مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2017

da3m

جائزة المغرب للكتاب 2017

couver prix maroc livre min

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

بيانات الفاعلين في مجال الكتاب

affiche4 small

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

دار الشعر بتطوان

darchiirlink

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

الصبيحي للاحداث المغربية : الثقافة تبقى منطلق التنمية الأساسي رغم ضعف الإمكانيات

هل تقتضي السياسة الثقافية في المغرب تدخل الدولة الشامل في تدبير الثقافة؟ أم أن الأمر يتطلب مشاركة جميع الفاعلين في ذلك؟ هذا هو السؤال الأساسي، الذي يشغل بال وزير الثقافة الجديد محمد أمين الصبيحي. فالرجل يرى أن تدبير القطاع الثقافي يقتضي مقاربة تشاركية تدمج جميع الفاعلين العموميين والخواص من أجل النهوض بالثقافة المغربية، وبالإنتاج الثقافي والفنيإذ تروم هذه المقاربة صياغة استراتيجية ثقافية وطنية تقوم على مخطط خماسي الغاية منه إنشاء بنيات تحتية ثقافية والارتقاء بالإنتاج الثقافي والاهتمام بالثقافة المغربية المادية واللامادية. غير أن الوزير الجديد لم يغفل بعض الجوانب، التي أثرت سلبا على وزارة الثقافة، حيث أكد على ضرورة إصلاح العلاقة بين الوزارة والمثقفين والفنانين، وإعادة النظر في سياسة الدعم الموجه إلى مختلف المجالات الثقافية والفنية في المغرب.

ظل المغرب، منذ الاستقلال إلى اليوم، يفتقد إلى مشروع ثقافي شامل. إذ أقر الوزراء السابقون بهذا الأمر. غير أن الحكومات المتلاحقة لم تسع إلى تدارك هذا الخلل. سنعيد عليكم طرح السؤال حول الموضوع ذاته: ما هي خطواتكم الأولى من أجل بناء مشروع ثقافي يستجيب لتطلعات الشعب المغربي؟

وراء هذا السؤال، لا بد أن نطرح إشكالية الثقافة في بلادنا، وأن نقر أنها إشكالية وطنية ترتبط بنوع السياسة الثقافية المتبعة. وفي المقام الثاني، تعتبر إشكالية محلية، أي أن حل العديد من المشكلات الثقافية، التي يعاني منها المشهد الثقافي على المستوى المحلي كنقص التجهيزات وغياب التكوين الثقافي وضعف الأنشطة الثقافية، يرتبط بمدى وجود سياسية ثقافية فاعلة على المستوى الوطني. والحال أنه باستثناء بعض المشاريع الثقافية الكبرى كالمكتبة الوطنية والمتحف الوطني للفنون المعاصرة والمعهد الوطني العالي للموسيقى وفنون الرقص وترميم الآثار ودعم المسرح والسينما، وجب الاعتراف بغياب سياسة ثقافية واضحة المعالم. هذا ليس حكم مجرد، بل هو حكم مبني على آراء عدة مثقفين مرموقين، وعدة تقارير وطنية كتقرير الخمسينية، وكذا على ما نستخلصه، نحن كمسؤولين جدد على هذا القطاع، من غياب أي برنامج قطاعي للثقافة، على غرار البرامج القطاعية الأخرى في مجال السياحة والفلاحة، الخ. إذ نسجل، بصراحة، غياب أية استراتيجية وطنية للنهوض بالثقافة في بلادنا.

