايرا بل مناقضا لتلك الأهداف المعلنة، وهذا يخلق فجوة بين ما يحفز المتلقي على القراءة وبين ما يقرأه فعلا، مما يشوش على أفق انتظاره. فأغلب المؤلفات اللسانية التمهيدية لم تحرص على انسجام عناوينها وخطاب مقدماتها مع متونها، بحيث لا تفي أغلب المتون بما جاء في المقدمات، التي تجعل من كل ما تزخر به، من آراء وأفكار، ومشاريع نظرية، وهمًا. فيلفي القارئ نفسه غير مشدود إلى ما يقرأ مما يوجه القراءة نحو أهداف غير معلنة فيتحول ذلك إلى إشكالات للتلقي.

وبالنظر إلى التعريفات التي تقدمها الكتابة اللسانية التمهيدية نلاحظ اختلافا واضحا في تصورها لمستوى القارئ المبتدئ، كما نجد اختلافا في منطلقاتها النظرية والمنهجية، ويلاحظ بهذا الخصوص طغيان الاتجاه الوصفي على غيره من الاتجاهات الأخرى، إذ نكاد نعدم تعريفات للغة من وجهة نظر توليدية مثلا. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى المكانة التي حظيت بها اللسانيات الوصفية خلال فترة من الفترات، فطال هذا التأثير مجالات البحث اللغوي، كما طال مجالات أخرى، (الأدب والفلسفة...). كما يمكن أن يعزى ذلك إلى حداثة الاتجاهات اللسانية الأخرى في ثقافتنا، وإن كان من غير المقبول أن نتحدث اليوم عن هذه الحداثة ما دامت اللسانيات التوليدية قد رسخت أقدامها، وإليها توكل مهمة قيادة البحث اللساني المعاصر.

ويلاحظ من تتبعنا للكتابة اللسانية التمهيدية أن الاتجاه البنيوي لم يستأثر باهتمام المؤلفات ذات الصلة بعلم اللغة العام فقط، بل طال أيضا بعض القطاعات اللسانية الأخرى، كعلم الدلالة؛ إذ إن بعض المؤلفات التي تروم تقريب هذا الاتجاه من القارئ العربي، تكتفي بما يدخل في علم الدلالة البنيوي، يظهر ذلك في كتاب (علم الدلالة) لأحمد مختار عمر، الذي لم يسع إلى تطوير كتابه وفق آخر مستجدات النظريات الدلالية، رغم أن الكتاب طبع عدة مرات. ويعلل المؤلف أسباب ذلك بقوله: »القضايا المطروحة في علم الدلالة ليست مما يمكن الإلمام به، أو عرضه في كتاب واحد، وبخاصة منذ تداخلت مناهجه مع مناهج النحو، بعد مقالة Katz وFodor الرائدة عام (1963م)، التي قادت إلى دمج الفرعين داخل إطار القواعد التحويلية، وتوسعت اهتمامات هذا العلم لتشمل التراكيب وتحليل الجمل ببيان علاقات كلماتها بعضها ببعض، وإظهار كيفية ارتباط الجمل منطقيا بالجمل الأخرى« [49].

لقد انتبه المؤلف إلى هذا النقص، غير أنه حاول تجاوزه بالالتزام بإصدار مؤلف مكمل لما جاء في كتابه، يقول: »رأيت أن أركز، في هذا الكتاب، على الجانب الأول من الدراسة الدلالية، وهو المعاني المعجمية، مع بعض إشارات سريعة إلى الجانب الآخر حين يكون ذلك ضروريا، مؤجلا المعالجة التفصيلية إلى كتاب مستقل، أرجو أن أفرغ من مادته قريبا«[50]؛ وهو وعد مر عليه حين من الدهر، ومع ذلك لا نعرف إلى حدود اليوم مؤلفا في علم الدلالة يكمل هذا المؤلف، وهذا يعني تحلل الكثير من المؤلفين من مسؤولياتهم تجاه القراء، وذلك لا يخرج عن عوائق التلقي.

3.2. الإشكال الموضوعي:

يلاحظ قارئ الكتابة اللسانية التمهيدية ارتباكا واضحا في تحديد موضوع الدرس اللساني تحديدا دقيقا، فقد أشرنا آنفا إلى التحديد الذي يعطيه عبد الصبور شاهين لعلم اللغة والمواضيع التي يدرجها تحته، غير أن ما أدرجه المؤلف تحت اسم"علم اللغة" و"علم اللغة العام"، يحتاج إلى وقفة مطولة لإزالة ما تحمله مثل هذه التحديدات من غموض وخلط. هل تندرج الفيلولوجيا وعلم اللهجات وأسماء الأعلام وأسماء البلدان وعلم الاشتقاق التاريخي تحت مصطلح linguistique؟ إنها علوم لغوية مساعدة للسانيات، ولكنها ليست بأي حال من الأحوال من اللسانيات العامة، وهذا -على الأقل- منذ أن أصبحت اللسانيات إطارا لغويا مستقلا عن غيره من المعارف اللغوية في بداية هذا القرن[51].

من المواضيع التي يناقشها المؤلف أيضا:«النظريات المختلفة في أصل اللغة« [52]، و»الصراع اللغوي« و»اللغة المشتركة»[53]، و»مقياس الصواب والخطأ في اللغة»[54]و»القرآن والعربية«[55]، و»أزمة اللغة المعاصرة»[56]، و»جذور الدعوة إلى العامية« [57]. فهل كل هذه القضايا من علم اللغة (اللسانيات) فعلا؟

ويحدد مؤلف آخر موضوع علم اللسانيات بأنه كل: »أشكال اللغة وألوانها وتغيراتها وتطوراتها وتركز اهتمامها على كل ما يرتبط بموهبة الكلام التي تميز الإنسان عمن سواه. هذه الموهبة التي تمكن الإنسان من نقل أفكاره باستخدامه أصواتا معينة. يحاول اللسانيون فهم هذه الموهبة المكتسبة والطريقة التي وضع بها لغتهم. إنهم يريدون فهم القوانين التي تخضع لها ولادة اللغة وحياتها وموتها. ويهتم اللسانيون -إلى جانب اللغات الحية- باللغات الميتة التي لا تتكلم بها أية جماعة بشرية»[58].

إن القضايا التي يعرض لها المؤلف ويعتبرها في صميم علم اللغة ليست واضحة بما فيه الكفاية، وما أوقعه في هذا الخطل هو عدم تمييزه بين ما يدخل في إطار البحث الفيلولوجي، وما يدخل في إطار البحث اللساني، وهذا ما يتأكد من تحديده الغرائبي والكرنفالي لمهمة اللساني. يقول: »وسنجد اليوم بين علماء اللسان رحالة وكشافين يقطعون المسافات الشاسعة حاملين حقائبهم وخيامهم على ظهورهم ليدرسوا لغات ولهجات قبائل وشعوب تعيش على خط الاستواء، أو تقطن غابات الأمازون، أو تسكن في سيبيريا والمناطق القطبية، أو على قمم جبال بامير. وينتقل هؤلاء اللسانيون بالطائرة أحيانا، وعلى الجمال أحيانا أخرى، بالزوارق طورا وعلى الزحافات التي تجرها الكلاب طورا آخر، نراهم يتسلقون الجبال كما يفعل الأبطال الأولمبيون متوجهين نحو هدف محدد لهم، إلى تجمع بشري ناء حيث لا يزال يعيش حتى يومنا هذا من يتكلم بلغة كانت ذات يوم واسعة الانتشار« [59]. فهل يدخل هذا ضمن اختصاصات اللسانيين؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!!

لم تخرج باقي مواضيع الكتاب نفسه عن مثل هذه التحديدات، التي يحاول المؤلف من خلالها تقديم علم اللغة للقارئ، حيث يعرض لمواضيع من قبيل »هل للحيوان لغة؟»[60]، و»ما هي نظريات المعلومات؟»[61]، و»لغة الإذاعة ولغة الكتابة«[62].

إن هذه المحاور بعيدة عن البحث اللساني في ثوبه الجديد، على الأقل، ولذلك فهي ليست ضرورية بالنسبة إلى كتاب تمهيدي الغرض منه تقديم مبادئ اللسانيات إلى القارئ المبتدئ، وهو الهدف الأساس الذي لأجله ألف الكتاب: »إن بي رغبة عارمة لأن ألفت اهتمام قارئي إلى علم جديد ما يزال في ريعان الشباب، هو علم اللسان "أو اللسانيات أو الألسنية"، عله يجد ما يفيده فيستفيد ويفيد، ويحبه كما أحببته أنا، أو علني أحول دون أن يتخذ منه موقفا لا مباليا. وكلي أمل أن تثير كلماتي اهتمام بعضهم فيتابعوه أو يتخصصوا به« [63].

إن ما جاء في محتويات الكتاب يجعل أمل المؤلف صعب التحقق، بالنظر إلى الكيفية التي عرض بها اللسانيات، والتي توقع القارئ في الكثير من اللبس يصعب معه فهم اللسانيات في معناها العام والبسيط، بله التخصص فيها.

ونجد من مؤلفي اللسانيات التمهيدية من يجعل موضوع علم اللغة هو »البحث في نشأة اللغة الإنسانية (...) علاقة اللغة بالمجتمع الإنساني والنفس البشرية (...)، وآخر مجالات هذا العلم هو حياة اللغة وتطورها (...)، وكذلك البحث في صراع اللغات وانقسامها إلى لهجات، وصراع اللهجات مع بعضها، وتكون اللغات المشتركة« [64].

أما محمود فهمي حجازي فيحصر مجالات علم اللغة في دراسة: » بنية اللغة من الجوانب التالية:

1. الأصوات: Phonetics. Phonology

2. بناء الكلمة: Morphology

3. بناء الجملة: Syntax

4. الدلالة: « Semantics[65].

ومما جاء في هذا الكتاب أيضا الحديث عن »الأسرة اللغوية الأفروأسيوية«، و»فروع اللغات السامية وخصائصها المشتركة«، كما يعرض لفروع لغوية أخرى كـ»اللغة المصرية القديمة واللغة الكوشية«، و»اللغات التشادية«، و»اللغات الهندية الأوربية«، و»الأورالية الألتائية«، و»اللغات الإفريقية«، وأسرات لغوية أخرى في آسيا والمحيطات والعالم الجديد بما في ذلك لغة الهنود الحمر[66].

وقد تضمن كتاب محاضرات في علم اللغة الحديث فصلا خصصه المؤلف لعرض قضايا وإشكالات المصطلح اللساني في الثقافة العربية الحديثة ناسيا، أو متناسيا، أن كتابه تمهيدي وليس هناك داع لشحن القارئ بمثل هذه الإشكالات التي قد تصرفه عن الهدف العام الذي لأجله أقبل على قراءة الكتاب، فقضايا وإشكالات المصطلح اللساني تبقى من القضايا الشائكة في اللسانيات العربية، إلى يومنا هذا.

بمثل هذا الخلط والارتباك في تحديد موضوع اللسانيات تواجهنا أغلب الكتابات اللسانية التمهيدية. ولا شك أن لهذا الوضع أسبابه، ويمكن أن نذكر منها: غياب تقنيات البحث اللساني، والكسل المعرفي الذي يحول دون مواكبة بعض الباحثين للمستجدات اللسانية...

إن الغاية التعليمية التي تصدح بها أغلب الكتابات اللسانية التمهيدية تغيب بشكل ملحوظ عن جل هذه الكتابات، وهو غياب يمكن أن يعزى إلى جهل واضح بالمقصود من هذه الغاية، مما يعمق إشكالات التلقي ويزيدها تعقيدا.

4.2. إشكالية التأصيل

تعمد بعض المؤلفات اللسانية التمهيدية بدافع التأصيل إلى المقارنة بين التراث اللغوي العربي ومبادئ الدرس اللساني الحديث، وهي مقارنة لا تخلو من تعسف وإفراط في التأويل.

إن التأصيل الذي تتحدث عنه مثل هذه المقارنات يقوم على تجاهل الأصول الإبستيمولوجية لكل علم، والتي من المفروض أن ترتكز عليها القراءة. فهل من المقبول أن نكلف القارئ المبتدئ عناء الدخول في مثل هذه المقارنات، ونشحنه بمقاربات مبنية على تأويلات هدفها إثبات التقاطع بين خطابين مختلفين، بل متباعدين زمنا ومكانا ومنطلقا ومنهجا وغاية؟

إن مقارنة من هذا القبيل تخطئ هدفها لاعتبارين اثنين على الأقل:

+ إما أن يكون متلقيها ملما بالتراث اللغوي، وفي هذه الحال لن يجد داعيا للرجوع إلى اللسانيات أو تعميق معرفته بها، لأن هذا النوع من المقارنة يجعله يعتقد أن مبادئ اللسانيات هي ما حفظه وعرفه من مبادئ تراثه اللغوي، كما توحي بذلك هذه المقارنات.

+ وإما أن يكون قارئا جاهلا بالتراث اللغوي فيجد في التطابق الوهمي الذي تحاول أن تثبته هذه الكتابات سببا كافيا لقطع كل أشكال التواصل مع تراثه اللغوي، لأن اللسانيات -كما تقدم له- تكفيه هم الرجوع إلى المصنفات النحوية.

وفي كلتا الحالتين، فإن الكاتب يخطئ الهدفين، فلا هو أثبت مكانة التراث اللغوي ولا هو أثبت أهمية اللسانيات.

ويزداد الأمر استشكالا حين تتجاوز المقارنة حدود الفهم والإفهام وتروم أهدافا أخرى؛ حيث يتحول الكتاب إلى عرض لمبادئ اللسانيات من أجل نبذها وتجاوزها، وتركيز سلطة القديم وتأكيدها، وهذا ما يتوق إليه مؤلف أحد الكتب التمهيدية؛ الذي حاول أن يبين »كيف أن علماءنا الأجلاء القدامى-إبان نهضتهم- أولوا تلك الأبحاث اللغوية جهودا فائقة، خدمة للغة الضاد، التي هي وعاء مقدساتنا، وعلى أسس سليمة في جملتها، وعلى قدر وسعهم وإمكاناتهم. إن أبحاث العلماء العرب القدامى كانت النبراس الذي أمه الغرب -حين نهضته حديثا- بما أوصله الغاية، وساعده على الرقي... فإذا ما غض الطرف بعدئذ بعض علمائهم على ما صنع علماؤنا... فمرجعه جهل مبين، أو حقد دفين»[67].

عندما يطالع القارئ المبتدئ مثل هذا النص سيتبادر إلى ذهنه، منذ الوهلة الأولى، وجود صراع وتناقض صارخين بين اللسانيات والتراث اللغوي العربي، وما أكثر مثل هذه الإشارات في الكتابة اللسانية التمهيدية التي تنحرف عن غايتها التعليمية لتنساق وراء قضايا وإشكالات تفتح أفق انتظار المتلقي على جوانب من الصراع الوهمي بين اللسانيات والتراث اللغوي، وهذا ما يسيء إلى الفهم والتلقي بوجه عام.

في إطار الإشكال المنهجي دائما لاحظنا خلال حديثنا عن الوظيفة المرجعية للكتابة اللسانية التمهيدية الأهمية التي يكتسبها الإعلان عن مصادر الكتاب (وما يلقاه من ثناء)، غير أن التعامل مع المصادر والمراجع لا يتم دائما بطريقة علمية مضبوطة. فبعض اللسانيين يشيرون إلى مصادرهم ومراجعهم بطريقة مجملة، سواء أكانت عربية أم غربية، قديمة أم حديثة، ولا يكلفون أنفسهم عناء الإحالة على تلك المراجع والمصادر في متن الدراسة بالطريقة المعمول بها علميا. لاحظنا ذلك عند غير واحد من مؤلفي الكتب اللسانية التمهيدية. يقول توفيق محمد شاهين: »استفدت في هذا الفصل، من عدة مراجع، سأذكرها مجملة، وقد لجأت إلى هذه الطريقة -هنا- بإغفال ذكر المرجع والصفحة لكل اقتباس لأنها كثيرة أولا، ومتفقة أحيانا ثانيا، وخشية تضم*الحاشية وكثرة الأرقام والأقواس ثالثا، بلا داع، فليرجع إليها من شاء مزيدا من الفائدة»[68].

والرأي نفسه نجده عند عصام نور الدين الذي يعتبر »العزو إلى المصادر والمراجع لا يقدم في هذا البحث جديدا... لكنه قد يرهق القارئ في هوامش هو بغنى عنها، ما دمنا قد قدمنا له لائحة تكاد تكون كاملة بمصادر بحثنا ومراجعه، ويستطيع العودة إليها متى شاء... ولنا في ذلك أسوة حسنة ببعض كبار العلماء من عرب وأجانب« [69].

فهل الإحالة على مراجع البحث ومصادره يرهق القارئ فعلا؟ وهل من المعقول أن يسير على خطى العلماء الكبار وكتابه موجه لقارئ يصعب عليه قراءة كتاب تمهيدي؟

ومما يعمق هذا الإشكال أكثر أن المصادر والمراجع التي يحيل عليها كل كتاب من الكتابين السابقين متنوعة، ولا شك أن ما سيرهق القارئ هو التمييز في تلك الكتب بين آراء المؤلف وآراء القدماء وآراء المحدثين.

