مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

الحسن السائح: الأدب المغربي في القرن العشرين

الأدب المغربي في القرن العشرين

الحسن السائح

لم تكن الكلمة الأدبية في يوم من الأيام إلا أداة للتعبير عن الفكرة والشعور معا تحمل طاقة عقلية ونفسية أيضا، وكلما كانت صادقة منبعثة عن إيمان ووعي إلا كانت حافزة على تأريث الحماس وإيقاد الوعي وتاريخ الوضع بصدق وأمانة... تغزو القلوب فتحرك العواطف وتثير العقول فتكشف المحجة، وبذلك تحرك في النفس عوامل النضال الشريف لتحقيق الحرية والتحرر.

ولهذا فالأدباء والشعراء والكتاب والفنانون كانوا روادا لحركتنا التحررية المغربية في مطلع هذا القرن، فهم الذين نبهوا إلى الخطر الذي دق ناقوسه قبل بداية القرن العشرين بقليل، ودعوا إلى التعبئة النفسية والفكرية لمقاومة خصوم كيان المغرب العربي المسلم، وألهبوا حماس المواطنين أجمعين لمواجهة خطر معركة الشرق والغرب، وإذا كان العالم العربي يكون وحدة متماسكة الأطراف فإن أدباء المغرب حملوا عبء الأمانة وقاوموا ما وسعتهم المقاومة، فأنذروا الأمة بما يحاك لها في الظلام من مؤامرات المؤتمرين والاقطاعيين، حتى إذا دهمهم غزو الأعداء كان أغلبهم في طليعة المعركة يدعو إلى المقاومة والعناد.

وإذن فإن الأدب المغربي ظل حيا مؤمنا برسالته، وظل قويا هادفا إلى تحقيق المثل الإنسانية مخلصا لرسالته التي لم تكن إلا الدفاع عن العقيدة والخير والجمال، بل ظل في وسط المعركة يلهب القلوب فتسيل دماء الاباة تخصب أرض الوطن القزيز، ولا يوجد في بلادنا شبر لم ترو تربته دماء الاحرار، وتروى ملحمته قصيدة شاعر مغوار، لقد تعانق السيف والبراع في كل معاركنا ضد الاستعمار.

هناك أدب مغربي مهما تكن صلته قوية بالآداب العربية الأخرى، فله ذاتيته وطابعه الخاص ومهما يكن جزءا من الأدب العربي فمن السهل أن نتعرف على ملامح شخصيته.

وإذا كان الأدب العربي هو أدب أمة واحدة يتشابه في المقومات والأسلوب التعبيري وبواعث الإنتاج، فإنه يتأقلم في كل بيئة حسب معطياتها وذاتيتها، شأنه شأن الفنون الأخرى التي مهما تتشابه فإنها تتفارق افتراق التكامل، فاختلاف الملامح هو أساس الوحدة الأدبية في الأمة العربية، لأنه اختلاف التكامل لا غير، والمغرب العربي ربما كانت حركته الأدبية أقوى من أية بلاد افريقية أخرى لأنه كان مركزا لالتقاط الأشعة المتوهجة المنبعثة عن الشرق والغرب، كما كان مركز إرسال إلى افريقيا الجنوبية والأندلس العربية، ولهذا فقد تبلورت فيه الثقافة الأدبية واشتدت قوتها حتى أصبح بحق مركزا مهما من مراكز الثقافة العربية، والأدب العربي بصفة خاصة، ولعل هذا راجع لعاملين اثنين، الأول وحدة الجنس والدم بين سكان المغرب وسكان البلاد العربية الأخرى، والثاني شدة تمسك المغاربة بعروبتهم نتيجة البعد الجغرافي عن البلد الأم، والأمم التي تنأى عن مهدها الأول يقوى حذبها عليه وحنينها إليه، ويخيل إلي أننا كلما تساهلنا في تحديد معالم الأدب إلا كان الأدب المعربي جزءا من أدب البلاد العربية الأخرى، لا نجد لذلك فرقا واضحا كما أننا كلما حاولنا أن نضيف المفاهيم والتحديدات إلا وكان الأدب المغربي له ذاتيته المتكاملة مع الآداب العربية الأخرى كما قلنا آنفا، وقد يعسر أن نضيق هذه التحديدات إذا نظرنا إلى الأدب الاندلسي على أنه أدب مستقل عن الأدب المغربي، فالأندلس لم تكن بآدابها إلا جزءا من الأدب المغربي توحدهما السياسة فيجتمعان، ثم تنشب الاختلافات بين الأمراء فتتجزأ الأندلس إلى أجزاء قد تصل إلى طوائف متعددة، ولكن هذا لا يمنع وجود وحدة أدبية في الأندلس ذاتها أو في الأندلس والمغرب عندما تفرق السياسة والأهواء بينهما وأيا ما كان فإننا نستطيع في كثير من اليسر أن نتفق على دقائق الوحدة الأدبية والثقافية بين الادبين المغربي والأندلسي، ولا يشق علينا أن نستجلي هذه الوحدة في باقي الميادين الحيوية الأخرى من اقتصاد وفن وغير ذلك، وأعتقد أن هذه المشكلة لا تعترضنا إذا واجهنا صميم الموضوع، وتحدثنا عن الأدب المغربي في القرن العشرين، لأن الأدب الأندلسي أصبح شهيدا في المعركة القاسية لا يذكر له أثر إلا أنه جزء من الأدب المغربي.