ما هو دوركم لتدارك غياب هذه الاستراتيجية، ما دمتم تعترفون صراحة بذلك؟ وما هي المحاور الأساسية التي ينبغي أن ترتكز عليها هذه الاستراتيجية؟ وما هي الأطراف التي ستشركونها في تصورها وبنائها؟

أولا، لضبط معالم وأسس هذه الاستراتيجية الوطنية، علينا أن نطرح على أنفسنا بعض التساؤلات الأساسية: هل نريد ثقافة نخبوية، أو ثقافة ديمقراطية؟ وهل يمكن أن نقتصر على تشجيع الإنتاج والإبداع الراقي، ونتناسى أننا نحتاج، في مغرب اليوم، إلى سياسة تجعل من الشأن الثقافي شأنا متداولا وممارسا في مختلف الأوساط الاجتماعية؟ هذا هو الجانب الأول الذي ينبغي أن نطرحه فيما يخص معالم هذه الاستراتيجية الوطنية. أما التساؤل الثاني، فهو: هل يجب أن نعمل على مدى القصير أو البعيد؟ بمعنى هل يجب أن ندعم المشاريع الثقافية ذات الأمد القصير كتشجيع السياحة والفولكلور والمهرجانات، أم دعم المشاريع الثقافية المؤثرة على المدى البعيد؟ ويروم التساؤل الثالث، الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، اليوم ما يلي: هل يتعلق بالأمر بثقافة كونية، أم نرتكز على خصوصيات ثقافية مغربية؟ بمعنى هل تعبر الثقافة الجماهيرية، كالأفلام والمسلسلات والموسيقى، على الثقافة الكونية؟ أم أن الثقافة ترتبط أساسا بالخصوصية المحلية تعبر عنها الأعراف والقيم وأنماط العيش، التي تخلقها الشعوب الأصيلة. ويرتبط التساؤل الرابع بالراهنية السياسية: هل يجب أن نرتبط بالجانب المحافظ؟ أم لا بد من الاتجاه نحو الجانب المتطور؟ هل الثقافة هي الحفاظ على القيم والتقاليد؟ أم هي الحداثة والإبداع والتطور؟

هذه أسئلة أساسية لا بد أن نطرحها على أنفسنا، بما يجعل مؤسسات الثقافة والمؤسسات الأخرى تخوض في نقاش وطني حول استراتيجية وطنية للنهوض بالشأن الثقافي، نحن نطمح اليوم إلى الوصول إلى برنامج يمكن أن نسميه بـ”المغرب الثقافي” (عندما جئت إلى الوزارة، قلت إن الأنشطة الثقافية، التي تنظمها عدة مؤسسات بالمدن المغربية، ترتبط بوزارة الثقافة. غير أن هذا الارتباط هو ارتباط إداري بيروقراطي، ومن هنا جاء التفكير في تسمية مجموع هذه الأنشطة بتسمية شاملة ودالة: “المغرب الثقافي”، على غرار “المغرب الأخضر” و”أليوتيس”). هذه هي، إذن، اللبنات الأولى للتفكير في برنامج “المغرب الثقافي”.

اسمحوا لي أن أعود إلى فكرة أساسية جاءت في جوابكم، تتمحور حول النقاش الوطني حول المسألة الثقافية في المغرب. هل ترمون إلى تنظيم مناظرة وطنية للإعلان عن انطلاق هذا النقاش؟ أم أن الفكرة ستقوم على نهج تنظيم مجموعات عمل ينصب عملها على الإلمام بالثقافة المغربية، بما هي تعبيرات مادية ورمزية، إبداعية وفنية وفولكلورية وجسدية وذهنية؟ وما هي أسس الحوار مع مختلف الفاعلين في القطاع الثقافي المغربي؟

عندما نتحدث عن السياسة الثقافية، علينا أن نعطيها مفهوما. والسؤال الذي يطرح في هذا الباب هو: هل تعني السياسة الثقافية تدخلا شموليا للدولة يضبط كل مضامين الحياة الثقافية ومناحيها؟ أم أن تدخل الدولة هو تدخل موجه، إلى جانب فاعلين وشركاء؟ أم هي ثقافة يصنعها السوق ويدعمها بعض المحسنين؟ هذه أسئلة نطرحها، والجواب عليها واضح. لقد ولى زمن الشمولية، وثقافة السوق مرفوضة. وهذا يعني أن علينا أن نصنع استراتيجية ثقافية تلعب الدولة فيها دور الموجه والمؤثر والمحفز، الذي يواكب ويدعم كل الإرادات الثقافية. ولكن هناك كذلك فاعلين ثقافيين، في مجالات مختلفة، يمثلون العمود الفقري للحياة الثقافية في بلادنا، إلى جانب وزارة الثقافة.

