الرئيسية > فضاء الإبداع > فكر > إسماعيل شكري :في نقد الصور البلاغية: مقاربة تشييدية

إسماعيل شكري :في نقد الصور البلاغية: مقاربة تشييدية

 

 

1.تقديم

 

ismailتروم هذه الدراسة تقديم مدخل لإعادة بناء الصور البلاغية(figures ) انطلاقا من منظور تشييدي_معرفي يتجاوز بعض التصورات القابلة للدحض في البلاغتين العربية والغربية، مثل مفهوم الجناس ومفهومي الانزياح والتوازي، مما يسمح بتشييد بلاغة معرفية تأويلية تصنف تلك الصور البلاغية تصنيفا زمنيا تفاعليا حيث نؤول، مثلا، الاستعارة بناء على آليات زمن الانكماش(الجهة المطاطية)، و نقرأ الطباق بالنظر إلى الزمن الفوضوي(الجهة المتشابكة)..الخ. وهي قراءات تستلزم بناء مفهوم الجهة البلاغية(شكري 1998 و2007) على أساس نظرية التشاكل التي تؤطر الصور البلاغية ضمن نسق تفاعلي بين المنتج والمتلقي، وتتجاوز ثنائية حقيقة/ مجاز، وثنائية لغة شعرية/ لغة عادية، كما تتجاوز النظر إلى الصور البلاغية بوصفها إسقاطات أو محسنات معجمية، خاصة أنه ينظر إلى الذكاء البلاغي، وفق هذا المنظور الزمني المعرفي، باعتباره قوالب ذهنية تمكن الإنسان من التواصل مع العالم وليس مجرد محسن للكلام.(لايكوف 1987 و1988 ).وبذلك نجد الاستعارة في كلام الأطفال، والإطناب في الخطابات التواصلية..

 

بيد أن مثل هذه القراءة الجديدة تمر أولا عبر تقديم قراءة نقدية لتاريخ الصور البلاغية في الثقافتين العربية والغربية انطلاقا من مفاهيم تشييدية_ معرفية.ذلك أن تحديد مفهوم الصورة البلاغية في الثقافة البلاغية الغربية،والثقافة البلاغية العربية انطلاقا من تحليل نماذج من الخطابين ( فونطانيي ، الجاحظ ، الجرجاني ، السجلماسي ... ) بواسطة مفاهيم دينامية التلقي، و النظرية الحجاجية، يقودنا إلى التحقق من الفرضية الآتية:

 

لقد هيمن نسق الوحدة، و البعد التعليمي على الخطاب البلاغي الغربي، بينما هيمن نسق التعدد و البعد الإيديولوجي على الخطاب البلاغي العربي.

 

وقد كان للوظيفة المهيمنة في الخطابين نتائج هامة، منها؛ عدم توفر مفهوم الصورة البلاغية على الكفايتين التفسيرية والتأويلية، ناهيك عن تعدد المصطلحات وتداخل مفاهيمها بالنسبة للنسق البلاغي العربي. ومن ثم، تبرز ضرورة إعادة بناء الصور البلاغية وفق مفاهيم جديدة.

بيد أن القول بهيمنة نسق ما لا يعني غياب باقي الأنساق،لأن الصراع بين الظواهر الثقافية يقتضي تغليب مقصدية على أخريات ضمن شروط ثقافية وتاريخية معينة. فمثلا، القول بهيمنة المقصدية الإيديولوجية على البلاغة العربية لا يلغي وجود مؤشرات تظهر عند هذا الكاتب أو ذاك تميل إلى البعد التعليمي؛ مثل البلاغة عند السكاكي،أولدى البلاغيين المغاربة(ابن البناء وغيره). وسندافع عن أطروحتنا هذه خلال دراستنا لكل نسق بلاغي.

 

 

2. دينامية التلقي

 

إن أول تساؤل مشروع يتبادر إلى الذهن، ونحن نتوجه إلى قراءة الإرث البلاغي الغربي والعربي، هو: كيف نتلقى هذا الخطاب البلاغي ؟ . ذلك أن كل قراءة، محفوفة بمزالق الإسقاط والتأويل المغرق في الذاتية، ناهيك عن إمكانية محاكمة القديم بالجديد، أو الجديد بالقديم. ولتجنب ذلك، عمدنا إلى تبني منظور دينامي في القراءة يحوي مفاهيم استراتيجية، وأخرى إجرائية، تضمن حضورا بنائيا للذات المؤولة من جهة، وتفتح آفاقا هامة للتأويل المحلي من جهة ثانية. فانطلاقا من الإطار النظري العام للتشييدية وارتكازها على نظرية التلقي ونظرية الأنساق، اعتمدنا استراتيجية "التلقي النسقي" ( ياوس 1978، محمد مفتاح 1993)، ودينامية " القارئ الضمني " ( إيزر 1976 ) .

 

1.2. التــلـــقي النسقــــــي

يستوجب التلقي النسقي النظر إلى الإرث البلاغي داخل نسقه السوسيو-ثـقافي العام. ومن ثم، لا يمكن عزل مفهوم " الأوجه البلاغية " عن صيرورة المجتمع، أو عن حضور مفاهيم موازية في ميادين مختلفة ( مثل الفلسفة والمنطق والتصوف والفقه... الخ ).

كما أن التلقي النسقي ينظر إلى هذا التراث البلاغي باعتبار مكوناته أجوبة عن بعضها   بعض، خاصة في مراحل التناقض والتجاوز التي يصبح فيها الحوار ضربا من الصراع الاجتماعي والفكري والسياسي. إضافة إلى هذا، تتحاشى القراءة بالنسق الركون إلى نوع من المحاكمات غير العادلة. ذلك أن بول ريكور (1983)، على سبيل المثال، حاكم أوغسطين بأرسطو و أرسطو بأوغسطين، وفق مفهومي " التوافق " (Concordance)" و اللاتوافق " (Discordance). فقراءة "اعترافات " الفيلسوف المسيحي تقود إلى اختراق تساؤلات تشككية لا حصر لها بخصوص مفهوم الزمان. ومن   ثم، يستحضر اللاتوافق لتحديد تضارب المواقف وتنافرها. أما قراءة شعرية أرسطو فهي تشخيص للعناصر الدينامية في الخطاب ضمن توافقها وانسجام مكوناتها وإن اختلفت وتنوعت هذه العناصر ( عناصر الحبكة ) [1] .

لقد فوت هذا التلقي المعياري على الباحث فرصة النظر إلى المشروعين ضمن نسقيهما، حيث الشروط الثقافية والسياسية وطبيعة الأسئلة الفلسفية المطروحة في مباحث أوغسطين ليست مطابقة لمثيلاتها في مباحث البلاغة الأرسطية.

وإذا كان مثل هذه المقاربة أمرا غير وارد بالنسبة لنسق أكبر هو الثقافة الغربية، فإنه يبدو أكثر خطورة إذا تعلق الأمر بمقارنة غير سوية بين البلاغة الغربية والبلاغة العربية، إذ إن لكل منهما أسئلته التاريخية والحضارية.

وبناء على هذا، يسمح التحليل النسقي (( بأن يؤخذ في الاعتبار مجموعة مهمة من العناصر ويستطيع أن يعتبرها مجتمعة ومنفصلة، فالمحلل لا يضيع في ركام التفاصيل ولايتيه في معالجة كتلة هائلة من العناصر المتنافرة ( معتقدا أن ليس بينها علاقة، أو يحلل بدون تبني إبدال معين ) (... كما أن ) دراسة كل العناصر، ودراسة علائقها وتعالقها ودراسة تنظيمها تجعل التعميمات ممكنة، هذه التعميمات التي يمكن تأكيدها ( أو نفيها ) في الحال (....) على أن هذه المقاربة النسقية لا تستقيم إلا إذا بنيت على فرضيات عمل توجهها وتضبط مسارها وغايتها الكبرى وغاياتها الصغرى... )) " [2] .

 

 

ومن هنا، أستحضر لغة واصفة للأنساق المتعلقة بالصور البلاغية، حيث ننعت النسق البلاغي الغربي بـ " وحدة المفهوم "، ونطلق على النسق البلاغي العربي صفة " تعدد المفهوم ". وذلك ضمن البحث عن الغايات والمقصديات المحركة لكل نسق.

إننا نفترض منذ البدء وجود مقصديتين كبيرتين، هيمنت واحدة منهما على البلاغة الغربية، وهي المقصدية التعليمية، والأخرى وجهت البلاغة العربية وهي المقصدية الإيديولوجية. غير أن التلقي النسقي يفرض بالتالي أن هيمنة إحدى المقصديتين في مرحلة تاريخية معينة من سيرورة الخطاب البلاغي، لا يعني إقصاء الأخرى أو اندثارها كليا. ثم إن هذه القراءة النسقية، بقدر ما تخضع لتوجيهات نصية تتطلبها ملابسات الحجاج الضمنية، فإنها تستند كذلك إلى تجربة القراءة وشروطها التداولية، إذ لا ندعي تلقي الخطاب البلاغي بعيدا عن أي تفاعل جمالي و ثـقافي ونقدي في الآن نفسه. وهذا ما يمثل استراتيجية " القارئ الضمي [3]

 

 

 

2.2.القارئ الضمني

 

ليس لمفهوم القارئ الضمني ( Lecteur Implicite ) وجود واقعي لأنه يمثل مجموع التوجيهات النصية الداخلية التي تجعل كل نص قابلا للتلقي، إذ (( لا يصبح النص حقيقة إلا إذا تمت قراءته ضمن شروط التحيين التي من المفروض أن يحملها بنفسه، حيث هناك إعادة بناء المعنى من طرف الآخر )) [4] .وبذلك، يحيل هذا المفهوم على الأثر النصي، بحيث يمكن افتراض أن كل نص يمنح دور القراءة   لقارئيه المحتملين، في شكل دور جدلي الاتجاه يقصد إلى الكشف عن عالم النص انطلاقا من " منظور الكاتب "، وإلى البحث عن هذا المنظور انطلاقا من " منظور النص". ومن هنا، يصبح دور القارئ بنية نصية بالأساس، ما دام كل خطاب يحمل شروط قراءته. بيد أن وجود هاته التوجيهات الباطنة التي تمكن من جمع مختلف المنظورات ضمن أفق مشترك، ليست بنية معطاة بل يتم بناؤها من طرف القارئ نفسه. وهذا ما يخول للقراءة فضاء إنتاج متوالية من أفعال التقديم القمينة بأن تجعل من مفهوم القارئ الضمني شرطا يعيشه القارئ الواقعي، وليس مفهوما مجردا له، أو تمثيلا لأنا الكاتب      الثانية. ذلك أن نجاح قراءة ما ليس مرهونا بمدى تلاؤم كل من مقصديتي المنتج والمتلقي [5] .

 

ومن ثم، فالقارئ الضمني المقصود هنا، قارئ دينامي يتفاعل مع المعطيات النصية، أي (( يحدد سيرورة نقل بنيات نصية بواسطة أفعال التقديم ضمن مجموع تجارب القارئ )) [6] .  وإذن، استراتيجية القارئ الضمني تنسجم واستراتيجية التلقي النسقي، إذ إن مقاربة الخطاب البلاغي تراهن، في سياق هذه الدراسة، على تحديد بنيات نسقية مهيمنة مع تفسيرها وتأويلها وفق معطيات نصية وتداولية. وهذا ما يفسر تحليلنا للنص البلاغي القديم من زاوية مفاهيم إجرائية يؤطرها بشكل عام التحليل التداولي للخطاب. ذلك أن مفهوم القارئ الضمني مثلا، يمكن اعتباره " مضمرا حجاجيا " ( Implicite Argumentatif )[7] يمكن تقديم مكوناته بواسطة مفاهيم من قبيل " الأفعال اللغوية " ( أوستين 1970 ، سورل 1972 ، جرايس 1979 ...)، و "الروابط الحجاجية "( دكرو 1980 ب، أنسكوبر و دكرو 1983..)..

 

تلك أهم الأسس النظرية التي يرتكز عليها اشتغالنا على النص البلاغي في حقل مبحث الصور البلاغية، حيث نفسر البنيات المكونة لنسق الوحدة ( في البلاغة الغربية )، ولنسق التعدد( في البلاغة العربية ).

 

3. في البلاغة الغربية

 

نستحضر في البدء الفرضية التالية:

 

تميز تطور مفهوم " الصور البلاغية " ( Figures ) في البلاغة الغربية - على الأقل إلى حدود المرحلة الكلاسيكية - بوحدة المفهوم والمصطلح وفق هيمنة المقصدية التعليمية على تاريخ هذه البلاغة.

 

إن مدخلنا إلى تأكيد هذه الفرضية قول بارت (1970): (( أليست البلاغة برمتها(إذا استثنينا أفلاطون) أرسطية ؟ بلى ، بدون شك: كل العناصر التعليمية التي تغذي المصنفات الكلاسيكية تعود إلى أرسطو)) [8].ذلك أن الإقرار باستمرار بلاغة أرسطو أساسا للخطاب البلاغي الغربي، مؤشر على نجاح المصنفات والشروح المحددة للقواعد والأجناس في تحقيق الغاية التعليمية بالدرجة الأولى. فإذا كانت البلاغة الغربية قد تطورت من كونها فنا للإقناع إلى كونها فنا للتعبير الجيد، فإن الإطار البيداغوجي ظل مهيمنا على مختلف مراحلها، بدءا بجورجياس إلى عصر الأنوار والتحولات الثـقافية ( ق 18 وق 19 )، حيث نشطت المصنفات الكلاسيكية التعليمية لكل من دي مارسيه و فونطانيي. وقد تميز كذلك هذا المسار التعاقبي للبلاغة الغربية بالتفاعل مع حقول موازية مثل النحو والمنطق والفلسفة. وسنرى كيف كان للنحو والمنطق، على الخصوص، أثرهما البالغ على تصنيف أنواع وأجناس الأوجه البلاغية، ناهيك عن أن البلاغة الغربية لم تسلم بذاتها في بعض المراحل التاريخية من التأثير الديني المسيحي، بحيث انصب الاهتمام ( مع بيد ( 673 - 735 ) مثلا ) على الكتاب المقدس، باعتباره حافلا بالأنماط التعبيرية البلاغية.

 

 

إن فرضية هيمنة البعد التعليمي على الخطاب البلاغي الغربي، تجد مسوغاتها في مفهوم البلاغة ذاتها. فمن بين معاني كلمة " بلاغة " في الثقافة الغربية، أنها تقنية قابلة للتدريس. فمنذ العصر الهيليني أصبح تدريس البلاغة ليس فقط مادة من المواد ولكنه سلك للدراسات. ثم إن هذا الإطار التعليمي لا ينفي عن البلاغة الغربية أصولها الفلسفية. فإذا كانت ذات أصول قضائية وذات أصول أدبية، فإنها في الآن نفسه قد دخلت في تفاعل حواري مع المنظومة الفلسفية بدءا بالسفسطائيين وأفلاطون وصولا إلى أرسطو الذي وضع البلاغة في مكانها ضمن الثـقافة اليونانية، بحيث أدمج النسق البلاغي ضمن النسق العام للفلسفة، بعد ما أضحت الممارسة البلاغية علائق جدلية بين البينات الححاجية والبنيات الأسلوبية والنفسية. بيد أن الحضور الفلسفي في البلاغة الأرسطية، لازمه حضور منطقي كذلك. فمن بين أهم مكونات تأسيس الخطاب، نجد مرحلة " الابتكار " تمثل تصور البراهين الواقعية أو الخيالية المساعدة على الاستقراء والاستدلال بواسطة القياس. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة "صياغة العبارة " ( Elocution ) التي تحوي أنماط الصور البلاغية.

