مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

هانس جورج غادامير: الإنسان واللغة / ترجمة: عبد العلي اليزمي

الإنسان واللغة

gadamer

هانس جورج غادامير

ترجمة : عبد العلي اليزمي

يقدم أرسطو تعريفا كلاسيكيا للماهية الإنسانية مؤداه أن الإنسان كائن حي يمتلك اللوغوس. ولقد اعتمد التراث الغربي هذا التعريف فاعتبر الإنسان " حيوانا عقلانيا "، أي "كائنا حيا يمتلك العقل"، حيث ميزه عن الحيوانات الأخرى بقدرته على التفكير. لكن هذا المصطلح يعني في الحقيقة وعلى وجه الدقة : اللغة. إن أرسطو يشرح في أحد نصوصه الفرق بين الحيوان والإنسان بالطريقة التالية : تمتلك الحيوانات القدرة على التفاهم فيما بينها من خلال قدرتها على الكشف لبعضها البعض عما يثير رغبتها وقدرتها على تحقيق هذه الرغبة، كما تملك القدرة على تحديد ما يضرها وقدرتها على تجنب هذا الضرر.هكذا شكلتهم الطبيعة.

وعلى هذا الأساس، فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتوفر، بالإضافة إلى هذه القدرة، على "اللوغوس" الذي يمكنه من جعل الآخرين يفهمون ما هو مفيد وما هو ضار، وبالتالي ما هو عادل وما هو ظالم. إنها عبارات محملة بالكثير من الدلالات، إنها تعني أننا لا نرغب في المفيد والمضر في حد ذاتهما، ووإنما نروم الوصول إلى شيء آخر لا زال في طور الإمكان ؛ إنهما لا يصلحان سوى للحصول على ما هو عادل وما هو ظالم. وتلك ميزة الإنسان، إنه قادر علىالفصل بين الحاضر والحس المستقبلي. ويضيف أرسطو في نفس الاتجاه بأن تفرد الإنسان ب « للوغوس » يجعله يمتلك معنى العدل والظلم. إن الإنسان قادر على التفكير وقادر على الكلام. إن القدرة على الكلام تعني القدرة على إظهار ما هو غائب عبر الكلام بشكل يستطيع شخص آخر أن يستحضره. وهكذا يستطيع الإنسان إيصال كل ما يفكر فيه ؛ بل أكثر من ذلك، فالقدرة على الكائنات الإنسانية فيما بينها معناه أن الإنسان لا يفكر إلا فيما هو مشترك، أي المفاهيم المشتركة، وعلى وجه الخصوص تلك التي تجعل الحياة المشتركة للبشر ممكنة بدون اغتيال ولا قتل، وهذا في إطار مجتمع قائم في ظل نظام سياسي معين واقتصاد متمفصل حول تقسيم العمل. هذا ما تتضمنه هذه الجملة البسيطة الصغيرة : الإنسان هو الكائن الحي الذي يمتلك اللغة.

قد نعتقد أن إقرارا على هذا القدر من البداهة والوضوح قد افرد باستمرار موقعا متميزا لظاهرة اللغة في البحث عن ماهية الإنسان. هل هناك ما هو أكثر وضوحا من واقع أن لغة الحيوان - هذا إذا أردنا أن نسمي طريقتهم في التفاهم فيما بينهم لغة- هي شيء مختلف تماما عن لغة الإنسان التي يتم داخلها تمثيل وإبلاغ عالم موضوعي ؟ ويتم هذا بالاعتماد على العلامات، والعلامات على عكس أدوات التعبير الحيوانية، كيانات متغيرة لا لوجود ألسنة مختلفة فحسب، بل هي كذلك لأن اللسان يشتمل على تعابير تعين أشياء مختلفة، ويمكن لتعابير مختلفة أن تعين الشيء نفسه.