5.2. الإشكال المنهجي ولعبة الإقصاء

تنهض أغلب المؤلفات اللسانية التمهيدية التي بين أيدينا على مبدإ نفي بعضها البعض بأسلوب ذكي ومتأدب، يعمد فيه المؤلف إلى الإشادة بكتابه ليضمن له حظا وافرا من القبول والاستحسان عند جمهور واسع من المتلقين. ولا يكتفي مؤلفو أغلب المؤلفات اللسانية التمهيدية بذكر محاسن مؤلفاتهم، بل يتصدون للكتب الأخرى بالنقد-إن صح أن نسمي هذا نقدا- والكشف عن عيوبها ليقدموا بعد ذلك مؤلفاتهم باعتبارها بديلا علميا موضوعيا. وكثيرا ما يطال الإقصاء البحث اللساني في ثقافتنا برمته، يقول علي عبد الواحد وافي:»موضوعات علم اللغة هي موضوع عناية عدد كبير من الأعلام الباحثين في أمم الغرب (...) وعلى الرغم من ذلك لم يكتب فيه باللغة العربية مؤلف يعتد به»[70].

وغير بعيد عن هذا الرأي نقرأ في مؤلف تمهيدي آخر: »أقدم للقارئ العربي هذا المؤلف الذي يفتح سلسلة من الدراسات اللغوية، وهي سلسلة أقصد من ورائها سد الفراغ الخطير الذي يشتكي منه علم اللغة في عالمنا العربي« [71].

وإذا كان ما يشير إليه علي عبد الواحد وافي مقبولا بالنظر إلى كونه ألف في مرحلة جد متقدمة من مراحل التأليف اللساني في الثقافة العربية، وتحديدا إلى سنة 1941م، فإنه لا مسوغ لحديث الراجحي عن فراغ خطير في الكتابات اللسانية العربية المتأخرة.

إن هذه الإشارات إلى ضعف البحث اللساني، وإلى غياب مؤلفات لسانية يعتد بها في الثقافة العربية، هي إشارات ضمنية إلى أن مؤلف الكاتب يتجاوز الدراسات السابقة، ويتدارك أخطاءها وهفواتها، ويطرح نفسه بديلا موضوعيا عنها.

ويتخذ النفي والإقصاء شكلا آخر حين يلجأ الكاتب إلى إغداق كل أشكال المدح والثناء على مؤلفه ومنهجه في البحث، مع الاستغراق في مدح الذات، يقول مؤلف (علم الأصوات اللغوية): »منهج البحث الذي يميز كتابنا هذا من الكتب التي سبقته هو منهج وصفي حواري، ونظن أننا لم نسبق إلى مثل هذا المنهج، في هذا المجال من قبل... لأننا نرى أن المعلومات الصوتية مطروحة في الكتب التي ذكرناها، ويستطيع كل من حصل قدرا من الدربة على القراءة والكتابة أن يعود إليها... ولأننا نفتقر، في الوطن العربي، وفي جامعاتنا العربية، إلى المعامل الصوتية والمختبرات... فلم يبق أمامنا إلا الأسلوب العلمي الذي نخرج فيه المعلومات التي نريد« [72].

وهذا أيضا رأي مؤلف كتاب (علم الدلالة) أحمد مختار عمر الذي يقول: »ورغم كثرة ما كتب ويكتب بغير العربية في "علم الدلالة" ومناهج دراسة المعنى من وجهة النظر اللغوية، فالمكتبة العربية فقيرة أشد الفقر في هذا النوع من الدراسات، فمنذ أن صدر كتاب المرحوم إبراهيم أنيس "دلالة الألفاظ" (عام 1958) حتى الآن لم تقدم للقارئ العربي أي دراسة علمية للمعنى بمفهومه اللغوي، تستفيد مما جد من نظريات، وما قدم من أبحاث، وما ظهر من نتائج. ولا يغني في هذا المقام كتاب الدكتور كمال بشر "دور الكلمة في اللغة"، والدكتور مراد كامل "دلالة الألفاظ العربية وتطورها"(1963)، فأولها ترجمة لكتاب صدر في فترة مبكرة من تاريخ العلم (1951) والثاني يعالج زاوية واحدة من زوايا العلم الكثيرة« [73].

هذا هو الطابع العام الذي يميز الكتابة اللسانية التمهيدية، والحال أن ما تقوم عليه هذه الكتابة من نفي وإقصاء، كان بالإمكان أن يستغل بشكل إيجابي ليسهم في تطوير الكتابة اللسانية بالتركيز على ما جد في مجال البحث اللساني فيكون التجاوز مشروعا والنفي مقبولا، أما أن يكون الكتاب من قبيل المعاد المكرور ففي ذلك قتل للبحث اللساني. والأكيد أن كل مؤلف يبقى محكوما بالزمانية اللسانية والسياق التاريخي للقراءة، وهذا يجعله جديدا في مرحلة من المراحل، لكنه سرعان ما يصبح متجاوزا بالضرورة في مرحلة أخرى، وهذا أمر محتوم، وهي المسألة التي يجب أن يركز عليها كل باحث فتكون نقطة بدايته هي النقطة التي انتهى منها الآخرون، حتى لا تضيع الجهود وتكون كل بداية لدينا هي بداية البداية.

ولا شك أن أفق انتظار القارئ المبتدئ الذي يتلقى هذا النوع من الكتابة سيخيب؛ وتخييب أفق انتظار القارئ هنا لا يؤدي وظيفة جمالية، كما تنص على ذلك مبادئ نظرية التلقي، بل يؤدي وظيفة إبعادية. فإذا كان هذا حال الكتابة اللسانية التمهيدية فالأكيد أن الكتابة المتخصصة، في نظر هذا القارئ، ستكون أدهى وأمر، وهذا يدعو إلى الابتعاد والنفور والتقزز من اللسانيات، وقطع كل خيوط التواصل معها. فتكون الكتب اللسانية التمهيدية وسيلة للتنفير والترهيب فتنزاح عن وظيفتها الأساس التي تدعو إلى التحفيز والترغيب.

بهذه الطريقة تقدم الكتابة اللسانية التمهيدية اللسانيات إلى القارئ العربي؛ وقد تبينا من تتبعنا لبعض تلك المؤلفات الحضور اللافت للوظيفة الانفعالية/ التأثيرية/الإغرائية التي هدفها التأثير في المتلقي وإقناعه بتصوراتها، وبأنها بدائل علمية موضوعية، فطغى هذا الجانب على الجوانب الأخرى، وتحول، في أحيان كثيرة، إلى هاجس يجعل أغلب الكتابات اللسانية التمهيدية لا تلتزم بتعهداتها مع قرائها، فما تصرح به عناوينها ومقدماتها شيء، وما تقدمه محتوياتها يبقى شيئا آخر. وهذا يفسر إشكالات البحث اللساني، ويجعلها نتيجة حتمية لهذا الارتباك الذي يغذي الإشكالات السابقة، فحتى وإن استطاع القارئ أحيانا التخلص من الضغوطات والإكراهات التي تفرضها البنية الفكرية التي ينتمي إليها، فإنه يصدم بهذه العوائق مما يجعل التلقي مستعصيا أكثر؛ لأن من »قدموا هذا الوافد الجديد للعرب المحدثين لم يقدموه في صورته الحقيقية من ناحية هدفه، قدموه كعلم جديد وهو ليس علما جديدا، إنما هو مناهج جديدة. وفي حالات أخرى قدموا النتائج ولم يقدموا المقدمات، وكانت صورة التقديم هذه سببا في إعراض الموروث القديم عن هضم الموروث الجديد، وكانت صورة التقديم تزداد سوءا كلما تعددت العناوين واختلفت»[74].

نقول هذا دون أن ننكر وجود كتابة لسانية تمهيدية نجح أصحابها في خلق تواصل صحيح مع القراء[75].

[1]-G.Génétte, Introduction à l’Architexte, p9.

[2]-Ch, Grivel, Production de l’Intérêt Romanesque, p166.

[3]- Ibid, p169.

[4]- عبد الرحمان طنكول، خطاب الكتابة وكتابة الخطاب في رواية مجنون الألم، ص35.

[5]- محمد فكري الجزار، العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، ص19.

[6] - جميل حمداوي، السيميوطيقا والعنونة، ص106.

[7]- المرجع السابق، ص170.

[8]- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، مادة (قدم).

[9]- R,Jakobson, Essais de Linguistique Générale, Traduit de l’anglais et préface par Nicolas Ruwet, p 2.

[10]- محمد مفتاح، دينامية النص، ص 72.

[11]- Introduction à l’architexte, op,cit, p9

[12]- جميل حمداوي، السيميوطيقا والعنونة، ص106.

[13]- محمد بنيس، التقليدية، ص107.

[14]- لن نكتفي هنا بمقدمات الكتب التمهيدية المكتوبة بالعربية، بل سنركز أيضا على مقدمات بعض الكتب اللسانية التمهيدية المترجمة إلى العربية. فهدف هذه الكتب وغاياتها تعليمية بالأساس، ومن ثمة فخطاب المقدمات للمترجم (أو المترجمين) يتقاطع في غاياته ومراميه مع خطاب المقدمات للكتب المؤلفة بالعربية.

[15]- عبد السلام المسدي، اللسانيات من خلال النصوص، ص6.

[16]- التهامي الراجي، توطئة في علم اللغة، ص5.

[17]- محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، ص7.

[18]- عبد العزيز حليلي، اللسانيات العامة واللسانيات العربية، ص3.

[19]- ميشال زكريا، الألسنية (علم اللغة الحديث) المبادئ والأعلام، ص 16.

[20]- إدريس السغروشني، مدخل للصواتة التوليدية، ص1.

[21]- مبارك حنون، دروس في السيميائيات، ص5.

[22]- د، بيتر، ب، وآخرون، المنظومة الكلامية، ترجمة محيى الدين حميدي، ص13.

[23]- مارسيلو داسكال، الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ترجمة جماعية، ص11.

[24]- هذه العبارات مستوحاة من المؤلفات المذكورة آنفا.

[25]- مبارك حنون، مدخل للسانيات سوسير، ص5.

[26]- عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، ص3.

[27]- ابن رشد المعتمد ومحمد خريص، مدارس علم اللغات، ص3.

[28]- جون ليونز، نظرية تشومسكي اللغوية، ترجمة وتعليق حلمي خليل، ص7.

[29]- نعام تشومسكي، اللغة ومشكلات المعرفة، ترجمة حمزة بن قبلان المزيني، ص5.

[30]- رولان بارث، مبادئ في علم الأدلة، ص 6.

[31]- علي عبد الواحد وافي، علم اللغة، مقدمة الطبعة الأولى.

[32]- البدراوي زهران، مقدمة في علوم اللغة، ص5.

[33]- رضوان القضماني، علم اللسان، ص11.

[34]- عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، ص7.

[35]- سامي عياد حنا وشرف الدين الراجحي، مبادئ علم اللسانيات الحديث، ص5.

[36]- محمد قدور، مبادئ اللسانيات، ص6.

[37]- سامي عياد حنا وشرف الدين الراجحي، مبادئ علم اللسانيات الحديث، ص 6.

[38]- التهامي الراجي، توطئة في علم اللغة، ص5.

[39]- محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، ص7.

[40]- ينظر الفصل الموالي.

[41]- مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، ص65.

[42]- سامي عياد حنا وشرف الدين الراجحي، علم اللسانيات الحديث، ص8.

[43]- أحمد محمد قدور، مبادئ اللسانيات، ص8.

[44]- عصام نور الدين، علم الأصوات اللغوية، الفونيتيكا، ص14.

[45]- فولفغانغ إيزر، نقد استجابة القارئ، ترجمة أحمد بوحسن ومراجعة محمد مفتاح، ضمن، من قضايا التلقي والتأويل، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، ص211.

[46]- نفسه، ص211.

[47]- مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، ص101.

[48]- رضوان القضماني، علم اللسان، ص5.

[49]- أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص6.

[50]- المرجع السابق، ص7.

[51]- مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، ص110.

[52]- عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، ص29.

[53]- نفسه، ص211.

[54]- نفسه، ص231.

[55]- نفسه، ص241.

[56]- المرجع السابق، ص 255.

[57]- نفسه، ص26.

[58] - رضوان القضماني، علم اللسان، ص11.

[59]- نفسه، ص 15.

[60]- المرجع السابق، ص27.

[61]- نفسه، ص37.

[62]- نفسه، ص117.

[63]- نفسه، ص5.

[64]- رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث فيه، ص10-11.

[65]- محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، ص18.

[66]- نفسه ص ص، 82-186.

[67]-عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، ص10.

* - هكذا وردت في الأصل، ولعل "تضخم" كما يفهم من السياق.

[68]- توفيق محمد شاهين، في علم اللغة العام، ص48.

[69]- عصام نور الدين، علم الأصوات اللغوية، الفونيتيكا، ص11.

[70]- علي عبد الواحد وافي، علم اللغة، مقدمة الطبعة الأولى.

[71]- التهامي الراجي، توطئة في علم اللغة، ص3.

[72]- عصام نور الدين، علم الأصوات اللغوية، الفونيتيكا، ص13.

[73]- أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص6.

[74]- لطيفة حليم، الاتجاه البراجماتي، ص243.

[75]- تعمدنا عدم الإشارة إلى بعض العناوين تفاديا لأي سوء فهم. وعموما يمكن أن نرجع نجاح بعض الكتب اللسانية التمهيدية في تقديم اللسانيات إلى القارئ العربي على الوجه الصحيح إلى مجموعة من الأسباب لعل أهمها:

- مراعاتها لمستوى القارئ المستهدف؛ ولذلك لم تحشره في قضايا هو في غنى عنها كما لا حظنا في مؤلفات تمهيدية سابقة

- تركيزها على القضايا الأساسية التي من شأنها أن تساعد القارئ على الفهم.

- الإكثار من الأمثلة التوضيحية والجمل التي تقدم المحتوى بالشكل المطلوب

- أن بعض هذه الكتب تذيل كل فصل بمجموعة من الأمثلة التي تختبر فهم القارئ لما يقرأ، وهذا منهج في التأليف نجده في معظم الكتابات اللسانية الغربية التي تستهدف الفئة نفسها.

- تذييل البحث بقائمة من عناوين الكتب التي يمكن أن يهتدي بها القارئ إلى بعض القضايا التي يهمه تعميق البحث فيها...

 

محمد العمري: البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول (مقدمة الكتاب والفصل الأول منه)

البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول

mohamed-el-omari

محمد العمـري

تقديـم

قال حازم القرطاجني: "وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتاتي تحصيلها في الزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار". (منهاج البلغاء. 88).

وكان حازم قد شبَّه حال من يظن إمكان تحصيل البلاغة والاستفادة منها، في وقت وجيز، بحال الصديق الذي قضى ليلته في تصفح كتب الطب، ثم أصبح وهو يحرر وصفة طبية لإسعاف صديقه المريض، فعجل بنهايته. إن بوسع إنسان ذكي، كما قال، أن يحصل بالاجتهاد في علم من العلوم خلال شهر أو عام، شيئا يعتد به في ذلك العلم، وليس ذلك ممكنا في علم البلاغة، "إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع". (نفسه).

فالبلاغة كما قال في موضع آخر علم كلي يقتضي ضبطه الإحاطة بعلوم اللسان وعلوم الإنسان المختلفة المتدخلة في تكوين الذات المنتجة للخطاب.

وها نحن، بعد عمر من البحث ـ حسب الطاقة ـ في قضايا الشعرية وقضايا الخطابية، ومعاناة أسئلتهما القديمة والحديثة تحت راية البلاغة، نعود إلى البداية لنتساءل: ما هي البلاغة؟ أو، عى الأقل: أين توجد البلاغة؟ هل هناك بلاغة واحدة، أم بلاغات متعددة؟ وإذا كانت هناك بلاغات متعددة، هل هنا: مشروعية لقيام بلاغة عامة تنسق هذه البلاغات الخاصة وتتحدث باسمها في نادي العلوم المحيطة بها؟

هذه هي الأسئلة التي يعالجها هذا الكتاب مباشرة كما في الفصل والأول، وعبر الاستكشاف التاريخي، كما في الفصل الثاني، وعبر النموذج كما في الفصل الثالث، وبالحفر في أعماق اللغة والفكر ـ لإبراز فعالية المكون الجوهري في البلاغة، أي المجازـ كما في الفصل الرابع.

ركزنا في الفصل الأول على المنطقة التي يتقاطع فيها التخييل والتداول، وهي منطقة الاحتمال. انطلاقا من أن البلاغة هي علم الخطاب الاحتمالي الهادف إلى التأثير أو الإقناع أو هما معا، إيهاما أو تصديقا. وقدمنا وجهتي نظر حديثتين متعارضتين في الموضوع: إحداهما ترجح الفصل بين الشعرية والخطابية، والثانية ترجح الوصل موسعة منطقة التقاطع بما يمسح بجعلها عاصمة لبلاغةٍ العامة. وقد دعمنا الاتجاه الثاني بالمناقشة من جهة وبتقديم وجهة نظر البلاغة العربية من جهة ثانية.

وتتبعنا في الفصل الثاني تاريخ الحوار بين التخييل والتداول في البلاغتين العربية والغربية وما أفرزه من توجهات نحو التعميم والتخصيص. وهو تاريخ يشهد بوجود بلاغات خاصة، بقدر ما يؤكد النزوع الدائم إلى بلورة بلاغة عامة لكل الخطاب الاحتمالي التخييلي والتداولي. كما يبين كيف تتدخل النهضات العلمية في الجوار اللساني والمنطقي خاصة من أجل هيمنة بلاغات جزئية تدعي التعميم، مما دعاه جيرار جينيت البلاغات المعممة: بلاغة الشعر وبلاغة الحجاج. وهي في نظرنا بلاغات فرعية تفتقر إلى ما تقدمه لها البلاغة العامة. وتقوم بداخل هذه البلاغات الفرعية، بلاغات جزئية ملتبسة بين التخييل والإقناع. وقد ضربنا مثالا للبلاغات الجزئية ببلاغة السخرية وبلاغة السيرة الذاتية. وهذا هو موضوع الفصل الثالث.