 

 

وقد اتخذت البلاغية الغربية ضمن هذا المسار صفة " بلاغة عامة " ( بلاغة الإقناع والحكي والإيقاع.... )، خاصة عندما تم تجاوز الفصل بين دراسة الخطاب التواصلي ودراسة الخيال الشعري، بحيث اندمجت البلاغة مع الشعر على يد أو قيديوس و هوراتيوس [9] . غير أن التسليم بهذه الصورة للبلاغة الغربية ( بلاغة عامة تهيمن عليها المقصدية التعليمية ) لا يعني في منظور قراءتنا النسقية إقصاء للبعد الإيديولوجي الموجه. فقد يبدو من المفارقات استمرار المصنفات البلاغية الكلاسيكية في عصر التحولات الثـقافية ( ق 18 ) ، بيد أنها مفارقات تجد تفسيرها في استمرار المد الإيديولوجي المحافظ ضمن أنساق كلاسيكية غير مبالية بالتحولات الثورية التي أحدثتها الثورة  الفرنسية . وقد كان، في نظري، الغطاء الشرعي لهذا البعد الإيديولوجي هو المؤسسة التعليمية التي تبنت مصنفات فونطانيي (1827) الكلاسيكية.

 

 

 

 

 

في سياق هذا الإطار العام، إذن، يمكن تتبع سيرورة مفهوم " الصور البلاغية " في البلاغة الغربية. ذلك أن مصطلح ( Figure ) يجد جذوره التاريخية في استعمالات كينتليان ( ق 1 بعد الميلاد ) الذي ظل وفيا للبلاغة بمعناها الأوسطي.

لقد وظف المصطلح اللاتيني( Figura ) بمعنى (( تمثيل شيء ما ))، لكنه عند كينتليان أصبح يعني لأول مرة، وبمعنى استعاري، "الصور البلاغية للخطاب" التي تبرزه وتشكله[10]. وهكذا، تم النظر إلى الصورالبلاغية في البلاغة الكلاسيكية داخل سياق الإنتاج والتلقي، إذ تلعب دورها في اتجاه إثارة المتلقي والتأثير عليه وإقناعه. ومن ثم، فتوظيف الصور البلاغية رهين بعوامل مختلفة مثل نوع الخطاب والحالة الذهنية للمتكلم والمتلقي. ولذلك فهي تشمل مختلف مستويات تحليل الخطاب، مثل المستوى الصوتي والصرفي، والمستوى التركيبي والمستوى الدلالي، والمستوى المنطقي- المرجعي، والمستوى التلفظي... الخ، كما أنها تشكل أدوات أسلوبية يستعملها كل خطاب يرتكز على العلاقة: متكلم - متلقي، مثل المناظرة، والخطاب السياسي والخطاب الأدبي... [11]

 

إن أولى خصائص نسق الوحدة في البلاغة الغربية، إذن، تتمثل في هيمنة البعد التعليمي وسيادة روح البلاغة العامة الأرسطية، إضافة إلى وحدة المفهوم والمصطلح بالنسبة للصور البلاغية. وهذا ما يقودنا إلى قراءة نماذج تمثيلية، يحيلنا طرفها الأول على البلاغة الكلاسيكية وهو المصنف البلاغي البيداغوجي لـ فونطانيي: " الصور البلاغية للخطاب "، وذلك لأهميته في التصنيف والتعريف. ثم نتناول بعد ذلك نموذجين يمثلان مفهوم الصور البلاغية في سيرورة البلاغة الغربية الحديثة. الأول نموذج البنيوية الشعرية ( جون كوهن )، والثاني نموذج البلاغة العامة في صورتها الحديثة مع جماعة Mu.

غير أن تتبع هذا المسار يوجهنا إلى نقد مفهوم أساسي يحاوره بحثنا، هو مفهوم "الانزياح" الذي شكل إطارا مرجعيا بؤريا في الثـقافة البلاغية الغربية الحديثة، سواء أتعلق الأمر بتأويل نصوص البلاغة الكلاسيكية، أم بتفسير النظام اللغوي الشعري خاصة، والوظيفة الشعرية عامة.

وعلى هذا الأساس، نرصد ثلاثة أنساق صغرى مهيمنة على النسق الأكبر للبلاغة الغربية؛ يتعلق الأول بنسق الشكل البارز، والثاني بنسق الانزياح، أما الثالث، فهو نسق التحول.

 

 

 

 

1.3. الصورة البلاغية شكل بارز

 

يقول فونطانيي في مؤلفه (( (.... ) الصور البلاغية للخطاب، هي الخصائص، الأشكال أو الأبراج البارزة تقريبا و هي ذات أثر مفرح إلي حد ما. فالخطاب المعبر عن الأفكار، والتصورات أو المشاعر يبتعد بواسطتها، تقريبا، عما كانت عليه العبارة البسيطة والمشتركة )) [12] .

 

نحول هذا النص إلى ثلاثة محاور دلالية ( Axes Sémantiques ) أساسية،

هي:

_محور التشكل:الخصائص والأشكال

_ محور البروز:الأبراج، البارزة

-محور الأثر: مفرح، المشاعر

 

إن هاته المحاور الدلالية، تخصيص لمميزات الصور البلاغية التي تمثل الخطاب، تشكله وتبرزه. وهي بذلك نواة المفهوم بدءا بالدرس البلاغي عند كينتليان. والملاحظ أن فونطانيي يتحدث عن الصور البلاغية للخطاب بمعناه العام دون حصرها في دائرة النص الأدبي. بيد أن التساؤل المطروح، هو: لماذا شكل المكون - الفضلة؛ " تقريبا " إطنابا بارزا في هذا النص؟

 

يمكن اعتبار " تقريبا "، عاملا حجاجيا Opérateur Argumentatif وبالتالي وحدة دلالية تحول أفق الانتظار الملازم لمحتوى النص.

فإذا كانت لدينا م، أي ملفوظات للمحتوى ق، ولدينا مَ، وهي ملفوظات للمحتوى قَ، فإننا نتوفر على المعادلة التالية:

(1) - قَ = ق + س.

 

حيث إن س عامل حجاجي، يوجد حيثما كانت الإمكانات الحجاجية لـ مَ ليست هي نفسها في م، وذلك دون اعتبار للمعلومات التي تحملها س. فالجملة (2) تقابل الجملة (3).

 

(2) - الصور البلاغية هي الخصائص البارزة.

(3) - الصور البلاغية هي الخصائص البارزة تقريبا.

 

 

 

ذلك أن الجملة (3)، وهي مَ، ليست تغييرا في القيمة المعلوماتية، ولكنها حاملة لقيمة حجاجية تتطلب سياقا خاصا، وبالتالي تأويلا مختلفا [13] .

إن تأويلنا يتجاوز الجملة إلى النص، لاعتبار أساسي يتمثل في تكرار المكون تقريبا، الشيء الذي يعتبر مؤشرا على توظيفه بوصفه عاملا حجاجيا في الخطاب.

إن فرضية العامل الحجاجي، تستدعي استلزاما حواريا بالمعنى الذي يجعل س: " تقريبا "  "لا تحيل على المعنى القضوي ( نسبية البروز والاعتراف بصعوبة التعريف)، بقدر ما تستميل المتلقي إلى تصديق المعلم فونطانيي فيما يقدمه من درجة صدق الحد، خاصة أنه يورد هذا التعريف بخط بارز ويعتبره محصلا من تـعـريف الأكاديمية الفرنسية، وواردا في سياق تعاريف، هي في نظره غير مقنعة، ولم تنل القبول التام من الجميع [14]. ومن ثم، فإقحام س في النص، بحث عن تراض وإجماع.

 

نبرهن على ماسبق من خلال الاستدلال التالي:

 

- يطرح المتلقي على الكاتب تساؤلا حول ماهية الصور البلاغية، فيجيبه بأنها الخصائص البارزة تقريبا...

- من المفروض أن يتعاون الكاتب في الحوار ويأتي رده واردا (مبدأ التعاون).

- الرد الوارد في هذا الحوار يجب أن يكون تحديدا دقيقا لخصائص الصور البلاغية أو تشككا فيها ( مراعاة قواعد الحد ).

- غير أن رد الكاتب من حيث معناه الحرفي، ليس دقيقا ولا تشككيا رافضا، وبالتالي فهو غير وارد. والمؤشر تكرار المكون " تقريبا ".

- يعود المتلقي إلى مساق النص ليجد نقد الكاتب لتعاريف غير مقنعة في نظره.

- يستنتج المتلقي أن الكاتب يميل إلى رأي توفيقي.

- توظيف س، إذن، تقديم لرأي محصل يرجى منه أن يكون مقبولا ومقنعا.

- الغرض الإنجازي للجملة (3) تعليمي وحجاجي.

إننا بتحليلنا لنص فونطانيي، نحاول البرهنة على هيمنة البعد التعليمي، الذي يختلط بالحجاجي، في البلاغة الغربية الكلاسيكية. وذلك بالنظر إلى أهمية هذا البعد في الحفاظ على انسجام المفاهيم والميل إلى الاختزال التوفيقي، كما هو الشأن بالنسبة لمفهوم الصور البلاغية.

وهكذا، فقد تميز عند فونطانيي، إضافة إلى ما سبق، بالمنظور النفسي والروحي الذي يجعل الفرح أثرا ناتجا عن تلقي هذه الصور[15]. كما أنه مرتبط بشرط أساسي هو حرية المتكلم الذي لا يتقيد في هذه الحالة بتعليمات القواعد النحوية؛ بالمعنى الذي يجعله لا يصدر في ملفوظا ته البلاغية عنها.

بيد أن المفهوم في هذا السياق الكلاسيكي يكتسي بعدا تصنيفيا، وليس إجرائيا، بالنظر إلى تصنيف الصور البلاغية وفق أنواع وأنماط. فقد صنفها الكاتب إلى سبع طبقات تنقسم بدورها إلى أجناس وأنواع وتشكلات. ومن ثم، فمستوى الطبقة يعادل في الوقت نفسه طبيعة ودرجة التوسيع التراكبي للصورة البلاغية التي تقتضي طبيعتها صورا بلاغية للمعنى أو للكلمة مثلا، كما تقتضي درجة الامتداد التراكبي الكلمة أو الجملة أوالقضية أو الملفوظ [16] .

 

إن هذا التصنيف يظل مهيمنا على البحث البلاغي الغربي رغم تطور البحث اللساني والسيميائي. فجماعة m ، مثلا ، لا تحيد عن قاعدتي الحذف والزيادة ، في إطار محاولتها إعادة إنتاج مكونات التصنيف الكلاسيكي [17] . ثم إننا نجد أثر هذا المفهوم بارزا في معاجم الدراسات البلاغية والأسلوبية، بحيث نجد على سبيل المثال تعريف الصورة البلاغية بكونها صياغة تستدعى حيثما لا نستطيع اختزال أثرها المعنوي إلى مجرد الأثر المنتوج بواسطة الصياغة المعجمية - التركيبية البسيطة للملفوظ[18] . وإذا كان فونطانيي قد ركز على مفهوم " الأثر" الذي يلازم تلفظ الصورة البلاغية ، فإن هذا يعني التأكيد على الوظيفة النفسية والحجاجية التي دافع عنها قديما كينتليان حينما قال:((كل شيء غير مجد فهو ضار))[19]. ومن ثم، فلا معنى أن نعتبر الصورة البلاغية في البلاغة الغربية مجرد "محسن" أسلوبي ، بالرغم من أننا قد نجد في تاريخ النظرية البلاغية الكلاسيكية أثرا للقول بوظيفة التنميق. وبذلك، نسقط ترجمة مصطلحFigure بـ"محسن" من اعتبارنا، لأنها ترجمة ضعيفة الحس النظري، إذ لا تغطي المنظور البلاغي والجمالي للمفهوم في الثقافة الغربية [20] .

 

هكذا يبدوا أن بلاغة فونطانيي، منسجمة مع النسق العام للبلاغة الغربية. لكن التلقي النسقي الذي نتبناه، ليس مجرد اختزال لبنيات متماثلة أفقيا، بل إنه يستدعي، إضافة إلى مكونات التشابه، مظاهر الاختلاف والتغاير داخل النسق الواحد.

وبناء على هذا، يمكن النظر إلى الدرس البلاغي عند فونطانيي باعتباره يتم  بين اتجاهين في تاريخ البلاغة الغربية؛ أي بين اتجاه دراسة كل الحقول البلاغية للخطاب ( أرسطو ) وبين اتجاه دراسة الصور البلاغية للمعنى فقط ( دومارسي ). فهذا يعني أن بلاغته اختارت حقلا وسطا هو: الصور البلاغية فقط، لكن كل الصور البلاغية [21]. و إذا كانت الوحدة المناسبة للبلاغة القديمة هي الملفوظ، وبالتالي هي الكلمة بالنسبة لـ دومارسي، فإنها عند فونطانيي الصورة البلاغية في امتدادها التراكبي من الكلمة إلى الملفوظ المركب. هذا وقد انشغل الدرس البلاغي عنده بتحديد مفهومها وتصنيفها.

وعليه، فهي " بروز " لعبارة في الخطاب أكثر من غيرها في سياق التلقي. وهو تأويل يدفعنا إلى القول بأن وجود العبارات البارزة يعني توفرها على خصائص صوتية وتركيبية ودلالية وتداولية، بواسطة التوسيع ( مثل الصور البلاغية الخاصة بالإيقاع أو المجاز كالقافية والاستعارة )، أو بواسطة القلب ( كما هو وارد في بعض الصور البلاغية التركيبية مثل التقديم والتأخير ). وقد نجد قواعد أخرى لهذا " البروز " من قبيل القواعد التداولية المؤشرة على قاعدة " الاستلزام الحواري " التي تجعل، مثلا، من الاستفهام في سياقات معينة صورة بلاغية. وبناء على ذلك، نقترح الحد التالي:

 

الوجه البلاغي عبارة بارزة إدراكيا في الخطاب بواسطة قواعد نصية أو / وقواعد تداولية - سياقية.

 

تلك، إذن، قراءة في التراث البلاغي الغربي، مع التركيز على نموذج كلاسيكي لفونطانيي، بحيث تابعنا سيرورة مفهوم الصورة البلاغية، والذي تم الحفاظ على نواته منذ كينتليان، بل تمت المحافظة على نفس المصطلح كذلك، مع وجود متغيرات في مراكز الاهتمام داخل هذا النسق.

وسندرس في المبحث الموالي تطور المفهوم نفسه ضمن سياق الثقافة البلاغية الغربية   الحديثة، إذ نرصد نسقي الانزياح والتحول.

 

2.3 . الصورة البلاغية انــــزيــــــاح

 

يعتبر مفهوم الانزياح، إطارا نظريا أساسيا لمعرفة تصورات البنيوية الشعرية المتعلقة بالصور البلاغية. ذلك أن هذا المفهوم يوجد في أدبيات الشعرية الحديثة بشكل صريح وبؤري ( جون كوهن )، أو بشكل مضمر وراء مفاهيم موازية مثل " الوظيفة الشعرية " (ياكبسون )،  و" الشفافية " ( تودر وف).