ومن المؤكد أن الفكر الغربي لم يضع بتاتا ماهية اللغة في موقعها الحقيقي. ومن المعبر جدا أن نجد الإله في تاريخ الخلق، كما ورد في" العهد القديم"، قد منح الإنسان الأول السيطرة على العالم عندما منحه حرية تسمية الكائنات حسب رغبته. إن قصة برج بابل تشهد كذلك على أهمية اللغة في الحياة الإنسانية. لكننا نتعجب كيف أن التقليد الديني للغرب المسيحي قد جمد بطريقة ما فكر اللغة ؛ ولم يتم تجاوز هذا الوضع إلا مع عصر" الأنوار "، حيث أثيرت من جديد مسألة أصل اللغة.

لقد شكل البحث عن أصل اللغة في طبيعة الإنسان عوض الرجوع إلى قصة الخلق خطوة عملاقة إلى الأمام. ولم يكن ممكنا تجنب الخطوة الموالية : إن طبيعية اللغة تلغي فكرة وجود حالة بدائية لإنسان لا يملك اللغة، وبالتالي تلغي مسألة أصل اللغة. ورأى هردر و ولهيم فون هامبولد في الأصل الإنساني للغة الطبيعة اللغوية الأصلية للإنسان، كما أنهما أبرزا الأهمية القصوى لهذه الظاهرة في الرؤية الإنسانية للعالم. وسيتخذ ويلهيم فون هامبولد وزير الثقافة السابق،، حكيم تيجل الذي انسحب من الحياة الرسمية، ويصبح مؤسس علم اللغة المعاصر، في مؤلفاته المتأخرة، من الاختلاف البنيوي للغة الإنسانية موضوعا لأبحاثه.

إن محاولة ويلهيم فون هامبولد تأسيس فلسفة اللغة وعلم اللغة لم يرق إلى مستوى إعادة اعتبار فعلي للحدس الأرسطي. من المؤكد أن هامبولد الذي جعل من الألسن موضوعا للبحث فتح طريقا جديدا للمعرفة، وستسمح هذه الطريق بقيام رؤية جديدة وواعدة لاختلاف الشعوب والمراحل، وأساسها المشترك الذي تمثله الماهية الإنسانية. لكن ما كان يحد أفق مسألة الإنسان واللغة هنا هو منح الإنسان سلطة معينة وإبراز القوانين التي تبني هذه السلطة - إننا نسميها نحوا وتراكيب ومعجم اللسان. لقد أصبح ممكنا أن نتعرف في مرآة اللسان على رؤى العالم من وجهة نظر الشعوب وخصوصا تشكل ثقافتها. ويحضرني هنا على سبيل المثال اختبار الحالة الثقافية لعائلة الشعوب الهند-أوروبية الذي قام به فيكتور هين عبر أبحاثه الرائعة حول النباتات المزروعة وحول الحيوانات الأليفة. إن علم اللغة مثله مثل علم ما قبل تاريخ آخر، هو ما قبل تاريخ الفكر البشرى. ومع ذلك تظل ظاهرة اللغة، من هذا المنظور ، مجرد مجال جيد للتعبير يمكن في إطاره دراسة ماهية الإنسان وتمايزاتها في التاريخ. ولم يكن من الممكن، في هذه الحدود، أن نمسك بصلب المواقع المركزية للفكر الفلسفي، لأن الوصف الديكارتي للوعي باعتباره وعيا بالذات، ظل يشكل القاعدة العامة لمجمل الفكر المعاصر. إن هذا المرتكز الصلب لكل يقينية، والحدث الأكثر تحققا - الذي أعيه بنفسي - أصبح مقياس كل من يرغب في إضفاء طابع المعرفة العلمية على عمله في الفكر المعاصر. إن المعرفة العلمية حول اللغة تقوم في نهاية المطاف على نفس المرتكز. إن عفوية الذات تجد أحد أشكال تأكيدها في القوة المكونة للغة. وعلى الرغم من أنه كان من الممكن إيجاد تفسير مفيد لنظرة العالم التي تتضمنها الألسن بالاعتماد على هذا المبدأ الأساس، فإنه لم يتم الاهتمام قط بلغز اللغة الذي واجه الفكر. إن إحدى الميزات الأساسية للغة هي أننا غير واعين بها. وليس من باب الصدفة أن يكون ابتداع مفهوم اللغة قد جاء متأخرا. إن كلمة "لوغوس" لا تعني فقط فكرا ولغة ولكن أيضا مفهوما وقانونا. إن تشكل مفهوم اللغة يفترض الوعي بها. وتعد هذه العملية نتيجة حركة تفكير ذاك الذي يخمن ويفكر ويخرج من التحقق اللاواعي للكلام ليخلق مسافة بينه وبين نفسه. إن اللغز الحقيقي للغة يكمن بالضبط في كوننا لا نقدر على إنجاز حركة التفكير هذه بشكل تام، وعلى العكس من ذلك،ف إن اللغة لاحقة لكل تفكير حول اللغة. فلا يمكننا أن نفكر إلا بواسطة اللغة، وهذا الكمون الذي تحققه اللغة في تفكيرنا هو بالضبط اللغز الحقيقي الذي تطرحه اللغة على الفكر.