لقد بذلنا في مبحث السخرية جهدا تنظيريا استمر سنوات، بل هو عصارة كتاب حالت الظروف دون إتمام شكليات إخراجه. لقد حاولنا إبراز الأبعاد المعرفية والحجاجية التي جعلت السخرية مبحثا فلسفيا حجاجيا أثيرا، من جهة، والأبعاد التي جعلتها مبحثا أدبيا تعبيريا أو أسلوبيا من جهة ثانية. وقد تعمدنا جر السخرية نحو الأدبية موسعين مفهوم الأدب تحاشيا للمعني الأخلاقي الديني والوجودي العدمي.

أما السيرة الذاتية فالذي أثار الاتنباه في بنائها، وسمح بإلحاقها بهذا الكتاب هو تأرجحها بين التخييل الروائي و"التصديق" التاريخي. فقارئ السيرة الذاتية المثالية، أي الواقعة في مركز التقاطع بين التخييل والتاريخ، يظل في تنازع بين التاريخ والخيال. ومن الأكيد أنه حين يتيقن أنه أمام تخييل محض أو تاريخ محض سيغير برنامج تلقيه، وسيطالب بشروط أخرى في البناء: الانسجام الداخلي أو الخارجي أولا.

ولمزيد من الحفر في منطقة التقاطع تناولنا في الفصل الرابع الآلية البلاغية المركزية: المجاز. تناولنا المجاز في تأرجحه بين البعد المعرفي الإقناعي والبعد التخييلي الإبداعي. تتبعنا هذه القضية عبر مسار الفكر اللغوي والديني العربي في مرحلة تشكلهما، حيث لعب المجاز والتأويل المتعلق به دور المليِّن بفضل طبيعته الاحتمالية، أي البلاغية.

وقد عملنا على تكميل الرؤية وفتح طرق التوسع في الموضوع بإضافة ملحقات وحواش موسعة وإحالات كثيرة.

وسيصادف القارئ مجموعة من المصطلحات الجديدة التي لا مندوحة عنها للخروج من الخلط والاضطراب في بناء النسق. مثل لفظ الخطابية ترجمة لريطورية أرسطو، والمستَمَع، على وزن مجتمع، ترجمة للكلمة الجوهرية في التداول الحجاجي auditoire، وكلمة صورة مقابلا لكلمة figure، وحجة لكلمة argument، وغيرها مما عرَّفناه في مكان وروده، أو عبر سياقه. فالمرجو ألا يلتقطها بمنقار طائر جوال لا يغادر كبد سمائه. فالمحنة محنة نسق وليست جولة ألفاظ. وقد اقتضي السياق أحيانا مقايضة بعض المصطلحات المنتمية لحقل واحد، إما لتأكيد خصوصية، مثل حلول الحجاج محل التداول في سياق بلاغة الإقناع الجديدة، وحلول كلمة بيان في نفس المحل في سياق الحديث بمفاهيم الجاحظ.

المحمدية. في 2ماي 2004

 

الفصل الأول

تقاطع التخييل والتداول

توضيحات أولية

ربما لا تطرح كلمة بلاغة في السياق العربي إشكالاً في كونها علم الخطاب الاحتمالي بنوعيه التخييلي والتداولي، وذلك نتيجة الدمج الذي مارسه، في المرحلة الثانية من تاريخها، كل من عبد القاهر الجرجاني وابن سنان الخفاجي ثم السكاكي وحازم القرطاجني، وذلك بعد المحاولة التلفيقية التي قام بها العسكري تحت عنوان: الصناعتين. فبرغم ما أدت إليه هذه العملية من إقصاء واختزال أحيانا، ومن تحويل المركز أحيانا أخرى (من التخييل إلى التداول خاصة) فقد ظل شعار الوحدة البلاغية مرفوعاً، وسنعود لبيان ذلك.

أما في الثقافة الغربية فإن الكلمة المقابلة لكلمة "بلاغة" العربية، حاليا، أي ريطوريك (rhétorique, rhetoric)، تتردد بين ثلاثة مفاهيم كبرى:

1ـ المفهوم الأرسطي الذي يُخصِّصها لمجال الإقناع وآلياته، حيث تشتغل على النص الخطابي في المقامات الثلاثة المعروفة (المشاورة والمشاجرة والمفاضلة). وهي بهذا المفهوم تقابل بويتيك (poétique,poetics) التي تُعنَى بالخطاب المحاكي المخيل أي الشعر حصراً. وهذا هو المفهوم الذي أعاد بيرلمان وآخرون صياغته في اتجاه بناء نموذج منطقي للإقناع.

2 ـ المفهوم الأدبي الذي يجعلها بحثا في صور الأسلوب، هذا المفهوم الذي استقر لها عبر تاريخ من الانكماش رسم بارت خطوطه العامة في محاضراته المشهورة عن تاريخ البلاغة القديمة. وقد أعيدت صياغة هذا الاتجاه حديثا باعتباره بلاغة عامة أحيانا، كما هو الحال في الدراسة المشهورة لجماعة مي، تحت عنوان: البلاغة العامة.

3 ـ المفهوم النسقي الذي يسعى لجعل البلاغة علما أعلى يشمل التخييل والحجاج معاً. أي يستوعب المفهومين الأولين من خلال المنطقة التي يتقاطعان فيها موسعا لهذه المنطقة أقصى ما يمكنه التوسيع. فقد حدث خلال التاريخ أن تقلص البعد الفلسفي التداولي للبلاغة وتوسع البعد الأسلوبي حتى صار الموضوعَ الوحيد لها، فكانت نهضة البلاغة حديثا منصبة على استرجاع البعد المفقود في تجاذب بين المجال الأدبي (حيث يهيمن التخييل) والمجال الفلسفي المنطقي من جهة، واللساني التداولي من جهة ثانية.

وقد يفقد هذا المفهوم الثالث طابعه الإشكالي النسقي سعيا للدمج الكلي للبعدين التخييلي والتداولي فيشرف على حدود التلفيق، كما هو الحال في الكثير من النماذج المنتمية إلى السميائيات وعلم النص.

وقبل أن نخوض في الإشكالات التي يثيرها المفهوم العام النسقي للبلاغة ـ وهو الذي يهمنا هنا ـ نشير إلى أن المفاهيم المذكورة (لكلمة ريطوريك) كثيراً ما خرجت عن سياقها الغربي، أو أُُخرجت منه، بفعل الترجمة إلى العربية بكلمة "بلاغة" دون تقييد، فأدى ذلك إلى الخلط والتشويش على القراء. ويقال نفس الشيء عن ترجمة الريطورية الأرسطية بكلمة خطابة، على الإطلاق، في بعض الأعمال التي حاولت تلافي الخلط. ولذلك نقترح ترجمة الريطورية الأرسطية بكلمةِ "خطابية" قياساً على كلمةِ "شعرية" التي بسطت سلطتها في مجال التخييل؛ موضوع الأولى الخطابة بمعناها العام، وموضوعُ الثانية الشعر بمعناه العام([1]).

وتبعا لذلك نقترح كلمة صورة مقابلا لكلمة figure، وكلمة حجة مقابلا لكلمة argument باعتبارهما الآليتين الأساسيتين في التخييل (الشعري)، من جهة، والحجاج (الخطابي)، من جهة ثانية. وسنورد نموذجاً لفحص العلاقة بين الصورة والحجة ومدى التداخل بينهما.

وتراودني رغبة في إزاحة كلمة "إنشاء" قليلا عن المعنى الذي استقر لها في الكتب المتأخرة لتدل على كل خطابٍ يحمل جهداً تخييليا أو حجاجيا، أي الخطاب الذي فيه "صنعة" قصدية للتأثير والإقناع، الخطاب الذي يوجد بين البرهنة والاعتباط كما سيعبر بول ريكور لاحقـا.

ولعل القارئ يلتقي لأول مرة بكلمة مُستَمَع، وقد دأبتُ على استعمالها مقابلا لكلمة auditoire، وهي تعني المقام الخطابي بمكوناته الثقافية والزمانية والمكانية. فبدون التفاهم حول هذه المصطلحات سيتعذر التخاطب في هذا الموضوع.

من المفارقات التي قد تثير المتتبع لحركة تجديد البلاغة وتشميلها العودةُ إلى خطابية أرسطو (أي الريطوريك) لتكون عنواناً للبلاغة العامة، والحال أن أرسطو هو أول من شطر علم الخطاب الإنشائي إلى شعرية وخطابية (أو بويتيك وريطوريك)، وذلك عوضاً عن كلمة شعريـة poesis التي تقتسِم، في أحـد تصنيفاته، المجالَ المعرفي مع العلوم النظرية والتطبيقية. فالشعرية تعني، في هذا السياق العلمي التصنيفي، الإنتاج([2])La production، أو الإنشاء حسب المفهوم الذي اقترحناه آنفا.

ويرجع ذلك، في نظري، إلى كون خطابيته قد تضمنت عناصر حجاجية وأسلوبية قابلة للتنمية والتوسيع، كما أن أجناسها الثلاثة قابلة لاحتواء أصناف من الخطاب الاحتمالي المؤثر، بخلاف ما أنجز من شعريته التي وقفت عند المحاكاة عن طريق الحكاية ممثلة على الخشبة، أي عند جنس واحد من الشعر. يضاف إلى ذلك بروز البعد التداولي في الشعر الكلاسيكي.

أساس النسق البلاغي

الحديث عن علمٍ للتخييل والتداول باعتبارهما خطابين يتجهان نحو قطبين متباعدين يقتضي بيان العنصر الجوهري الذي يجمعهما، ومدى الإنتاجية الإضافية المترتبة عن الجمع، فضلا عن الحاجة إلى ضبط الحدود مع الجوار المعرفي (المنطق والفلسفة واللسانيات).

لا يختلف المدافعون عن النسق البلاغي العام مع المرتابين في إمكانية قيامه في أن التخييل والتداول (أو الحجاج بشكل أدق) يلتقيان في أنهما خطابان قائمان على الاحتمال؛ الاحتمال توهيماً أو ترجيحاً، التوهيم في التخييل والترجيح في التداول الحجاجي، فحتى تفريق أرسطو لا يَعدُو جهةَ الاحتمال وجودا وعدماً: فخطاب الشاعر "كذب" محتمل الصدق، وكلام الخطيب صدق محتمل الكذب. ومع ذلك فمن الدارسين من رجح الخصوصيات النوعية لكل جنس ففصل، ومنهم من رأى أن منطقة الاتصال واسعة بشكل يجعلها كافية لقيام علم عام للشعرية والخطابية هو علم البلاغة.

الفصل بين الشعرية والخطابية

في سياق الفصل بين الخطابية والشعرية فحص بول ريكور بعمق عناصر الالتقاء وعناصر الافتراق بين الشعرية والخطابية، في مقال مركز تحت عنوان: الخطابية، الشعري، التأويلية. وهو مقال يتيح لنا عرضُه ومناقشتُه أمرين: أولهما تبين عناصر التداخل وتدعيمها بمعطيات أخرى من المجال العربي، كما سيرد في آخر هذا الاستعراض مع حازم القرطاجني، والثاني مناقشة المستندات المعتمدة في الا حتجاج لعدم إمكان قيام بلاغة عامة.

رجع الباحث بالبلاغة إلى مهدها الغربي عند اليونان باحثا عن نواة الشعرية والخطابية. فلاحظ أن نواة الخطابية في أجناسها الثلاثة هي فض نزاع. لا يُستثنى من ذلك حتى الجنس المحفلي (المفاضلة). إذ يتم الحسم عن طريق معاقلة توجد في منتصف الطريق بين الاضطرار البرهاني والاعتباطية، أي داخل الخطاب الإنشائي كما أشرنا. "ففي منتصف الطريق بين الخطاب البرهاني والعنف المستتر وراء الخطاب الإغوائي الخالص يوجد معقول مناسب للمقامات الخطابية عند أرسطو"([3]). والأساس في هذا الخطاب هو الحوار؛ فالحوار هو مدخل نظرية الحجاج الخطابي لغزوِ مجال العقل التطبيقي حيث يقتضي اختيارُ الأحسن اللجوءَ إلى المتداول, سواء تعلق الأمر بالأخلاق أو القانون أو السياسة. وقد يصل انتشار البلاغة إلى مداه فتدعي تغطية المجال الفلسفي، أو حيزا واسعا منه، كما الحال عند بيرلمان.

غير أن هذا الطموح يصطدم بأمر جوهري في الخطابية الأرسطية وبلاغة الحجاج عامة وهو الاحتكام إلى المُستمعات (auditoires)، إذ يظل هدف الحجاج هو الإقناع، أي الحصول على موافقة المستَمع ودفعه للفعل، فالخطابية هي فن الخطاب الفاعل. أضف إلى ذلك أن اعتبار حال المستَمع في بناء الخطاب يطرح مدى صلابة المنطلقات الحجاجية، "فالتوجه نحو مستَمع يستتبع انطلاق الخطيب من الأفكار المقبولة التي يتقاسمها معه".

والنتيجة أن على الخطيب أن يتلاءم مع المستمع قبل أن يسحبه (نحو قضيته، في حين أن المتوقع من الفيلسوف أن يتعامل، باعتراف بيرلمان نفسه، مع مستَمع كوني، فهو صاحب أطروحات لا قضايا.

وتلتقي الشعرية مع الخطابية في كونها، هي الأخرى تعالج إنتاجا لنصوص نواتها الاحتمال، فـ"إذا لم نقف ـ حسب عبارة ريكورـ عند اعتبار الوزن والإيقاع فارقا بين وحدة الخطابية والشعرية فسيكون من الصعب التفريق بين المبحثين"، ذلك أن poesis تعني، هي الأخرى، عند أرسطو إنتاج الخطاب؛ فهل الخطابية شيء آخر غير تركيب الخطاب، أي أنها هي الأخرى بويزيس poesis".

أضف إلى ذلك أن أرسطو قد صرح بصدد الحديث عن الانسجام في بناء حبكة القصيدة (التراجيدية والكوميدية والملحمية) بضرورة الاستجابة لما هو محتمل الوقوع، أو ما هو ضروريه. بل ألم يقل، أكثر من ذلك، بأن هذا الاحتمال أو الضرورة هو ما يسمح للشعر بأن يكون ذا طابع كوني، وبذلك يظهر أكثر فلسفية وأسمى من التاريخ. "لاشك، إذن، بأن الشعري والخطابي يتقاطعان في منطقة (région)المحتمل". (ص147)

وبرغم استعمال الباحث لفظ région ذات الدلالة الجغرافية القوية فإن ذلك غير مبرر في نظره لجعل هذا الإقليم المشترك عاصمة فيدرالية للشعرية والخطابية؛ مع كل ما يضمنه ذلك من حرية معالجة الخصوصيات للطرفين، والسبب في نظره هو اختلاف المنطلق والهدف يقول: "غير أن تقاطعهما يعني مجيئهما من مكانين مختلفين، وتوجههما نحو هدفين مختلفين" ([4]).

فالشاعر هو صانع حبكات وحكايات وليس صانع كلمات وجمل فحسب، وهذا ما يشهد به في نظره مهد الشعر الذي عرف الملحمة والتراجيديا والكوميديا، وهو المهد الوحيد الذي يسمح بالمقابلة بين الشعرية والخطابية. يقول: "الفعل الشعري هو خلق حكايات ـ حبكة، والفعل الخطابي هو تقديم حجج". من الأكيد أن هناك خطابة في الشعر وشعراً في الخطابة، غير أن الأمر ليس بنفس القوة في الحالتين؛ فالشاعر لا يُحاجج بمعنى الكلمة، حتى وإن كانت شخصياته تحاجج؛ فالحجاج عنده يساهم في حدود تنمية الحبكة، والخطيب لا يخلق حبكاً للحكاية حتى وإن ضمن خطابه عنصراً سردياً".

إن نواة الشعرية تتبلور في العلاقة بين كلمات مفاتيح هي: الإنتاج (poesis ) والحكي (muthos) والمحاكاة (mimesis) والحبكة (intrigne) وبهذا يعارض نواة الخطابية التي هي الحجاج.

أما من حيث الهدف والوظيفة فإن الشعر يستهدف التطهير في حين تستهدف الخطابة الإقناع، الخطابة حمالة أيديولوجيا والشعر حمال إيطوبيا (الحلم والوهم).

وعليه فليس من الممكن، في نظره، قيام علم يستوعب الشعرية والخطابية (بل والتأويلية أيضا). فالملائم إذن هو أن "تتحدث كل واحدة باسمها الخاص؛ فتختص الخطابية بفن الحجاج الهادف لإقناع المستمَع بكون رأي ما مقدما على منازعه، وتختص الشعرية بفن بناء الحُبَك مستهدفة توسيعَ الخيال الفردي والجماعي.." (ص155).

تعليق

هذا التحليل الحجاجي الهادف إلى الفصل بين الشعرية والخطابية قابل للنقاش من عدى وجوه وزوايا:

1 ـ اعتبر الباحث تقسيم أرسطو مهدا، ومهداً واحداً للنشأة المزدوجة للبلاغة. والواقع أن هناك مهدا أخر مُسعفاً ، على الأقل، وهو مهد البلاغة العربية التي سنعرض لها، وقد عرفت نشأة شبيهة دون أن تكون نواة الشعر فيها مماثلة لما عند أرسطو. أضف إلى ذلك أن أرسطو ليس المهد الأول للبلاغة اليونانية، بل هو الذي شطرها بعد أن كان فنٌُ القولِ واحداً مشاعاً بين الفلاسفة والخطباء والشعراء.