وقد كان الباعث على الاهتمام بمفهوم الانزياح البحث عن " خصائص مميزة " للغة الأدبية"، مما كان له أثره البالغ على مسار البحث البلاغي الحديث، بحيث كاد أن يتجه، في مجموعه وجهة مغايرة لروح البلاغة القديمة، أي وجهة بلاغة خاصة، هي بالأساس بلاغة الشعر أو بالأحرى بلاغة النص الأدبي. بيد أن هذا المفهوم، قد اعترضته مشوشات نظرية وتطبيقية، من قبيل صعوبة بناء المعيار، وكيفية تقليص الانزياح وتأويله، ناهيك عن معضلة التوفيق بين وظيفته والوظيفة التواصلية. ومن ثم، حرصنا على استبعاده - بعد نقده - لأنه لا يلائم استراتيجيتنا في تشييد نموذج للجهة البلاغية يقوم على أساس مفهوم تفاعلي مدمج لمكونات لغوية ومعرفية وبلاغية هو مفهوم "العنونة".

 

وإذا كانت مؤلفات جون كوهن (1966 و 1970 و 1979)، الممثل الأنسب لمفهوم الانزياح لدى المدرسة البنيوية الشعرية، فإننا سنركز على عرض أطروحاتها النظرية، مع البحث في نفس المفهوم عند جماعة m في سياق دراسة نسق التحول، لنخلص، في الختام، إلى نقد المفهوم وإبراز قصوره النظري والإجرائي.

هكذا، يرى كوهن (1966)، أن الشرط الأساسي والضروري لحدوث الشعرية، هو حصول الانزياح، باعتباره خرقا للنظام اللغوي المعتاد، وممارسة استيطيقية. ولإبراز هذا التصور، عمد الباحث إلى التمييز بين زمنين اثنين. الأول تكون فيه عملية خرق النظام اللغوي مدمرة للمعنى، وفي الثاني، يتم تقليص الانزياح من أجل إعادة المعقولية اللغوية. ومن ثم، فالأمر يتعلق (( بمقابلة الشعر بالنثر الذي يمكن أن تتخذه معيارا لكونه يمثل اللغة السائدة، في حين يمكن أن نعتبر الشعر انزياحا عنه ))[22] .

يترتب عن هذا، أن اللغة الشعرية تستثمر بتميز، العناصر الصوتية والدلالية للغة، الشيء الذي يسمح ببعض التمييزات مثل "الشعر المنثور"، و " الشعر الكامل "، و " النثر الكامل "[23]...

ويطور كوهن (1970)، منظوره للانزياح في إطار تصور منطقي - دلالي لنظرية الصورة البلاغية. فالمماثلة، في نظره، ممكنة بين البحث اللساني والبحث المنطقي، لأجل ربط علاقة جديدة بين كَريماص و بلونشي، تؤشر على جعل المنطق شكلا للمحتوى، وجعل الدلالة محتوى للشكل. وبذلك، فإن مفهوم الانزياح ذاته يمتلك دلالة منطقية، إذ نحصل على ازدواجية الانزياح اللغوي والانزياح المنطقي، التي تمكن من بناء نموذج منطقي للصور البلاغية الشعرية [24].

ومن ثم، فالصور البلاغية الدلالية تخرق مبدأ عدم التناقض المنطقي الذي يمنع أن نربط القضية بنفي القضية:

(4) - ق . ق

إن التناقض الوارد في هذه الصور البلاغية، يتخذ شكل تقابلات تختلف من حيث درجة التقابل و التنافر. فهناك درجة تناقض قوية، وأخرى ضعيفة، أو محايدة. فعلى سبيل المثال، يشكل المحمول " صغير " نفيا قويا للمحمول " كبير " بينما " متوسط "، تفي ضعيف لهما معا.

وهكذا، تندرج الصورة البلاغية " المناقضة " (L’oxymore)، في إطار الدرجة العالية للتناقض. ومثالها:

(5) - L’obscure clarté [25] ( النور الحالك )

فعلاقة التضاد بين قطبي الجملة (5)، ناتجة عن درجة نفي قوية، إذ إن " الظلام " نفي  " للنور"، والعكس صحيح، أما نفيهما الضعيف ( لا نور/ لا ظلام)، فتترتب عنه حالة وسطى،  هي " باهت "، والتي يمكن أن تنبثق عنها صورة بلاغية آخرى على شاكلة الجملة (6).

(6) - La lumière blafarde ( الضوء الباهت )

 

 

يترتب عن هذا الطرح، ثلاثة أنماط من العلاقات التي تمثل بنيات منطقية للصور البلاغية؛ - علاقة التناقض القوي بين القطبين،  والعلاقة المحايدة، تم العلاقات المركبة الناتجة عن نفي العلاقة الثانية.

 

لاشك، إذن أن مفهوم الانزياح، في النظرية الشعرية عند كوهن (1966 و 1970)، قد اتخذ صيغتين أساسيتين؛ الأولى صيغة " الانزياح الخارجي" بحيث حدد المعيار في النثر العلمي، والثانية صيغة " الانزياح الدلالي - المنطقي ".

 

وهكذا، تعرضت الصيغة الأولى لمجموعة من الانتقادات من طرف بعض رواد الشعرية والأسلوبية أنفسهم. ذلك أن تودروف، مثلا، يرى عدم مصداقية تحديد الشعر عن طريق مقابلته بالنثر، لأنهما يملكان نصيبا مشتركا، هو الأدب. أما دولاس، فإنه ينتقد المفهوم قائلا: (( كيفما كانت قيمة وعلم المشتغلين بهذا المنهج الذي يدعونه بنيوية في تحليل الأسلوب، فصدقونا، أنه ينطوي على بعض العيوب في مبدئه ذاته. ذلك أنه يعوض غياب نمذجة علمية للأجناس والسجلات، بثنائية ترهن المطلوب، وتنعت خطأ بكونها بسيطة وإجرائية ( نثر، شعر مثلا). وهذا ما يؤدي، في آخر المطاف، إلى التخلي عن المقاربة اللسانية، وإرجاع مهمة اقتراح أطر الدراسة إلى الأدب، وإلى تاريخ الأدب ))[26].

ومن ثم ، فمسألة البحث عن معيار ، تمثل صعوبة في ذاتها ، خاصة إزاء المنحى البلاغي العام للبلاغة الغربية الذي يؤكد توفر اللغة العادية على الصور البلاغية . كما أن تزايد الاهتمام في الدراسات النقدية الحديثة بالمقاربات اللسانية، مؤشر قوي على افتقار مفهوم الانزياح إلى البعد الإجرائي، وعلى ضرورة وضع نظرية الأدب في إطار النظرية البلاغية العامة. وهذا ما ينسجم مع مباحث علم النفس المعرفي وعلم النفس اللساني التي تركز على البعد المعرفي للصور البلاغية؛ كالاستعارة والكناية والحكي[27].

وقد كان لاعتماد مفهوم الانزياح من لدن بعض الباحثين العرب، ( محمد العمري 1990)، خاصة في قراءتهم للتراث البلاغي العربي، نتائج من الصعب التسليم بها، مثل اعتبار القرآن الكريم معيارا للانزياحات الصوتية في الشعر، والمماثلة بين المدارس الشعرية الحديثة والبلاغة العربية القديمة.

الخلاصة، إذن، أن " نسق الانزياح " ظل مشدودا بشكل نسبي إلى البلاغة الكلاسيكية بالعودة إلى أمثـلتها ومصنفاتها، وإلى مصطلحFigure وتصنيفاته بالرغم من محاولات البنيوية الشعرية توجيهه نحو بلاغة خاصة؛ هي بلاغة الشعر، ناهيك عن أن تفسير الصورة البلاغية في ضوء مفهوم الانزياح، يطرح - كما رأينا - صعوبات نظرية وتطبيقية عديدة. ومن ثم، ننظر في " نسق التحول" عند جماعة Mu، بحيث نبحث في طبيعة مقاربته للمفهوم السابق ( الانزياح )، وعلاقته بالبلاغة القديمة، وبمفهوم الصور البلاغية.

 

3.3 . الصورة البلاغية تــحــــــــول

 

يمكن اعتبار البلاغة العامة لجماعة m (1982)، امتدادا نظريا لبلاغة الشعر( جماعة m 1977)، حيث تم تعميم مبدأ الوظيفة البلاغية على مختلف الخطابات. وقد جاءت تنظيرات الجماعة للبلاغة البصرية (1992)، لتكمل حلقة الاتجاه البلاغي العام، انطلاقا من استراتيجية الاستفادة من البلاغة الكلاسيكية، والانفتاح على حقول معرفية معاصرة، مثل، علم النفس المعرفي، ونظريات الإعلام والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحقول اللسانية والسيميائية. لقد دأبت هذه الجماعة على رسم معالم بلاغة عامة جديدة منذ سنة (1977)، إذ ركزت، مثلا، على جعل بنية الزمان داخل التراكب، خاصية لغوية مشتركة بين مختلف الخطابات. وهذا ما يعتبر، في نظري، تثبيتا لدعائم البلاغة العامة بمفهومها الأرسطي القديم، وتدعيما لفرضيتنا المدافعة عن أطروحة " نسق الوحدة " المميزة للبلاغة الغربية. ومن هنا، نتساءل: كيف يحضر مفهوم " الوجه البلاغي " عند الجماعة ؟

 

تعتمد البلاغة العامة أساسا على تقطيع الخطاب إلى وحدات صغرى، حيث نجد طبقات من المستويات سواء على مستوى الدال أو المدلول. ذلك أن المستوى الواحد يحوي وحدات كثيرة مدمجة داخل وحدة نظام أعلى، وكل وحدة منها تدمج بدورها وحدات نظام أدنى [28] . غير أن هذا التقطيع يمكن أن يصل إلى مستوى ذري ( Atomique ) يتعذر تقسيمه؛ يتمثل على مستوى الدال في « الخصائص المميزة " ( Traits Distinctifs ) ، وعلى مستوى المدلول في " المقومات " ) (Sèmes . ومن ثم، فإن مستويات التمفصل تفرز صورا بلاغية تنعتها الجماعة "بالتحولات " (Métaboles)[29] التي تشكل في ذاتها انتقالات وتحولات داخل البنية الشجرية للتمفصل . وإذا كانت هناك علاقات بين مستويات هذا التمفصل، فإن الصور البلاغية ترتبط بها متجاورة ومتقاربة ( مثل الإبدال على مستوى التراكب: Contrepet  ( إذ قلما توجد المستويات متباعدة [30] . وهكذا يترتب عن هذا التقطيع الإجرائي تعيين الصور البلاغية ضمن أربعة حقول أساسية:

أ - تحولات الكلمة على مستوى العبارة ( Métaplasmes )، وهي تشتغل على الجانب الصوتي والخطي للكلمة، مثل القوافي و" تشاكلات الصوامت " ( Allitérations ) .

ب - تحولات الجملة على مستوى العبارة ( Métataxes )، وهي جمع للتراكبات والمورفيمات المتوفرة على نظام، والقابلة للتكرار. مثل: قلب العبارة ( Chiasme ).

ج - تحولات الكلمة على مستوى المحتوى ( Métasémèmes ) التي تعمل على تعويض شبكة من المقومات النووية بأخرى، مثل التشبيه والمجاز المرسل والاستعارة والكناية....

د - تحولات الجملة على مستوى المحتوى (Métalogismes) التي تجعل من الجملة جمعا لمقومات مركزة في كلمات ذات نظام وقابلة للتكرار مثل المبالغة والمقابلة [31].

 

ما يلاحظ على هذا التصنيف مبدئيا، أنه لم يتخل عن النواة الصنافية للبلاغة الكلاسيكية. ذلك أن التقطيع عند الجماعة يأخذ بعين الاعتبار الثنائية الكبرى ؛ عبارة / محتوى ، التي تؤطر طبقات صرفية وتركيبية ودلالية ومنطقية . وهذا ما يوازي - في نظرنا - تصنيف فونطانيي للصور البلاغية على أساس الكلمة والدلالة والجملة أو الأسلوب. إضافة إلى ذلك، فقد حافظ مصنف الجماعة على المفهوم كما هو وارد في البلاغة الكلاسيكيـة. وما يبرهن على هذا القـول، الجدول (1).


 


 

 

العبارة

 

المحتوى

 

أ) تحولات الكلمة

ب) تحولات الجملة

ج) تحولات الكلمة

د) تحولات الجملة

العمليات

م. المورفولوجي

م.التركيبي

م. الدلالي

م. المنطقي

I - الحذف :

1.1- جزئي

* الترخيم.(استهلالي   أو جوفي...) .

* إدغام وصل.

* التشبيه.

* الاستعارة في الحضور.

* الإثبات بالنفي.

2.1- تام

* الحذف.

* إيجاز حذف.

* اللامعنى.

* تعليق.

* استغناء.

II - الزيادة :

1.2- بسيطة

* فك الإدغام.

* زيادة بادئة أو   لاحقة.

* الاعتراض.

* المجاز المرسل.

* المبالغة.

2.2- تكرارية

* القافية.

* تشاكل الصوامت    أو الصوائت.

* التماثل.

غير موجودة

* الطباق.

* الحشو.

III-الحذف-الزيادة :

1.3- جزئي

* الإيهام.

* التعليق المعنوى

* الفصل.

* الاستعارة في الغياب.

* التلميح.

2.3- تام

* التوليد.

* الاشتقاق.

* قلب العبارة

* الكناية.

* التمثيل.

3.3- سالب

غير موجود

غير موجود

* المناقضة أو الاستحالة.

* السخرية.

IV - الاستبدال :

1.4- كيفما كان

* الإبدال

* القلب الصوتي  (جناس القلب ) .

* التقديم والتأخير.

غير موجود

* قلب منطقي،

2.4- بواسطة القلب

* تشاكل الطرد أو    العكس

* القلب.

غير موجود

قلب كرونولوجي.

(1)- التحولات البلاغية العامة [32] ( Métaboles )

أولى الملاحظات المستخلصة من هذا الجدول، أنه يتضمن صورا بلاغية للخطاب بمعناه العام، إذ تتنوع وفق تحولات الكلمة والجملة على المستوى المورفلوجي والتركيبي والدلالي والمنطقي. ومن ثم، يمكن طرح تساؤلات تشككية حول جدوى تبني مفهوم الانزياح ضمن إطار البلاغة العامة.

ينضاف إلى ذلك، هيمنة الثنائية التقليدية ( دال / مدلول، عبارة /محتوى ) على هذا التقطيع الذي يخلط، في الآن ذاته، بين الصورة البلاغية بمعناها الدقيق مثل " الاستعارة "، وبين الخاصية التعبيرية، مثل " السخرية "، و بين النوع، مثل " الحكاية الساخرة ". كما أننا نجد في هذا الجدول، تحولات الكلمة والجملة من جهة على مستوى العبارة، ومن جهة أخرى، على مستوى المحتوى، مما يحيل على تهميش لمبدأ التفاعل بين هاته المستويات مجتمعة. هذا زيادة على الغموض الذي يكتنف توزيع الصور البلاغية في الجدول. فمثلا، " قلب العبارة " يوضع أمام عملية " الحذف " الزيادة " التامة، ويتم إقصاؤه من عملية " الاستبدال بواسطة القلب ".