تنطلق السياسة الثقافية كذلك من خصوصية المغرب. فالمغرب معروف بالتنوع الثقافي، حيث هناك تنوع هوياتي وثقافي ولغوي يتجسد في تعايش الثقافات الإسلامية والعربية والأمازيغية والحسانية والحضارات المتوسطية والأفريقية. إذ أكد الدستور الجديد على هذا التنوع الثقافي، وعلى دوره في المجتمع. إلا أن علينا أن نطرح السؤال: كيف يمكن أن ندبر التنوع الثقافي واللغوي في إطار ثقافة وطنية موحِّدة؟ علينا، كمسؤولين على القطاع الثقافي، أن نأخذ بعين الاعتبار هذا التنوع، ونعتز به. وعلينا كذلك أن نصل جميعا، في مختلف المجالات والتعبيرات الثقافية، إلى صنع هذه الثقافة الوطنية الموحدة، التي تجعل المواطن مطمئنا ومعتزا بالانتماء إلى بلاده، وأن نرتقي بالشأن الثقافي، وبالمثقف والمبدع، إلى مستوى متميز داخل المجتمع، لأننا لن نطمئن على المجتمع بدون الوصول إلى هذه القيم. فالمجتمع الذي لا ينزل المثقف والمبدع منزلة راقية هو مجتمع بدون مواطنين مبدعين ومنتجين.

هكذا، فالثقافة اليوم تحتل بالنسبة إلينا- وهذا هو تصورنا كمسؤولين حكوميين- صلب أية سياسة تنموية تعتمد على تعبئة الطاقات. ولا يمكن أن نعبئ هذه السياسة التنموية بدون مواطن معتز بانتمائه إلى وطنه، منفتح على عطاءات الآخر.

لنتساءل حول الثقافة في التصريح الحكومي. فما قلتموه عن أهمية السياسة الثقافية لا ينسجم مع جاء في هذا التصريح، باعتبار أنه حصر الحديث عنها في أربع صفحات فقط. وهو ما قد يعتبر تبخيسا لقيمة الثقافة. ألا ترون أن فكرتكم هي فكرة حالمة بالنظر إلى مضامين التصريح، التي تبقى محدودة جدا؟ وكيف ستعملون على تطبيق هذه المضامين رغم محدوديتها؟

بالطبع، اطلعت على بعض الانتقادات وقبل وبعد تقديم التصريح الحكومي أمام البرلمان. إذ يمكن القول إن الحديث عن الأخطار المحدقة بالهوية والثقافة المغربيتين، أو عن التراجعات، هو حديث مبالغ فيه، بل لا أساس له من الصحة. أظن أن إطلاق أحكام متسرعة على التجربة الحكومية الراهنة، قبل تقييم الإنجازات، هو أمر غير صائب. وهذا راجع أساسا إلى أن الدستور يشتمل على مضامين متقدمة، حيث يشكل الإطار المرجعي للأهداف السياسية المتصلة بالهوية والثقافة والقيم. ومن هذا المنطلق، نجد أن المعطى الثقافي، ولأول مرة، وارد في مدخل التصريح، وليس قطاعا بإمكانيات متواضعة من بين قطاعات أخرى. إذ جاء القطاع الثقافي في مستهل التصريح إلى جانب سياسة الهوية واللغة والتواصل والحريات والمواطنة، حيث حرصنا على أن تركز الثقافة والسياسة الثقافية، وما ننتظره من الفاعلين الثقافيين من تعبئة الطاقات المبدعة داخل المجتمع، على جانب الهوية في إطار الاعتدال والتسامح والانفتاح والحوار بين الثقافات والحضارات. وهذه الجملة جاءت في التصريح.