2 ـ معروف عند القدماء والمحدثين أن ما وصلنا من شعرية أرسطو لا يمثل تصوره في مشروعه، فأحرى أن يمثل الشعر في عصره كاملاً، فكتاب أرسطو مبتور كما هو معلوم. وأهم غائب فيه الشعر الغنائي، ولو حضر لكان الحديث عن الحبكة والحكاية محل نقاش، فنواة الشعر قابلة للمراجعة من خلال قراءة تاريخية موسعة. وقد انتبه البلاغيون الفلاسفة العرب إلى غياب المتن العربي أو ما يماثله عن تصور أرسطو، ولو حضر لديه لأضاف فصولا إلى كتابه([5]).

3 ـ يبدو أن هذا التوجه تأثر بالنزعة الطليعية الخاضعة للتصورات الأيديولوجية للأدب، أو هو، على الأقل، يخدمها. وقد بين ميشيل بوفور كيف وقفتْ هذه النزعة عقبة دون فهمنا للعلاقات التي استمرت بين الخطابة والنص الإنشائي زمنا طويلا. "ذلك أن مجيئ الأدب في الغرب الذي نتفق ـ حسب نص عبارته ـ على أنه كان في حوالي القرن الثامن عشر صادف تردي المؤسسة الخطابية الموروثة عن القدماء وتهميشها"([6]).

4ـ الدلالة التاريخية للبحث الحديث عن علم شامل للخطاب تحت مسميات مختلفة منها: علم النص، الذي صرح فان ديك بأنه الوريث الشرعي للبلاغة([7])، ومنها سميائيات النص وسميائيات النص الأدبي. غير أن هذه المحاولات المنطلقة من مجالات معرفية خارجية (اللسانيات وعلم العلامات خاصة) لم تؤد بالبلاغيين إلى الزهد في خدمات هذا العلم العتيق: البلاغة([8]).

الوصل بين الشعرية والخطابية: البلاغة العامة

بذل بلاغيون محدثون كبار جهداً فلسفيا ومخبريا، إن صح التعبير، في بيان مدى صلابة الأساس العلمي لقيام بلاغة عامة بالمفهوم الذي تحدث عنه حازم القرطاجني، البلاغة باعتبارها علماً كليا يستوعب ثمار علوم اللسان. وفي هذا الإطار يرى ميشيل مايير أن بناء بلاغة كلية يتطلب الخروج من المقابلة القضوية بين الوجود واللا وجود التي بني عليها تفريق أرسطو بين الشعرية والخطابية، حيث: الشعر "لا وجود يحتمل الوجود" والخطابة "وجود يحتمل اللا وجود"([9]). أو بعبارة أقرب إلى المصطلحات المستعملة في القراءة العربية لأرسطو: الشعر كذب يحتمل الصدق، والخطابة صدق يحتمل الكذب، فبدل هذا التقابل القضوي الوجودي يمكن تحقيق وحدة البلاغة باعتماد التفاعل القائم على الإشكال والمساءلة.

وقد توجهت جهود بعض الباحثين إلى المنطقة المشتركة قصد توسيعها، وتهييئها لتكون موضوعا للبلاغة العامة. واستعمل بعضهم في التعبير عن هذه المنطقة نفس الكلمة التي استعملها ريكور في سياق الفصل وهي région كما نجد عند أوليفيي روبول Olivier Reboul في كتابه البلاغة(la rhétorique). حيث قال:

"سنتبني نحن حلا ثالثا؛ لن نبحث عن جوهر البلاغة لا في الأسلوب ولا في الحجاج، بل في المنطقة région التي يتقاطعان فيها بالتحديد. بعبارة أخرى، ينتمي إلى البلاغة بالنسبة إلينا كل خطاب يجمع بين الحجاج والأسلوب، كل خطاب تحضر فيه الوظائف الثلاث: المتعة والتعليم والإثارة مجتمعة متعاضدة؛ كل خطاب يقنع بالمتعة والإثارة مدعمتين بالحجاج"([10]).

وقد اعتمدت عملية التوسيع إجرائين: إما النحت من الجوار المنطقي واللساني، كما فعل في مقالة: هل يمكن أن يوجد حجاج غير بلاغي؟ وقد ترجمناه في مناسبة سابقة[11]، أو التقريب بين قطبي الاحتمال (الصدق والكذب) من خلال فحص طبيعة الآليات الجوهرية الخاصة بكل منهما، أو المعتبرة كذلك وهي: الصور (figures) والحجج (arguments) حيث صار من الشائع الحديث عن بلاغة الصورة (أو الصور) وبلاغة الحجاج.

سنعرض هنا التفاصيل الحجاجية لمقاله الصورة والحجة [12]figure et L’ argument La وهو مقال يكشف مدى الطموح الذي يحذو البلاغة الجديدة لاسترجاع أطرافها المفقودة، والتقريب بين مكونيها، حتى وإن بدت جاذبية الحجاج أقوى عند الباحث.

تبدأ المقالة بهذا السؤال: "هل يمكن أن تكون الصورة حجة، أو على الأقل عنصراً حجاجيا؟"

وللجواب يقترح التعريف التالي للصورة: "الصورة هي، على العموم، إجراء أسلوبي، أي طريقة في التعبير حرة ومقننة".

والمقصود بكون الصورة حرة لجوء المتحدث إليها بمحض اختياره([13])، بحيث يمكنه تعويضها بغيرها. والمقصود بكونها مقننة انتسابُ كل صورة إلى نسق أو بنية معروفة يمكن نقلُها من محتوى إلى آخر مثل الاستعارة والكناية.

ورغبة في استقصاء الموضوع يقترح تقسيم الصور إلى ثلاثة أنواع: صور الكلمات، وصور المعنى، وصور التركيب. (وعنده قسم رابع في كتاب la rhétorique : صور الفكر). فصور الكلمات تبدو خاصة بالقول الشعري والهزلي ولكنها تلعب، مع ذلك، دوراً حجاجيا. في حين تبدو صور المعنى أو المجازات أكثر ملاءة وقربا من تقنين الحجاج مثل الاستعارة والكناية والمبالغة، فهي باستعمالها معنى غير معتاد تثير أزمة داخل الخطاب (ص177). وقد حظيت الاستعارة عنده بعناية خاصة، وكذلك حالها في أعمال كل التداوليين مناطقة ولسانيين ([14]). وينتهي من تحليل عينات من الأنواع الثلاثة إلى أن الصور تلعب دورين خارجي وداخلي: يتمثل دورها الخارجي في تسهيل عملية الحجاج، فهي تشد الانتباه من خلال خرق المعتاد، فتطبع الذكرى في الذهن، كما أنها تلائمُ بين الأفكار والمستمَع، أي تسهل المعاقلة. أما دورها الداخلي فيتجلى في دخولها، هي نفسها، صلب الحجاج كما هو حال الجناس حيث يوهم تجانس الألفاظ تجانس المعاني([15]).

والوظيفات الخارجية (المساعدة) والداخلية (الفاعلة) متلازمتان؛ فخصوصية البلاغة تكمن في عدم التمييز بين الإحساس والموافقة، أو التسليم([16])، وبذلك تكون الصورة البلاغية أقوى من الحجة التي تقوم بتكثيفها.

وينتهي هذا التتبع للوظائف الحجاجية للصور إلى قلب اتجاه السؤال والنظر من الزاوية الأخرى؛ فيتساءل الباحث عما إذا لم يكن من الممكن القول بأن الحجة هي نفسها مجرد صورة كُلاًٌَ أو بعضاً (؟) يقتضي الجواب عن هذا السؤال في نظره بيان ما يميز الحجاج عن البرهنة المنطقية حيث يمكن رصد أربعة ملامح تجعل الحجة احتمالية مثل الصورة:

1ـ ارتباط الحجاج بمستَمع معين خاص أو متخصص، فالمستمع الخاص مثل الشباب واليسار والفلاحين، والمتخصص مثل المحكمة والأطباء..الخ "ومن ثم فإن المقدمات الحجاجية لا تكون بديهية منطقية، ولا وقائعَ مبرهناً عليها، بل هي قضايا مقبولة من طرف المستَمع المستهدف، ولذلك فإن مبدأ الموضوعية يُخلي المكان للمتوافق عليه...(ص184)

إن نجاعة الخطاب ترتبط بمدى الاستناد إلى هذا التوافق، ومدى التلاءم مع مستوى المستمع والاستجابة لتطلعاته.

2ـ استعمال اللغة الطبيعية في الحجاج ، وهي لغة ألفاظها ملتبسة أو متعددةُ الدلالات متراوحة بين الحقيقة والمجاز، وهذا يطبعها بالاحتمال.

3ـ مسار الحجاج لا يأخذ طريق الصرامة البرهانية، إذا أخذها، إلا في اتجاه السلب: أي إثبات ما ليس ممكنا لا ما هو ممكن، (فيمكن أن نثبت أن قانوناً ما لا يوافق الدستور، ولكننا لا نستطيع أن نثبت أنه نافع يقيناً، يمكن أن نثبت أن دواء لا يعالج بعض الناس، ولكننا لا نثبت أنه يعالج كل الناس). وهذا الملمح يبدو لي محل جدل: فالقول بأنه لا يسير في اتجاه الصرامة البرهانية هو الدعوى المراد البرهنة عليها، ولا يمكن أن تكون الدعوى حجة على نفسها، والقول بإمكان إثبات السلب وتعذر إثبات الإيجاب غير واضح.

4 ـ كون الحجاج سجالاً، فهو يعارض على الدوام ـ ولو ضمنيا ـ حجة ما قابلة للتفنيد: حجة اليسار ضد حجة اليمين مثلا..الخ (ص186). غير أن السجال لا يعني القطيعة والتحارب، فما دمنا نتحدث فلن نقتتل، كما لا يعني الشك وتساوي الحجج أو ملاءمتها كلها برغم التعارض (لكلٌٍ أن يقول ما يريد)، بل إن الطابع السجالي يقتضي الترجيح. وفي هذه الأحوال تكون الاستعارة، مثلا، أنسب للرد على استعارة أخرى، وتكون السخرية دعوة إلى العودة إلى الحوار الإيجابي.

ويمكن إجمال القول "بأن الحجة تصبح صورة حين تتعذر ترجمتها أو شرحها، حين يتعذر التعبير عنها بطريقة أخرى دون إضعافها". (ص186)

يقول روبول: "لعلي أستطيع الآن الإجابة عن تلك الأسئلة الثلاثة الأساسية: نعم، الصورة تسهل الحجاج، نعم، إنها تشارك هي نفسها في الحجاج، وتكاد الوظيفتان تكونان متلازمتين على الدوام، وهذا التلازم هو في العمق جوهر البلاغة". (ص186)

وبذلك فقد تكون الحجة هي نفسها صورة يسري عليها ما يسري على الصور من انعدام الدقة، ومن التذاوت (تفاعل الذوات)، والسجـال([17]).

تعليق:

لابد من التنبيه إلى أن منظري الحجاج والمنقبين عن المشترك بين التخييل والتداول انطلاقا منه متأثرون بالمتن الإنشائي القديم (الشعر الكلاسيكي بالتحديد). وهو متن ذو طابع خطابي؛ ينطلق من وجود معنى تتوارد عليه الصور اللفظية فتتناوب الدلالات، كما عبر السكاكي في تعريف علم البيان.

وقد انتبه بيرلمان وأولبريشت تيتيكا إلى ذلك وحسماه في سياق الحديث عن الاستعارة، وذلك حين استبعدا التوجه التفاعلي في تفسير عمل الاستعارة كما دافع عنه ريتشاردز Richards في كتابه فلسفة البلاغة. وقد ذكرا هناك باعتمادهما على مفهوم المشابهة كما بسطته البلاغة القديمة([18]).

وقد عرف التراث البلاغي القديم نفسه ملاحظات عميقة تتجاوز المعنى الوضعي المعبر عنه بصورة من الصور البلاغية إلى المعنى المبني في النفس، والمعنى الذي هو الصورة نفسها، حيث يتعذر بناء معنى معدول عنه، وفي هذا السياق وصلت التجارب الطليعية في العصر الحديث إلى الصورة بدل المعنى، بل إلى الحديث عن اللا معنى..الخ، وبذلك يبقى قطب التخييل قائم الذات.

ولعل حديث البلاغيين العرب عن وظائف المشابهة (التمثيلية والاستعارية) خير ما يوضح ذلك. فالتشبيه عندهم قد يكون للبيان وقد يكون للتخييل، وقد يتفاعلان فيه وهو الأوسع مساحة.

التخييل والتداول في مسار البلاغة العربية([19]).

أول تفكير في اللغة هو التفكير البلاغي كما يقول تودوروف، والمفصود أن اللغة الواصفة الأولى هي البلاغة، وتبدو المسألة كالبديهية، ذلك أن الملاحظات الأولى ملاحظات نقدية ترصد الخارج عن المعيار العادي للخطاب.

فقد ظهرت الملاحظات الأسلوبية قبل ظهور العروض والنحو والمنطق كما روي من تاريخ التلقي الشعري العربي في الجاهلية وصدر الإسلام. وكان من مظاهر ذلك ربط الشعر بالعوالم غير العادية؛ بالجن والشياطين. كانت هذه الملاحظات هي المصدر الأول للبلاغة العربية حيث جمعت لاحقاً تحت اسم البديع ومحاسن الكلام (ابن المعتز)، وقد تطور هذا المسار من خلال الخصومات حول ما هو بديع وما ليس كذلك([20]).

أما المسار الثاني فكان لاحقا بالأول حيث ارتبط بتقعيد اللغة من جهة وبيان الانسجام الخطابي للنص القرآني وما أثير حول ذلك من إشكالات اقتضى التحاور حولها الاستعانة بالمنطق اليوناني والبلاغة الأرسطية. ومفاتيح هذا الموضوع "غريب القرآن" و "مجازاته" و"الكلام" حول الذات والصفات حيث يتداخل عالم المطلق (الله) وعالم النسبي (الإنسان): جعل ما لله للإنسان أو جعل ما للإنسان لله (؟).

ففي هذا السياق الفكري اللغوي المنطقي ظهر الطموح إلى صياغة نظرية عامة للفهم والإفهام أو للبيان والتبيين، وهذا هو المصدر الثاني الكبير للبلاغة العربية، الذي ظهر الجاحظ رائدا فيه، وهو الذي انتبه إلى أن اللغوي لا يستطيع مهما أوتي من معرفة أن يحاجج في مجال الإقناع حول المسائل الدينية ما لم يستعن بعلم الكلام، وعلم الكلام هو علم الحجاج العقلي في المجال الديني ومركز التأويل القادر على ردم الهوة بين مستويات الخطاب في الحقيقة والمجاز. وكان من ثمار هذا التوجه علم المناظرة والجدل([21]).

فللبلاغة العربية إذن مهدان كبيران أنتجا مساران كبيرين: مسار البديع يغذيه الشعر، ومسار البيان تغذيه الخطابة. ونظراً للتداخل الكبير بين الشعر والخطابة في التراث العربي، فقد ظل المساران متداخلين وملتبسين رغم الجهود الكبيرة النيرة التي ساهم بها الفلاسفة وهم يقرؤون بلاغة أرسطو وشعريته. ومن العوامل الملموسة التي عقدت المهمة النظرية في هذا المجال البحث عن بلاغة القرآن من خلال الشعر العربي، ذلك السراب الذي جرى خلفه الأشاعرة وتخلص منه بعض المعتزلة بالقول بالصرفة.

والنموذج الأمثل للاضطراب في هذا المضمار المسيرة الطويلة لعبد القاهر الجرجاني بحثا عن الخصيصة البلاغية من خلال الشعر والقرآن في آن، فقد أدى به الأمر منذ المنطلق إلى اختزال البلاغة في التحويل الدلالي القائم على الإلحاق والإبدال عن طريق المشابهة والمجاز مستعينا بالقراءة العربية لنظرية المحاكاة الأرسطية([22]). غير أن استحضار النص القرآني جعله يقلص التخييل إلى درجة تفقده معناه المولد لكل الصور خلافَ ما عليه حال المحاكاة التي جاء منها، بل جعله يستأنف المسيرة في كتاب الدلائل من منطلق مغاير هو منطلق النحو (النظم)، ويحيل كل ما اعتبره "أسرار بلاغة" إلى عنصر مُساعد أو مشارك في أقصى الأحوال.

لقد انتقل الجرجاني من الغرابة الشعرية (أي من التخييل) إلى المناسبة المقامية أو السياقية (أي إلى تداولية لسانية) كما بينا بتفصيل في كتاب البلاغة العربية([23]).

وتنبه قراؤُه إلى نهاية هذه المسيرة الاستكشافية فقلبوا ترتيب الأسبقيات، كما فعل السكاكي حيث جعل مركز البلاغة في التراكيب والمقاصد (علم المعاني) وامتدادها في التحويلات الدلالية (علم البيان)، وجعل ما أقصاه الجرجاني (الأصوات) أو أهمله (المقابلات الدلالية..الخ) في هامش البلاغة (علم البديع). ومع ذلك ظل المسار البديعي يراكم الصور في غير نسق (تحرير التجبير) أو في نسق غير دال (المنزع البديع). فتكون لدينا ما عرف في البلاغة الغربية ببلاغة الصور، وفي غياب النظر الفلسفي المنطقي اِنزوى علم المعاني، أو البعد التداولي في هامش النحو وهيمنت عليه مصطلحاته ومفاهيمه.

لقد بذل الفلاسفة العرب، في إطار قراءتهم لعمل أرسطو في الشعر والخطابة جهداً محموداً لبيان الخصوصية الشعرية (التخييل) والخصوصية الخطابية (التصديق)، وما بينهما من التداخل والتخارج، غير أن هيمنة الخلفيات الدينية وتراجع الحضارة الإسلامية حالا دون استثمار هذا التراث في مجال البلاغة تنظيرا وتطبيقا. ولعل المحاولة النظيرية الوحيدة الجادة في هذا المجال هي التي بذلها حازم القرطاجني. غير أن محاولته ظلت في حاجة إلى كثير من التهذيب والتكميل والتمثيل، الشيء الذي لم يكن ممكنا في ذلك المسار الحضاري التردي.