وأخيرا، يمكن القول بأن هذا المنصف لم يخرج عن مفهوم معظم الصور البلاغية الواردة في المصنفات البلاغية الكلاسيكية، بحيث إن عمليات مثل الحذف والزيادة والقلب، ليست غريبة عن هذه البلاغة.

بيد أن المثير للجدل في النظرية البلاغية عند جماعة m ، كونها تميل إلى صياغة نموذج بلاغي عام في الوقت الذي لا تستطيع فيه التخلي عن مفهوم أساس دافعت عنه البنيوية الشعرية ، هو" الانزياح ". وذلك في سياق دفاع الجماعة من جهتها على ما تسميه " بالشعرية التجريبية ". فكيف نفسر هذه المفارقة ؟ أو بالأحرى ما السبيل إلى رفعها ؟

 

لنبدأ، أولا، بتحديد هذا المفهوم عند الجماعة (1982).

 

إن البلاغة العامة أو " الأصلية " تمكن من معرفة النظرية العامة لتحولات اللغة، سواء أتعلق الأمر بالخطاب الشعري أو الحكائي أو العامي - الشعبي. وهنا، تتموضع وبدرجات متفاوتة، ظواهر أساسية هي الدرجة الصفر، والانزياح والتعاقد.

فالدرجة الصفر " خطاب بسيط وبدون زخارف ". إنها تمثل المقومات الضرورية للخطاب، وهي ما ينتظره القارئ من وضع محدد، انطلاقا من افتراضاته ومعارفه الشخصية. ومن ثم، فالدرجة الصفر معيار يتكون من مجموع أجزاء الشفرة اللغوية من خط ونحو ومعنى... إلخ. غير أن ما يضمن الحفاظ على هذا المعيار هو " الإطناب ". فإذا تعرض الخطاب إلى حذف بعض الوحدات الدلالية، ظل مع ذلك قابلا للفهم بفضل خاصية الإطناب التي تمثل في ذاتها، " تصحيحا ذاتيا " ( Autocorrection ). وهكذا فالصورة البلاغية، هي التي تغير مجموع الإطناب، إما بتقليصه أو بتوسيعه، لأن  كل ميدان للبلاغة يتم لعبه داخل منطقة إطناب اللغة  وبذلك، فتغيير صورة الإطناب تعني وجود "انزياح " من داخل اللغة ذاتها، حيث تبدو الانزياحات بالمعنى البلاغي " تغيرا محسوسا من الدرجة الصفر.

إن الانزياح البلاغي، عند الجماعة، يهدف إلى خلق آثار " شعرية "، وهو بالتالي، يوجد في الشعر والحكي بل وفي لغة العامة. ثم إنه إذا كان تغيرا محليا للدرجة الصفر، فإنه لا يمثل أية خاصية نسقية، لأنه غير متوقع دائما. وبذلك يقابل تغيرا آخر يتسم بالنسقية هو التعاقد Convention )) الذي يأخذ عند الجماعة، خلافا للمنظور البنيوي الشعري، نفس القيمة الجمالية للانزياح، بل يمكن اعتباره شكلا من أشكاله تهدف الرسالة من ورائه إلى إثارة انتباه المتلقي، كما تؤطره بعض الصور البلاغية، مثل " القافية ".

وإذا كان الخطاب الأدبي يستخدم الانزياحات والتعاقدات على السواء، فهذا معناه تعاقب عمليتين متقابلتين. الأولى تقلص الإطناب، وهي " الانزياح "، والثانية تعززه، ويمثلها التعاقد في شكل موازنة بين الإطنابات بهدف حفظ وضوح الرسالة وانسجامها المعنوي. وإذا كانت العبارة الحاملة للصورة البلاغية تبرز بواسطة علامة، فإن " الامتغير " فيها هو علاقتها الدائمة مع الدرجة الصفر، مما يعني وجود نقط تقاطع بين الانزياحات.

واضح، إذن، أن مفهوم " الانزياح " عند الجماعة يتخذ موقعه داخل البلاغة العامة ذاتها، باعتباره تحولا داخليا في بنية الخطاب، لا يقيم حدودا فاصلة قصوى بينه وبين المعيار ( الدرجة الصفر)، تلك الحدود التي طالما دافعت عنها النظرية البنيوية الشعرية.

ويعود هذا التميز النظري للجماعة إلى خلفيتها المعرفية التي ترتبط بروح البلاغة الغربية القديمة، وفي الآن ذاته، تستثمر نتائج دراسات علم النفس المعرفي والانتربولوجيا ونظريات الإعلام والسيميائيات الدلالية وغيرها. ويبدو هذا التميز واضحا في " بلاغة الشعر" (1977)، خاصة في تفسير الجماعة لنظرية الإيقاع. كما أن تبنيها لتصور تشييدي بخصوص مفهوم التشاكل، يمنح للصور البلاغية وبالتالي " للانزياحات" بالمعنى البلاغي العام، قابلية التأويل وإعادة التقدير اعتمادا على الخلفية المعرفية للمتلقي. ومن هنا، نجد أنفسنا أكثر تفاعلا مع نظرية البلاغة العامة عند الجماعة، بحيث نعتمد بعض التصورات وننتقد أخرى في حدود ما يلائم، استراتيجيا، نموذجنا في الجهة البلاغية.

 

 

 

 

 

4. تــركــيــب

نخلص، إذن، بعد دراسة " نسق الوحدة " في البلاغة الغربية، إلى تحديد النتائج الأساسية التي تسم هذا النسق، وهي:

أ- هيمنة المقصدية التعليمية على الخطاب البلاغي الغربي.

ب- سيادة روح البلاغة العامة بدرجات متفاوتة يفرضها السياق التاريخي والمعرفي لهذه البلاغة.

ج - استعمال مصطلح « Figure » للإحالة على الصورة البلاغية.

بيد أن قراءتنا النسقية، ليست اختزالا مشوها للبنيات التي قد تعرف، عموديا، متغيرات في شكل قيم خلافية أو استبدالات، تمثلت على الخصوص في تميز الخطاب البلاغي عند فونطانيي بدراسة الصورة البلاغية في ذاتها، وفي محاولة البنيوية الشعرية تحويل البلاغة الغربية إلى بلاغة خاصة، كما تمثلت تلك المتغيرات في اجتهادات جماعة m لإعادة بناء البلاغة العامة في ضوء أسس معرفية جديدة.

 

فإذا كان هذا حال " نسق الوحدة "، فماهي خصائص " نسق التعدد " في البلاغة العربية ؟

 

5. في البلاغة العربية

 

تنطلق، في البدء، من الفرضية التالية:

 

يمثل الخطاب البلاغي العربي بلاغة نص ذات مقصدية إيديولوجية مهيمنة، متشعبة الحقول والميادين، ومتعددة المفاهيم والمصطلحات الواصفة للصورة البلاغية الواحدة.

 

إن تفسير هذه الفرضية، وبالتالي التحقق منها، يستدعي النظر إلى التراث البلاغي العربي بعيدا عن المنظور الخطي الذي يسجل الحدث البلاغي في متوالية زمنية [33] ، غالبا ما تحجب عناصر التفاعل بين مكونات النسق البلاغي العربي الذي ظلت تتجاذبه قضايا إيديولوجية منذ النشأة الأولى ، وهي قضية الإعجاز القرآني ومسألة التدوين وظاهرة التأثير الأجنبي ، وبالتالي قضية الصراع بين القديم والمحدث . فتلك أهم القضايا المؤثرة بقوة على النسق المفاهيمي لهاته البلاغة، حيث الغموض أحيانا أو التناقض والتعميم أحيانا أخرى، مادامت الغاية الكبرى للخطاب البلاغي في هذا السياق، دفاعا عن الإعجاز، أو عن " تفوق " اللسان العربي، أو خصومة كلامية - فلسفية، أو انتصارا لمنظومة سياسية معينة. ومن ثم، من شأن قراءة النسق عموديا، ومن داخل النص ذاته، أن تحدد مسار التفاعل والدينامية في هذا التراث، بل تمكن من تعيين مفهوم الصورة البلاغية غير معزول عن قضايا النسق الكبرى السياسية والثقافية والحضارية.

 

1.5  المفاهيم وتعدد الأنساق

 

نتناول في هذا الحيز دراسة نسق المفاهيم من الداخل أولا، لتحديد كيفية اشتغال المفهوم البلاغي، ولنصل لا حقا إلى نسق الغايات والمقاصد التي وإن تعددت وتنوعت بتنوع الخطاب البلاغي، فإنها جميعا تنجذب إلى بؤرة مركزية، هي "الإيديولوجي ". وسيتم عبورنا من النسق الجزئي الأول إلى النسق الجزئي الثاني بواسطة آليتين للتـفسير؛ التوافق( (Concordance / اللاتوافق (Discordance )، بحيث لا نوظفهما بالمعنى المعياري الذي انتقدناه آنـفا عند بول ريكور (1983)، بل نعتبرهما لغة واصفة تحصر أشكال " الحوارية البلاغية " في الخطاب البلاغي العربي، ضمن شبكة العلاقات التالية:

 

أ- علاقة " التوافق " القائمة على تماثل المفصلات الدلالية للمفاهيم التي نعتبر ترديدها ضمن نسق التعدد أضعف ترديد كما سنبرهن على ذلك.

ب- علاقة " التوافق المتنوع " المتمثلة في شكل تباين جزئي على سبيل الحذف أو الإضافة، مما تنتج عنه بنية " توافق لا موافق " (Concordance discordante ) وهي العلاقة الوسطى بين درجات الترديد.

ج - علاقة " اللاتوافق " ذات الوظيفة المهيمنة على الخطاب البلاغي العربي [34] .

 

وهكذا، فالبحث في مفهوم الصورة البلاغية كما تناوله البلاغيون العرب، يقود إلى استنتاج أولي من الأهمية بمكان؛ لا وجود لمصطلح جامع وشامل حصل الاتفاق عليه لاختزال الصور البلاغية. ذلك أن تراكم هذا الإرث البلاغي، قد أفرز تداخلا اصطلاحيا بين محاور بلاغية أساسية هي، البيان والبديع والبلاغة والفصاحة. فأولى الإشكالات الإبستمية والمنهجية التي تواجه الباحث في البلاغة العربية، أن مباحثها لم تكن محصورة في ميدان البلاغة لذاته، بقدرما تقاسمتها معه علوم عربية إسلامية أخرى، مثل النحو والفقه والكلام...

فـ (( لا شك أن الباحث سيرتكب خطأ إذا هو اعتقد أن الاهتمام بـ " البيان "، بأساليبه وآلياته وأصنافه كان من اختصاص علماء البلاغة وحدهم، هؤلاء الذين جعلوا من " علم البيان " أحد الأقسام الثلاثة التي ينقسم إليها " علم البلاغة " العربية ( علم المعاني، علم البيان، علم البديع ). فالبلاغيون الذين اتجهوا هذا الاتجاه كانوا آخر من ظهر على مسرح الدراسات البيانية، كما أن تصنيفهم ذلك لعلوم البلاغة لم يتقرر بصورة نهائية إلا في مرحلة متأخرة، وبكيفية خاصة مع السكاكي المتوفي سنة 626 هـ. أما قبل ذلك فلقد كان مصطلح " البيان " يشمل كافة الأساليب والوسائل التي تساهم ليس فقط في تكوين ظاهرة " البلاغة " بل أيضا في ما به يتحقق التبليغ "...)) [35] .

طبيعي، إذن، أن تتنوع المفاهيم والتصورات الخاصة بالظاهرة البلاغية الواحدة، مادام الخطاب البلاغي العربي قد تأسس داخل حقول تتباين حتما في الرؤية والمنهج، وإن توحدت مقاصدها أحيانا، مثل حقلي نظرية الإعجاز ومسألة القدم والحداثة. وهذا ما تنتج عنه بنية وظيفية مهيمنة نعتناها آنفا بـ " علاقة اللاتوافق ". فلننظر في المحور الاستبدالي لهذه البنية.

 

يتناول السجلماسي مصطلح "البديع " ضمن عنوان كتابه، مضافا إلى كلمة " أساليب "، ثم يعرف " أساليب البديع " بكونها " قوانين أساليب النظوم ": (( وبعد، فقصدنا في هذا الكتاب الملقب بكتاب "المنزع البديع " إحصاء قوانين أساليب النظوم التي تشتمل عليها الصناعة الموضوعة لعلم البيان وأساليب البديع، وتجنيسها في التصنيف، وترتيب أجزاء الصناعة في التأليف(...) ))[36] . فإذا اعتبرنا العنوان تأطيرا عاما " لمحور الحديث "، تبين لنا أن الكاتب يضع في محور استبدالي- معجمي واحد كلا من البديع والبيان.

وهذا ما يعود بنا إلى مفهوم البديع بمعناه العام عند ابن المعتز. بيد أننا نصادف في القول السابق استعمال السجلماسي " البديع " بمعنى خاص يدخل في إطار التصنيف البلاغي المتأخر عند السكاكي، بحيث تم عطف " أساليب البديع على " علم البيان ". فإذا كان العطف مؤشرا على التناظر التركيبي والدلالي، فإنه مؤشر قوي كذلك على " الزيادة في المعنى "، وهذا يقتضي أن حد " البديع " شيء، وحد " البيان " شيء آخر. وإذن، بين العنوان والتعريف الملازم لقصد الكاتب علاقة " اللاتوافق " الموسومة بجلاء في هذا النص:

(( إ ن هذه الصناعة الملقبة بعلم البيان، وصنعة البلاغة والبديع، مشتملة على عشرة أجناس (عالية)... )) [37] .

إن التساؤل التشككي الذي يطرح نفسه هنا، هو؛ ما المقصود " بصنعة البلاغة " المعطوفة على "علم البيان " ؟ أهي تعيين لحقل خاص ينضاف إلى البيان والبديع ؟ أم هي تعيين عام ؟. وهكذا ، لا نعثر على جواب حاسم يحدد بدقة مفهوم الوجه البلاغي عند الكاتب . ومن ثم، (( فإن التسميات الثلاث: " علم البيان " و " علم البلاغة " والبديع " كانت شائعة في المشرق وفي المغرب، وتبادلت التسميات الثلاث المواقع بحسب الظروف التعليمية والثقافية والاجتماعية، ولكن هذا التبادل لم يكن إلا في عناوين الكتب، وأما داخلها فكانت تتعايش وتتفاعل وتتداخل. هكذا يجد المهتم " أسرار البلاغة " ويعثر على " البديع "، ويواجه  بـ " البيان والتبيين " ، ولكنه يجد في كل كتاب من هذه الكتب حديثا عن العلوم الثلاثة ....)) [38] .

