الرئيسية > فضاء الإبداع > قصة قصيرة > محمد صوف: الجـدار

محمد صوف: الجـدار

mohamed_souf
محمد صـوف
أمر مرعب. أنا هنا كالغريب. أقول كالغريب لأني في الواقع لست غريبا. إطلاقا. الأزقة و الجدران و دهاليز البيوت تعرفني. الناس أيضا. لا. الناس لا يعرفونني. الغربة مصدرها المكان. مع أن الأمكنة تعرفني.
الليل صديقي. الليل رفيق جولاتي. بل أكثر من ذلك.الليل ولي نعمتي.
الجدران تلين و لا تعاند. دهاليز البيوت تنساق لخطواتي. تمنحني منعرجاتها تقودني إلى الغنيمة فأملأ الكيس. أملأ. أملأ.
يرخي الليل سدوله علي. تقودني دهاليز البيت في الاتجاه المعاكس. تلين الجدران. أرمي الكيس ثم أقفز. تتداولني الأزقة زقاقا زقاقا.
الأشياء التي أفعلها تأتي بشكل تلقائي. و الأشياء التي أغنمها تصبح لي لا لغيري.
و هذا المكان.
لانت جدرانه و انساقت دهاليزه. و انفتح صوانه. و دخلت أشياؤه الكيس تباعا.
ككل مساء.
ومع ذلك. أشعر بالغربة. و الرهبة.
شيء غير مألوف يتسلل إلي. ينساب باردا عبر مساماتي. يبعث في رعشة غريبة.
أنفاس المرأة تأتيني منتظمة. في دعة تنام. أشياؤها أمامي و بعد قليل ستصبح أشيائي.
فضائحي هذا القرب بين شخصين غريبين. فضائحي أن تدع أنفاسا غير مألوفة تتسلل إلى سمعك.و مقبول أيضا إذ لا يبدو الأمر في غير محله.
سأبقى قليلا لأسترد وعيي. رغم علاقتي بالدهاليز. رغم الألفة التي لي مع الجدران. رغم هدوء الليل الذي يمنحني الطمأنينة. شيء ما يثير قلقي.
أستطيع أن أحدق في الظلام. أستطيع أن أخطو خطوة. خطوتين. ثلاث خطوات و مع ذلك لا أتحرك. أنفاس المرأة تقول لي خذ الأشياء و أرحل.
و مع ذلك لا أستطيع.
كنت قد اتخذت قراري هذا بعد أن ترصدتها زمنا. و كنت قد قلت هذه المرأة تبدو موسرة. وحيدة. أي أنه لا أيسر من القيام بعملية في بيتها.
لكن أين تكمن الصعوبة الآن ؟
لست أدري. كل ما أدريه أن الكيس محشو عن آخره بأشيائها و يربض أمامي و لا أحمله.
أنا هنا واقف. و هي هناك مستلقية. لا أراها. فقط أسمع أنفاسها. لا تراني. من المؤكد أنها لا تشعر بوجودي.
لكننا نحن نشعر بوجودك.
شيء كالهلوسة. من قلب هذا الصمت و في عز هذا الليل يأتي الصوت. لو كان حقا صوت فلم لا تسمعه هي بدورها ؟ نعم. لم لا تسمع الصوت.
أحاول أن أشعر بالألفة.
لعل هذه الأنفاس الآتية من نوم عميق هي التي تطرد عني الشعور بالاطمئنان الذي ظل يرافقني في صولاتي و جولاتي الليلية.
لست أدري لماذا أتأهب للرد على الصوت إذا حدث و نطق هذه المرة.
و لست أدري لماذا يعتريني شعور بأن الدهاليز لن تقودني هذه المرة إلى الجدار و بأن الجدار لن يلين لي و لن يقذف بي إلى الزقاق.
لست أدري لماذا أجدني فاقدا بوصلتي. فأنا لم أعد أذكر حتى من اين أتيت.
و إذا أردت أن أعود ؟.
الليل دافئ. أشعر بالبرد. عينا المرأة مغمضتان دون شك.
الدهليز يخونني. أشعر بالدوار. أنفاس المرأة منتظمة.
الجدار يبتعد عني. أشعر بالضياع. بالخوف. بالكيس الموضوع أمامي يتحداني أن أحمله.
الحقيقة أني لا أعرف عن هذه المرأة شيئا. أراها من بعيد. أقرأ في عيون الناس بسمة غامضة و هي تمر. لعل البسمة غامضة لي أنا و حسب.