كما تروم الثقافة تعزيز المواطنة والمسؤولية والتدبير الإيجابي للاختلاف. إذ جاء التصريح الحكومي بكل هذه المفاهيم، ليقول بالحرية والمسؤولية والإبداع، حيث نتكلم في هذا التصريح على سياسة جريئة للنهوض بالثقافة وتحفيز المبدعين والمشتغلين فيها، وعلى تيسير الولوج إلى الثقافة أمام أوسع الشرائح الاجتماعية ونهج سياسة القرب. فهذه سياسة جديدة تجعل من القرب في تدبير الشأن الثقافي أمرا أساسيا. إذ لا يمكن أن نتكلم عن السياسة الثقافية بدون الانطلاق، كنقطة أولية، من سياسة القرب، التي تجعل أن لكل الجماعات المحلية بنيات وتجهيزات، ووراء كل هذه الأمور حياة ثقافية حقيقية.

وأكد التصريح أيضا على ضرورة مواكبة الإبداع ودعمه، ورد الاعتبار للمبدعين حتى تكون مكانتهم طبيعية داخل المجتمع. كما ترد في التصريح ضرورة تثمين وصيانة التراث الثقافي المادي واللامادي. ينبغي ألا نكتفي بالصيانة فقط، بل علينا أن نجعل من التراث الثقافي المادي واللامادي تراثا حيّا، بمعنى أن يكون قادرا على استقطاب جمهور واسع من الشباب والمواطنات والمواطنين من أجل تملكه. وهذا يدفعنا إلى القول إن علينا الاطمئنان إلى كون هذه الحكومة ستسهر على الحفاظ على مجال الحريات، بل هي مطالبة، في إطار البنود المتقدمة للدستور الجديد، بفتح مجالات عديدة للحريات في بلادنا: حرية الإبداع، حرية الرأي والتعبير، الخ. فالحكومة تتفاعل مع الدستور، وعلى عاتقها تقع المسؤولية الكاملة لتنزيله بشكل متقدم. والشهور المقبلة ستبين أن الأمر ليس مجرد نوايا حسنة، بل وراء هذه النوايا سياسة وتدابير في الحقل الذي أنا مسؤول عن تسييره، وهي تدابير جريئة تجعل من الثقافة، ومن قيم المواطنة المسؤولة، مشاعة بين أوسع فئات المجتمع.

قلتم إن على المواطن أن يطمئن على ضمان الحريات الفردية. غير أن الملاحظ هو كون الفريق الحكومي الحالي غير منسجم من الناحية السياسية والإيديولوجية، حيث يتشكل من قطبي اليمين واليسار في الآن ذاته. وهذان القطبان ينظران إلى الحريات الفردية بشكل متباين جدا. كيف يمكن أن يتحقق الانسجام داخل سياسة الحكومة، خاصة فيما يتعلق بمجال الإبداع والتعبير الفني، الذي تتجلى فيه حساسية الحرية الفردية بشكل كبير؟

علينا أن نتذكر، وهذا أمر أساسي، أن المغرب شهد، خلال السنة الماضية، حراكا اجتماعيا قويا يتسم بالمطالبة بالمزيد من الكرامة والديمقراطية والحرية. وتمكن المغرب من تدبير هذه المرحلة بحنكة مكنته من الوصول إلى دستور بمضامين متقدمة، وإلى تنظيم الانتخابات نتج عنها تغيير حكومي، واختيار حكومة يرأسها حزب العدالة والتنمية، وهو حزب إسلامي (ولكن ما هي الأحزاب الوطنية الأخرى التي ليست لها مرجعية إسلامية). إن السؤال الذي يفرض نفسه، على المستوى الثقافي، هو: ما هو مضمون السياسة الثقافية على ضوء هذا التغيير؟ هل هناك إرادة حقيقية لتبني استراتيجية وطنية للثقافة، من شأنها أن تمنح الثقافة الأهمية التي تستحقها، وأن تعد بلادنا لمواجهة تحديات القرن؟ الجواب: أجل. فللحكومة إرادة قوية، حيث ستدعم هذا القطاع من أجل تبني استراتيجية وطنية للثقافة تجعل هذا القطاع يحتل طلب السياسات، بل أن يكون هو الأصل. ذلك أن الثقافة تؤثر في الحقل السياسي، أي أنها هي التي تجعل السياسة ترتبط بالأخلاق والقيم. وهي تؤطر الحقل الاقتصادي، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون لنا اقتصاد يجعل من الإنسان الهدف الأسمى بدون ارتباط الاقتصاد الوطني مع السياسة الثقافية.