إن ما عبر عنه مفتاح بـ " التعايش والتداخل "، هو ما يشكل، في منظورنا، سمة "اللاتوافق" التي عرقلت إلى حد ما السيرورة التعليمية للخطاب البلاغي العربي، بالنظر إلى خصائص الغموض والتعميم، وعدم الانسجام الملازمة لتنوع مقاصد التلفظ وبناء الخطاب كما سيتبين من خلال دراستنا لنسق " الغايات والمقاصد ". ولمزيد من الحجة والبرهان على هذا القول، نتفحص المعطيات التالية:

هذا، مثلا، أسامة بن منقذ ( ق 6 هـ ) في كتابه البديع في البديع في نقد الشعر، يتبنى منظور ابن المعتز في ضم الصور البلاغية إلى " البديع "، لكن دون أدنى إشارة إلى الحد الذي يسم هذا المصطلح. وهذا أبو هلال العسكري في الصناعتين، يدرج " التشبيه " في باب خاص به، ليحصر بعد ذلك " الاستعارة والمجاز والمطابقة والتجنيس والكناية " في باب البديع. فما هو مسوغ عزل التشبيه عن بقية هذه الأوجه ؟ التي يصدر في تعريفه لها عن مقصدية حجاجية تدافع عن القديم.[39] وإذا كان الكثيرون يعتبرون ابن المعتز ( ق 3 هـ ) في كتابه: البديع، نقطة تحول هامة على درب استقلال الدرس البلاغي، فإن دراستنا لنسق المفهوم، ولنسق الغايات في خطابه البلاغي ستثبت عكس ذلك، إذ لا مجال، حينئذ، للمبالغة والقول بأن كتابه (( جعل من البلاغة غاية تأليفه ومحاولة فريدة لإرساء أصول البلاغة على أسس عربية صريحة. وأول كتاب يتناول الأدب تناولا فنيا )) [40] .

فإذا كان ابن المعتز قد أخذ " البديع " عن أسلافه ( الجاحظ مثلا )، فإنه بذلك لا يوافق أصحاب " المجاز " أمثال؛ أبو عبيدة صاحب المجاز القرآني وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن، مما يسمح بتسجيل حالة " التوافق المتنوع ". بيد أن هاته الحالة لن تقف عند هذا الحد، إذ نجد بنية المصطلح في كتاب البديع تفتقد لخاصية التناسق وبالتالي تسجل حالة " اللاتوافق "، باعتبارها في هذا السياق، تضع مسألة " أصول البلاغة " في التأليف، وتناسق مكوناته، موضع شك.

لقد قسم ابن المعتز كتابه إلى قسمين كبيرين، دون أي تحديد لمسوغات الفصل بين قسم     "البديع " وقسم "محاسن الكلام والشعر " وكأن " البديع" خارج عن "محاسن الكلام"،  بل تزداد درجات " اللاتوافق "، حينما أدرج الاستعارة في باب " البديع "، بينما التشبيه تم إدراجه في باب "محاسن الكلام والشعر"، مع العلم أنهما معا يرتبطان بالمكون الدلالي. وإذا كان التقسيم السالف الذكر يوحي بتبني الفصل بين البابين الكبيرين، فإن ابن المعتز سرعان ما يعود، فيماثل بينهما، إذ يقول:

(( اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختبارا من غير جهل بمحاسن الكلام ولا ضيق في المعرفة فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع ولم يأت غير رأينا فله اختياره.)).[41] .

يتأتى محور التماثل في هذا الخطاب، بواسطة تراكم مصطلحي البديع والمحاسن، مما نتج عنه وضعهما في حقل دلالي واحد، وهو حقل الصور البلاغية التي يشار إليها هنا بكلمة فنون.

وإذن، بين منظور الانفصال ومنظور الاتصال، في هذا الخطاب البلاغي، تتشكل بنية اللاتوافق كما يلي:

(2)_بنية اللاتوافق

 

الاتصال

الانفصال

 

التشاكل؛

التباين؛

الـــبــديع

[+ محسن ]، [+ أوجه بلاغية ]، [+ فنون ].

[- محسن ]، [ - تشبيــه ].

محاسن الكلام والشعر

[+ محسنات]، [+ أوجه بلاغية ]، [+ فنون].

[- بديــــع ]، [- استعارة ].

 

بيد أن بنية التوافق المتنوع، نعثر عليها في النسق الاصطلاحي عند قدامة الذي جمع ما ذكره ابن المعتز، وأضاف إليه عناصر أخرى، مثل التقسيم و الترصيع.... ، دون أن ينعتها بالبديع، بل اعتبرها جزءا من " محاسن الكلام ونعوته ". وكما هو واضح في هذا السياق، فإن " البديع " ارتبط بكلمة " محسن " وتبادل معها المواقع، مما يسمح بعقد علاقة بين البديع ونعوت المكون الصوتي الإيقاعي.

ومن هذه النعوت، وصف الكلام " بالحلاوة " و " الطلاوة "، و " العذوبة " [42] . كما أن مفهوم البديع قد ارتبط أحيانا بالمطابقة بين صناعة الشعر، وباقي الصناعات الحرفية السائدة في المجتمع، مثل النسج والشبك. يقول الجاحظ: (( ووصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوها كبرود العصب، وكالحلل والمعاطف والديباج والوشي، وأشباه ذلك )) [43] . فهذا ما يؤكد فرضية ربط " البديع " " بالمحسن "، مما يجعل مسألة وضعهما في المحاور الاستبدالية للخطاب البلاغي العربي أمرا مقبولا.

غير أن تتبع عملية تشكل بنية اللاتوافق في هذا الخطاب لا تقف بنا عند هذا الحد، وإنما تستوجب قراءة مفهوم البديع عند كاتبين كبيرين؛ هما عبد القاهر الجرجاني و أبو يعقوب السكاكي.

فكتاب أسرار البلاغة يؤطره، انطلاقا من العنوان، مصطلح " بلاغة "، لكنه يركز على الظواهر البيانية دون أن يقصي " التجنيس ". ومن ثم، تصبح البلاغة إطارا عاما للصور البلاغية، عوضا عن " البديع " عند ابن المعتز. وهذا ما ندعوه بـ " اللاتوافق الخارجي " مقابل " اللاتوافق الداخلي " الذي يشوش على تماسك بناء المفاهيم. ومن أمثلته عند الجرجاني، أنه يعتبر " التجنيس " من أقسام البديع، ثم يسرد في الصفحات الموالية مجموعة من الصور البلاغية، دون أي تحديد لما ينتظمها. وبعد ذلك يقول (( و أما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع فلا شبهة أن الحسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، من غير أن يكون للألفاظ في ذلك نصيب،  أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين، تصعيد وتصويب " [44] .

فإذا كان عنوان الكتاب يؤشر على إقصاء البديع باعتباره مكونا شاملا للصور البلاغية لتحل محله " البلاغة "، فإن هذا القول يعود إلى البديع، لكن بصيغة أكثر التباسا. لقد عرف الجرجاني "التطبيق" بكونه "مقابلة معنوية "، وصنفه ضمن فصل " قسمة التجنيس وتنويعه". غير أنه في القول السابق، يعطف عليه " الاستعارة " و"سائر أقسام البديع"، الشيء الذي يجعلهما (التطبيق والاستعارة) مكونين من مكونات " البديع ". لكن بأي مفهوم لهذا "البديع"؟ هل بمعنى مخصوص، مادام الجرجاني قد ركز على جهة المعنى المشكلة لمدار الحسن والقبح !؟ ، ألا يشكل هذا المفهوم تجاوزا للبديع، باعتباره محسنا لفظيا ؟ ، ثم ما علاقة البلاغة بالبديع هنا ؟ ، هل هي علاقة أصل بفرع ؟ ، بل أين الأصل وأين الفرع !؟

إن تنامي هذه التساؤلات التشككية، يستدعي التنبيه إلى ضرورة إعادة بناء المصطلح البلاغي العربي وفق معايير تحد من أشكال التنافر والغموض، أو بالأحرى تتجاوز مظاهر " اللاتوافق الداخلي". وحينئذ تجد مختلف التساؤلات أجوبة دقيقة لها من خلال إعادة البناء تلك.

ونعتبر، من جهتنا، مفتاح العلوم للسكاكي، الحدث البلاغي الهام في تاريخ الخطاب البلاغي العربي، نظرا لقيمته التصنيفية- العلمية. (( والحق أن هناك ما يبرر هذه المماثلة بين مفتاح السكاكي وأور جانون أرسطو، (....) كل ماكان " يربط " السكاكي بأرسطو هو أنه عمل على ضبط وتقنين العلوم البيانية العربية مثلما عمل أرسطو من قبله على ضبط وتقنين العلوم الفلسفية اليونانية، وبعبارة أخرى، أنه إذا كانت العلوم الفلسفية اليونانية قد بلغت منتهاها حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى الكشف عن منطقها الداخلي مع أرسطو وعلى لسانه، فإن العلوم البيانية العربية قد كشفت هي الأخرى عن منطقها الداخلي مع السكاكي وعلى لسانه حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى ذلك دفعا، لكونها بلغت منتهى ما يمكن أن تبلغه على نفس الأسس التي قامت عليها أول الأمر (.... ) )) [45] .

ومن هنا، لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا المرحلة السكاكية بمثابة عودة البلاغة إلى رشدها، أو بالأحرى إلى مقصديتها التعليمية التي ظلت عهودا طويلة تلعب دورا ثانويا في الخطاب البلاغي العربي.  بيد أن السكاكي وهو يحاول ضبط قوانين الخطاب، لم يسلم - لضرورات تكوينية - بدوره من بعض مظاهر بنية " اللاتوافق "، وإن كانت ملفوظاتها أقل ترديدا. وهكذا نستحضر الأمثلة التالية:  يعرف في البدء التجنيس - الاشتقاق بكونه تنويعا يمس الجذر اللغوي لبعض الألفاظ. وعندما يتحدث عن " البديع المعنوي "، يذكر بعض أنواعه ومنها " المشاكلة "؛ (( وهي أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كقوله:

 

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه      قلت اطبخو لي جبة وقميصا

(...) وقوله: " ومكروا ومكر الله ")) [46] .

 

التساؤل المشروع في هذا السياق، هو: ألا يمكن استثمار الأمثلة السابقة للدلالة أيضا على " تجنيس الاشتقاق " !؟ ، ( طبخه، اطبخوا ). ومن ثم، ماهي حدود العلاقة الممكنة بين " التجنيس" و" المشاكلة " ؟ . وإن سلمنا بمفهوم " المشاكلة المعنوية " على النحو السابق، فمن الصعب تجاهل إمكانية ورود الأمثلة المذكورة في مساق " المجانسة اللفظية "، أو بالأحرى " البديع اللفظي "، الشيء الذي يعني تداخل الحقول الدلالية لمصطلحات؛ المشاكلة والبديع و التجنيس.... كما يعني غياب الكفاية الوصفية لمصطلحات السكاكي، بل غياب، وهذا حال الخطاب البلاغي العربي القديم بعامة، الروائز الضابطة للمفهوم ولحالاته المتنوعة. فقد وظف السكاكي مرة أخرى لفظة " التجنيس" في القسم الخاص "بالبديع اللفظي " وعرفه بكونه تشابه الكلمتين في اللفظ دون أية إشارة إلى قيد اختلاف المعنى. ومن ثم، تبدو العلاقة واضحة بين ما أسماه آنفا بـ " الاشتقاق "، والذي اعتبرت بعض أمثلته تجنيسا " [47] و" البديع اللفظي ". لقد كان من الممكن إدراج مختلف هذه الأنواع ضمن مفهوم واحد يضبط العلاقة بينها، ويحدد، بواسطة روائز تركيبية ودلالية، حالات الاختلاف والتباين. وبذلك، سيكون إدراج " الاشتقاق " في باب " البديع "، بمثابة إجراء منهجي يجعل من علم الصرف دخلا لعلم البلاغة، فيتحقق، في نظرنا، التماسك - التوافق المنشود في التأليف العلمي.

والجدير بالذكر أن نقدنا لمفهوم "الصورة البلاغية" سواء في " نسق الوحدة " أو في " نسق" التعدد "، يندرج في سياق إعادة بناء المفهوم على أسس معرفية جديدة، تخول للنموذج التفاعلي تنظيم الصور البلاغية الزمنية وفق مكونات الجهة البلاغية. وفي ذلك محاولة، كما سيتبين لاحقا، لإعادة بناء المصطلح البلاغي في النسقين؛ الغربي والعربي.

وهكذا، فبنية " اللاتوافق " لم تهيمن فقط على سيرورة مفهومي البديع والبيان في الخطاب البلاغي العربي، بل شملت كذلك مفهومين أساسيين؛ الفصاحة والبلاغة.

فمن المباحث الأساسية التي شكلت، إلى جانب مبحث البديع والبيان، محور الحديث عن الصور البلاغية، مبحث الفصاحة والبلاغة، الذي نحلل نسقه المفاهيمي بدءا بما جاء عند أبي عثمان الجاحظ في البيان والتبيين. لقد أورد مجموعة من التعاريف لكلمة بلاغة، منها مثلا، اعتبار البلاغة هي الإيجاز، ومنها كذلك ما قاله الأصمعي:

(( البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر )) [48] . فيعلق الجاحظ على هذا القول:

(( وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى:

ما البيان ؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل. وهذا هو تأويل قول الأصمعي (.... ) )) [49] .

إن " محور الحديث " في قول الأصمعي، في تعليق الجاحظ هو " البلاغة ". والمؤشر على ذلك الجملة - الهدف: (( وهذا هو تأويل قول الأصمعي ))، بحيث يفسر الجاحظ قول الأصمعي أو الجملة - المنطلق بواسطة جملة - قنطرة هي: " ما البيان ؟ ".

وعلى طول السلسلة الكلامية لهاته الجمل تنتظم، تراكبيا، بعض التشاكلات التركيبية ( تراكم الفعل الماضي والفعل المضارع... ) توازي التشاكل الدلالي الذي يماثل بين " البلاغة " و"البيان " ، من خلال مقوم [+ تبليغ ] المضمر في المعجم التالي : المفصل ، المفسر ، يحيط ، يجلي ....

البلاغة، إذن، ما حقق شرط البيان الذي يتخذ، شأنه شأن البلاغة ذاتها، عند الجاحظ سمة التعميم تارة، وسمة التخصيص تارة أخرى، الشيء الذي يسمح باستخلاص " بنية اللاتوافق " في هذا الخطاب كذلك. ذلك أن البيان لا يستقر على معنى واحد في كتب الجاحظ، إذ هو وسيلة من وسائل التعبير الممكنة التي قد تكون لغوية أو غير لغوية؛ (( والبيان اسم " جامع " لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل.... )). [50]

والبيان في موضع آخر، وسيلة فنية توظف للاستعمال البلاغي. ومن تم فالبلاغة - البيان هي بالتحديد صورة من الصور البلاغية؛ هي الإيجاز أو الإطالة أو التصريح أو الإشارة أو الكناية [51].

وهكذا، لا نجد في النسق الاصطلاحي عند الجاحظ مفهوما محددا للصور البلاغية على غرار ما يطبع الخطاب البلاغي العربي بشكل عام. فـ(( عدم التقيد بضوابط التعريف وانحصار مفهومه عندهم في استعراض الخصائص التي تحقق البلاغة، سيكون السمة الغالبة على تعريف البلاغة في كل مراحلها ولن نجد صدى لأي محاولة تروم الوقوف على الحد الجامع المانع )) [52] .

وإذا تتبعنا علاقة الفصاحة بزوج البلاغة البيان عند الجاحظ، وجدنا، استعمالها لا يخرج عن مفهوم البيان بمعناه العام، والذي يحيل على البلاغة كذلك. ومن ثم، راح ينظر للفصاحة التي يعتبرها خاصية تميز الأعرابي عن غيره. (( وهذا سر حديثه عن أنواع العيوب النطقية التي تفسد نطق غير العرب. ومن هنا احتفاله بالبيان العربي المتجلي في الخطابة فهي نموذج الكمال في الحديث الشفوي الذي هو سليقة وموهبة عند العرب. وكان ضروريا أن يحتل الجانب الصوتي مكانة مرموقة في كل حديث عن الكلام الشفوي، خاصة في ( الآلة ) أو فصاحة اللسان، وما يتعلق بالخلو من العيوب التي تذهب بسلاسة الكلام.)) [53] .