وإذا كانت التطورات السياسية البعيدة المدى تؤثر على الأدب في مثل هذه الظروف التي عاشتها بلادنا فإن الأدب المغربي تأثر بها إلى حد بعيد وأثر فيها أيضا. كما أننا إذا حاولنا نقد أدبنا في الحقبة الأخيرة من تاريخنا الأدبي فإن المراحل السياسية كانت أعظم ملون لإنتاج أدب القرن العشرين وما قبله بقليل، ومن السهل أن نقسم أدب هذه الحقبة أعني أدب القرن العشرين وما قبله بقليل إلى ثلاث مراحل: أدب مرحلة ما قبل الاستعمار، وأدب مرحلة الأيام السود الاستعمارية، وأدب الاستقلال.

كان الأدب المغربي في المرحلة الأولى مرهفا شديد الحساسية يتطلع إلى ايديولوجية وطنية ويعبر في صدق وتهلف عما يختلج في قلوب المواطنين من آلام وآمال وخوف من هذه الارهاصات المتوالية التي تسبق العاصفة، بل كان كالام المستغيثة التي توشك أن تلتهم التيران وحيدها... لم يكن أدب نضال، ولكنه كان أدب قلق وحيرة.. فقد رأى الشاعر تساقط المدن المغربية أمام جحافل المستعمرين وشاهد تكالب الإقطاعيين على محالفة أعداء البلاد وكانت التجربة التاريخية الماضية قاسية تنذر بالخطر الجسيم، فلم يكن المغرب يجابه لأول مرة قوة عدوه، بل إنه كان في امتداد تاريخي لحركة التعصب التي بدأت في الأندلس وانقضت على الشاطئ المغربي فروعت الآمنين وساندت الطغاة، والغريب أن أدب هذه الحقبة كان التزاميا يشايع المعركة لم تتله لهاة الشعراء في الغالب بعواصف روماتيكية، بل كانوا السنة نضال تساند أسنة القتال، كانوا شعراء وكتابا داعين إلى وحدة الرأي ومقاومة المستعمر، وكانت النكبة التي تتوالى على البلاد الاسلامية منبعا ثرا تفجرت عنه عبقرية الأدباء والكتاب والشعراء، لقد انطلقوا جميعا من بين صفوف الشعب يهتفون في الطليعة بحياة العزة والكرامة، ويمزقون حجاب التأخر ويحطمون ما يحول دون التحرر والانطلاق، لم يكن الكتاب والشعراء إلا جماعة من رواد الإصلاح يلتفون حول زعماء اليقظة الفكرية الذين جسموا ما أصاب البلاد من ضعف وانحلال فيما بليت به من فرقة وتخاذل وفقدان وعي، فكان أدب هذه الحقبة تصويرا لهذا المجتمع، وكان تعبيرا عن هذه الحركة الإصلاحية، كما كان ثورة عارمة على الضعف والاستكانة والتضاؤل والتخاذل، وإني أستطيع أن أقول غير متهيب إن الوطنية المغربية أنشأها أدب هذه الحقبة، وكان الشعر لها أساسا.

وأمام المكيدة والدس والمؤامرة والخداع والسلاح العتيد استسلم الشعب المغربي لقوة أعدائه فظل الأدب يومئذ الجذوة الملتهبة يورث الحماس ويقوي الوعي القومي ويرهف الشعور، وكانت أداة تعبيره باللغة العربية الفصحى تارة وباللغة العامة الشعبية تارة أخرى، وكانت الطبقة المثقفة تستعمل لغة القرآن ذات التأثير والفهم التلقائي، كما كانت الطبقة الأمية ينبع تعبيرها الدارجي من موضوعها وواقعها فكانت أصدق مصورة ومعبرة في لغة فنية رقيقة، لغة أدائها لم تكن معجمية، وإنما هي من لغات الواقع ينتزعها من معركة الحياة وينحتها في صميم الميدان ثم ينسجها في كلماته التعبيرية الصادقة.