إن اللغة ليست إحدى الوسائط التي يعبر الوعي عبرها عن وجوده في العالم. إنها لا تشكل، إلى جانب العلامة والأداة - اللذين ينتميان بالتأكيد أيضا إلى الخاصية الأساسية للإنسان - وسيلة ثالثة. إن اللغة ليست تماما وسيلة أو أداة ؛ فمن خاصية الأداة الأساسية أن نعرف كيف نمتلك استعمالها، وهذا يعنى أن نأخذها بين أيدينا وأن نضعها جانبا عندما ننتهي من استعمالها. والأمر ليس على هذه الحال عندما ننطق بالكلمات التي يضعها لسان ما في متناولنا والتي نتخلص منها بعد استعمالها لتعود إلى الخزان العام للكلمات المتوافرة لدينا. إن تناظرا من هذا النوع هو تناظر خاطئ، لأننا لا نشكل أبدا حالة وعي منفصلة عن العالم، ولأننا لا نبحث قط عن أداة التواصل في ظرفية تنعدم فيها اللغة. إننا دائما وأبدا محاطون بلغتنا لمعرفة أنفسنا ومعرفة العالم. إننا نكبر ونتعلم كيف نعرف العالم، ونتعلم كيف نعرف الناس، وأخيرا كيف نعرف أنفسنا عبر تعلمنا الكلام. أن نتعلم كيف نتكلم لا يعني الوصول إلى استعمال أداة موجودة سلفا لتسمية عالم مستأنس نعرفه؛ بل يعني الحصول على حميمية ومعرفة بالعالم نفسه كما يأتي لملاقاتنا.

هناك ظاهرة ملغزة ومحجوبة بشدة! من باب الوهم الاعتقاد بأن طفلا ما ينطق أول الأمر بكلمة، كلمة أولى. ومن باب الوهم الاعتقاد بأنه يكفي أن ندع أطفالا يكبرون وهم منعزلون تماما عن أي صوت بشري لمعرفة اللغة الإنسانية البدائية، ونحاول بعد ذلك التعرف على لغة بشرية حاضرة، لغة أساسية للخلق، في النغنغات الأولي غير المتمفصلة. لا جدوى لأفكار من هذا القبيل لأنها تريد أن تضع جانبه، وبشكل مصطنع، الكائن الحقيقي الذي يحيط بنا، عالم اللغة الذي نعيش فيه. الحقيقة أننا دائما في وسط مألوف عندما يتعلق الأمر باللغة وبالعالم. إنني أجد لدى أرسطو، مرة أخرى، أفضل وصف لظاهرة تعلم اللسان. إن هذا الوصف الأرسطي لا ينصب على تعلم الكلام بل على التفكير، أي اكتساب المفاهيم الكونية. إنه يضع السؤال التالي : كيف يمكن في إطار تتابع الظواهر، وفي خضم الانطباعات المتغيرة اللامتناهية، أن نحقق شيئا قارا ؟ إنها بالتأكيد وفي المقام الأول القدرة على الاحتفاظ - أي الذاكرة - التي تجعلنا نتعرف على شيء ما باعتباره مشابها ؛ لقد قمنا في هذا الإطار بمجهود أولي كبير في التجريد. وفي خضم الظواهر المتغيرة يبرز هنا وهنالك شيء مشترك، وهكذا تتشكل تدريجيا وانطلاقا من معارف متراكمة - نسميها تجارب - وحدة التجربة، ومنها تنطلق قابلية تجريب طريقة معرفة الكوني.

