مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

إشكالية علاقة ابن طفيل بالتصوف

لقد دأب كثير من الدارسين على الذهاب إلى أن ابن طفيل قد انتهى في آخر مطافه العلمي إلى التصوف، وأنكر البعض ذلك، والمتصفح لرسالة "حي بن يقظان" يلمس أن علاقة ابن طفيل بالتصوف هو إشكال من الإشكالات التي يطرحها النص، فكيف ذلك؟
إن القارئ لنص ابن طفيل يلمس أن التصوف حاضر في النص على مستوى خطابين: خطاب حول التصوف، وهو خطاب نقدي، يتخذ مسافة بينه وبين شكل من أشكال التصوف. وهو خطاب نلمسه في أول النص وآخره.
وخطاب آخر ينفتح على التصوف، ويظهر في بداية النص، ليخترق فيما بعد كثيرا من أجزائه، ويطرح هذا الخطاب الثاني على القارئ السؤال: هل انفتاح ابن طفيل هذا على التصوف انفتاح تبن وانتصار؟ أم هو انفتاح من نوع خاص؟.
لقد بدأ ابن طفيل نصه وأنهاه بنقد تجربتين في التصوف، تجربة مشرقية يمثلها كل من الحلاج والبسطامي، وتجربة مغربية لم يفصح عن أقطابها، وإن كان قد حدد بعضا من معالم خطها الفكري.
أما التجربة الأولى فقد انتقدها ابن طفيل باعتبارها شطحت في التعبير عن بعض الحقائق التي يجب أن يطويها أصحابها ولا يحكوها، كما يقول أبو حامد. فوقع أحدهم في القول بالحلول، ووقع الآخر في التصريح بوحدة الوجود.
ونحن نجد في رسالة ابن طفيل نصا واضحا يكشف عن مراقبة "العقل" للتجربة الميتافيزيقية حتى تظل في نجوة عن "الوهم"، "والشبهة"، وعن "الحلول"، و"الإتحاد". ويبرز المزالق التي أدت بهؤلاء إلى الوقوع في هذه الأوهام، والظنون، والشبهات. سنقدمه في حينه من هذا المبحث.
أما التجربة الثانية، فتجربة تيار صوفي أندلسي، يلتقي مع التيار المشرقي في غلوه، فهو تيار نبغت أفكاره في العدوتين، و" انتشرت في البلدان وعم ضررها، وخشينا على الضعفاء-كما يقول ابن طفيل- الذين اطرحوا تقليد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأرادوا تقليد السفهاء والأغبياء أن يظنوا أن تلك الآراء هي الأسرار المضنون بها على غير أهلها، فيزيد بذلك حبهم فيها وولعهم بها"، إنه تيار يأخذ بباطن الشريعة، ويطرح ظاهرها، وهو بذلك يحدث من البلبلة في الغرب الإسلامي، ما أحدثه التيار السابق في مشرقه.
وابن طفيل كفيلسوف أدبته المعارف حيث نجده يجتهد في مراقبة تجربته الفلسفية، بذلك الرصيد المعرفي الذي تراكم لديه من ممارسته للعلوم النظرية، فأشعرته بأهمية حضور العقل في كل معرفة ممكنة، وهو ما يترجمه نصه الفلسفي.
وابن طفيل كوزيرحنكته تجارب الحكم، فأشعرته بأهمية الحفاظ على وحدة الجماعة، وهو ما تعكسه تجربته السياسية من جهة، وما يفصح عنه سرديا في آخر رسالته الفلسفية من جهة أخرى، لاشك أن ابن طفيل هذا، يجد من الحجج والدعاوى ما يكفيه لرفض هتين التجربتين الصوفيتين؛ المشرقية والمغربية.