ولعل الخصائص التي تميز أدب القرن العشرين في المغرب هي أن هذا الأدب أصبح حضريا، وتركز في أهم عواصم المغرب كفاس ومكناس والرباط ومراكش بعد أن انهارت المراكز العلمية التي كانت تزاحم هذه المدن كزاوية الدلائين في الأطلس وزاوية الناصريين في الجنوب، بعد أن كان كل منهما مجمعا للأدباء والشعراء، غير أن هذا لم يمنع من ازدهار أدب تحجر في أسلوب معجمي ينقص بعضه الطبع والسليقة باستثناء أدب عربي في شنجيط وفي بلاد سوس الأقصى وإن كان هذا النوع من شعراء عظام كالتمنارتي والمرغيشي مثلا، كما أن من خصائص أدب هذه الحقبة شدة  ترقبه لأدب البلاد الشرقية وثقافتها حتى أصبح من الضروري أن يستكمل الأديب ثقافته واطلاعه بزيارة إلى بلاد الشرق كما فعل محمد بن الطيب العلمي وهو أول قصصي مغربي، وأحمد الهلالي والشاعر التركزي، أسوة بالأدباء الذين سبقوهم كالعياشي واليوسي وأحمد بن ناصر، ومحمد الفاسي، كما امتاز أدباء هذه الحقبة بالتزامهم الأدبي ونشاطهم السياسي، وكان معظم ملوك العلويين المتأخرين أخذا بالتقاليد المتبعة يختارون للسفارة والكتابة أدباء وشعراءها، ومن هؤلاء السفير الزياني والوزير ابن ادريس والأديب غريط والشاعر ابن الموال وغيرهم )انظر نثير الجمان(. ويظهر أن المستشرق ليفي بوفنصال أسرف في الاعتماد على هذه الظاهرة، فلم يكن منصفا حين زعم أن الحركة الأدبية في العهد العلوي كانت محصورة على وجه التقريب في دائرة الكتاب المخزنيين، إذ نجد بجانب هؤلاء الموظفين الأدباء كثيرا ممن آثروا الانزواء واستخفوا كراسي الحكم.

وامتاز أدب القرن العشرين أيضا كما قلنا آنفا بالوطنية المتأججة والحنين إلى مسقط الرأس، ومرابع الصبا، ولا تكاد تجد شاعرا إلا وفي نفحات شعره هذه الظاهرة الصادقة.

وقد نبغ مئات الشعراء في القرن التاسع عشر في فن التعبير عن الوطنيات وتصوير آلام الشعب ودحض آراء الاستعماريين وأنصارهم، وكان هؤلاء أساتذة أدب القرن العشرين. ومن نماذج هؤلاء عبد السلام القادري وابن بجة الريفي وعبد السلام بن حمدون جسوس. وفي كتاب نشر المثاني لمحمد القادري مادة خصبة لإنتاج هؤلاء الشعراء وأدبهم الوطني.

وكان هؤلاء رادا للحركة الأدبية التي ازدهرت فيما بعد على يد الشاعر ابن عبد اللطيف الصقلي السليماني وغريط والقري والناصري وغيرهم كثير.

كما حاول شعراء هذا العصر أن يجدوا لأنفسهم طريقة تعبيرية جديدة ولذلك يقول محمد بن العربي الشرقي وهو من رواد الشعر في أوائل القرن العاشر: "إن اسم الشاعر لا يطلق إلا على من وقف في حرم المعاني بكل المشاعر، أما من سلك طريقة واحدة فآراءه فاسدة وبناؤه على غير قاعدة".

واحتفظت في أوائل هذا القرن آخر جالية من الموريسكو الاندلسيين التي استوطنت الرباط على طرائق أدب أجدادها فواصلت العناية بالأدب على الطريقة الاندلسية المحتفية بالمحتوى الأنيق والمعنى الرشيق المعرب عن ألم الذكرى يوم غادر أجدادهم القدماء فردوسهم المفقود، بعد أن نكلت بهم محاكم التفتيش فكان أدبهم يتصل اتصالا وثيقا بأدب أجدادهم، كما كان حافزا على ربط الحاضر بالماضي، وقد شغف معظمهم بمعارضة فحول الشعراء الاندلسيين، ونذكر من هؤلاء الشاعر بشير الرباطي وابن عمرو والشكلنطي، وفي كتاب الاغتباط لابن جندار تراجم وافية وقطع شعرية لمعظم هؤلاء الأدباء الذين امتاز إنتاجهم بعمق الإحساس وصدق التعبير وجمال الأداء.