بيد أن صاحب سر الفصاحة، لا يتبنى هذا المنظور الجاحظي، إذ يميز بين الفصاحة والبلاغة على أساس التمييز بين اللفظ والمعنى. (( (.....) والفرق بين الفصاحة والبلاغة، أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لاتدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها ( إنها ) فصيحة. وكل كلام بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغا ، كالذي يقع فيه الإسهاب في غير موضعه .))[54] .

إن هذا التمييز، الوارد عند العسكري كذلك، يعكس بجلاء أهمية إشكالية اللفظ والمعنى التي كانت بؤرة لبنية اللاتوافق في الخطاب البلاغي العربي، خاصة من حيث التأثير على النسق المنهجي في التأليف. وهذا حال ابن سنان، الذي مارس عليه التمييز بين الفصاحة والبلاغة، وبالتالي بين اللفظ والمعنى (( معاناة حقيقية ومحنة منهجية )) [55]، عند إحساسه بصعوبة الفصل بين كل من الزوجين . وقد هيمنت هذه الإشكالية على الخطاب البلاغي العربي في كل الميادين، من نحو وفقه ونقد... ، كما أثرت على مساره، من حيث ارتباطها بمقصدية إيديولوجية؛ هي الدفاع عن الإعجاز، والتي سنحللها ضمن نسق الغايات.

وإذا كانت نظرية المعنى في الفكر البلاغي العربي، تميل إلى الفصل بين اللفظ والمعنى، فإن البحث في مفهوم الصورة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني، يمكن من معرفة علاقة النظم بالإشكالية السالفة، كما يساعد على التحقق من فرضية ارتباط الخطاب البلاغي العربي بقواعد البلاغة العامة.  فكتاب الجرجاني دلائل الإعجاز لا يتضمن حدا ما للصور البلاغية، ولا إشارة إلى أنواعها. لكن مناقشته لمفهوم الفصاحة التي كانت مدار الحديث عن تلك الصور الخاصة باللفظ في الخطاب البلاغي العربي، تدعو إلى النظر في تصوره لطبيعة الصورة البلاغية من خلال علاقتها بمفهوم النظم. ذلك أن الفصاحة، في نظره، لا تقتصر على اللفظ بل تشمل المعنى كذلك، لأنها جزء من البلاغة بل نظيرة لها. ومن هنا، تم توسيع دائرة الصور البلاغية المنسوبة إلى الفصاحة لتضم صورا لا علاقة لها بتلاؤم الحروف، بل ترتبط بأخرى، مثل التشبيه والتقديم والتأخير. وبذلك لا يمكن فصل الصورة البلاغية عند الجرجاني عن مفهومه للنظم.

إن دخل المنحى الإيديولوجي في الإطار البلاغي عند هذا " البلاغي " العربي، هو مفهوم النظم ذاته، باعتباره مفهوما يعود إلى أصول الدراسات البلاغية للإعجاز خلال القرن الرابع الهجري، عندما ازدهرت دراسات إعجاز القرآن مع المتكلمين ( المعتزلة على الخصوص ).

فالنظم عند الجرجاني هو " نظم الكلم " بشكل يضمن تناسق معانيه (( على الوجه الذي اقتضاه العقل )) [56]. ذلك أن استقامة الكلام، كامنة في نظمه، لأن المعنى ناتج عن التعالق بين معاني الألفاظ، مما يحقق ما يدعوه بـ " التعليق ".

وهكذا، فالنظم والعقل، قيمتان ضروريتان لصنعة الخطاب، الشيء الذي يعطى لمفهوم النظم عند الجرجاني بعدا دلاليا مركزيا في الصنعة البلاغية. وقد سمح هذا المفهوم باستخلاص مظاهر " اللاتوافق الخارجي "، من حيث تأكيد بعض الباحثين على " الجديد " في نظرية النظم الجرجانية. (( إن الجديد الذي نلمسه بوضوح عند عبد القاهر (.... ) أنه أبرز من خلال تحليله لمعنى " النظم " الطابع الاستدلالي للأساليب البيانية العربية من تشبيه ومجاز و استعارة وكناية وتمثيل. وهذا الطابع الاستدلالي الذي يجعل الذهن ينتقل، من خلال الأساليب البلاغية تلك، من المعنى إلى معنى المعنى هو ما عناه مؤلفنا حينما قر النظم على أنه تناسق دلالات الألفاظ وتلاقي معانيها " على الوجه الذي يقتضيه العقل " )) [57] .

ومن ثم، وجب التأكيد على أن المحاور الكبرى المتصلة بالصورة البلاغية، وهي البديع والبيان والبلاغة والفصاحة، جاءت عند الجرجاني في كتابيه منسجمة مع تصوره البلاغي القائم على " نظرية المعنى" في علاقتها بمفهوم النظم. فقد أكد في مجموع ما كتبه، على أن البلاغة تعود إلى المعنى، وأن الألفاظ تابعة للمعاني. فتناول، على سبيل المثال، التجنيس واعتبر أن لا مزية له في ذاته بل العبرة فيما يقوم به من وظائف معنوية. يقول: (( أما التجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله:

ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت   *   فيه الظنون: أمَذهَب أم مُذهَبُ

واستحسنت تجنيس القائل " حتى نجا من خوفه وما نجا " وقول المحدث:

ناظراه فيما جنى ناظراه   * أو دعاني أمت بما أود عاني

لأمر يرجع إلى اللفظ ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني ؟ ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفا مكررة ، تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة ، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة ، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ،  ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها ، فبهذه السريرة صار التجنيس - وخصوصا المستوفى منه المتفق في الصورة - من حلى الشعر - ومذكورا في أقسام البديع. فقد تبين لك أن ما يعطى التجنيس من الفضيلة أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه إلا معيب مستهجن ولذلك ذم الاستكثار منه والولوع به. وذلك أن المعاني، لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ خدم المعاني والمصرفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها، المستحقة طاعتها، فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته...... )) [58] .

ولعل التشبث بالمعنى على هذا النحو، يثير في نظرنا أكثر من تساؤل تشككي حول مفهوم المجانسة في البلاغة العربية، خاصة بالنظر إلى إمكانية تقديم نقد تطبيقي، يكشف عن الخلل في المفهوم.

إن نظرية المعنى في الخطاب البلاغي لدى الجرجاني، تمثل إطارا خصبا للتحقق من فرضيتين متلازمتين:

- الأولى، أن خاصية " التعليق " التي دافع عنها الجرجاني، والمرتبطة، في نظره،  " بمعاني النحو وأحكامه "، تؤشر على التقاطع بين اللغوي والأدبي، الشيء الذي يسمح باعتبار " معاني النحو "، المكونات الأساس لعلم المعاني، أو بالأحرى لما يمكن نعته " بشعرية النحو " أو" البلاغة النحوية ". وهذا ما يثبت، على مستوى الفرضية الثانية، أن الخطاب البلاغي العربي، يمثل بلاغة نص، ولا موضع لمفهوم الانزياح فيه.

وهكذا، يربط الجرجاني بين النظم والنحو من جهة، وبين النظم والفصاحة والبلاغة من جهة ثانية. لنتذكر أن النظم في نظره، (( يتواصفه البلغاء، وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله .))[59] . فالجامع بين هاته الأقطاب هو منظور البلاغة العامة. فأولا، مؤلفنا " يستعمل النحو في معنى واسع يخلصه من سيطرة النزعة " المدرسية الشكلية التي غلبت على مسائله (..... ) وبناء على هذا التصور يصبح النحو صنو الحس اللغوي المرهف وإدراك الفروق بين طرائق التركيب... )) [60] .

ومن ثم، ترتبط معاني النحو بالنظم من خلال معرفة مواطن التقديم والتأخير، والتنكير والتعريف والحذف...، وفق سياقات مختلفة تجعل "الاعتبار بمعرفة مدلول العبارات، لا بمعرفة العبارات" [61]. وهذا ما يقتضي، تبعا لقراءتنا، أن " معاني النحو " عند الجرجاني تشكل مبحث " شعرية النحو" داخل النظام البلاغي العربي. وبذلك، يمكن أن نصبغ مقارنة على سبيل التمثيل، ودون الوقوع في متاهة الإسقاط، بين هذا التصور وما جاء عند ياكبسون في كتابه: حياة داخل اللغة، إذ يتطرق لما اصطلح عليه بـ " شعر النحو " أو " نحو الشعر ". فالدراسة اللسانية للشعر الماثلة، في نظره، في " الشعرية "، تمكن من رصد الوظيفة الشعرية في مختلف تجلياتها، وخاصة في الجانب التركيبي الذي تم إغفاله من طرف بعض الدارسين. ومن هنا يدافع ياكبسون عن توفر التركيب في الخطاب الشعري على خصائص شعرية، مثل التكرار والتوازي، مما يسمح بدراسة " الصور البلاغية للنحو" (Figures de la Grammaire ) [62] .

وعلى هذا الأساس، يمكن إعادة بناء مفهوم النظم لدى الجرجاني في ضوء " شعرية النحو". وهذا ما لم ينتبه إليه حمادي صمود (1981) الذي ذهب إلى تأويل منظور الجرجاني من خلال إسقاط ما نعته بـ " أصول المذهب الذهني " على مفهومه للنظم، دون أي تحديد دقيق لمسوغات هذا الإسقاط أولمعنى " المذهب الذهني". إن استحضارنا " لشعرية النحو مقدم على سبيل المقارنة لاغير، والتي لاتعني المماثلة بين سياقين معرفيين مختلفين. وبذلك ، فإن " شعرية النحو" التي نقترحها كإطار مرجعي لقراءة نظرية النظم الجرجانية ، تنسجم ومنظور " البلاغة العامة " في سياق الخطاب البلاغي العربي ، لأنها ليست حكرا على الشعر دون غيره، ولأن الجرجاني يبحث في دلائل الإعجاز القرآني مع أن القرآن ليس بشعر . (( وإذ قد عرفت ذلك، فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، وتشاهدوا له بالفضل، ثم جعلوه كذلك من أجل " النظم " خصوصا، دون غيره مما يستحسن له الشعر أو غير الشعر،  من معنى لطيف أو حكمة أو أدب أو استعارة أو تجنيس أو غير ذلك مما لا يدخل في النظم، وتأمله..)). .

إن هذا الاتجاه البلاغي العام ( الشعر أو غير الشعر )، ليس جديدا على الخطاب البلاغي العربي الذي نشأت مقاصده مع نشأة البحث في الأسلوب القرآني ومقارنته بالشعر أو بكلام الرسول (ص)، أو بغيرهما من الخطابات السائدة آنذاك. وهذا ما يفسر الحصيلة الكبيرة لتراكم تراث عريض حول مسألة الإعجاز القرآني، بل إن ناقدا مثل قدامة، الذي خصص كتابا لنقد الشعر، لم يستبعد كليا قضية الشاهد غير الشعري. يقول، في سياق حديثه عن الترصيع: (( (....) ومثل ذلك للمحدثين أيضا كثير، وإنما يذهبون في هذا الباب إلى المقاربة بين الكلام بما يشبه بعضه بعضا، فإنه لا كلام أحسن من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان يتوخى فيه مثل ذلك، فمنه ماروي عنه عليه السلام من أنه عوذ الحسن والحسين عليهما السلام فقال: ( ( أعيذهما من السامة والهامة وكل عين لامة ))، وإنما أراد ملمة فلإتباع الكلمة أخواتها في الوزن قال لامة، وكذلك ما جاء عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: (( خير المال سكة مأثورة، ومهرة مأمورة ))؛ فقال مأمورة من أجل مأثورة، والقياس مؤمرة(....) وإذا كان هذا مقصودا له في الكلام المنثور فاستعماله في الشعر الموزون أقمن وأحسن )) [63] .

ومن هنا، يمكن التأكيد على أن الخطاب البلاغي العربي لا يمثل على الإطلاق، بلاغة الانزياح، كما يعتقد الكثيرون. فأولا، ليس من قبيل القراءة النسقية التي نتبناها ، تطبيق الإرث البنيوي الشعري على منظور بلاغي ينطلق من القرآن والحديث ليصل إلى الشعر والخطابة وكلام العرب في شكل بلاغة عامة ؛ هي بالأساس بلاغة نص. وثانيا، من الصعوبة، منهجيا، تطبيق مفهومي المعيار والانزياح على الخطاب البلاغي العربي، كما هو وارد في أطروحة العمري (1990)، بحيث اعتبر القرآن معيارا لقياس الانزياحات الصوتية في الشعر؛ (( إن محاولة إيجاد معيار للتردد العادي أو المتوسط لأصوات اللغة في الخطاب غير الشعري، أو القليل الحظ من الشاعرية ليبدو، لأول وهلة، أمرا يسيرا، والواقع أنه يثير مجموعة من الصعوبات بالنسبة للنص القديم، فكيف نختار النص غير الشعري في بيئة شفوية أو شبه شفوية ( من الجاهلية، إلى منصف القرن الثاني بصفة أخص )، فأغلب مابين أيدينا نصوص خطابية أو رسائل على حظ كثير أو قليل من الصناعة ؟

في هذا الظرف يتجه الإهتمام إلى نص متفرد - لعدة مزايا - وهو القرآن. ولكن النص القرآني مختلف البناء بحسب الأغراض التي وجهت إليها الآيات. فالآيات المكية القصار الموجهة عادة للوعد والوعيد والترغيب كثيرة الحظ من الصناعة الصوتية الإيقاعية ( .... ) ومع ما تقدم فإن الدارسين لم يجدوا مفرا من اعتماد النص القرآني مجالا لاحصائياتهم، على اختلاف أغراضهم من ذلك الإحصاء )) [64] .

إننا نحاور هذا التصور، بالرغم من الأهمية العلمية للكتاب، بالنظر إلى اعتراف الباحث نفسه بصعوبة تحديد المعيار، وتوفر آيات قرآنية على الموازنات الصوتية. ثم إذا كان كل نص "علمي"، يرجى أن نستخلص منه معيارا ، يحمل آثارا شعرية ، كما يقول المؤلف في كتابه ، فكيف يجمع بين المعيار والانزياح في الآن نفسه ؟ . ونتساءل كذلك، لماذا يعتبر القرآن صورة للواقع اللغوي العربي القديم، مع العلم أنه واقع معقد باعتراف المؤلف نفسه؟، إذ إن الشعر الجاهلي وأحاديث الرسول والخطب والأمثال، تمثل برمتها، هذا الواقع اللغوي المتعدد. زيادة على ذلك ماهي حدود مصداقية المنهج الإحصائي الذي يهمش جوانب التفاعل بين مختلف عناصر ومكونات كل واقع لغوي ؟، بل إن الإحصاءات تختلف من كاتب لآخر ، ومن غرض لآخر . وحتى في حالة تسليمنا بأطروحة الانزياح، فالمفروض أن يحقق القرآن الكريم أشكاله الأسلوبية إزاء معيار لغوي قائم. بيد أن الإقرار بالخصائص المشتركة بين مختلف الأجناس اللغوية السائدة في العالم العربي آنذاك، شكل الاتجاه السائد حتى ضمن الدراسات الإعجازية ذاتها. فهذا ابن قتيبة، مثلا، دافع عن فضل النص القرآني على غيره، وعن تفرده في طرائق الآداء دون أن يغيب الخصائص المشتركة بينه وبين " الكلام العادي " إذ نجد في كتابه تأويل مشكل القرآن، اعتبار المجاز قاسما مشتركا بين اللغات وضرورة في التعبير لا مناص منها. فقد (( تبين لمن قد عرف اللغة، أن القول يقع فيه المجاز، فيقال: قال الحائط فمال، وقل برأسك إلى، أي أمله وقالت الناقة، وقال البعير.... )) [65] .