يتساءل أرسطو كيف يمكن أن تتحقق معرفة الكوني هاته. أكيد أن الأمر لا يتم بهذه الطريقة: إن معرفة الكوني تتشكل عبر فحص الظواهر الواحدة تلو الأخرى ؛ وتبرز فجأة انطلاقا من حالة منعزلة تظهر من جديد ونتعرف عليها. ليس التعرف على خصوصية حالة ما، منفصلة عن كل الحالات الخاصة الأخرى، بقوة سرية تدفع بالكوني إلى التمثل. إن هذه الحالة شبيهة بكل الحالات الخاصة الأخرى. صحيح أن معرفة الكوني تحققت في لحظة معينة. أين بدأت ؟ يعطي أرسطو هنا صورة مثلى : كيف يمكن لجيش مندحر أن يمتنع من الهروب ؟ في أية لحظة يمكننا أن نقول بأن الجيش توقف عن التقهقر ؟ على أية حال لن نزعم أن ذلك تم عندما توقف الجندي الأول أو الثاني أو الثالث عن الهروب. لا يمكننا أن نقول بأن الجيش توقف عن التقهقر عندما كف عن الهروب عدد معين من الجنود الهاربين، أو حتى عندما يتوقف عن الهروب آخر الجنود. وعلى كل حال لم يتوقف الجيش عن الهروب مع هذا الجندي أو ذاك : لقد بدأ توقفه منذ مدة. كيف بدأ وكيف انتشر وكيف توقف الجيش أخيرا في لحظة معينة، هذا يعني بأن الجيش أصبح من جديد يخضع لوحدة القيادة، دون أن يكون ذلك في وعي أي كان، أو خاضعا لتصميم معين ومتوافق حوله. ورغم كل هذا فالأمر تم بهذه الطريقة. إن الأمور تتم بهذه الطريقة في حالة معرفة الكوني، وإذا كانت الحال كذلك، فلأنه يتصادف بالضبط مع الدخول في عالم اللغة.

إن التأويل اللغوي للعالم يتحكم في مجمل تفكيرنا ومعرفتنا، والتسلل إلى خبايا هذا التأويل معناه أننا نكبر داخل هذا العالم. إن اللغة،بهذا المعنى، هي الأثر الخاص لمنتهانا. إنها تتجاوزنا باستمرار. إن وعي الفرد ليس هو المعيار الذي تقاس به اللغة. لا يوجد قط وعي خاص بكون اللغة التي يتكلمها موجودة هناك فعلا. كيف إذن توجد اللغة هناك ؟ أكيد أنها لا توجد في الوعي الخاص. ومن المؤكد أيضا أنها لا توجد في تجميع بسيط للوعي المتعدد الذي يشكل كل واحد منه وعيا خاصا.

لا أحد يتوفر أثناء حديثه عن وعي فعلي بكلامه. إن اللغة التي نتحدث بها تصبح واعية بالنسبة لنا فقط في حالات استثنائية. مثلا عندما يريد شخص ما قول شيء ما ويجد نفسه أمام كلمة تبدو له غريبة وعجيبة تجعله يتساءل : « هل يمكننا أن نتحدث بهذه الطريقة؟ » إن اللغة التي نتكلمها تصبح هنا لحظة واعية لأنها لا تلعب دورها. ما هو إذن هذا الدور ؟ أعتقد انه يمكننا أن نميز هنا ثلاث خصائص.