وإذا تجاوزنا هذا العصر قليلا في عهد الحماية فإن عهدها كان بغيضا صودرت فيه حرية الأدب، وأكرهت الألسنة على الصمت، فإذا انتخبت عدت الأنفاس ولكنه مع ذلك كان أدبا معبرا عن ألم مكبوت وشعور محموم فيه زفرة شعب مسلوب الحرية محكوم بالحديد والنار، كما كان ملحمة دامية تصور قسوة الاستعمار، والحسرة على الاستقلال والتلهف على الحرية، وخاض هذا الأدب جميع الفنون وعبر عن عواطفه بمختلف أدوات التعبير بالقصيدة والملحمة والمسرحية يغنيها )الملهاة والمأساة( والأدب الصحافي والأدب الإذاعي.. ومن أبرز رواد هذا الأدب السيد علال الفاسي في قصائده الملتهبة وعبد المجيد بن جلون في قصصه المؤثرة ومحمد بن الحسن الوزاني في أدبه الصحفي الحي..

وسار بجانب هذا الأدب الفصيح أدب دارجي عامي شعبي وهو أدب قوي مشحون بالمفاهيم الوطنية الجديدة المعبرة عن أدق خلجات الأمة المنكوبة كما ولد بجانب هذا الإنتاج المغربي الصميم أدب مغربي في لغة فرنسية أنتجه أدباء لم يحرموا الوطنية الصادقة، ولكنهم حرموا الألسنة العربية المفصحة فجاء إنتاجهم فرنسيا في قالبه، عريبا في فحواه ومضمونه، ومع الأسف فإن حصيلة هذا الإنتاج لن تدخل تاريخ الأدب المغربي، ولو عن طريق الترجمة لأن كل ترجمة تفسد الأدب رواءه وقوة بيانه، ولن تدخل بتاريخ الأدب الفرنسي فقد شاهد التاريخ الأدبي نفس هذه التجربة المريرة.

ونحن اليوم نستقبل عهدا جديدا مليئا بالتجارب الإنسانية، في أمس الحاجات إلى أدب معبر عن هذه التجربة، ومن واجب قادته أن يشعروا بقيمة الأدباء ومسؤولية رجاله وأجيالنا الصاعدة في آكد الحاجة إلى تربية سليمة ونماذج مثالية بناءة، نحن في حاجة إلى أدب ملتزم سواء في ميدان الاجتماع أو الأخلاق.. نريد أدباء يكرسون جهودهم للنضال والكفاح، وللهدم والبناء، هدم المعتقدات البالية والأوهام العتيقة والتماثيل المزيفة، وبناء المجتمع المغربي المثالي المتعطش إلى المساواة والحرية والكرامة، ومع الأسف فالنماذج التي يعرضها أدب اليوم لا تتجاوز صورا فجة ضد الأخلاق ووعيا ميتا لا يتجاوز الأفواه، وكلاما منمقا غير مشحون بمضامين إيجابية تنسجم مع عصر الذرة والصواريخ.

فأين النماذج الحية المحركة للمجتمعات في أدبنا؟ وأين الأداء الحي والتعبير الصميم عن واقع الشعب وتقدم الإنسان؟

إن سبب فشل أدبنا اليوم واضح كل الوضوح، لأنه أدب مزيف تقليدي لا يتجاوب مع الواقع، ولا يساير التطور العلمي، ولا يبعث حياة رجل الشارع بل لا يصور كفاحه ولا يعبر عن أهدافه، وسيظل كذلك إلى أن نضع الأقلام والكلمات في الموضع الذي يجب أن توضع فيه، ولعلنا بعد ذلك سنجمع قوانا وننطلق بطاقتنا نحو كسب الحياة الشريفة ويكون أدبنا قوة حية دافعة وهادية أيضا.

نعم، هناك محاولات في ميدان الشعر والقصة، وهناك كتاب يشق الطريق، ولكنها تجربة تتعثر وتكبو لفقد عنصر النقد النزيه البناء في حركتنا وعسى أن يسفر المؤتمر عن توصيات إيجابية خلاقة.

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018