وسنكتفي في هذه المناسبة بإيراد فقرات دالة من نص طويل متماسك مضمونا وتركيبا بين فيه المؤلف منطقة تقاطع الشعر والخطابة باعتبارهما بعدين بلاغيين متداخلين تداخل التخييل والإقناع، قال:

"لما كان علم البلاغة مشتملا على صناعتي الشعر والخطابة، وكان الشعر والخطابة يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع ... وكان القصد في التخييل والإقناع حمل النفوس على فعل شيء أو اعتقاده أو التخلي عن فعله واعتقاده … وكانت عُلقة جل أغراض الناس وآرائهم بالأشياء التي اشترك الخاصة والجمهور في اعتقادهم أنها خير أو شر… وجب أن تكون أعرق المعاني في الصناعة الشعرية ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان…

… فأما بالنظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه، ولا ميزة بين ما اشتدت علقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس له علقة، إذا كان التخييل في جميع ذلك على حد واحد، إذ المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق ذلك"([24]).

يكمل حازم في هذا النص عمل الفلاسفة في الملاءمة بين التصور الأرسطي في كتابي الشعر والخطابة، وخاصة حديثه عن وظائف المحاكاة، وبين واقع الشعر العربي الذي يبدو في أكثره جمهوريا خطابيا، وكذا واقع الخطابة التي نشأت في حمى ذلك الشعر وتأثرت به. إذّ لم تكن المسافة بين الشعر والخطابة واسعة، كما بينا في كتاب: في بلاغة الخطاب الإقناعي، حين الحديث عن الأسلوب. وقد ورَدَ هذا النص، كما يفهم من منطوقه، في سياق الحديث عن "المعاني" البلاغية التي رأى فيها المؤلف المنطقة المركزية للتقاطع بين الشعري والخطابي. ومركز المركز في هذا التقاطع هو التأثير في النفوس ودفعها نحو اعتقادٍ أو فعل([25]).

فما دام جل "أغراض الناس" مرتبطا بما "اشتهر" أنه خير أو شر، فإن المعاني المؤثرة فيهم هي المعاني المشتركة بين الجمهور والخاصة، في الشعر والخطابة على حد سواء. غير أن للشعر من حيث جوهره أن يخرج عن هذه الحدود المشتركة مع الخطابة، إذ يمكن أن يكون خاصيًّا منغلقا بالنسبة للعامة. (ولا شك أنه يستحضر هنا الاختلاف حول التعابير المستغلقة التي أثارت نقاشا حادا في العصر العباسي).

يستحضر حازم هنا التصور الأرسطي لمفهوم التحسين والتقبيح والمطابقة كما صاغه ابن سينا، ففي هذه الحالة الثالثة يبتعد الشعر عن الخطابة، ولكنه لا ينفصل عنها، إذ تحمل المطابقة نفسها جرثومة الميل لهذا الطرف أو ذاك، قال: "وتنقسم التخاييل والمحاكيات بحسب ما يقصد بها إلى: محاكاة تحسين، ومحاكاة تقبيح، ومحاكاة مطابقة؛ لا يقصد بها إلا ضرب من رياضة الخواطر والملح في بعض المواضع… وربما كان القصد بذلك ضربا من التعجيب والاعتبار. وربما كانت محاكاة المطابقة في قوة المحاكاة التحسينية أو التقبيحية… فكأن التخييل بالجملة لم يخل من تحريك النفوس إلى استحسان أو استقباح"([26]).

ويرغم كل هذا التداخل الوظيفي بين الشعري والخطابي فإن كل واحد منهما يحتفظ بخصوصيته. ومن هنا يتحدث عن العمدة والتابع في الاتجاهين. وكلامه في ذلك أحسن ختام في هذا الموضوع: "وينبغي أن تكون الأقاويل المقنعة، الواقعة في الشعر، تابعة لأقاويل مخيلة، مؤكدة لمعانيها، مناسبة لها فيما قصد بها من الأغراض، وأن تكون المخيلة هي العمدة. وكذلك الخطابة، ينبغي أن تكون الأقاويل المخيلة الواقعة فيها تابعة لأقاويل مقنعة، مناسبة لها، مؤكدة لمعانيها، وأن تكون الأقاويل المقنعة هي العمدة"([27]).

وفي الفصل الثاني مزيد بيان لتصور حازم، ودعم تاريخي لمجموع الأفكار المقدمة هنا.

هوامـش

[1]- تلافيا للخلط استعملنا عبارة: بلاغة الخطاب الإقناعي، عنوانا لأول كتاب صدر لنا في الموضوع، في منتصف الثمانينيا. هو كتاب: في بلاغة الخطاب الإقناعي. وقد بدا لنا اليوم أن الأجدى اصطلاحا، والمناسب دلالة، استعمال كلمة واحدة هي: الخطابية.

[2]- انظر O. Hamelin. Le système d ‘Aristote. P 82 وقد جاء فيه: "ميز أرسطو، كما نعلم، ثلاثة أصناف (أو مراتب classe) من العلوم: علوم نظرية، وعلوم تطبيقية وعلوم شعرية" (ص82). وقد أشار إلى أن رافيسو Ravaisson، وهو أحد قراء أرسطو، رجح إلحاق الخطابية والجدل بالعلوم الشعرية.

[3]- .Rhétorique- poétique- herméneutique”. p.144."

[4]- نفسه 148 Rhétorique- poétique- herméneutique”. p."

[5]- قال حازم في منهاج البلغاء (ص 68): "ولو وجد الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال والاستدلالات واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام… لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية".

[6]- Michel Beaufour. “Rhétorique et littérature". P.159

[7]- انظر "النص بنياته ووظائفه". ترجمة محمد العمري. ضمن كتاب نظرية الأدب في القرن العشرين. إفريقيا الشرق. الدار البيضاء/بيروت.

[8]- ذلك أن الالتزامات الخارجية لهذه المباحث، مع مصادر انطلاقها تؤدي بالضرورة إلى غياب السؤال الذي تجيب عنه البلاغة، وهو التداخل والتخارج بين التخييل والتداول، ففي إطار هذا السؤال تتحدد الهويات، وتبرز الوظائف والفعاليات. إذ الصفاء الحجاجي أو التخييلي قطبان افتراصيان ربما أمكن رصدهما في المهد والنواة، ولكنهما لا يغطيان مساحة تضاهي مساحى التدخل. أضف إلى ذلك المشروعية التاريخية التي تحدث عنها هنريت بليت.

[9]- Michel Meyer. "Conclusion: ya-t-il un fondement possible à l'unite de la rhetorique?”. P.255. .

[10] - الخيارات الآخران المشار إليهما هما: بلاغة الحجاج عند بيرلمان وبلاغة الأسلوب عند جماعة مي. وسنتطرق إليهما في الفصل الأول.

[11]- وقد ألحقناه بآخر هذا الكتاب لأهميته.

[12]- Olivier Reboul.. “la figure et l’argument".pp 175-187

[13]- ما دام الحديث هنا عن الصورة بصفة عامة شعريةً وخطابيةً.. فيمكن الاعتراض بأن الصورة قد تكون في التخييل الشعري اضطرارية، إذ لا يكون هناك غير احتمال واحد، وإلا صرنا أمام نص آخر. وربما كان بيرلمان دقيقاً حين استبعد نظرية ريتشاردز التفاعلية، كما سترد الإحالة عليـه.

[14]- أحيل هنا على بيرونضوني Alain Berrendonner الذي خصص مبحثين مفصلين لكل من السخرية والاستعارة في كتابه Elément de pragmatique linguistique. Minuit. Paris. 1982.

[15]- من أمثلة ذلك ربط عبد اللطيف جبرو بين اسم المناضل الاتحادي محمد الفقيه البصري، و وزير الداخلية المغربي السيئ الذكر إدريس البصري. انظر تحليل ذلك في كتابنا: دائرة الحوار.

[16]- “La figure et l’argumentation.”. P 184.في المرجع المذكور أعلاه.

[17]- ومع هذه المنازعة في منطقية الحجاج وموضوعيته فإن الباحث يتمنى له أن يغتنم أي فرصة تتيح له حظا من الموضوعية، رغم ندرة هذه الفرص في مجال "أفعال الحياة" كما قال ديكارت، ففي هذا المجال تبقى الهيمنة للمحتمل الذي لا ينفع معه إلا الحوار. (نفسه 186-187).

[18] - انظر مزيد بيان في Traité de l’argumentation..p.535.

[19] - نرسم هنا الخطوط العامة الضرورية لانسجام هذا المدخل، وسيأتي مزيد بيان في الفصل الأول.

[20]- للتوسع في هذا الموضوع انظر الفصل الأول (من الباب الأول) من كتابنا: البلاغة العربية أصولها وامتداداتها.

[21]- المرجع السابق. الفصول 2،3،4

[22]- المرجع السابق. الفصل5 من الباب الأول. والقسم الثاني منه.

[23]- نفسه. الفصل الأول من القسم الثاني.

[24]- منهاج البلغاء. ص19-20.

[25] - . لم يصلنا، كما هو معلوم، القسم الأول من كتاب منهاج البلغاء، الذي يحتمل أن يتضمن مقدمة في تعريف البلاغة بصفة عامة بعيدا عن المباحث الجزئية. وإن كنا نعتقد أن ما ورد في هذا القسم الثتني المخصص للمعنى يستوعب كل ما يمكن أن يقوله المؤلف، انطلاقا من تصريحه بأن المعاني هي منطقة التقاطع الشعري الخطابي.

[26]- منهاج البلغاء 92.

[27] - نفسه 135.

 

 

إبراهيم الحيسن: المنجز التشكيلي بالمغرب: خرافة الانخراط في الحداثة البصرية

el-haissan-brahim

إبراهيم الحسين

1- عقدة لوحة الحامل..

الراجح أن الممارسة التشكيلية بالمغرب- بعد مرور أزيد من نصف قرن- لم تتخلص بعد من عقدة لوحة الحامل- Chevalet ( اللوحة المِسندية) وظلت عاجزة تماما عن تمتين العلاقة الإبداعية مع الجذور الجمالية المؤسسة للفن الحديث والمعاصر بكل أنساقه ومدركاته البصرية المتعددة، الأمر الذي حوّل الكثير منها إلى إبداعات كرنفالية مستنسخة ومزينة بالمساحيق اللونية المستوردة بدون أثر أو تأثير معين على المتلقي..

وفق هذه الصورة المبعثرة، ظل الإنتاج التشكيلي المغربي طيلة الفترة المذكورة يعيش- في سياقه التأليفي والتآلفي- حالة من التردي والتغريب القسري داخل النسيج الثقافي الوطني، بسبب سوء الفهم للفن في تحولاته وبسبب التوظيف السيئ للذخائر البصرية المحلية والاستخفاف بمجموعة من النماذج والمعاني الجمالية النبيلة التي أبدعها المخيال الشعبي. mohamed-serghiniوبالنتيجة، انشغل العديد من الفنانين التشكيليين ( رسامون ومصوّرون وغيرهم..) بسؤال الانتماء والانخراط الأعمى في تيارات الحداثة وما بعدها من دون تحقيق تراكمات إبداعية أو خلق شروط ثقافية كافية لتبرير هذا الانخراط..

هذا الانشغال المجاني بالحداثة البصرية يقابله فشل معظم الفنانين التشكيليين المغاربة في استيعاب وتطويع الاتجاهات الفنية الحديثة لتتلاءم مع ثقافتهم وواقعهم..الكثير منهم لا يزال عاجزا عن تجاوز الوافد من التيارات الفنية الغربية المنبثقة من فن أروبي تمرّد على تراثه التقليدي الذي ساد لأكثر من أربعة قرون.

ويبرز فشل وعجز الفنانين التشكيليين المغاربة في هذا المضمار من خلال قفزهم على المراحل وانخراطهم غير المحسوب وغير المدروس في ممارسة تعبيرات فنية وجمالية لا تتجانس في أي شيء مع إرثهم وثقافتهم، ومردّ ذلك تشبع الكثير منهم بالثقافة الغربية وإسقاطها –خطأ- على الإنتاج الفني، أضف إلى ذلك الاعتقاد الشائع بأن مجرد تكرار فنون وإبداعات الآخر يكون دليلا على الموضة ومواكبة العصر!!

ورغم أن القاعدة العامة تقول بأن ولوج العالمية لا يتم عادة سوى من تلقاء المحلية وعدم التفريط في الخصوصية مع الانفتاح الصاحي والمعقلن على إبداعات وتجارب الآخرين، فإن الكثير من الأعمال التصويرية والتشكيلية المغربية المعاصرة قفزت على كل المراحل وتحوّلت إلى خواء تشكيلي وإلى فن فارغ ومبتذل ذي مراجع ممزقة ومشوَّهة..فيما belkahia-faridحاولت إنتاجات أخرى الاتجاه- بجرأة إبداعية مغلفة بالخوف والتردد- نحو تأكيد الهوية الجمالية الوطنية، لكن بدون مدركات وقواعد بصرية قوية قادرة على تحصين الذات ومنح الشخصية الإبداعية استقلاليتها المفترضة.

على هذا المستوى، حاول بعض الفنانين مقاربة هذا السؤال الجوهري – الهوية الجمالية- بنوع من المجانية، سواء من خلال الاستقواء بالعلامات والرموز البصرية المستعارة من تربة الثقافة الشعبية ( مع استثناء تجربة الراحل أحمد الشرقاوي )، أو من خلال استعمال حروفية ساذجة وفارغة من أي محتوى ثقافي وجمالي..إلى جانب انتشار التصويرية الاستشراقية – Peinture orientaliste التي كرستها وفرَّختها معايير وأذواق برَّانية كانت السبب الرئيسي في اختلاط الفن النخبوي الجاد بالفن الاستهلاكي المستنسخ. وقبل ذلك، ذاع الرسم الفطري/ الناييف الذي لقي تشجيعا أجنبيا مصطنعا يعكس في حقيقته تخطيطا ثقافيا استعماريا قدّم المغرب في صورة بلد بدائي ينتج فنا ساذجا يقوم على الغرابة والتخلف ( قصة مالرو مع الورديغي، المهندس سميث مع عبد السلام بن العربي الفاسي، أزيما مع محمد بن علال، بول بولز مع الإدريسي اليعقوبي..).

وكان الفنان التشكيلي محمد شبعة من أبرز المبدعين المغاربة الذين انتبهوا بشكل مبكر إلى خطورة الاحتواء الأجنبي للوحة الفطرية المغربية وتحويلها إلى مادة للتهكم والسخرية وقد ناهض ذلك (إبداعيا) في مناسبات كثيرة: "لقد كنت على حق – وكان ذلك ضروريا- أن أناهض ذلك، ولكننا لم نكن نناهض الفنانين..كنا نناهض التوجيه والتأطير والتحريف الذي كانت تقوم به جهات معروفة للأسف. إن هذه السياسة أجهضت ما كان يمكن أن نقوم به نحن في ظروف أخرى، من استقطاب لبعض التعابير الشعبية وحمايتها وتطويرها، ولكن في إطارها الشعبي: أي أنه لا يمكن أن تحول فنانا فطريا، وأقصد بالفطرة الأمية الأدبية، بحيث يفكر بشكل منهجي في عمله ويعبر عنه وينشئ خطابا حول أعماله. هذا النموذج من الفنانين، هو الذي كنا نريد أن نحتضنه ونؤطره. فليس لأنه فنان شعبي تلغى عنه هذه الضرورة. إنما نريد أن يكون الفنان الشعبي قادرا على الانتقال إلى مرحلة محترمة وهذا لم يتم" – الكلام للفنان محمد شبعة..

2- صحوة جمالية، ولكن !!

لعل من مظاهر التحوّل الإبداعي في التجربة التشكيلية المغربية الراهنة، إنخراط مجموعة من الفنانين الشباب- بعضهم يعيش بالمهجر- في تيارات ما بعد الحداثة أو ضدها، وذلك من خلال إنتاج مجموعة من الإرساءات والمنشآت الفنية- Installations (بإضافة الفيديو والفوتوغرافيا الجديدة والنحت الحي..) كبدائل عن اللوحة وكوسائل "جديدة" لخلق نوع من التدخل الفرجوي في الفضاء، وإن كانت جل هذه الإنتاجات لا تنهض على أسس ومعانٍ ثقافية ترقى بها إلى مستوى الإحداثيات المعرفية/البصرية التي قعّدت أصلا لهذا التحوّل..

والواقع أن الفنانين المغاربة الذين اختاروا الإرساءات التشكيلية كمساحة للإبداع- إلى جانب التطبيقات التشكيلية للجسد في النحت الحي والفيديو آرت والبرفورمانس- عجزوا عن منح المنجز التشكيلي صبغة مشدودة إلى الهوية والذات والشخصية المستقلة، وبالتالي سقطوا في فخ الاستعارات والإسقاطات الفكرية والجمالية المنسوخة التي قامت عليها فنون مابعد الحداثة التي تعود جذورها الأولى إلى الفن الشعبي/ البوب آرت، ولا سيما أعمال الفنانين ألن كابرو وروبير روشنبرغ وجاسبر جونز، وهي من أبرز التعبيرات الفنية التي ارتبطت بالحركات الطلابية والاجتماعية الهادفة إلى إيقاف الحروب وحماية hassan-moukdadالبيئة والتحرر الاقتصادي. وإلى جانب هذه الفئة من الفنانين، يوجد تشكيليون مغاربة آخرون (مصوّرون ونحاتون) انهمكوا بمشكلات المشاغل والمحترفات الأروبية محاولين- بكثير من السذاجة الإبداعية- إسباغ الصفة المحلية على أعمالهم الفنية. فهم لم يستوعبوا ما توصل إليه المبدع الراحل محمد القاسمي الذي اعتبر أن الحداثة "لا تأتينا سوى كفعل متكامل، متولد عن اهتمامات عميقة بمضامين زماننا المتحرك، وتكون هذه هي الحال الحقيقية للإنسان المغربي والعربي". ويقصد القاسمي بالطبع الحداثة البصرية ذات الاتصال بالتحول الحاصل على مستوى التقنية والأسلوب في الرسم والتعبير التشكيلي.