ويمضي ابن قتيبة في شرحه هذا معتبرا المجاز مختزلا للصور البلاغية، وخاصية لغوية قبل كل شيء. يقول: (( وأما الطاعنون على القرآن " بالمجاز " فإنهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل. وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوى نظرهم، وقلة أفهامهم. ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا كان أكثر كلامنا فاسدا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص الشعر.... )) [66] .

ويفصح المؤلف عن هذه المجازات، ويفسرها قائلا:

(( وللعرب المجازات في الكلام ومعناها: طرق القول و مآخذه. ففيها الاستعارة والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطية الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، و الواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص بمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة سنراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى )) [67] .

وقد صار من الممكن، في وقتنا الراهن، البرهنة على تصور ابن قتيبة، علميا، انطلاقا من النتائج المذهلة لعلم النفس المعرفي. فالصور البلاغية ليست ملكا للشاعر وحده ما دامت تمثل وسائل معرفية - لغوية. فهذا، مثلا، جيبس (1994) يبرهن عن " شعريات الذهن"، خاصة في تجلياتها لدى الطفل.

وهكذا، فالاختلاف الذي حصل بين الدارسين حول الإعجاز القرآني، يمثل مؤشرا قويا على صعوبة تحديد الجانب الذي يتفرد به، فلو بحثت في طيات كتاب دلائل لإعجاز، عن العناصر التي تميز " نظم القرآن "عن نظم غيره، لما وجدت ذلك. وهذا، في نظري، يشوش على تصورات المدافعين عن أطروحات البنيوية الشعرية من داخل الخطاب البلاغي العربي القديم. ومن ثم، فنقدنا لمفهوم الانزياح، نظريا وتطبيقيا، يحمل من الأدلة ما يكفي لدحض كل أطروحة تروم إسقاطه على الإرث البلاغي العربي.

وقد كان من النتائج غير المحمودة لهذا الإسقاط في مؤلف العمري (1990)، أنه ظل سجين المفاهيم البنيوية الشكلية من جهة، والمصطلحات والتصنيفات البلاغية العربية التي أرخ لها من جهة أخرى، دون أية محاولة لإعادة بنائها وفق مفاهيم أكثر خصوبة، تليق بالموازنات الصوتية، مثل مفهوم التشاكل الذي يفك بعض المعضلات التطبيقية اللصيقة بمفاهيم من قبيل التجنيس.

 

وهكذا، تحققنا في سياق دراستنا " لنسق المفاهيم "، من فرضية أساس، هي أن الخطاب البلاغي العربي، شكل عبر سيرورته بلاغة نص، لأنه كان يسير في اتجاه مبحث إشكالي هو" الإعجاز القرآني " بصورة ظاهرة أو مضمرة. وقد دحضنا تبعا لذلك، كل تصور يروم تطبيق مفهومي الانزياح والمعيار على المتن البلاغي العربي القديم. كما حاولنا، بواسطة تحليل الخطاب، أن نبرهن على هيمنة " بنية اللاتوافق " على هذا الخطاب البلاغي، سواء أتعلق الأمر بحد الصورة البلاغية، أو بصياغة المصطلح الدال عليه. وقد وظفنا في التحليل مفاهيم إجرائية منسجمة مثل " المحور الاستبدالي "، و" محور الحديث "، و " التناظر "، و " التكرار "، و" التشاكل "، و" الحقل الدلالي "..

بيد أن البحث في المقاصد الكامنة وراء هذا الخطاب، قمين بأن يكشف القناع عن أسرار " اللاتوافق "، وأن يضعه ضمن الشروط الحجاجية – الإيديولوجية لإنتاج الخطاب. وهذا ما يشكل أهم محاور المبحث الموالي.

 

2.5.  الغايـات والمقاصد

نشير في البدء، إلى أن الفصل بين " نسق المفاهيم" و " نسق الغايات "، هو فصل إجرائي لا غير. ذلك أن النسقين معا، يتقاطعان، ويتفاعلان بطريقة جدلية. فاختيار المفاهيم مرهون بمقاصد وشروط إنتاج وبناء الخطاب. كما أن هذه الغايات ذاتها، تنسجم وطبيعة الإشكالات السائدة في المجتمع، والتي تحضر بشكل متواز في حقول وميادين متنوعة. وهذا حال الخطاب البلاغي العربي الذي تتفاعل بداخله المفاهيم ( التصورات ) والمقاصد، وفق منظور إبيستمولوجي تهيمن عليه ثلاثة عناوين كبرى؛ التدوين والإعجاز القرآني والقدم والحداثة. بيد أن من شأن الفصل المؤقت بين النسقين أن يخول لنا فرصة تحليل بنية " اللاتوافق " باعتبارها وظيفة مهيمنة، وهذا ما قمنا به في المبحث السابق، كما يمنحنا، في مرحلة ثانية، مجالا لتأويل مكونات نفس البنية، مما يعنى الفصل إجرائيا بين مرحلة التـفسير في النسق الأول، ومرحلة التأويل في النسق الثاني. ومن ثم، فإن " نسق التعدد " الأكبر، تتوزع ضمنه المفاهيم وفق طبيعة المقصدية ذاتها. فالبديع والبيان يضمران مقصدية الدفاع عن تيار القدم أو تيار الحداثة، سواء أتعلق الأمر بشعر المولدين في مقابل شعر القدماء، أو بالفلسفة والعقل في مقابل النقل ( مثل الخطاب البلاغي عند السجلماسي ). كما أنهما ارتبطا من جهة أخرى، بصراع القوميات الطارئ في العالم الإسلامي الجديد، الذي تجسد في الدفاع عن اللسان العربي أمام التيارات الشعوبية ( الجاحظ مثلا ). أما زوج الفصاحة والبلاغة، فقد انتظمته مقصدية أساس، هي: مقصدية الدفاع عن الإعجاز القرآني. وقد صار من البديهي القول أن وراء هاته المقصديات، مناخا ثقافيا - سياسيا تمثل في حركة التدوين التي وجهت إلى حد كبير مختلف المواقف إزاء مختلف الإشكالات. ولننظر، الآن، في صحة هذه المنطلقات، بواسطة القراءة الموالية.

يقول الجرجاني: (( ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في ضم بعضها ( أي الألفاظ ) إلى بعض، تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلق، ويعلم كذلك ضرورة، إذا فكر، أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها. ألا ترى أنا لوجهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا فيما بين لفظتين لا معنى تحتهما، لم نتصور تعلقا فيما بين لفظتين لا معنى تحتهما، لم نتصور ؟ ... )) [68] .

أول ما يثيرنا في هذا القول، تكرار كلمة ضرورة [69] .

فماهي وظيفتها ؟ وكيف تتستر على بنية حجاجية - إيديولوجية ؟

إننا نعتبر الخطاب البلاغي العربي مجموعة من العلاقات الحجاجية المكونة للإطار الإيديولوجي الخلفي الذي تتمفصل ضمنه " الأنشطة الحجاجية "؛ أي كل مجهود يختزل دينامية العلاقة بين المنتج والمتلقي، وذلك لشرح، لقبول أو رفض أو معرفة وضع أو عمل ما داخل عالم ممكن ما. ومن هنا، تبرز مشروعية وصف وتأويل إواليات البنية الحجاجية الموجهة للخطاب.

فنحلل، إذن في هذا السياق، كلمة " ضرورة " باعتبارها رابطا حجاجياً           (Connecteur Argumentatif)؛ أي إنها مورفيم يمفصل ملفوظين أو أكثر ضمن استراتيجية حجاجية واحدة. وبذلك فالفرق بينه وبين العامل الحجاجي، ( Opérateur Argumentatif )، كامن في التمييز بين ماهو في الأصل مكون دلالي - قد يتجه كذلك إلى التأويل التداولي - وما هو تداولي بالدرجة الأولى. فالعامل، كما هو مميز في علم الدلالة اللساني، يربط وحدتين دلاليتين داخل الفعل اللغوي نفسه. أما الرابط فيمفصل فعلين لغويين.

من هنا، فالرابط " ضرورة "، محمول ذو مواضع أربعة، إذ يمكن إضافة متغير رابع خفي إلى المتغيرات الثلاثة الأولى. وهي، جميعا، مكونات حجاجية مشتركة الاتجاه ( Coorientés ) .

لنحلل، إذن، الظاهر والخفي [70] من منطلق اختيار المؤولة ( Interprétant ) التالية: " إن ضرورة، تقوم بوظيفة حجاجية، و هي وظيفة " مقدم النتيجة " (Introducteur de Conclusion )".   ولتفحص، ما سبق ذكره، نحول نص الجرجاني، إلى معطيات لغوية منسجمة:

(10) أ- الإنسان عاقل،

ب- يفتح عين قلبه،

ج- فيعلم، ضرورة، أن المعنى في ضم الألفاظ إلى بعضها البعض.

ج'- ؟

(11) أ- الإنسان عاقل،

ب- يفكر،

ج- فيعلم، ضرورة، أن التعلق يكون بين معاني الألفاظ.

ج'- ؟

وتمثيل هاته الملفوظات ، البنية (12) .

(12) أ، ب.......... ، ضرورة ج.

حيث إن أ و ب و ج " متغيرات حجاجية "

غير أن تحديد الموضع الرابع الخفي الموحد للمتغيرات، في (10) و (11)، يتطلب أولا تأويل " المتغيرين الباطنين " في كل من (10) ب، و (11) ب.

إن مبدأ التداعي يجعل من استعارة " فتح عين القلب "، ومن نشاط التفكير، مرجعين تتناسل عنهما " المعرفة ". لكنها في العملية الأولى معرفة حدسية، بحكم المرجعية الصوفية، وفي العملية الثانية، معرفة عقلية بحكم المرجعية الفلسفية. ويكفي أن نلحق بالأولى، المركب الاسمي؛ القلب، وبالثانية، المركب الاسمي؛ العقل المتناظر مع المركب الفعلي؛ يفكر. وما يدعم هذه القراءة الاستدعائية، تراكم كلمات مشكلة لنفس الحقل الدلالي، بين طيات دلائل الإعجاز، من قبيل الفكر والنفس [71] .

نحتفظ، إذن، بمتغير المعرفة كدخل للمتغير الخفي الرابع الذي سيعوض                   (10) ج، و(11) ج.

فإذا كان الرابط " ضرورة "، رابطا حجاجيا، فإنه يقتضي كما أسلفنا أن يحيل على وظيفة تداولية تنسجم وسياق إنجاز الخطاب الماثل، لدى الجرجاني، في " الدفاع عن الإعجاز القرآني ".

وهكذا، نلاحظ بان خرج المتغير الحواري ( المعنى ) مواز لدخله ( المعرفة )، انطلاقا من مؤشر الاستبدال التالي: المعنى- تعليق- المعاني- تعلق.

وتؤكد هذا الاستبدال الجملة (14):

(13) - ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا فيما بين لفظتين لا معنى تحتهما ، لم نتصور ؟

إن المعنى الحواري لهذا الاستفهام (وهو: التأكيد على أهمية المعنى)، يحقق أول شرط من شروط استخلاص المتغير الرابع الخفي، وهو شرط التوافق بين الدخل والخرج، أي بين "المعرفة والمعنى ".

أما الشرط الثاني، فهو توجيه المنتج - الجرجاني خطابه نحو نوع من الإجماع على متغير المعنى، من خلال الإحالة على ذوي المعرفة الحدسية والمعرفة العقلية، الذين أسندت إليهم  " ضرورة " العلم بحقيقة المعنى.

وهكذا، تخفي الجملتان (10) ج، و (11) ج، المتغير الحواري ج':

ج' - الانتصار، ضرورة، للمعنى.

ومن ثم، فالرابط، " ضرورة "، وانطلاقا من شرطي التوافق بين المعرفة والمعنى، وبناء الإجماع، يشكل بنية حجاجية - إيديولوجية في الخطاب البلاغي لدى الجرجاني الأشعري المذهب،  بالنظر إلى أهمية مناظرة عصره القائمة في مختلف فروع المعرفة العربية حول الإعجاز القرآني، الشيء الذي طبع خطابه البلاغي بطابع سجالي يحاور ويتحدى، ويطلب الحجة، متجها إلى أصحاب النظرة الاعتزالية كالجاحظ وأبي هاشم الجبائي والقاضي عبد الجبار، بل إلى أصحاب فكرة الصرفة مثل ابن سنان الخفاجي.

 

ومن هنا، جاء موقف الجرجاني - كما رأينا - من قضية اللفظ والمعنى المتفرعة عن إشكالية الإعجاز، مختزلا في " التعليق " الذي يبلور العلاقة بين معاني الألفاظ، دون العلاقة بين الألفاظ في ذاتها.

 

وهكذا جاءت نظرية النظم الجرجانية، جوابا حجاجيا - إيديولوجيا على أسئلة الإعجاز القرآني، لتطرح مفهوما للإعجاز البلاغي يلائم مقصدية المؤلف وتصوراته المذهبية.

فقد كان الباقلاني يحاور المنظور الاعتزالي عند الجاحظ، بأن نظر إلى بلاغة النظم  أو الإعجاز البياني باعتباره خارقا للعادة الكلامية والأسلوبية التي عرفها العرب. وهذا ما سماه الرماني " نقض العادة ". بيد أن هذا التصور سرعان ما تعرض لنقد شديد من طرف بلاغيي الإعجاز، وعلى رأسهم القاضي عبد الجبار الذي يرى أنه لوصح أن القرآن معجز ببلاغة خارقة ( غير معروفة)، لكان السبق إلى الشعر من باب الإعجاز كذلك، ولكان كل وزن منه وكل بحر، يقتضي الإعجاز في كل زمان بواسطة الإتيان بوزن غير معروف. ومن ثم، طور الجرجاني فكرة النظم، وجعل الإعجاز البلاغي " تجديدا "، وليس خرقا للعادة. وهذا ما يفسر مقارنته بين القرآن وغيره، بل إن أمثلته عن النظم كانت غالبا من غير القرآن، مما يؤكد نهج البلاغة العامة في تصوره كما بينا آنفا.

وبذلك، كانت قضية الإعجاز القرآني قضية إيديولوجية بالدرجة الأولى، تناسلت منها معظم الإشكالات الثقافية والحضارية العامة. فقد تم التركيز على الشعر الجاهلي باعتباره شاهدا على الإعجاز، وشاهدا على اللغة كذلك، وكانت قضايا، مثل اللفظ والمعنى، والفصاحة والبلاغة، تحجب صراعات حزبية أو كلامية - فلسفية، تفسر تناقضات في الرؤية للعالم وقضاياه، مثل القديم والمحدث، الأصل والفرع... و هذا يعني، وفق فرضيتنا أن الخطاب البلاغي العربي، كان قاسما مشتركا بين مختلف المشتغلين بالحقل الثقافي العربي الإسلامي. وذلك ما جعل بنية " اللاتوافق "، شاهدا على تعدد مصادر الكاتب ومقصدياته ، وعلامة على هيمنة الحس الإيديولوجي الذي قلص درجات الدقة والانسجام في تحديد المفهوم والمصطلح البلاغيين .