أما الخطاب الثاني الذي ينفتح به ابن طفيل بشكل واضح على التصوف، فيظهر على الأقل في قرائن ستة:
أولا- انتصار ابن طفيل لأهل الولاية:
إن ابن طفيل يعلن في بداية رسالته، أن أهل الولاية هم أهل المعرفة والحق، ويشير إلى رمزهم "ابن سيناء"، الذي ضمن "حكمته المشرقية"، "الحق الذي لاجمجمة فيه". بل إن ابن طفيل يزعم أن رسالته تكشف عن بعض "أسرار الحكمة المشرقية"، ويؤكد أن الحال التي وصل إليها، والتي انتهت به "إلى مبلغ هو من الغرابة، بحيث لا يصفه لسان، ولا يقوم به بيان..."، (24و)، "هي من جملة الأحوال التي نبه عليها الشيخ أبو علي.." ثم يعرض نصا ذا دلالة في هذا السياق من "الإشارات والتنبيهات"، يصف فيه ابن سينا أطوار التدرج في مراتب المعرفة الإشراقية، منبها أن "هذه الأحوال التي وصفها، رضي الله عنه، إنما أراد بها أن تكون له ذوقا لا على سبيل الإدراك الإدراك النظري المستخرج بالمقاييس، وتقديم المقدمات، وتنتيج النتائج"(25و)، تم يقدم مثالا يوضح به الفرق بين أهل النظر وأهل الولاية، منتصرا للفريق الثاني على الفريق الأول.(25ظ). مثمنا في أواخر مقدمته تجربة الغزالي الصوفية قائلا : "ولاشك عندنا في أن الشيخ أبا حامد ممن سعد السعادة القصوى، ووصل تلك المواصل الشريفة المقدسة"(28ظ)، كما ثمنها في أوائل مقدمته، عندما قابل تجربة الغلاة، بتجربة الغزالي الذي "أدبته المعارف وحذقته العلوم"(24ظ). متوجا ذلك بإعلانه استلهامه للشيخ الرئيس، ولحجة الإسلام، في إنشاء تجربته الفلسفية: "ولم يتخلص لنا الحق الذي انتهينا إليه...إلا بتتبع كلامه (الغزالي)، وكلام الشيخ أبي علي رحمهما الله، وصرف بعضها إلى بعض..."(28ظ).

ثانيا- ذكره للجنيد ك "حجة سلطة" :
في تخوم الجزء العملي من الرسالة يظهر الجنيد "شيخ الصوفية" كما سماه ابن طفيل، في لحظة الموت، يحرم للصلاة، لتوافيه منيته وهو في حال المشاهدة، فتتصل بذلك لذته، دون أن يتخللها ألم، واستحضار ابن طفيل لهذه اللحظة التي أثبتها القشيري في رسالته بروايتين استحضار حجاجي يؤكد ابن طفيل من خلاله من جملة ما يؤكد، أن تجربة "حي" ليست شيئا غريبا عما يتداوله العارفون في الغرب الإسلامي، لأهمية الجنيد في التصوف المغربي، باعتبار "أن جميع أسانيد الطرق الصوفية المغربية تتجمع عند الجنيد لتتفرع بعد ذلك. إذ لا نجد طريقة لاتتصل بها إلا نادرا، وحتى في هذه الحالة غالبا ما تتوفر هذه الطريقة على سند ثان يوصلها إلى الجنيد ، كما أن الجنيد في هذا السياق الذي استحضره فيه ابن طفيل، يصرح في نص ذي دلالة كبرى أنه "لو أقبل صادق على الله ألف ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة ، كان ما فاته أكبر مما ناله" ، وهو ما يروم ابن طفيل الإشارة إليه.
كما أننا يمكن أن نرى في استحضار ابن طفيل للجنيد، -ومن قبله للغزالي- انتصارا لما سمي ب"التصوف السني"، الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة، كما يصور ذلك ابن طفيل سرديا في في آخر الرسالة الفلسفية، حيث نجد "حي" مع إعتقاده بأهمية التجربة "الصوفية"! فإنه "تلقى الأعمال الظاهرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج، "والتزمه وأخذ نفسه بأدائه امتثالا للأمر الذي صح عنده صدق قائله"(64ظ)، وفي ذلك تلميح سيصرح به في معرض اعتذاره، بأن طريقه لا تخرج عن طريق "السلف الصالح"، ولا عن أصول الشرع، وذلك ما يؤكد الجنيد نفسه في قوله: "إن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا به قواعدهم من البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف الصالح، وأهل السنة من التوحيد.."، ، ومن هنا أيضا يلتقي ابن طفيل مع الجنيد في نقده لمن ترك تقليد الأنبياء في نصه الشهير(67و) وهو ما يترجمه قول الجنيد أيضا في رده على من قال ب"إسقاط الأعمال": "إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها..." ، مؤكدا أن "مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة" ولعل هذا هو ما قصد ابن طفيل تأكيده،- في إطار السياق الذي يعتبر "أن عقيدة المتصوفة هي نفس عقيدة أهل السنة..وأن منهجهم هو نفس منهجهم.." ، من خلال إدراجه لاسم هذا المتصوف الذي كانت له مكانة متميزة عند صوفييي الغرب الإسلامي. وقد أفرد القشيري الباب الثالث من رسالته ل"ذكر مشايخ الطريقة وسيرهم وأقوالهم في تعظيم الشريعة". (نم 42).