الثقافة هي الأصول، لأنها تؤطر الحقل الاجتماعي، باعتبار أن الإنسان هو كائن اجتماعي يتفاعل مع الآخر دوليا ووطنيا. ففي منظورنا، تعتبر الثقافة المنطلق للسياسة التنموية عموما. لكن يبقى أن ضعف الإمكانات يفرض علينا الابتكار. فنحن لسنا من دعاة الاكتفاء بما لديهم من إمكانات، وتدبير الشأن بالقليل الحاصل عندهم، بالحضور في بعض المهرجانات مثلا. هذا غير صحيح. إذ علينا أن نبتكر كل ما يسمح لهذا القطاع بأن يتوفر على إمكانيات واسعة. هناك أفكار متعددة. ولنا اتصالات مع القطاعات الحكومية الأخرى، التي حرصت شخصيا على أن تتفهم مدى أهمية القطاع الثقافي. وزملائي في الحكومة يتفهمون تعبئة هذا القطاع. كما لدينا في المغرب مؤسسات ثقافية قوية في القطاع الخصوصي، إما مرتبطة مع قطاع الأبناك والتأمين والاتصالات- وهي تملك الرغبة في أن تشاركنا الهم الثقافي- وإما مرتبطة بالقطاع العمومي أو شبه العمومي، وهي ملتزمة إلى جانبنا بأمور عديدة منها: أولا إقرار هذه الاستراتيجية الوطنية الثقافية، وتفعيلها ثانيا على أرض الواقع.

قد نتفق على إسهام هذه المؤسسات العمومية وشبه العمومية والخاصة في المشروع الثقافي المغربي اليوم. غير أن مساهمات هذه القطاعات اقتصرت في السنوات القليلة الماضية على دعم الأنشطة ذات الانتشار الجماهيري، وهو دعم يسمح لها بتحقيق أرباح إضافية. بغض النظر عن هذا الأمر، فشلت كل الوزارات السابقة، على المستوى الرسمي، في دفع الحكومة إلى الزيادة في ميزانية وزارة الثقافة رغم الوعود التي قدمت لها. هل تعتقدون اليوم أن هذا الأمر ممكن، خاصة على ضوء المكانة المتميزة، التي أولاها الدستور لهذا القطاع، وعلى ضوء اهتمام التصريح الحكومي به، باعتبار أن الحديث عن الثقافة جاء في المدخل؟ وكيف ستقنعون وزير المالية برفع هذه الميزانية؟

أولا، أنا أتفق معك في أننا نحتاج إلى إمكانيات واسعة للنهوض بهذا القطاع، لأن الواقع الثقافي في بلادنا في حاجة ماسة إليها. والواقع الثقافي معروف: ضعف الإنتاج الثقافي الوطني مرتبط بارتفاع نسبة الأمية وانتشار قيم الاستهلاك. وفي المقابل، هناك عدد كبير من البحوث الجامعية، وازدهار الأفلام السينمائية بفضل مساعدات الدولة، وبروز عدد من الأدباء الشباب، وتعدد المدارس الفنية التشكيلية، وتعدد الأنواع الموسيقية الجديدة والمهرجانات الفنية، الخ. وهذا يحيل أن هناك دينامية داخل المجتمع في مجال الإبداع، والثقافة عموما. هذا أمر حقيقي. والأمر الثاني المميز للواقع الثقافي اليوم هو هشاشة البنيات التحتية الثقافية. فباستثناء بعض المعالم الكبرى، التي تحدثت عنها سابقا، فإن المدن والقرى المغربية تعاني من نقص البنيات والتجهيزات الأساسية: دور الثقافة وقاعات العروض والمسارح والمكتبات، الخ.