 

بيد أن إشكالية الإعجاز لم تكن الوجه البلاغي الأوحد للخطاب البلاغي العربي ، إذ تفاعلت مع قضية القدم والحداثة .

لنحلل النصين التاليين:

يقول ابن المعتز في كتابه (( قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن، واللغة، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة، والأعراب، وغيرهم، وأشعار المتقدمين، من الكلام الذي سماه المحدثون البديع ليعلم أن بشارا ومسلما وأبا نواس، ومن تقيلهم، وسلك سبيلهم، لم يسبقوا إلى

هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الإسم فأعرب عنه ودل عليه .)) [72] .

ويقول العسكري في الصناعتين:

(( فهذه أنواع البديع التي ادعى من لا روية له ولا رواية عنده أن المحدثين ابتكروها وأن القدماء لم يعرفوها: وذلك لما أراد أن يفخم أمر المحدثين... )) [73] .

يثير هذان النصان قضية حجاجية كبرى تتعلق بالصراع بين أنصار القديم، وأنصار المحدث. وهي الإشكالية التي لا يمكن أن نتجاهل خلفيتها الإيديولوجية باعتبارها صراعا، أحيانا، بين الموالي والعرب، وأحيانا أخرى، بين تيار التقليد وتيار التجديد في المجتمع العربي. وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن الموجه الأول لكتاب ابن المعتز هو الداعي الإيديولوجي، وليس الهاجس البلاغي أو النقدي، كما يعتقد بذلك حمادي صمود في أطروحته. وتأكيد هذا أن قول ابن المعتز السابق يحمل مؤشرات حجاجية دالة على مناظرة في الموضوع ذاته. ذلك أن خطابه يقدم نفسه على أساس أنه بحث يحترم الشمولية، إذ يتعدى الشعر إلى القرآن واللغة وأحاديث الرسول وكلام الصحابة والأعراب. وفي المؤشر الأول، دلالة كذلك على أن البلاغة عند ابن المعتز، بلاغة عامة وليس بلاغة شعرية. أما المؤشر الثاني، فيتمثل في صيغة البناء لغير الفاعل: "يعلم" التي تضمر المناصرين " للشعر المحدث ".  وفي هذا الإضمار - الإقصاء، محاولة لإضعاف موقف الخصوم، مما يعني، كذلك، أن " معنى الرسالة "، يركز على المعلومة الجديدة ( تقليص قيمة المحدث )، دون محور الحديث ( بديع المحدثين). إن المعلومة الجديدة تلك، هي نفسها المقصودة في قول العسكري، من خلال سلب مقومات النظر والتـفكير والرواية، عن كل من يقول بنقيضها؛ " تفخيم أمر المحدثين ". ومن ثم، فالنصان معا، يشتركان في تعزيز بعض المقومات الإيحائية ( Sèmes connotatifs )، مثل: [+ خصومة]، [+ سجال].

وهكذا، فمسألة القدم والحداثة، تمتد جذورها إلى عمق الصراع الاجتماعي وما ترتب عنه من ثورات ( ثورة الزنج والحركة القرمطية )، ابتداء من القرن الثالث الهجري [74]. فقد كان الاختلاف حول قيم الحداثة والتقليد خاصية تطبع كل الميادين، من فلسفة ودين وشعر ونقد... لأن القضية ترتبط في العمق بتحول اجتماعي - حضاري فرض على الأطراف المتصارعة اختزال موقف معين، صريح أو مضمر، إزاء العالم والكون والدين والفن واللغة، وذلك بالنظر إلى الزاوية الإيديولوجية الملائمة للموقع الاجتماعي ذاته. فكان (( طابع الثقافة العربية بين منتصف القرن الثاني ونهاية القرن الثالث للهجرة، إنما هو الصراع بين العقل والنقل، التجديد والتقليد، الإسلاموية والعروبوية، أعني بين اتجاهات سلفية واتجاهات عقلية - تجريبية. )) [75] .

وهذا ما يحجبه بالفعل، الصراع النقدي المعروف حول أبي تمام. ذلك أن انحياز الآمدي الذكي والمضمر، إلى صف أنصار القديم، يؤشر على تبني رؤية اللغويين الأوائل إلى الشعر المحدث والشعر القديم، بحيث ناصروا الثاني باعتباره الشاهد اللغوي الأمثل، والطرف الأساسي في إثبات الإعجاز.

ودون الخوض في تفاصيل هذا الصراع النقدي - لأن المجال غير مجالنا - نؤكد على فرضية ارتباط الخطاب البلاغي العربي بالمقصدية الإيديولوجية في مختلف تجلياتها، بحيث وجهت المفهوم والمصطلح في هذا الخطاب. فـالجاحظ، مثلا، لم يستطع عزل تصوراته البلاغية عن القصد الإيديولوجي الماثل في الرد على الشعوبية، ومناصرة الحركة الاعتزالية. فقد دافع، تبعا لذلك، عن البيان العربي بطريقة غير موضوعية، وتبنى قواعد سياقية تؤطر الخطاب - المقال ضمن مقتضيات الحال. وقد لزمت هذه الغاية الخطاب البلاغي العربي حتى في عهوده المتأخرة، (( فالكتب البلاغية المغربية - وخصوصا الاتجاه المتفلسف - ذات منحيين في آن واحد، منحى تعليمي ومنحى إيديولوجي؛ وكلا المنحيين يجعلان من كل كتاب بلاغي إجابة عن سؤال صريح أو مضمر في الكتب السابقة )) [76] .

وهكذا، يؤكد مفتاح (1993)، على أن تبني المعيار المنطقي والرياضي عند السجلماسي، ثم عند ابن البناء، مؤشر على الغاية الإيديولوجية من خلال هدف تأصيل التقليد الفلسفي الذي احتل الصدارة في العصر الموحدي وتوارى خلف حجب أخرى في العصر المر يني ؛ أي خلف البلاغة والأصول والتصوف .... وهذه الغاية يؤطرها الباحث ضمن مقصدية إيديولوجية أكبر، هيمنت على الثقافة المغربية في مرحلتها الأولى، وهي مقصدية الموافقات، بمعنى (( التوفيق بين الفلسفة والشريعة، والتوفيق بين التصوف الشيعي والشريعة، والتوفيق بين المذاهب الفقهية والأصولية، والتوفيق بين الحاكمين والمحكومين...)) [77] .

وإذن، لم يعد من الممكن إغفال المقصديات الإيديولوجية التي افترضنا هيمنتها على الخطاب البلاغي العربي، بحيث نعتنا نسقه، وفقا لذلك، بالتعدد؛ تعدد المقاصد، وتعدد المفاهيم والمصطلحات، بل وتعدد الميادين والحقول التي احتضنت هذا الخطاب.

 

 

 

6. تركيب وآفاق

لقد كانت دراستنا لنسقي الوحدة والتعدد، مجالا ملائما لتحديد مفهوم الصورة البلاغية في ثقافتين مختلفتين. ومن ثم، قادنا تحليل الخطاب البلاغي في الثقافتين الغربية والعربية، إلى التحقق من فرضية مركزية هي أن الخطاب البلاغي الغربي هيمنت عليه المقصدية التعليمية، بينما هيمنت المقصدية الإيديولوجية على الخطاب البلاغي العربي، دون أن تعني هذه الهيمنة الإقصاء الكلي لباقي المقصديات في كل نسق على حدة. وقد كان لطبيعة الهيمنة نتائج كبيرة على بناء مفهوم الصورة البلاغية ومصطلحها، إذ حافظ، نسبيا، على الأصول الإغريقية في النسق البلاغي الغربي، وتميز بالتغاير والتعدد في النسق البلاغي العربي، واتسم في النسقين معا بالافتقار إلى البعد الإجرائي.

بيد أن دراسة مفهوم الصورة البلاغية ( Figure ) - على النحو الذي قدمناه - تتغيى في مقالنا، كذلك، مناقشة مجموعة من التصورات المحايتة، التي وجب اتخاذ موقف منها بالنظر إلى ما يعارض أو يلائم منها تصورنا للصور البلاغية الزمنية في النموذج الذي نعتناه بــ " نموذج الجهة البلاغية" ".(شكري2007).

ومن هذه التصورات الني قمنا بمحاورتها، مفهوم الانزياح ومفهوم التحول، ومفهوم البلاغة العامة. كما ناقشنا قضايا من قبيل تصنيف الصورة البلاغية، والتلقي الإسقاطي  للخطاب البلاغي العربي. وقد اتبعنا هذه الاستراتيجية لنتمكن، لاحقا، من تقديم نموذجنا في الجهة البلاغية على أساس مفاهيم إجرائية يؤطرها مفهوم عام، هو التشاكل الذي يحول مفهوم الصورة البلاغية إلى أداة إجرائية في القراءة والتحليل.

معنى هذا، أن نموذج الجهة البلاغية يختزل قوالب - تأويلية للصور البلاغية الزمنية، مدعومة بمبدأ العنونة في الذكاء الاصطناعي؛ أي بالأساس المعرفي، والأساس اللغوي، والأساس البلاغي، وهي الأسس التي تمثل عناوين للرسالة البلاغية في نموذجنا البلاغي الذي سنعرضه بإذن الله في مقالات لاحقة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



الهوامش:

[1] - ريكور (1983) Ricœur، ص. 18.

[2] - مفتاح (1993)، ص. 49.

[3] - انظر إيزر (1976) Iser، ص. 60.

[4] - المرجع نفسه، ص. 70.

[5] - راجع شكري (1998)، ص ص.41 -45.

[6] - أيزر (1976) Iser، ص 76.

[7] - راجع موشلر (1985) Moeschler، ص ص.16 -19.

[8] - بارت (1970) Barthes، ص. 178.

[9] - بارت (1970) Barthes، ص ص. 178 - 179.

[10] - الموسوعة الفلسفية العالمية (1990)، ص. 987.  راجع كذلك باكري (1992) Bacry ، ص . 8.

[11] - الموسوعة نفسها ص. 988.

[12] - فونطانيي (1977) Fontanier، ص. 64.

[13] - راجع موشلر (1985) Moeschler، ص. 62.

[14] - فونطانيي (1977) Fontanier، ص ص. 63 - 64.

[15] - يرتبط مفهوم " الأثر" هنا بمفهومي "المشاعر والأمزجة" ( Pàthos et éthos ) في البلاغة اليونانية . وهو نفس المفهوم الذي سنجده عند جماعة.

[16] - جينيتGenette في تقديمه لفونطانيي (1977)، ص. 13.

[17] - جماعةm (1982)، ص. 49.

[18] - مازليرات وموليني (1989) Mazaleyrat et Molinié ص. 148.

[19] - الموسوعة الفلسفية العالمية (1990)، ص. 2275.

[20] - نؤكد في هذا السياق أن توظيفنا لعبارة الصورة البلاغية قريب من استعمال بعض الدارسين لعبارة الوجه البلاغي.

[21] - جينيت Genette في تقديمه لفونطانيي (1977)، ص. 8.

[22] - كوهن (1966) Cohen، ص. 13.

[23] - المرجع نفسه، ص. 10.

[24] - كوهن (1970) Cohen، ص، 4.

[25] - المعطيات (5) و (6) و(7) مأخوذة عن المرجع السابق ص ص. 7 - 8.

[26] - دولاس في مقدمة ريفاتير (1971)، ص ص. 11 - 12.

[27] - راجع لايكوف وجونسون (1980) Lakoff and Johnson وكذلك بومبيرج (1987) Barnberg.

[28] - جماعة m (1982)، ص. 30.

[29] - لقد ورد هذا المصطلح عند فونطانيي، بمعنى " الترادف " ( Synonymie ) . راجع كتابه ( 1977 ). ص . 332.

[30] - راجع نظرية المستويات في بنفينيست (1967) Benveniste.

[31] - للمزيد من التفاصيل، راجع جماعة m (1982)، ص ص. 32 - 35.

[32]- راجع هذا الجدول، مفصلا، في المرجع السابق، ص. 49.

[33] - من أمثلة هذا المنظور أطروحة حمادي صمود ( 1981).

[34] - لقد طورنا - بواسطة آلية التوسيع - هذين المفهومين ( التوافق / اللاتوافق )، السائدين في المباحث الإيقاعية لمدارس الشعرية. راجع في هذا الشأن: أكيين وموليني (1996) Aquien et Molinie، ص ص. 492 - 494 و ص ص. 513 - 514.

[35] - الجابري (1991)، ص ص 13 - 14.

[36] - السجلماسي، المنزع البديع، ص. 180.

[37] - المرجع نفسه، 6 ص. 180.

[38] - مفتاح (1994)، ص. 15.

[39] - راجع الصناعتين، ص. 294.

[40] - صمود (1981)، ص. 372.

[41] - ابن المعتز، البديع، ص. 58.

[42] - العمري (1991)، ص. 44.

[43] - الجاحظ، البيان والتبيين، ج 1، ص. 222.

[44] - المرجع نفسه ص ص. 14 - 15.

[45] - الجابري (1991)، ص. 90.

[46] - السكاكي ، مفتاح العلوم ، ص . 424.

[47] - المرجع نفسه، ص. 430.

[48] - البيان والتبيين، ج 1 /106.

[49] - المرجع نفسه، ص. 106.

[50] - المرجع نفسه، ج 1 / 76.

[51] -المرجع نفسه، ص. 88.

[52] - صمود، (1981)، ص. 113.

[53] - العمري، (1991)، ص. 49.

[54] - الخفاجي، سر الفصاحة، ص ص. 55 - 56.

[55] - العمري (1991)، ص. 68.

[56] - الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص. 50.

[57] - الجابري، (1991)، ص ص. 87 - 88.

[58] - الجرجاني، أسرار البلاغة، ص ص.  4 - 5.

[59] - الجرجاني،  دلائل الإعجاز، ص.51.

[60] - صمود،  (1981)، ص. 512.

[61] - الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص. 418.

[62] - راجع ياكبسون ( 1984) Jakobson، ص ص. 127 - 153.

[63] - قدامة، نقد الشعر، ص. 85.

[64] - العمري، (1990)، ص ص. 100 - 101.

[65] - ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص. 109.

[66] - المرجع نفسه، ص. 132.

[67] - المرجع نفسه، ص ص. 20 - 21.

[68] - الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص. 466.

[69] - تجد في الصفحة الموالية من المرجع ذاته، ما يشكل مع هذه الكلمة علاقة استبدالية، مثل تراكم الكلمات: - واجب - تجب - يجب...

[70] - سنوظف كثيرا الزوج " الخفي/الظاهر"، مستثمرين مفهوما أساسيا في نظرية الربط العاملي (تشومسكي 1981)، هو مفهوم العنصر ضم ( L’élément pro)، أي العنصر الحاضر دلاليا والغائب صوتيا.

[71] - الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص ص. 416 - 417.

[72] - ابن المعتز، البديع، ص. 1.

[73] - العسكري، الصناعتين، ص. 294.

[74] - راجع أدونيس (1986)، ص. 69.

[75] - المرجع نفسه، ص. 203.

[76] - مفتاح، (1993) ص. 51.

[77] - المرجع السابق، ص. 50.