نعم. لأنك لا تدرك سر تلك البسمة
أصعق. ها هو الصوت يعود. لقد سمعته. إنه صاف رقراق واضح فصيح و يرد على ما يروج في داخلي
هل صدر مني قول ؟
لا كلمة.
ما هذا الذي يحدث ؟.
سأهرب بغنيمتي قبل أن أجن. أنحني. أحمل الكيس على كتفي. أتقدم خطوة. خطوتين. ثلاث خطوات. أربع خطوات. ثم خطوة فخطوة فأخرى.
أين الجدار ؟
هذه المرة تفقد أنفاسي انتظامها. نعم. أسمعها. تصمني. ماذا أفعل ؟
ألا تدري بعد ما عليك أن تفعله ؟
ها هو الصوت عاد. رقراقا. صافيا. فصيحا. و هي هناك لا تسمع شيئا. أريد أن أخرج من هذه الورطة. لم اعد أبغي غنيمة. ما لدي يكفيني و يفيض عن حاجتي.
كيف أنجو بنفسي ؟
لماذا لا يرد علي الصوت.
دقات القلب. العرق. الرعشة. الخوف. الليل. الدهليز. اللاجدار. الأنفاس. الكيس
أعد الأشياء إلى مكانها.
الصوت.
نعم. نعم. سأعيدها إلى مكانها
أحاول أن أعثر على هدوئي المفقود. عبثا.
أتعثر في حجر أملس. لاشك أنه حجر تيمم
الآن تذكرت. لا. لم أتذكر شيئا.
أحشر يدي في الكيس. أتلمس سبحة. أضحك من نفسي. سبحة. !
و أعيد الأشياء إلى الصوان.
في الدهليز أركض نحو الجدار. أركض. أسمع وقع خطواتي. أسمع أنفاسي. و لا أجد الجدار. الدهليز يدور بي حول نفسه. لقد قلت لي أيها الصوت أعد الأشياء إلى مكانها. ها قد فعلت.
تخرج حشرجة من عمق الحنجرة.
ضع يدك على البؤرة الصحيحة فيك.
يقول الصوت. يا إلهي ها قد فتح باب الألغاز. لم افهم ما تعنيه أيها الصوت.
صمت.
الليل حارسي بدأ يتلاشى. و أنا أبحث عن الجدار. منهك أنا الآن. كل ما أحلم به هو لحظة أنعم فيها بنوم هادئ كما المرأة هناك. حتى تسلق الجدار لم يعد مجديا. إذا غاب الظلام يحل ظلامي أنا.
كيف أخرج إذن ؟
حشرجة خفيفة. صوت يبسمل. يحوقل. يدعو. لعله صوت المرأة. صوت اندلاق الماء.
لقد افتضح أمري أنا الذي مررت على الديار كلها أغنم منها ما أريد.
إنها النهاية دون شك.
و مع ذلك لا اشعر بأي ارتباك. الهدوء يزحف على كل مساماتي ينزرع فيها طمانينة غريبة.  المكان الذي كان غريبا أصبح الآن أليفا.  الدهليز صديقي في الظلام يقودني نحو الجدار. و الجدار أمامي و لا اشعر بالرغبة في تسلقه. لا خوفا من أن ينكشف أمري. و لكن ,, في الواقع لا أدري شيئا عن كنه هذا الشعور الأليف الجديد.
شيء في داخلي يقول إنها تعرف أنك هنا. يلفني اللحظة خشوع لا أعيه. و رهبة هي كالرهبة و لا شيء من الرهبة فيها. الجدار أمامي و لا أتسلقه. دقات القلب. الأنفاس. نبض العروق إيقاع جديد. لم أعد أفكر في الغنيمة. لم أعد أفكر في الكيس و لا حتى في ما سيحدث بعد اللحظة.
الليل يتلاشى. و الفجر يظل. و الألفة تطبق علي
أحاول أن ارتاح.
أقتعد الأرض. و أتنفس بعمق. حتى الصوت الذي قض مضجعي قبل لحظة غاب عن ذهني. أدخل في إغماضة.
إغماضة. إغماضة. إغماضة.
هذا الهدوء الذي يجل عن الوصف.
العينان الرماديتان تحدقان في. الصوت الذي كان يبسمل.
أ أفطرت ؟.
هذا الصوت أسمعه. و أرى مصدره. إذن سأرد.
لا يا سيدتي.
تبتسم المرأة و تقول.
انهض فلفطور في انتظارك
لم أفهم.