إذن، فكل استراتيجية وطنية للثقافة لا بد أن تنطلق من ثلاثة محاور أساسية: أولا، ثقافة القرب: ففي إطار مخطط خماسي، علينا أن نصل مؤسسات ثقافية محلية نشيطة وفعالة عبر التراب الوطني، بما فيه العالم القروي. كما يمكن التفكير في وحدات متنقلة من خزانات بكتب ومجلات وإنترنت تكون حاضرة في الأسواق. وهو مخطط خماسي يروم تأمين البنيات الثقافية، ووراء هذه البنيات حياة ثقافية محلية. وهذا الأمر يتطلب إمكانيات، لأننا ننطلق اليوم من عدد ضئيل من البنيات الثقافية في البلاد (120 مؤسسة ثقافية عبر المغرب، وهناك ما يزيد عن 1500 جماعة محلية. فأنتم ترون ما ينتظرنا من إنجازات في هذا المجال). ونحن نعتبر أن هذا المخطط الخماسي يشكل التزاما يفرض علينا أن نعبئ كل الطاقات والإمكانيات العمومية والخاصة، وكذا طاقات المحسنين، وكل من له دور في الحقل الثقافي، من أجل الوصول إلى هذا الهدف. كما أن جسامة هذا المشروع تحفزنا على الاجتهاد والابتكار من أجل تحقيق هذا الهدف. إذ ستقوم الحكومة بكل ما يدعم هذا المخطط الخماسي لتعميم البنيات الثقافية في البلاد، بالإضافة إلى كوننا نتوفر على أفكار متعددة تجعل انطلاق هذا المشروع يتم في الشهور القليلة المقبلة.

نحن في حاجة إلى دعم وتثمين الإبداع والمبدعين. فالمسرح والموسيقى والكتاب والخزانات في حاجة إلى دعم، حيث ستلعب الوزارة، في كثير من المشاريع، دور الوساطة بين هذه المجالات المحتاجة إلى دعم، وبين الإمكانيات المتفرقة، التي لا يعرفها المبدعون. أظن أن هناك برامج مهمة تربطنا مع اليونسكو والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية و”ميلينيوم تشالنج” والتعاون الدولي، الخ. إذ هناك إمكانيات مهمة لم تستعمل إلى حد الآن. اليوم، سنعبئ آخر سنتيم من هذا الدعم، وهذه الإمكانيات في المجال الثقافي. ولن نضيع أي سنتيم أو أورو أو دولار بسبب اللامبالاة. هذا تعهد مني! ولن نكتفي بالحضور الرمزي في تدبير هذا المجال بدون الدخول في عمقه، والوقوف إلى جانب المبدعين والمثقفين، وإلى جانب الجماعات المحلية، لتتوفر على الإمكانيات الضرورية لإنشاء مؤسسات ثقافية وانبعاث الحياة الثقافية.

أنا شخصيا إنسان إرادي، وأنتمي إلى حكومة إرادية تملك سياسة إرادية تروم التغيير وتشجيع السياسة الثقافية والاجتماعية في بلادنا. أحمد الله وأشكره بأن مهدت الظروف لأنتمي إلى هذه الحكومة، التي تملك هذه الدينامية والإرادة. ففي الحكومات التقنوقراطية، نبحث عن الإمكانيات، ثم نصنع البرامج. أما في الحكومات الإرادية، فإننا نصنع البرامج، ثم نبحث عن الإمكانيات، ونصل إلى الهدف بهذه المقاربة الإرادية.

هل هناك ما ستضيفونه في هذا الباب؟

النقطة الثالثة: لنا تراث ثقافي مادي وغير مادي في حاجة إلى عناية، وهو في حاجة إلى حيوية وتفاعل مع المجتمع. وهذا التراث الثقافي قد يكون “مربحا” في إطار مدارات سياحية وزيارات ثقافية، بل حتى زيارات منظمة للمواطنين بسعر خمسة أو عشرة دراهم، وقد يشارك هذا الربح في مداخيل الجماعات المحلية والمؤسسات الثقافية.