الخاصية الأولى للغة هي نسيان الذات الخاصة بها. إن بنيتها الخاصة - نحو، تراكيب، باختصار كل ما ينظر له علم اللغة - ليست واعية في الكلام الحي. وينتج عن هذا إحدى حالات فساد النظام الطبيعي الذي يتجلى في كون المدرسة العصرية تجد نفسها مرغمة على تعليم النحو والتراكيب بالاعتماد على اللسان الأم، عوض الاعتماد على لسان ميت مثل اللاتينية. إننا نفرض على المتعلم القيام بمجهود ضخم في التجرد وذلك حتى يستطيع استحضار نحو اللسان الأم الذي يمتلكه إلى وعيه الظاهر. إن التحقق الفعلي للسان يجعله يغيب وراء ما سيقال في إطاره. ولتوضيح هذا لدينا في هذا المجال تجربة مسلية مررنا بها جميعا أثناء تعلم الألسن الأجنبية. يتعلق الأمر بالجمل التي تعطى كأمثلة والتي تستعملها الكراسات أو الدروس. إن مهمتها هي جعلنا نعي ظاهرة لغوية معينة عبر إضفاء طابع مجرد عليها. قديما، عندما كان لا بد من التجريد الملازم لتعلم نحو وتراكيب لسان معين، كانت تستعمل جمل على قدر كبير من اللامعقول تحكي ما عنَّ لها عن قيصر أو العم شارل . إن التوجه الجديد القاضي باستعمال هذه الجمل-الأمثلة لتمرير معلومات هامة حول العالم الأجنبي تؤدي بشكل غير واعي إلى النتيجة السلبية التالية : إن وظيفة المثال التي تقدمها الجملة تغيب وراء المضمون الذي يصبح أكثر جلبا للاهتمام. إن وعينا باللسان يتضاءل بقدر ما ينمو تحققه الحي. ونستنتج من حالة نسيان الذات أثناء الاشتغال باعتباره خاصية للغة. إن الكينونة اللغوية تكمن في ما يقال داخلها والذي يشكل العالم المشترك الذي نعيش فيه والذي تنتمي له كذلك التقاليد الطويلة جدا التي وصلتنا انطلاقا من أدب الألسن الأجنبية الميتة أو الحية. إن الوجود الخاص للسان هو ذاك الذي نذوب فيه عندما نسمعه : المقول.

ويبدو لي أن الخاصية الثانية لكينونة اللغة هي عدم ارتباطها بـ« أنا ». إن من يتكلم لسانا لا يفهمه أحد لا يتكلم في واقع الأمر. إن الحديث يعني أن تتحدث إلى أحد ما . إن الكلمة تطمح لأن تكون منتقاة، وهذا لا يعني فقط أنها تقول ما يمثل بالنسبة لي الشيء الذي أفكر فيه، بل أيضا أن تجعله جليا أمام أعين المخاطب.

بهذا المعنى، فالحديث لا ينتمي إلى دائرة " الأنا" بل إلى دائرة "النحن". ولهذا أضاف فرديناد إيبنر قديما، وعن حق إلى " كتابه الكلمة والوقائع عنوانا فرعيا "شذرات روحية". إن الحقيقة الروحية للغة هي في حقيقة النفس، والروح التي توحد أنا وأنت. إن واقع الحديث يكمن في الحوار كما تم تبيان ذلك منذ أمد بعيد. إن كل حوار يخضع لروح، جيدة أو سيئة، روح الجمود والتوقف، أو روح التواصل والتبادل التام بين "أنا" و"أنت".