ثالثا- رفضه للعقل: في معرض وصفه للعالم الإلهي، يجد ابن طفيل نفسه أمام فضاء يند عن الوصف، وتختلط فيه الإشارة بالعبارة، ويوهم الخطاب الطبيعي الذي يوظفه لنقله غير ما قد يقصده من مقاصد، مما جعله في موقف شديد الإحراج، وإحساس قوي بخروج خطابه عن "حكم المعقول"ّ، وعن مقتضى الخطاب الطبيعي، فإذا به ينفعل بقوة ويصف معارض خطابه المفترض من المنتصرين للعقل، والذي قد يتهمه بالإنخلاع "عن غريزة العقلاء" وإطراح "حكم المعقول"، ب"الخفافيش الذين تظلم الشمس في أعينهم"، ويرد عليه ردين:
أولا بدعوته إلى النظر في العالم المحسوس، فهذا العالم نفسه -عندما يتأمل فلسفيا من خلال مفهومي الوحدة والكثرة مثلا- يند عن الوصف، ويصعب القطع فيه إما بالوحدة وإما بالكثرة، فكيف "بالعالم الإلهي الذي ...لاينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة إلا وتوهم فيه شيئ على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه إلا من شاهده ولا تثبت حقيقته إلا عند من حصل فيه"؟ فليس العالم الإلهي في -نظره- وحده الذي يشكو من قصور العقل، وإنما العالم المحسوس نفسه قد يضطر لنفس الشكوى!
وثانيا، يسلم له جدلا بإنخلاعه عن غريزة العقل، واطراحه حكم المعقول ويتركه "مع عقله وعقلائه" لأن "العقل الذي يعنيه هو وأمثاله إنما هو القوة الناطقة التي تتصفح أشخاص الموجودات المحسوسة، وتقتنص منها المعنى الكلي، والعقلاء الذين يعنيهم هم الذين ينظرون بهذا النظر، والنمط الذي كلامنا فيه فوق هذا كله، فليسد عنه سمعه من لايعرف سوى المحسوسات وكلياتها، وليرجع إلى فريقه الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون..."(59و-59ظ).
قد يقول القائل إن ابن طفيل في موقفه العام من العقل هاهنا يلتقي مع الصوفية الذين اعتبروا "العقل حجابا" يحول دون الوصول إلى المعرفة الصحيحة، وعائقادون معرفة الله، فالإتصال بالله ممكن، لديه، ولكن الطريق إلى ذلك التحرر من كل ما يشد إلى عالم الحس، وبالتالي قطع كل علاقة مع العالم، والإتجاه فقط نحو الإله الواحد الأحد...والعقل يمنع من الإتحاد بالله ، او على الأقل يحجب الإنسان...عن معرفة الله معرفة حقيقية يقينية، ومن هنا التشديد والإلحاح عن ضرورة الإستغناء عن العقل وعدم الخضوع لأحكامه. فابن طفيل من هذه الجهة صوفي حتى النخاع!!