أنتقل إلى محور آخر. ففي عهد الوزير السابق بنسالم حميش، اتسمت العلاقة بين المثقفين والفنانين والفاعلين الثقافيين، من منظمات وجمعيات ونقابات ثقافية ودور نشر، الخ، بالتوتر والتشنج. هذا الأمر يفرض اليوم التخلص من هذه التركة الثقيلة من خلال إعادة المياه إلى مجاريها العادية وعقد مصالحة بين الوزارة والمثقفين والفنانين. في نظركم، ما هي الخطوات العملية العاجلة، التي ينبغي اتخاذها من أجل تحقيق هذا الهدف؟ وما هي الخطوات، التي يجب اعتمادها على المدى البعيد، من أجل تحقيق أهداف البرنامج الحكومي؟

بطبيعة الحال، أضحى باب هذه الوزارة، منذ تعييني لتدبير هذا القطاع، مفتوحا على مصراعيه لكل الجمعيات والهيئات والأشخاص، الذين لهم ارتباط بالحقل الثقافي. إذ أعتذر لكل المثقفين والفنانين، الذين لم أتمكن من استقبالهم إلى حدود الآن. لكن لنا لقاءات مهمة يومية مع ثلاث أو أربع جمعيات ثقافية وفنية. إننا نعتقد أن الثقافة ليست مجرد شأن عادٍ، بل تحتل صلب الحياة الوطنية. وهذا يجعل من مقاربة الثقافة مقاربة تشاركية مع الفاعلين، بالإنصات أولا، وتبادل الرأي، والوصول إلى اتفاقات وتوافقات فيما يخص السياسة الثقافية في كل تجلياتها. إذ تفرض الأولويات الاستراتيجية هذه المقاربة التشاركية لتسيير هذا القطاع، حيث لا يمكن لقطاع الثقافة أن يشتغل بكيفية انفرادية بعيدا عن الفاعلين الحقيقيين فيه. هذا مستحيل. ولا أتصور تدبير هذا القطاع بكيفية مخالفة، وإلا سيصبح المسؤول عنه حاضرا فقط في بعض المهرجانات والمعارض التشكيلية. هذا بعيد، كل البعد، عن تصوراتي، وحتى قناعتي الشخصية.

هل نفهم من هذا أن وزارتكم ستعمل على استعادة بعض الحقوق والتشجيعات، التي ألغيت في عهد الوزير السابق، مثل الدعم والتعويض المادي، الذي كان يحصل عليه المثقفون والجمعيات الثقافية مكافأة لهم عن المشاركة في أنشطة ثقافية تنظمها الوزارة كالمعرض الدولي للنشر والكتاب؟

اطلعت على الملفات الشائكة، وتدارستها مع باقي المسؤولين في هذه الوزارة، مثل دعم المسرح والموسيقى، ودعم المؤطرين، مثلا في معرض الكتاب. واتفقنا أننا سنعيد النظر فيما يخص الدعم المقدم من طرف الوزارة للفعاليات الثقافية في المجتمع. كما سنعيد النظر في القرار الأخير المتعلق بدعم المسرح والمعاهد الموسيقية، وفي العلاقات بين وزارة الثقافة والجمعيات الثقافية، ليس بكيفية انفرادية، بل في إطار تشاركي. ففيما يخص المسرح، سننظم يوما دراسيا يتمحور حول الدعم المسرحي، وسنحاول أن نجد صيغ دعم مسرحي خلال هذه السنة باعتماد دورة استدراكية. أنتم تعلمون أن عدة فرق مسرحية قاطعت الدعم المسرحي، مما جعلها تعمل بإمكانيات محدودة، ونتج عن ذلك تراجع في الإنتاج المسرحي خلال الموسم الحالي. فنحن بصدد ضبظ هذا اليوم الدراسي خلال الأيام القليلة المقبلة.