مع أن الحداثة البصرية كمفهوم ظهر على ضوء الأزمة التي أصابت الإبداع التشكيلي الأروبي وبرزت لتعبّر عن الرغبة في "تقليد ما هو جديد". فهي حصيلة الهزات التي أحدثت تبدلا عميقا في بنية الفن، لذلك لبس الإبداع التشكيلي صورا جديدة تجاوزت الموضوع (بمعناه الكلاسيكي)، أي السردي والمشخص، وقد سمّى أمبرتو إيكو- Eco هذا البعد بـ"التفتح الصريح" بالنظر إلى أعمال رسامين عالميين مجددين كجاكسون بوللوك وجون دوبوفي..

وتلا ذلك فن ما بعد الحداثة/ Post-modernisme الذي يتصل بالانتقال من التجريدي إلى البيئي الملموس وبتحويل الفن إلى مجال للتداول والتساؤل حول الفن نفسه، وأيضا بتجاوز الأنماط الجمالية المتوارثة عن الشكلانية. لذلك هجر العديد من الفنانين صالات العرض التقليدية وتجار الفن والجمّاعين واتجهوا نحو الطبيعة، كما هو الحال عند فناني البيئة وفن الأرض- Land art والبرفورمانس..إلخ.

ولأن الإبداع التشكيلي بالمغرب مأخوذ من إرث جمالي ليس محليا ولا وطنيا سمته الأساسية النأي والابتعاد عن الجذور التقليدية للفن، فإن العديد من إنتاجات الفنانين المغاربة ظهرت في شكل أعمال تركيبية منقطعة عن امتدادها الطبيعي في منظومة القيم والأنساق الجمالية المؤسسة، بل إنها- وفي نواح كثيرة- تعبّر عن نوع من التبعية والتواطؤ مع مشروع الغزوsaad-ben-cheffaj الجمالي الغربي. وفي الواقع، فإن تقدم الفنون التشكيلية يظل رهينا بمستوى وعي الفنان في حد ذاته، ومسؤولية تتحملها القوى الطلائعية التقدمية داخل الحركة الثقافية المغربية لضبط موازين الكفاءات والجودة، والتحكم في سير هذا الجنس الفني في سياقه الصحيح، خاصة وأننا أصبحنا في الفترة الراهنة نعيش فوضى إبداعية فقد الفنانون المغاربة في خضمها كل المقومات والمقاييس والمعايير للعمل التشكيلي، نظرا للرؤى الخاطئة بالنسبة لبعض الفنانين واستلابهم، وكذا رغبتهم في الربح السريع دون بذل أي جهد فكري يخدم الثقافة والمثقفين. فكان المتلقي ضحية هذه المغالطات.

وقد ساهمت هذه الوضعية كثيرا في تعويق الإبداع التشكيلي وتراجعه بالمغرب، وهي حصيلة طبيعية لتضاؤل التلقي والاهتمام بهذا المجال، لا سيما في ظل هيمنة الخطاب الإيديولوجي المتشدد تزامنا مع تنامي السلطة السياسية التي تقمع الإبداع وتصادر حرية التعبير..

ورغم مجموعة من الاجتهادات، فإن الإنتاج التشكيلي المغربي عموما (القديم منه والحديث) لا زال بعيدا عن المنافسة الدولية، وهو أمر عادي بالنظر إلى تخلف الإبداع وانسلاخه عن ذاته وضعف الكتابة النقدية والمواكبة الإعلامية والافتقار إلى بنيات تحتية ووسائطية عصرية متخصصة (أروقة، متاحف، مشاغل ومحترفات مفتوحة..) وتذبذب مناهج ديداكتيك الدرس الجمالي بالمدرسة المغربية وانعدامه بالجامعة..فضلا عن قلة التشجيع وندرة فرص الاحتكاك بالخارج، دون الحديث عن انتشار ظاهرة الأعمال المزيفة وانعدام وجود سوق فنية- Marché d'art دينامية لتصدير الإبداع التشكيلي الوطني وترويجه بالخارج..إلى غير ذلك من العوامل التي تعري وتفضح المستوى الهزيل والمقلق للسياسة الثقافية بالمغرب!!

فالتشكيل المغربي غير معترف به بالخارج والتشكيليون المغاربة غير معروفين سوى من طرف عدد ضئيل من نقاد الفن أغلبهم تربطهم معهم علاقات شخصية أكثر منها إبداعية..زد على ذلك أن جل الكتابات والنصوص التي أقحمتها أقلام أجنبية مغمورة داخل مطويات وكاتالوغات معارض العديد من التشكيليين المغاربة أعتبرها شخصيا (والعهدة على الكاتب) شهادات زور وانطباعات سطحية وذاتية فيها الكثير من المحاباة والوصف المدحي والتكسبي. مع الإشارة أيضا إلى أن أدباء مغاربة ساهموا في فوضى التقويم والتقييم التشكيلي "عن حسن نية" (العبارة لأسعد عرابي) وتورطوا في التماع وجوه صارت "مشهورة" دون أي معيار إبداعي وجمالي.

بل إنه حتى على مستوى المهرجانات والملتقيات الفنية القارية والدولية، يظل الحضور التشكيلي المغربي في شموليته باهتا وخجولا باستثناء ما حققته بعض التجارب الفردية القليلة التي فرضت حضورها بمجهودات ذاتية غير مدعمة. ودليل ذلك أن الإبداعات التشكيلية المغربية لم تحظ بشرف المشاركة في ملتقيات فنية عالمية مشهود بقيمتها الإبداعية كمعارض kacimi-mohamedدوكيمنتا التي تقام كل أربع أو خمس سنوات في كاسيل/ ألمانيا وبيينالي فنيسيا وبيينالي ساوباولو وبيينالي إسطمبول وجوهانسبورغ الخاص بالإبداعات الشابة وأسواق الفن في "بال" كولونيا وباريس ومدريد وشيكاغو وبرلين، فضلا عن بيينالي كوانكو/ كوريا وقاعات العرض التجميعية في جلاسجو وليفربول وسوق "ديدرو" للمزادات الفنية العالمية في باريس. هذا دون الحديث عن عدم المشاركة في مشاريع ومهرجانات الحداثة الفنية في باريس (مثلا) والعرض في الصالات المختصة في هذا الصنف من الإبداع.

لكن، ومع ظهور بعض الفنانين المخضرمين إلى جانب آخرين ينتمون لجيل الثمانينات شهد الفن التشكيلي المغربي منعطفا جماليا إيجابيا منحه بعض الدفء ( المؤقت ) بفعل الحيوية الإبداعية التي ميزتهم، لكن القاطرة التي كان يركبها هؤلاء الفنانون سرعان ما زاغت عن سكتها حيال بروز خلافات مجانية أفرزتها تكتلات جمعوية فاشلة وظرفية ظلت – مع الأسف الشديد - بعيدة عن رسالة الإبداع وارتبطت أصلا بتحقيق أغراض ومآرب شخصية!!، الأمر الذي أعاد التجربة التشكيلية المغربية كثيرا إلى الوراء..

من ثم أيضا، بات الاقتناع مؤكدا بأن البحث التشكيلي المغربي لا زال سطحيا ويعاني من عدم الاعتراف داخل البنية الثقافية الوطنية جراء الأمية الأيقونية- Analphabétisme iconique من جهة، وبسبب فوضى الإبداع الناتجة عن غياب خطاب نقدي أكاديمي جريء يتجه نحو إنجاز قراءة صحيحة ومنصفة لخريطة الإنتاج التشكيلي المغربي الحديث والمعاصر من جهة أخرى..فالكثير من المغاربة يصبغون ويلونون وينحتون ويركبون الأحجام والصور، ولكن!!

من ثم، وبأسف شديد، أصيب الجسد التشكيلي المغربي بجرح عميق- لم يندمل بعد- بسبب القطيعة ولم يستطع الجيل الموالي- ولا حتى الأجيال الأخرى- حمل المشعل بشكل صحيح ومواصلة المشوار بنفس القوة والحماس، قدر ما ذهب جل أبنائه ضحية الاستلاب والأليَـنة- Aliénation الثقافية وإعادة النماذج الفنية المسكوكة والجاهزة التي ألقت بظلالها وظلامها على أشكال البحث والتجريب التشكيلي المغربي وشلت حركة الخلق والإبداع لدى الكثير من الرسامين والنحاتين المغاربة الذين ليسوا على دراية كبيرة بأسرار المواد وتقنيات استخدامها !!

هكذا، وعلى امتداد سنوات عديدة، مرَّ الفن التشكيلي المغربي، في أهم أجناسه وتلاوينه، من فراغ إبداعي مهول فقد على إثره الكثير من بريقه، ولم يعد يتبوأ المكانة المتميزة التي كان يحتلها سابقا على المستويين العربي والقاري..ليظل السؤال: "إلى أين يسير الفن التشكيلي المغربي" معلقا حتى إشعار آخر!!

ابراهيم الحَيْـسن.

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 

محمد أقضاض: صورة محمد الخامس في الشعر الأمازيغي

صورة محمد الخامس في الشعر الأمازيغي

ذ محمد أقضاض.

كان حادث اختطاف فرنسا لمحمد الخامس مثيرا لكل الشعب المغربي، في كافة مناطق البلاد. وقد أثار حمية جماعاته وأفراده، لا يختلف الأمر بين المناطق التي استعمرتها فرنسا والمناطق التي استعمرتها إسبانيا. فكما في تلك المناطق قامت المقاومة أيضا في هذه... لقد وحد هذا الاختطاف المغاربة أكثر حول قضيتهم، الاستقلال الوطني، فأضحى محمد الخامس هو رمز هذه القضية ومؤشرها. وكانت لعودته من المنفى تأثيرا أكبر، فقد ازداد الشعب تلاحما. واعتبر أن هذه العودة ليست مجرد إفراج فرنسي على السلطان، بل هي انتصار على الاستعمار، هي عودة مرادفة لاستقلال المغرب. وفتحت عودة محمد الخامس إلى وطنه باب استقلال البلاد. حينذاك انفتحت آفاق الشعب واتسعت أحلامه وبدا له المستقبل القريب والبعيد زاهيا مزهوا.

فكما سكن هذا الحلم أعماق الناس، اجتماعيا وسيكولوجيا وسياسيا، تجلى واضحا في الإبداعات التي تعبر عن الحلم الجماعي، فإذا ألقينا نظرة سريعة على الإبداع الشعري لأواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، نجد إشراق الرؤية والرؤيا معا سواء في ديوان "نجوم في يدي" للشاعر لحبيب الفرقاني أوفي ديوان الشاعر مصطفى المعداوي، الذي مات شابا، أو في أشعار الشاعر محمد السرغيني. مارس الشعر أحلامه في هذه الفترة، أحلامه باتساع رقعة الحرية اتساعا بلا ضفاف، وبقوة إرادة منتجة ومبادرة ومبدعة، على مستوى المضامين كما على مستوى البنيات والأشكال. حيث طلق هؤلاء الشعراء الجدد نظام القصيدة التقليدية وتركيبها الإيقاعي والبلاغي نحو قصيدة جديدة حداثية، تصورا وإيقاعا وصورة... غير أن القصيدة التقليدية استمرت في الوجود، وارتبط نظمها أحيانا بالمديح الذي لم يهتم بالصفات الشخصية، بل تناول أيضا تلك الأحلام والإنجازات المحققة والبطولات التي أنتجت تلك الإنجازات، كما هو الشأن مثلا في كثير من "العرشيات" وقصائد إحياء الذكرى السنوية للاستقلال في تلك الفترة...

ذلك أيضا ما نجده في بعض قصائد الملحون العربي الدارج وفي قصائد غنائية أمازيغية سواء في الجنوب أو في الوسط أو في الشمال... في هذا المبحث أتناول مقاطع نظمت في بداية الاستقلال بالريفية حول محمد الخامس والاستقلال. ومعروف أن مثل هذه الأشعار صادرة عن روح الشعب وعمقه، وهي حاملة لمطلق الصدق. وقد تُداولت خلال عقد الستينيات، ومازال بعض المسنين والمسنات يحفظون بعضها، غير أن جلها ضاع وابتلعه النسيان مادام قد اعتمد على التداول الشفاهي. وحتى المقاطع التي تم غناؤها آنذاك وسجلت في أشرطة دخلت في حكم الضياع، خاصة وأن تلك الأشرطة أيضا تعرضت لتلف تقني أو لضياع حين فقدت من يعتني بها باعتبارها وثائق صوتية. ومعروف أن هذا الشعر كان ينتقل بالشفاه بين فئات الشعب عبر الغناء القائم إما على التنغيم العادي الجاري بين الفتيات والنساء خلال أدائهن لبعض الأعمال... وإما بالموسيقى الأمازيغية التقليدية من خلال بعض الأشرطة المسموعة، اعتمدت تلك الموسيقى آنذاك على الآلات التقليدية الضرورية المعروفة في المنطقة "المزمار" و"البندير/ الدف"، لذلك لم يكن المتلقي يركز اهتمامه على إيقاعات الآلة بقدر ما كان يهتم بالكلام المنظوم والمنطوق المنغم...

ورغم أن تلك المقاطع المتبقية قليلة جدا فإنها تتضمن صورا وتيمات تجسد تصور وأفق تلك المرحلة، ورغم قلتها أيضا فإنها تعالج فترة نفي محمد الخامس وفترة عودته من المنفى:

1- نفي محمد الخامس:

لقد أدرك الناس في الريف نساء ورجالا المعاناة التي عانها محمد الخامس في المنفى بعد اختطافه لذلك قالت بعض النساء آنذاك[1]:

آ ثِيحْرامِينْ انَّـغْ وِي اتِّيرْضَنْـتْ بُو هِيـنَا يَا صبايانا لا تلبسن ثوب "هِينا"[2]

آ محمذْ الخَامِسْ اقَّــاثْ ذِي تـامَــــــــــارَا إن محمد الخامس يعاني الأمرين

تخاطب الشاعرة الفتيات والنساء أن يُضربن على ارتداء هذا النوع من الكتان "هينا"، الذي كان آنذاك أحسن ما يمكن أن يلبس ويتزين به، ويتم ارتداؤه أساسا في مناسبات الفرح. والإضراب على ارتداء النساء لهذا الثوب بمناسبة أصبحت معروفة بين كل الناس وتحز في نفوسهم، هي معاناة محمد الخامس في المنفى. والشاعرة هنا تحث النساء، ومن خلالهن الرجال، للتعبير عن الحزن والرفض لتلك المعانات، بل ويعيشونها معه... وتدل الصيغة اللغوية للبيت على الإحساس الذاتي للمعانات، فهناك "آ" كحرف نداء للتحسر، وهناك "انَّغْ" التي تدل على العلاقة الأخوية الحميمية والتي توحي بالاستعطاف، وهناك أداة النهي "وِي" أداة نهي قطعي، ومبرر منع ارتداء هذا الثوب، في الشطر الثاني، ليس عاديا، إن محمد الخامس يعيش المعاناة فكيف تفرحن بلباسكن الجميل؟ وتوظيف لفظة "تامارا" هو توظيف حاد التعبير، لأن اللفظة لا تدل على نوع محدد من العذاب بل تنطوي على كل أنواع العذاب والمعانات، وهي نفس الدلالات التي تحملها أيضا في اللغة العربية المغربية الدارجة. إلى جانب ذلك يحمل البيت التعبير عن الألم من خلال الروي المزدوج، ففي بداية الشطرين، الأول والثاني، نجد هذا الحرف الذي يعبر بعمق عن الألم وهو الألف الممدودة "آ" في اللغة الأمازيغية، ونفس الحرف يتكرر في الشطرين كروي...

وتدخل الشاعرة في عمق شعور أبناء العائلة المالكة، حيث تقول:

ثَنَّاسْ لَلاَّ مِـينَـا حَـارْمَغْ إِيهَـاكُوسَنْ قالت للا مينا إني حرمت على نفسي انتعال الحذاء

ثَنَّاسْ غَامَا يَحْكَمْ بَابَا خِي رُومَيَّــنْ قالت إلى أن يحكم أبي على النصــــارى الغربـاء

في هذا البيت دخلت الشاعرة بيت الملك وعرفت شعور أهله، فبنت الملك رفضت انتعال الحذاء وأبت إلا المشي حافية إلى أن يفرض أبوها سلطة رأيه على النصارى فيقتنعون بضرورة استقلال المغرب. وهو بيت متمم للسابق حيث دعت الشاعرة الفتيات للإضراب على ارتداء نوع من اللباس، كما فعلت الأميرة التي رفضت انتعال الحذاء إلى أن يتحرر الملك والبلاد. يحمل البيت مسحة دينية، فقد حرمت، ولم تمتنع فقط، والتحريم أسمى من الامتناع، وسوف تحل تحريمها حين يخضع النصارى (بمعنى الكفار) لأبيها، فيتم انتصار سياسي وانتصار عقائدي...