رابعا- توظيفه للقاموس الصوفي: يجد الدارس لقصة ابن طفيل نفسه وهو يتأمل هذا السفر، أمام معجم غني بمصطلحات أهل التصوف، وهذا المعجم يتداوله الصوفية ليتواصلوا فيما بينهم، كما يتداول أهل كل فن مصطلحاتهم الخاصة بهم. كما يتداولونه ليقصدوا إلى التعمية والإلغاز، حتى لايكشف معانيهم غيرهم أو من لف لفهم؛ يقول القشيري في هذا المعنى : " اعلم أن من المعلوم أن كل طائفة من العلماء لهم ألفاظ يستعملونها-فيما بينهم- انفردوا بها عمن سواهم، تواطؤا عليها؛ لأغراض لهم فيها : من تقريب الفهم على المخاطبين بها، أو تسهيل على أهل تلك الصنعة في الوقوف على معانيهم، بإطلاقها، وهذه الطائفة [أي الصوفية] يستعملون ألفاظا فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم، والإجمال والستر على من باينهم في طريقتهم؛ لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف، أو مجلوبة بضرب تصرف، بل هي معان أودعها الله تعالى قلوب قوم، واستخلص لحقائقها أسرار قوم"
ويبدو أن ابن طفيل انطلاقا من كثافة معجمه الصوفي، (انظر هذه المصطلحات الصوفية-بخط كوفي- في الملحق الخاص ب"معجم المصطلحات" في آخر الرسالة) وانطلاقا من تصريحه في آخر النص بأنه قصد إلى التعمية على تجربته، حتى لايخلص إلى معانيها إلا القادر على هتك حجابها الرقيق؛ أي المطلع على معاني هذه المصطلحات والمدرك لأسرارها . وما دام في عرف الصوفية لايكون ذلك إلا لمن ذاق التجربة بنفسه وخبر الأمر-كما يلمح ابن طفيل من خلال عبارة "لمن هو أهله" في القول السابق- فإن الخطاب الصوفي بهذا المعنى، له مرسل واحد وله مخاطب واحد أيضا.
إن هذه القرائن وغيرها من القرائن المبثوثة في الرسالة تكاد تقود إلى القول بأن انفتاح ابن طفيل على التصوف هو انفتاح تبن وانتصار، وأن ابن طفيل بذلك أنهى حياته في معبد التصوف. فهل جميع المعطيات التي يقدمها لنا النص تقول بذلك، أم أن الأمر يمكن أن يقرأ بجهة أخرى؟.

***

إننا لانريد أن ننكر هاهنا صلة ابن طفيل بالتصوف، فالوقوف عند النص ولغته ورموزه، ومضامينه، تؤكد للدارس أن ابن طفيل قد متح من التصوف كثيرا من اللبنات التي بتى بها رسالته. كما أننا لا نريد أن نزعم أن ابن طفيل أنهى تجربته صوفية، لوجود كثير من القرائن الأخرى التي تقول بغير ذلك، بل إننا نعتقد أن انفتاح ابن طفيل على التصوف هو انفتاح أغنى تجربته الفلسفية دون أن يختزلها، وذلك للأسباب الآتية:
إن ابن طفيل رغم هذا الإقبال على التجربة الصوفية ظل محتفيا بتجربة "أهل النظر" ومنتصرا لها، إن احتفاء ابن طفيل ب"أهل الولاية"، كما مر بنا من قبل، وانتصاره لطريقهم في مقابل طريق "أهل النظر"، لايعني أن ابن طفيل ينكر على "أهل النظر" منهجهم في المعرفة، بدليل أن ابن طفيل بنى فلسفته على أساس منهج "أهل النظر"، ومن خلال مفاهيمهم الفلسفية، فضلا عن أن ابن طفيل يشيد بابن باجة ويثمن تجربته الفلسفية ويقرنها بتجربته، رغم تحامل ابن باجة على التجربة الصوفية في شخص أبي حامد، الذي يكن له ابن طفيل أعظم التقدير. إن انفتاح ابن طفيل على الغزالي وتصريحه بذلك، وعتابه على ابن باجه عدم هذا الإنفتاح، لايعني أن ابن طفيل يريد أن يستبدل التجربة الباجية بالتجربة الغزالية، وإنما يعني أن فيلسوفنا كان يأمل أن تتكامل التجربتان، ويغني بعضها البعض الآخر؛ التجربة الباجية التي تثمن العقل وتقيم عليه صرحه الفلسفي، والتجربة السينوية-الغزالية التي تأخذ بالحدس؛ ذوقا ومشاهدة، وهوالأمر الذي ترجمه ابن طفيل في رسالته الفلسفية بقسميها النظري والعملي، قسمها النظري الذي أنشأه بمنهج "أهل النظر" ومفاهيمهم الفلسفية، وقسمها العملي الذي أخرجه في إهاب إشراقي صارخ. كما ترجمه ابن طفيل أيضا من خلال مقارنته تجربته بتجربة ابن باجة، والتي يكاد يطابق فيها بين التجربتين . إن الإختلاف بين التجربتين هو اختلاف في الدرجة وليس في النوعية، فهما تجربة واحدة، إحداهما أشد وضوحا من الثانية ليس إلا، فإدراك ابن باجة الميتافيزيقي عند ابن طفيل هو إدراك صحيح، وهونفس إدراك "الولي"، لكن " مع زيادة وضوح وعظيم التذاذ "، ومن هنا يمكن القول بأن صلة ابن طفيل بابن باجة هي صلة فلسفية عميقة تركت بصماتها على تجربة ابن طفيل الفلسفية.