وسنعمل مع كل الفاعلين، بدون استثناء، لإيجاد صيغ مناسبة تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتاحة للقطاع، والإمكانيات التي يمكن أن نعبئها من المؤسسات العمومية والخصوصية، كما تأخذ بعين الاعتبار انتظارات الفاعلين في مجالات الفن والإبداع. هذا التزام. ففي الأيام القليلة المقبلة سنعلن عن جدولة خاصة بهذه اللقاءات الرامية إلى الوصول إلى هذه الاتفاقات.

هناك جانب آخر: الوضع الاجتماعي للعديد من الفنانين، الذي يتطلب إعادة النظر. إذ ستعيد النظر في قانون الفنان، وفي التعاضدية الوطنية للفنانين، وسنفتح النقاش مع الأطراف المختصة في تقاعد الفنان، ذلك أن جل الفنانين لا يتوفرون على التقاعد، وفي وضعية الفنان القانونية المتعلقة بالتعاقدات بين الفنانين والمشغلين، وبالحفاظ على حقوقهم، باعتبار أنهم يشتغلون بدون تغطية صحية واجتماعية.

هذا مجال اجتماعي واسع، حيث تملك الحكومة هذا الطابع الاجتماعي، وباعتبار أن حزبا مشاركا فيها أسس من أجل الدفاع عن الحقوق المهضومة من طرف أرباب العمل. فنحن ملزمون، بكيفية آنية، لفتح هذا الملف وإعداد إطار قانوني متقدم يدافع عن الفاعلين الثقافيين والفنيين العاملين في بلادنا، ويصون حقوقهم.

نحن مقبلون على الدورة الثامنة عشرة من المعرض الدولي للنشر والكتاب. تعلمون أن مجموعة دور النشر المغربية علقت مشاركتها، وذلك راجع إلى عدم التزام وزارة الثقافة بما تعهدت خلال الدورة الماضية إزاء هؤلاء الفاعلين في مجال النشر. كيف ستعملون على إصلاح العلاقة مع الناشرين؟ وكيف ستعملون على تطوير نشر الكتاب في المغرب؟

سيكون المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي ستحتضنه الدار البيضاء ما بين 10 و19 فبراير المقبل، أول محطة ثقافية أمام المسؤولين الجدد في قطاع الثقافة. إذ حرصنا، منذ البداية، على عقد اجتماعات يومية مع إدارة المعارض ومديرية الكتاب في وزارة الثقافة بغية ضبط كل مناحي هذا المعرض. ليطمئن أن 750 عارضا وناشرا، يمثلون المغرب وأربعين دولة أجنبية، سيشاركون في المعرض. كما حرصنا أن تكون الجوانب المادية في المستوى المطلوب. كما أننا نتوخى ألا نجعل من المعرض محطة فحسب للتعريف بمن يعمل مع مهنيي الكتاب من ناشرين وكتبيين، بل أن نجعل منها أيضا احتفاء بالكتاب والمبدعين المغاربة. لنصل إلى هذا الأمر طيلة عشرة أيام، سنعمل على تنظيم لقاءات وندوات ثقافية، وعقد لقاءات حميمية بين المسؤولين على قطاع الثقافة، وبين المثقفين والمبدعين بصفة عامة بغية الإنصات إليهم ومناقشتهم. كما سنعمل على ألا يكون الافتتاح بروتوكولي، بل حفل تكريم الكتاب المغاربة عبر جائزة المغرب للكتاب، وجوائز أخرى، في حفل كبير، حيث نفكر اليوم في إمكانياته، واحتمال ترؤسه من طرف مسؤولين كبار في بلادنا، حتى يشعر الكتاب والمبدعون بأننا نفتح صفحة جديدة بين المسؤولين على القطاع والمبدعين، لأن هذه المرحلة تقتضي مقاربة تشاركية، واعترافا بالرواد المبدعين، ولأن اعتراف المجتمع ككل بهذا الموقع الاعتباري للمبدعين يشكل أمرا أساسيا. وهو يشكل صلب سياسة القطاع.

حاوره: محمد جليد

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018