لا يمكن أن يكون هذا التحريم جزئيا يتعلق بالنصارى الفرنسيين فقط، وإنما هو تحريم كلي يشمل النصارى الإسبان الذين استعمروا الريف. ومعروف أن سكان الشمال، بما فيهم أهل الريف الشرقي، كانوا متخوفين من تعنت الإسبان بعد انزياح الاستعمار الفرنسي. فيستثنى الريف من حكم محمد الخامس:

ثَـنَّـاسْ للاَّ مِـينة نَشْ حَارْمَغْ الـلّـِيــــفْ قالت للا مينة أنا حرمت على نفسي الزواج

ثَنَّـاسْ حَامَـا يَحْـكَمْ سِيذِي بَابَا خَ الرِّيفْ قالت إلى أن يحكم سيدي أبي علـى الـريف

تتغنى الشاعرة بلسان الأميرة للا مينة أن الريف لا يمكن أن يستثنى في مفاوضات الاستقلال، حين ذاك يستمر أهل المنطقة تحت نير الاستعمار غارقين في المعاناة، والعائلة الملكية نفسها نساء ورجالا تدرك ذلك، لهذا حرمت الأميرة الزواج إلى أن يخضع الريف لأبيها، والتحريم أيضا هنا هو تحريم ذاتي يفرضه أهل المنطقة على أنفسهم، ويحسون أن الأمراء والأميرات متضامنون معهم بشكل غير مباشر... هكذا يبدو أن المعاناة أيام نفي محمد الخامس لم تكن فردية أو ملكية أو من جهة واحدة فقط بل هي معانات متبادلة، فكما أن المآسي لبست القصر لبست كذلك المواطن، بما في ذلك الذي كان خاضعا لاستعمار غير الاستعمار الفرنسي...

2- العودة من المنفي:

تتناول الأبيات التي تمكنا منها حول هذه التيمة، أربع صور: أ- سمو العودة. ب – نضال الملك ضد الاستعمار. ج – العودة هي التحرر. د - تقديس الملك.

أ‌- ارتبطت عودة محمد الخامس من منفاه بالطائرة، في الأشعار الأمازيغية الريفية، فيقول الشاعر[3]:

آمُحمذ الخامس يَنْـيَدْ ذِي طَـيَّـارَا امتطى محمـــد الخـــامس الطائــــــــــــــــــرة

إِيجْ اُوفُوسْ اِينَدَّهْ إِيجَّنْ يَقَّا يَحْيَا يد على المقود (تقود الطائرة) وأخرى تقول يحيا

يتضمن هذا البيت تصور أن محمد الخامس في عودته من المنفى عاد في الطائرة، غير أن هذه المرة كان هو ملاحها هو الذي يقود، يقود بكل إرادته، وهو في أجواء وطنه يحيى شعبه ويدعو بالحياة لهذا الوطن. هي عودة سامية عبر السماء الشاسعة، هو سمو سياسي ووطني، وديني أيضا – كما سنرى -. لهذا البعد يتكرر مثل هذا الجهاز/الوسيلة مرارا... والعودة هنا لم تكن فردية ولا شخصية هي عودة لرموز الوطن:

آثُورِيدْ طَيَّارَا صَوَّانْ ذَايَسْ ارْكِيسَانْ صعدت الطائرة رسمت فيها الكؤوس

يَنْيَدْ ذَايَسْ الْمَلِكْ اذْ مُورَاي ارْحَاسَانْ امتطاها الملك ومولاي الحســـــــــن

في الشطر الأول إشارة إلى أن الطائرة نقشت فيها صور الكؤوس، وهي صورة بلاغية تقوم على التشبيه التمثيلي، المعروف في البلاغة العربية، يستفاد من هذه الصورة البلاغية ما تدل عليه الكؤوس في التعبير الأمازيغي الريفي من تساوي وانسجام، ولأن الكأس هنا لا يمكن أن يكون إلا زجاجا، هو أيضا علامة على النقاء والصفاء... وهو صفاء تشير إليه أيضا هذه الموسيقى الداخلية للشطرين حيث تكرار المد والنون الخفيفة وأساسا حرف السين اللامع في البيت... ثم:

آثُورِيدْ طَيَّارَا آمِينْ ذانَغْدْ ثَيْـسِيـــذ؟ صعدت الطائرة ماذا حملتِ إلينا؟

الْحَمْدُ اللهْ آرَبِّي ذَ النِّظَامْ أٌو جَدْجِيذْ حمدا لك يا ربي هو نظــام الملك

لم تحمل الطائرة شخص الملك، مع عائلته، مجردا، بل المهم في ذلك أن الطائرة امتطاها الملك العائد من المنفى حاملا نظاما جديدا، بعيدا عن النظام المخزني قبل الاستعمار وبعيدا عن نظام الاستعمار، إنه النظام الملكي المغربي الذي يحفظ كرامة الناس ويوفر لهم رفاهية العيش والحرية... ويبدو في صياغة الشطر الأول صياغة استفهامية، يسأل فيه الشاعر الطائرة نفسها حول الجديد الذي حملته إليهم، هو استفهام مأساوي قريب من استفهام المتنبي للعيد، "عيد بأية حال عدت يا عيد؟"، غير أن الشاعر الأمازِيغِي فاجأ متلقيه كما فاجأ نفسه بالجواب السعيد، حامدا الله على أن الطائرة حملت نظام الملك... فجرد الشاعر من نفسه المستفهم وفي نفس الآن المجيب، وكأن البيت من نظم شاعرين وليس لشاعر واحد... هو جواب أيضا ينطوي على رغبة وإرادة، كما ينطوي على حدس استوحى أفكار محمد الخامس نفسه، حيث نجد في إحدى خطبه حين تولى عرش المغرب سنة 1927: "إن الشعب المغربي ينتظر منا، من بين ما ينتظر، مجهودا مستمرا لا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، ولكن لنكفله أيضا الانتفاع من تطور فكري يكون متلائما مع احترام عقيدته، ويسمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يكون من السرعة"[4] . وسمو عودة الملك في الطائرة يتمركز أساسا في هذه الخلاصة، خلاصة النظام الوطني الجديد الذي أتى به الملك، "خلق مؤسسات منبثقة عن انتخابات حرة ترتكز على مبدإ فصل السلط وفي إطار ملكية دستورية تعترف للمغاربة على مختلف دياناتهم بحقوق المواطن وممارسة الحريات العامة والنقابية"[5].

3- نضال الملك ضد الاستعمار:

لم تكن العودة من المنفى منحة منحها الفرنسيون لمحمد الخامس، بل حسب بعض هذه الأبيات هي نتيجة نضال مرير، يقول الشاعر:

أمُحَمذ الخــامس آشْ اِيعـــــاوَنْ آرَبِـــي يا محمد الخامس نطلب الله أن يساعدك

آتَنْفِيذْ آفْرانْسِيسْ ذِي ارْبَارْ وَارْ اِيتِيرِي لتنفي الفرنسيين من البرِّ كي لا يبقـون

فالعودة إذن بعون الله ونضال محمد الخامس هي أيضا مواجهة بين ملك وطني واستعمار محتل، ولابد للنصر أن يكون حليف الوطني صاحب حق... وفي بيت ثاني يؤكد الشاعر أن الدائرة في هذه المواجهة غير المتكافئة دارت على الفرنسيين:

آمحمــذ الخــامـس المــلك آسَــيّــَاسْ يا محمد الخامس أيها الملك البارع في السياسة

يَجُّودْجْ حَامَا يَارَّا فْرَانْسِيسْ آرْ ادْسَاسْ أبى إلا أن يعيد الفرنســيين إلى الحضــيض

فرغم المنفى والمعاناة فإن الإرادة النضالية الوطنية لمحمد الخامس كانت أقوى، فقد أقسم أن يعيد فرنسا إلى وضعها القبْـلي، إلى أرضها، يبعدها عن سماء وأرض الوطن المغربي، وهذه الإرادة لم تكن في حاجة إلى جيش جرار مدجج بأحدث الأسلحة الفتاكة، بل كان في حاجة للحكمة السياسية المحنكة التي تمتع بها الملك...

4- العودة هي التحرر:

كانت نتيجة العودة ونتيجة مواجهة الاستعمار هي حرية المغرب والشعب المغربي:

آيَا سِيذِي آرَبِّي يَوْشَانَغْ الْحُرِّيا لقد أعطانا الله الحـــــــــرية

يِيوْيِتِيدْ الْملكْ اذِي انْهَار نَجَّمْْعَا أتى بها الملك فِي يوم الجمعة

لقد منحنا الله الحرية حين أتى بها الملك مع عودته من المنفى، وهي حرية افتقدها الشعب لفترة طويلة وخاصة في زمن الاستعمار، والحرية هنا هي حرية طبيعية يمنحها الله لعباده، وهي حرية الممارسة والتفكير والتعبير والتنقل وحرية الحياة. وهي في هذا البيت حرية متعالقة بين هذا الإنسان الموهوب، الملك وبين الله، فإذا كان الله هو المانح فإن الوسيلة هو الملك، والمستفيد منها والمتمتع بها هو الشعب. لذلك لم يأت بها الملك في أي يوم من أيام الأسبوع بل وبالذات في يوم الجمعة الذي له موقع خاص في اعتقاد الشعب المسلم والمؤمن. ورغم ما يبدو من أن كلمة "الجمعة" ذكرت لتستقيم القافية، فإنها أساسا تعبر على وعي جمعي الذي يربط بين الحرية ويوم الجمعة ربطا تقديسيا، كما ربط الشاعر ربطا تقديسيا بين الملك/الولي والنبي...

5- تقديس محمد الخامس:

في الأبيات المذكورة يتوارى قصدا هذا البعد التقديسي لمحمد الخامس، فإلى جانب ذكر الطائرة التي امتطاها الملك في عودته حرا من المنفى، والطائرة هنا تسمو بالملك في السماء، وكأنه أعيد بعثه إلى شعبه ليحرره من الطغاة، أيضا نجد أن مواجهة الاستعمار تتم بعون الله، وأيضا الله أعطى لنا الحرية ولكن الملك هو الوسيلة... ثم ينتهي الشاعر إلى عمق ذلك السمو والتقديس في البيت التالي:

آمحمذ الخامس آمحـمـذ الْـوَلِــــــــــي يَا محمد الخامس يا محمد الولي

وَنِّي شَكْ إِزُورَنْ آخْمِي إِيزُورْ النَّبِِي من زارك كأنه زار الــــــــنبي

 

فقد أصبح محمد الخامس وليا من أولياء الله، لذلك تحق زيارته للتبرك به، مثل زيارة النبي للتبرك أيضا، وعبارة :اِيزُورْ" تعني بالأمازيغية/الريفية التبرك بالأولياء. كان هذا الطابع التقديسي للسلاطين سائدا في الريف في كل فترات التاريخ الإسلامي بالمغرب، حيث كان ارتباط المنطقة بالسلطان هو ارتباط روحي ديني أكثر منه إداريا وماديا، فتعمق مع محمد الخامس وهو في المنفى وبعد عودته من المنفى، حيث ركز الشاعر هذا البعد في هذا البيت تركيزا بليغا يجمع بين التاريخ والسياسة والدين.

هكذا يبدو أن الشاعر والشاعرة الأمازيغيين، في فترة ما بعد الاستقلال، نظرا إلى أن عودة محمد الخامس مماثلة لاستقلال المغرب، وهو استقلال جاء عبر تضحيات جسيمة، وبمضمون تحرري وتنموي، جاء ب"نظام جديد" للمغرب يحفظ كرامة المواطن، ويوفر له الرفاهية والحرية والديمقراطية...

[1] - هذه الأبيات روتها السيدة خديجة عيسى الماحي، من قرية تيميزار فِي مرتفعات قبيلة بني سيدال الجبل، في عمرها حوالي سبعين سنة. وتسكن الآن بمدينة الناظور.

[2] - "هينا" هو نوع من الكتان كانت النساء آنذاك يفتخرن بارتدائه نظرا لخفته وجماله.

[3] - من الأشعار التي غناها شيوخ بني توزين آواخر الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي.

[4] - عن د. عبد العلي حامي الدين من كتابه "الدستور المغربي ورهان موازين القوى". طبعة دار النجاح الجديدة.الناشر دفاتر وجهة نظر. 2005.

[5] - عن نفس المرجع. ص. 23.

 

 

سعيد علوش: وضعية النقد الموضوعاتي

وضعية النقد الموضوعاتي

said-allouch

سعيد علــوش

 

1- تداول "الموضوعاتي" و" الموضوعاتية":

يعد اصطلاح " الموضوعاتي" (thème) تحديدا إجرائيا تعالج من خلاله وحدات ذات درجة تكون تركيبية واحدة دون اشتمالها على عدد العناصر نفسها، شريطة تداخل الأشكال المترابطة، لا الأشكال الحرة. وقد كان اصطلاح " الموضوعاتي" (أو التيمي) اصطلاحا انطباعيا إلى حد بعيد، استعمله ج.ب.ويبر(Jean Paul Weber) في معنى خاص مطلقا إياه على الصورة الملحة والمتفردة والمتواجدة في عمل كاتب ما. من ثم، ينظر إلى اصطلاح الموضوعاتي حسب منطق التماثل. ويبرز سر الموضوعاتي في الإبداع عبارة عن حدث ينتج من جراء صدمة تعود إلى أوائل شباب- إن لم نقل طفولة- الكاتب. وتحدد الموضوعاتية عند ج.ب. ريشار (Jean Pierre Richard)، في شكل هوية سرية ذات مستويات متعددة ترتبط بالتجربة الخاصة للوعي التأملي، أو الخارج- تأملي. وتحدد الموضوعاتية- انطلاقا من السابق- في تمفصلها إلى قنوات، تعمل على انسجام العمل الأدبي، عبر أربعة تفرعات :

أ- خطاطة تنظيمية محسوسة.

ب- مركز حيوي لعالم تخيلي.

ج- محور ترابط العمل في كتلة دالة.

د- خلاصة لمنظوراتية التعديلات.

كما تستخلص الموضوعاتية من ميزاتها الهندسية لا عبر قيمتها الإحصائية. وتلازم الأنواع الأدبية والأشكال النقدية مشددة في ذلك على الرسالة أو الفكرة المهيمنة على العمل الأدبي- النثري أو الشعري- لتلعب فيه دور القانون الأساسي المنظم لعضويته.

وبذلك يمكن للحرب كموضوع (في المعلقات السبع، والملاحم، والروايات) أن تكون موضوعاتية في (الحرب جحيم)، و(الحرب جنون)، و(الحرب سلم). من هنا يمتزج الموضوعاتي في الأدب بالموضوع، لأن ( موضوعاتية الحب)، في الشعر العذري، والسونات الموسيقية، والدراما الشكسبيرية، تعد قانونا لموضوع الحب، على الرغم من الاختلافات النوعية للموضوعاتي، من عذرية إلى أخرى، ومن إباحيّة إلى غيرها، ومن دراما إلى مماثلتها. إذ تكاد هذه الاختلافات النوعية تتكون من اختلافات (الحب أعمى)، و(الحب أبدي)، و(الحب لعنة)، و(الحب نعمة).

من ثم، قد نخرج بفكرة أنه ليس هناك ماهو أكثر إبهاما من الموضوعاتي، حتى ونحن نعود إلى جذر الكلمة، في استقصاء لدلالاتها وقراباتها الضمنية والخفية واكتشافاتها للبنيات الفكرية للأعمال.

وإذا كانت تعريفات الحقل الثقافي لأدب ما- كيفما كانت وطنيته- تمتلك ما يدعم الموضوعاتي على المستوى المعجمي والسيميائي، فإن الانتقال إلى الحقل الثقافي العربي يجعلنا نتردد بين الاحتفاظ بالمصطلح، كما هو في لغته : التيم/ التيمية/ التيمانية : (thème/Thématique/ Thématiser)، أو اعتماد التعريب العربي : الموضوعاتي/ الموضوعاتية، الموضوعاتيات، وهي تعريبات يدعمها في غالب الأحيان الأصل الأجنبي، كما نجد ذلك في مقاربات عبد الكريم حسن، وجوزيف شريم، وكيتي سالم، وكليطو. هذا إذن ما دفعنا إلى اختيار تعريب المصطلح مع التشديد على الأصل المرجعي. وبذلك يصبح مفهوم الموضوعاتي في الحقلين العربي والغربي هو التردد المستمر لفكرة ما، أو صورة ما، فيما يشبه لازمة أساسية وجوهرية، تتخذ شكل مبدأ تنظيمي ومحسوس أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت، يسمح للعالم المصغر بالتشكل والامتداد.

فالبحث إذن في الموضوعاتي هو بحث عن النقاط الأساسية التي يتكون منها معنى العمل الأدبي. ومقاربة الكشف عن هذه النقاط الحساسة التي تجعلنا نلمس تحولاتها، وندرك روابطها، في انتقالها من مستوى تجربة معينة إلى أخرى شاسعة. ولهذه الغاية، يجري افتراض مقاربة التردد الإحصائي للموضوعاتي الذي يمكننا ملاحقته عبر تواترات تظل غير متوفرة على قواعد ثابتة وعامة، مع أن بإمكاننا حصر الموضوعاتي من خلال التكرار كطريقة عادية تسمح بالإلمام المعجمي أو السيميائي بالموضوعاتي الأساسي والثانوي في النص، مما يساعد على تبين المعمار الظاهر أو الخفي، وإدراك مفاتيح مكوناته، كعلامة على قابليته للفهم والتأويل. بيد أن التكرار لا يرضي ج.ب. ريشار، لأنه يقف فقط عند حدود الكلمات- المفاتيح والصور- المفضلة والأشياء الجذابة. ولا يتعداها إلى طرح الموضوعاتي كصورة تفجير للوحدة عبر تفكيكها وتركيبها.