يمكن وصف الطريقة التي يتم بها الحوار - كما بينت ذلك في كتاب الحقيقة والمنهج، الجزء الثالث - عبر مفهوم اللعب. يجب أن نتحرر هنا من تلك العادة في التفكير التي تقضي بأن ننظر إلى ماهية اللعب انطلاقا من وعي اللاعب. إن هذا التصور للإنسان الذي يلعب، وهو تصور أصبح متداولا بفضل شيلر، لا يلتقط البنية الحقيقية للعب إلا عبر تجليه في ذات معينة. إلا أن اللعب، في حقيقة الأمر، سيرورة حركة تمتلك اللاعبين أو من يلعب. لا يتعلق الأمر بمجاز بسيط عندما نتحدث عن « لعبة الأمواج » أو عن « الحشرات التي تلعب » أو عن "اللعب الحر للأعضاء". إن الانبهار الذي يحققه اللعب بالنسبة لوعي من يلعب يشكل نوعا من الافتتان بالذات يدخل ديناميته الخاصة في الحركة المنبسطة. هناك لعبة عندما يشارك فيها شخص ما بكل جوارحه، أي عندما لا يتصرف كلاعب عادي، فإن هذا اللاعب ينظر إليه أنه غير جدي. إن أناسا من هذا القبيل، أناسا غير قادرين على إظهار جديتهم أثناء اللعب، غير قادرين على اللعب. ويمكنني أن أؤكد الآن أن التشكيلة الأساسية للعب بهذه العقلية - الخفيفة، المتحررة، المعتمدة على فرص النجاح - والتي تعبر عن الرغبة في الإشباع وإشباع ذاك الذي يساهم في اللعب تمثل بنية قريبة لتشكل الحوار حيث تتأصل اللغة. ما دمنا نتحاور مع بعضنا البعض، وما دام الحوار يحملنا بعيدا، فالمحدد ليس هو الإرادة المنغلقة أو المنفتحة لشخص ما، وإنما قانون الشيء الذي يتعلق الأمر به في الحوار والذي يثير الخطاب والرد والذي ينتهي في انسجام. ومتى تم الحوار بنجاح فسنجد أنفسنا، كما يقال، قد حققنا أنفسنا عبره. إن لعبة الخطاب والرد تتتابع في الحوار الداخلي للنفس ؛ ذاك ما سماه أفلاطون عن حق الفكر.

ويجب أن نربط هذا الأمر مع ميزة ثالثة خاصة بكينونة اللغة ؛ وسأسميها كونية اللغة. إن اللغة ليست مجالا مغلقا لما يمكن قوله تقابله مجالات أخرى، تلك المتعلقة بما لا يمكن قوله. على العكس من ذلك فاللغة تحوي كل شيء. مبدئيا ليس هناك شيء لا يمكن أن يقال شريطة أن يفكر الفكر في شيء ما. إن القدرة على القول تسير بشكل متواز مع كونية العقل. وكل حوار يمتلك لامتناهية داخلية ولا نهاية له. إننا نتخلى عن الحوار لأننا نعتقد أننا قلنا ما فيه الكفاية، أو لأنه لم يعد لنا ما نقوله. لكن هذا التخلي عن الحوار يحمل في طياته دعوة داخلية لمواصلة الحوار.

إننا نجرب هذا بشكل مؤلم عندما يطلب منا الإدلاء بتصريح. إن السؤال الذي نحن مطالبون بالإجابة عنه في هذه الحالة - لنفكر في الحالة القصوى للاستجواب أو التصريح أمام المحكمة - بمثابة حاجز يقف في وجه روح الحديث الذي يطمح في التجلي من خلال حوار (« هنا، أنا الذي أتكلم » أو « أجب عن سؤالي ! »). كل قول لا يتضمن فقط ببساطة وتجرد حقيقته فيه، لكنه يرجعنا باستمرار إلى ما بعده وما وراءه، إلى لا قول. فكل ملفوظ له أسبابه ؛ وهذا يعني أنه يمكننا عن حق أن نضع السؤال التالي حول كل ما يقال : « لماذا تقول هذا ؟ ». وقبل كل شيء إن ملفوظا يصبح مفهوما عندما نفهم ما لا يقال مع ما يقال. نلاحظ هذا الأمر خصوصا في ظاهرة السؤال. إن سؤالا لا نفهم مبرر وجوده لا يمكن أن يكون له جواب. إن فهم مبررات السؤال تفتح لنا الأفق الذي يمكن أن نبحث في إطاره عن الجواب. وبالتالي فإن الأسئلة والأجوبة عبارة عن حوار لا نهاية له، تختلط داخله الكلمة بالجواب. كل شيء متداخل في هذا المجال.