ويمكن القول بأن التوقف عند الموضوعاتي، كإدراك قار ومستنسخات وقوالب معجمية وصور وأشكال تعبيرية لعصر ما قد يفرغ الموضوعاتي من طابعه الابتكاري الشخصي. لذلك نجد أن التكرار لا يتعدى مجرد علامة، لأنه ليس المعيار الوحيد الذي يكشف عن الموضوعاتية والموضوعات مادام يحمل دائما وباستمرار قيمة دلالية، لأن القيمة الاستراتيجية للموضوعاتي هي هندسة موقعه.

لهذا، نجد أن ج.ب. ريشار ينتهي إلى صعوبة إيجاد طريقة موحدة لحصر الموضوعاتي في شكل طرائق ذاتية وعليها أن تبقى كذلك، لأن كل مقاربة نقدية تقتضي افتراض أصالة نقدية للناقد والقارئ والكاتب. وهذا التوجه المبدئي هو بالذات ما يؤسس ويؤصل للمشروع النقدي الموضوعاتي. وقد استدعى الطرح السابق وضع الموضوعاتي في خطية عبر مستويات التجربة وتعددت رؤاها لمعرفة كيفية تواصلها في تأليف التجربة.

كما تظهر الموضوعاتية الأساسية والثانوية كمرسل يسمح بالغور داخل مختلف اتجاهات العالم الداخلي للعمل، في انتظار حيوي ومجاميع منسجمة ومرنة يحكمها قانون التشاكل والتضاد والثبات والتحول والانفتاح والانغلاق والمباشرة والضمنية.

كما يمكن للموضوعاتية البنيوية أن يتحدد فيها الموضوعاتي كتجميع مبنين للحوافز، إذ يتشكل ضمن علاقته بموضوعيات أخر مشابهة أو معارضة له.

وينتمي كل موضوعاتي من هنا، إلى نظام- مصغر من الموضوعاتيات المتقاربة ذات الحقل الواحد، والذي تتحدد بنيته أساسا من خلال لعب التعارضات داخل هذا الحقل.

ويستخلص من هذا أن بنينة المضمون ترتبط بمعيارية : إذ يعد الموضوعاتي مبنينا في الأدب، ولا ضرورة لادعاء دراسته في معزل عن بنيته.

وبذلك يتكشف لنا مبدﺁن إبستمولوجيان يشتقان من القيمة التي تطرح بنية الموضوعاتي في أي مشرع موضوعاتي بنيوي. هما :

أ- استحالة الكشف الموضوعاتي خارج حقله الدلالي.

ب- تحدد الموضوعاتي في ثوابت دلالية.

ويتوجب علينا- من خلال السابق- القيام بجرد لتحديد إمكانيات تغير الموضوعاتي الذي يصبح- انطلاقا من هذه القاعدة- عبارة عن توزعات للدلالة الأدبية.

ويظهر أن تمييز جيرالد برانس (Gerald Prince)، بين الحافز والموضوعاتي، يبرز أن الاختلاف هو اختلاف في الدرجة لا في الطبيعة، مع أن الحافظ يعد-بدون شك- أكثر ملموسية، بينما يظهر الموضوعاتي أكثر تجريدية. غير أن الأشكال الموضوعاتية الأكثر ملموسية تلحق بالأشكال الأكثر تجريدية في الحافز الذي لا مجال له في الاستمرار.

وتعد الحوافز التي تظل جامدة في شكل قالب قليلة، وتقدم الاتفاقات المختلفة للحافز عبارة عن تنويعات لنمط قاعدي، لذلك يمكن أن يعد الحافز بمثابة الموضوعاتي.

وتنتمي الموضوعاتيات إلى أسرة مفاهيم، تدفع إلى الاعتقاد في إمكانية الحصول على تقعيد منطقي مقصدي.

وقد تتوصل أحيانا إلى عدم وجود الموضوعاتي في النص، بل يقع خارجه، أي في التقليد الأدبي الذي يندرج النص فيه مادام التقليد يعترف بالموضوعاتي كأساس ثابت للأدب، لأنه كل ما ننتهي إليه خلال كل تأويل. إذا يصبح الموضوعاتي شعارا للنص، فهو لا يوجد دون كتابة، هذه الكتابة التي تعترف بالموضوعاتي ولا ترفض خدمته مادامت تشغله بوظيفة هويتها.

من ثم، تتكون في أذهاننا حركة مد وجزر شبه تلقائية عن تنويع الموضوعاتي للمفهوم وتوحيد المفهوم للموضوعاتي، وهي حركة تفسر صعوباتنا في التفريق الواضح بين العمليتين. ويفضي بنا التحرر من قيد التعريف والغوص في عدوى التجريب إلى استقرار المفهوم الذي يصبح موضوعاتيا في تسمية سهلة تخضع للتأمل، ولا يلبث الموضوعاتي أن يبتلع داخل المفهوم، ولهذا السبب كان التفكير في الموضوعاتية موجها تلقائيا نحو العملية الثقافية لاستخلاص المكونات، إذ نجد أن قارئ رواية ما يقوم بذلك حين يبدأ في تحليل الإبداع الروائي.

من ثم، نجد الموضوعاتي يطرح موضوع تساؤل كل المفاهيم التي تكونت لديه بقصد الإلمام بها، ويظهر هذا من خلال الدينامية الجمالية للموضوعاتي (بحكم أنها تسمح بسلسلة متغيرات غير متوقعة)، ومن خلال السيكولوجية (بحكم تكونها وتحللها في وعي الكاتب والقارئ والسامع والمشاهد)، ومن خلال السوسيولوجية (كسلسلة أفكار تلقيت بأشكال مختلفة تتقاسمها الجماعات السوسيو- ثقافية، وتروج عبر الحوار الذي يوجهه الجمهور). ومن خلال التاريخية (كظاهرة تطورية تكتسب بعض الخطوط وتفقد أخرى في تعديل لروابطها الداخلية ونقل لحدودها الخارجية).

ويعتبر نورمان فريدمان (Norman Friedman) اصطلاح الموضوعاتي من الاصطلاحات الأساسية والمتغيرة في النقد المعاصر، وكان يعني في النقد القديم المعنى العام أو الشكل.

ويمكن للموضوعاتي أن يدل على مشاكل متعددة، كالفاعل أو القضية القاعدية التي يجسدها العمل (كعلاقة الفرد بالمجتمع مثلا)، وكل تكرار في عمل ما، كما هو شأن الحافز أو المحرك (كموضوعاتي المطر في رواية وداعا للسلاح مثلا)، وكل عنصر مهيمن (في موضوعاتي العدو في عمل المنزل الأسود)، وموضوعات الحب والمرأة والدين والرحلة، أو ما يعتبره نورثروب فراي (Nothrop Frye) (معنى) و(مضمونا مفهوميا) و(فكرة) أو (نقطة عمل).

ويمثل الموضوعاتي بالنسبة للحبكة ما يمثله المعنى بالنسبة للشكل، فهو تطور فاعل وفكرة هامة، وخيط مركزي وتعميم أدنى، وصنف دلالي مجرد يقود مجموعة من الحوافز أو الوحدات. فالموضوعاتي هو إطار وبنية صغرى ونموذج للواقع ونظام لترتيب معارفنا حول موضوع ظاهرة ما في العالم.

2- حقل وحدود الموضوعاتي :

يرى كلود بريمون (cl.Bremond)، أن قيام وتطور نظرية معاصرة للأدب جاءا " كرد فعل على توسع الدراسات المرتكزة على مضامين الأعمال، وقد اهتم مؤسسوا هذا المجال الجديد باستخلاص البنيات الشكلية التي تحكم التنظيم الأدبي، معتمدين في ذلك على النحو لا على الخبر، وعلى اللغة لا على الكلام وعلى الروابط لا على المرجعية. وبتعبير هذه المرحلة فقد استطاع تقدم علم السرد التجريدي والدراسات حول الخطاب التوصل إلى التغيير العميق لروح الدراسات التي فتحت أمامها حقولا من الأبحاث التي لا تقبل الشك، وذلك بتمكينها من ابستمولوجية متجددة" (بوتيك/395).

ويساعدنا هذا التقديم على موضعة حقل وحدود النقد الموضوعاتي الذي جاء نتيجة هذه الابستمولوجية المتجددة التي ساهمت في تكوين نظرية معاصرة للموضوعاتية الأدبية من خلال محددات طرق تندرج بواسطتها مجموع الوحدات والمفاهيم والصور في عمل ما ضمن موضوعاتية توحي بمفاهيم (للحب والموت والحياة والثنائية والانسجام والتعارض...) أو بمجاميع مفاهيم في (آلام فرتر)، و(المعذبون في الأرض)، أو بأحكام : (الحياة كذبة كبرى)، و(الموت استراحة، أبدية).. إلخ.

من ثم، نواجه التساؤلات المشروعة عن علائق الموضوعاتية بالبينات السردية، ووضعية الحافز والموضوعاتي وعلاقتهما بالخطابات السردية، ودلالة الموضوعاتية في العوالم التخيلية، وروابطها بنظرية الأنواع الأدبية، والقرابات الموضوعية والذاتية بين الموضوعاتي وأصناف الخطابات الأدبية، ودور التقاليد الموضوعاتية في المراحل التاريخية، وعن مكانة وإمكانية قيام سوسيولوجية وسيكولوجية وبنيوية وسيمائية موضوعاتية.

وليس التعارض راديكاليا بين مفهوم الحق الموضوعاتي، كما نجده في مساهمة لوبومير دوليزيل (Lubomir Dolezel)، وعند غيره كما قد يظهر، إذ ينطلق دوميزيل من حقل موضوعاتي تحدده ثلاث زوايا، معتمدا على حالات وسيطة تنتهي بالاعتراف بوجود حالات مشكوك فيها، كما هو شأن حالة التحولات التي تشوش على الحدود الأولية الخاصة بالانطلاق من اللامستمر إلى المستمر، في حين ينطلق البعض الآخر من حقل موضوعاتي مستمر للتساؤل عن مختلف الطرق التي تسمح بجرد الحقل المعين، دون التعبير عن القيمة الابستمولوجية لكل طريقة من الطرق. كما يمكن اعتبار اكتشاف الحقل الموضوعاتي شكلا بنيويا نسبيا، إذ لا يتم الإلمام الثقافي به إلا حين يتم إيجاد قطائع وتجميعات ضمن استمرارية الحقل الموضوعاتي. إذ تراهن كل عملية على بنية النص أو مجموع النصوص المشروطة باهتمام جمالي ومنطقي ونسبي وبنيوي...الخ.

ويظهر أن الموضوعاتي يحتل مكانة هامة في أعمال اللسانيين، وخاصة أولئك الذين يتبنون نظرية التعبير ويعتمدون على الميراث البنفنستي (Emile Benveniste) عامة. إذ يصبح الموضوعاتي عبارة عن اكتشاف تعبيري ووظيفي، غير أن الاستعمال اللساني يختلف اختلافا جوهريا عن استعمالات المحللين الأدبيين، ويتعلق الأمر بالنسبة للاستعمال الأول بالسطح أو الانتهاء إلى شيء واضح ومباشر. بينما يعود الاستعمال الثاني إلى صور ضمنية تثير شك المحلل حين تكون مباشرة وواضحة.

يساعد مفهوم الكشف على الربط بين الاستعمالين- إلى حد ما- بحكم أن الموضوعاتي يتكون من تعبير يجعله ينطبق ويسري على كل كلام من أصغر وحداته إلى أكبرها، ومن الحروف إلى مكونات النص الأدبي، خاصة وأن الموضوعاتية تكاد لا تختلف جوهريا من ثقافة إلى أخرى، ومن لغة إلى أخرى، وإن اختلفت من كاتب إلى آخر، ومن عمل إلى آخر.

ويظهر نزوع الاستعمال اللساني إلى دراسة الموضوعاتي على مستوى الجملة، والذي أعقبته دراسات أخرى على مستوى الخطاب. ونلاحظ أن المستوى الأول نما بشكل قوي دون أن يربط علاقاته بالأدب. بينما ظل المستوى الثاني الذي كشف عن دقته الأدبية بعيدا عن التأثير القوي.

ومع كل ذلك يصعب تطبيق التعريفات اللسانية على الأدب لاستحالة تحديد مقياس كشف بؤرة اهتمام المتكلم أولا، ولاختلاف العمل الأدبي الذي يسن لنفسه وضعية تعبير خاصة تقوم على الجمع بين عناصر موزعة ثانيا.

فلا غرابة أن يجد الموضوعاتي وضعيته تتذبذب على الدوام بين وضعية العلامة التي تبدع الاختلاف في ملازمة المعنى لنظام العمل ووضعية الإشارة التي تحيل على نوع ما ومخزون حوافز خاصة، ووضعية أوامر يتعثر فيها الكاتب ويواجه ببعض العوائق، كما يواجه القارئ بأفق انتظار مبرمج مسبقا. وضعية اعراضية يشار إلى حضورها بغياب ما. ووضعية رمزية تأتي كعنصر من النظرية أو الخطاب النقدي حول العمل.

ولا غرابة كذلك أن لا تزودنا نظرية الأدب بأدوات تأويلات للموضوعاتي، إذ ليس علينا أن ننتظر أكثر من مقاييس للكشف عن الموضوعاتي، وقد يكون ذلك من قبيل اعتمادنا على نظرية الرسم في رسم وجه جني مثلا.

وتكاد الدلالات الأدبية، بحكم كونها لعبة أشكال مفرغة تؤكد نفسها عبر مرآوية إبداع المعنى والامتلاء به، فهي تدعونا إلى الاستماع الجيد والتلقي الجيد لغنى الموضوعاتية التي تزخر بها.

ومن الممكن أن تكون الموضوعاتية البنيوية سابقة على الشاعرية الأرسطية وعلى غيرها من الحركات، إلا أن الإقبال عليها وإشهارها، جاء على يد جماعة من الباحثين، أمثال بيديي (Bedier) وبارث (Barthes) وغريماس (Greimas) وج. ب. ريشار بفرنسا، وديبليوس (Debelius) بألمانيا، وتوماشفسكي (Tomachevski) و بروب (Propp) بروسيا، وموكاروفسكي (Mukarovsky) وفوديكا (vodicka) بتشيكوسلوفاكيا. وقد جاء هؤلاء لنقل التحليل الموضوعاتي كآلة حربية حقيقية ومعاصرة موجهة ضد جل المقاربات التاريخية للأعمال التي هيمنت لمدة طويلة.

ومن ثم، خلق النقد الموضوعاتي ردود فعل مختلفة، اعتبرته تحليلا ذاتيا وانطباعيا وسطحيا، لتنتهي به إلى نمط من الخطاب حول أدب غير مقعد وغير قابل للتوالد. من هنا يأتي تدخل فيليب هامون (philippe Hamon) ليفسر هاته الإشكالية إذ :

"... من الصعب التخلي عن الموضوعاتي، هذا المكان الأعراضي لصالح نوع من الإسقاط الارتجالي (netroactive) على حساب جوهر وطبيعة العمل نفسه، ورغبة الانسجام (فالموضوعاتي عبر تردده الظاهر إلى حد ما، يضمن مقروئية كاملة للنص إلى حد ما)، التي تمزج كل قراءة، وكل إلمام وكل نظرية عمل. فالموضوعاتي ليس هو " ما نتكلم عنه" (كتعريف نحوي)، بقدر ماهو، ذاك الذي يسمح بالكلام عن والي العمل بإجمال العمل، وسرده حتى يمثل أمام وفي ما فوق خطاب، واستحضار وجوده العقلاني، أي بتلخيصه عبر تبسيطه : فتسمية الموضوعاتي تعادل عنونة عمل ما، فالعنونة (هي تقييم وتسمية في نفس الآن). إنها جزء من العمل في (الأحمر والأسود).

(...) فالموضوعاتي مكان لتأسيس مركز ثقل، (فهو مركز " خطورة" العمل) وسلطة ومعنى وقيمة، إنه مكان لتحدد " ملكية" النص المدروس نفسه، أي المكان الذي يشرحه القرار المتزن للمحلل الذي ينتقي المضامين المسماة للنص ويحدد مراتب هذه المضامين (فالموضوعاتي الذي يحتفظ به ويسمى موضوعاتيا، هو الأكثر أهمية من الموضوعاتي الذي لا يحتفظ به)، إنه مكان استقطاب القراءة ومكان لتجسيد الكتابة، إنه " إدراك معنى" بكل معاني الكلمة : فهو تجسيد ثلاثي، لأن الموضوعاتي يصبح نقطة اختلاف وتواصل لتناص (فهو يكرر ليتعمم كل موضوعاتي لمتغيراته...) وتواصل خارج نصي (فهو مأخوذ من الخارج) إما في " واقع" أو في " معيش" كاتب، يصبح فيه كتوقيع)، وتواصل تناصي (فهو إشارة لانخراط النص في التقليد أو في طليعة، أي في نصوص مؤسساتية، أو في نصوص أخرى).

إنه نقطة ازدهار مجموع علاقات كونها النص، واختزلها القارئ إلى مساعد".

(بويتيك/496)

والنقد الموضوعاتي الذي يتغذى على الميراث الباشلاري يؤكد في النص على تلازم واستقلالية الأدب المتحرر من العلاقة المباشرة بالافتراضات السوسيو- تاريخية، إنه يعالج تحت غلاف البنية قضية الوعي الاختزالي. ونكاد نقول إنه لأول مرة يطرح كتأمل حول أهداف النقد. من ثم، نجد أنفسنا أمام قواعد لشكل آخر من التحليل النصي المؤسس في هذه المرة على العمل ذاته، مكونا بذلك شبكة دالة من العلامات الخاصة.

كما يتخلى النقاد عن " الكاتب/ حياته/ عمله"، لكي يتفرغوا نهائيا إلى الدراسة الداخلية للكتابة، بواسطة تحليل نصي، مضاد للانسونية.