يمكننا أن نوضح ما قيل عبر تجربة مررنا بها جميعا. إنني أفكر في ترجمة وقراءة النصوص في لسان أجنبي. إن المترجم يجد نفسه أمام نص لغوي، أي قول شفوي أو مكتوب يجب عليه أن يترجمه إلى لسانه الخاص. إنه مرتبط بما هو مكتوب ولا يمكنه أن يكتفي بنقل القول ماديا، من لسانه الأجنبي إلى لسانه الخاص دون أن يولد هو نفسه للقول. إن هذا يعنى أنه مطالب بأن ينتج داخله الفضاء اللامتناهي للقول الذي يوازي ما يقال في اللسان الأجنبي. والكل يعرف صعوبة هذا الأمر. والكل يعرف كيف أن الترجمة تدع ما يقال في اللسان الأجنبي يسقط في الابتذال. إنها بطريقة ما تقلص إلى بعدين ما قيل في ثلاثة أبعاد في لسانه الأصلي بحيث إن معنى الكلمة وشكل النص يعيدان تمثيل النص الأصلي ببساطة دون أن يكون للترجمة فضاؤها الخاص. ينقصها ذاك البعد الثالث الذي يشكل معنى القول الأولي، أي ما يقال في النص الأصلي. ويمكن أن نقول إن هذا هو الحد الذي لا يمكن تجاوزه في جميع الترجمات : لا يمكن لترجمة واحدة أن تغني عن النص الأصلي. من الخطأ الاعتقاد أن ما قيل في الأصل، يصبح أكثر مفهومية لأننا حملناه إلى لساننا الخاص عبر ترجمته، لأن عناصر كثيرة تم ذكرها في الأصل ولا تقرأ إلا بين الأسطر لم تتم ترجمتها ؛ إننا نخطئ كثيرا إذا نحن اعتقدنا أن تقليص وحصر معنى نص ما ستسهل عملية الفهم. ليس هناك ترجمة أكثر مفهومية من أصلها. إن فحوى ما قيل، الغني بالمعاني - الفحوى دائما له وجهة معينة - لا يتم التعبير عنه إلا في إطار القول الأصلي وينفلت عن كل قول أو حديث لاحقين. إن مهمة المترجم الدائمة ليست هي نقل القول، بل التموضع في وجهة القول، أي في فحواه حتى يتمكن من قول كل ما يمكنه أن يقوله من وجهة قوله الخاص.

ويبدو الأمر واضحا في حالة الترجمات التي تضع على عاتقها إحلال حوار شفوي بين أناس لهم ألسن مختلفة بواسطة مترجم. إن مترجما يكتفي بنقل الكلمات والجمل التي يقولها أحد المتكلمين إلى لسان آخر يعطي للحوار طابعا غير مفهوم. إن المطلوب منه ليس هو استعادة ما يريد الآخر قوله في معناه الحرفي، بل ما يريد قوله ويقوله وهو يدع جانبا كل الأشياء التي لم يقلها. إن الطابع المحدود لترجمته يجب أن يصل إلى ذاك الفضاء الذي يسمح وحده بالحوار، ذاك اللانهائي الداخلي الذي يصاحب كل توافق.

في ظل هذه الظروف، تصبح اللغة الوسط الحقيقي لكينونة الإنسان، شريطة أن ننظر إليها فقط في المجال الذي تكون هي وحدها القادرة على ملئه - مجال العلاقات الإنسانية، مجال التوافق، والتفاهم الذي ينمو باستمرار - وهو مجال ضروري للحياة الإنسانية مثلما هو حال الهواء الذي نستنشقه. إن الإنسان هو فعلا، كما قال ذلك أرسطو، الكائن الذي يمتلك اللغة. ولهذا يجب أن نكون قادرين على أن نقول لأنفسنا كل ما هو إنساني.

النص الذي قمنا بترجمته مأخوذ من كتاب : H G Gadamer : L’art de comprendre II

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018