هناك أمر آخر يحضر عند ابن طفيل، وهو موقفه من المعرفة النظرية بإطلاق، وهذا الأمر يفتحنا على موقفه من العقل.
لقد وقفنا سابقا على موقف لابن طفيل يمكن أن يدعم موقف القائـلين بالقطيعة بين ابن طفيل وبين العقل، لكن اشتراط ابن طفيل المعرفة النظرية في كل معرفة ممكنة، وتأكيده على استحالة الكتابة التي تند على العقل، قرينتان أساسيتان تفندان الزعم السابق.
إن ابن طفيل ما يفتأ يؤكد على أهمية المعرفة النظرية في مواضع من رسالته:
-فهناك أول الطبيعة النظرية للإنسان إذا صح هذا التعبير، وهو ما يترجمه قول ابن طفيل: " وقد يوجد في النادر من هو يمنزلة من كان ثاقب البصيرة، مفتوح البصر غير محتاج إلى النظر" . فالنظر والتأمل بأدواته العلمية منهج لايمكن أن يتجاوزه أي أحد، إلا الشاذ، والشاذ لاحكم له!!
-ثم هناك ثانيا تأكيد ابن طفيل أن الحق الذي انتهى إليه قد استقام له أولا "بطريق البحث والنظر.." قبل أن يجد ذوقا ومشاهدة. فما دلالة ذلك عند ابن طفيل؟
إن هذا الطريق النظري طريق أساسي في المعرفة عند ابن طفيل، وهو الطريق الذي ينفصل به عن دعاة التصوف، لأن منهج الصوفية -كما قال الغزالي- يرجع فقط إلى "تطهير محض..وتصفية وجلاء، ثم استعداد وانتظار فقط" ، فالصوفية حسب الغزالي "لم يحرضوا على تحصيل العلوم ودراستها وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور، بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكل الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك، فاضت عليه الرحمة وانكشف له سر الملكوت، وظهرت له الحقائق، وليس عليه إلا الإستعداد بالتصفية المجردة، وإحضار النية مع الإرادة الصادقة، والتعطش التام، والترصد بالإنتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة. إذ الأنبياء والأولياء انكشفت لهم الأمور، وسعدت نفوسهم بنيل كمالها، الممكن لها، لا بالتعلم، بل بالزهد في الدنيا، والإعراض والتبري عن علائقها،والإقبال بكل الهمة على الله تعالى " .
إن ابن طفيل بهذا المعنى ليس متصوفا، إنه يشترط لتجربته أساسا من نظر وتأمل، وتمرسا بالعلوم النظرية، إنه جسد في شخصية "حي" نموذج ذلك الشاب الذكي الذي ذكره الغزالي، والذي قدم "طريق التعلم..فحصل من العلوم البرهانية ما للقوة البشرية إدراكه بالجهد والتعلم...[فلما] حصل ذلك على قدر إمكانه، حتى لم يبق علم من جتس هذه...[آثر] الإعتزال عن الخلق، والإعراض عن الدنيا والتجرد لله...ينتظر ...عساه ينفتح له بذلك الطريق.. "، أليس هذا هو الطريق الذي رسمه ابن طفيل "سرديا" ببراعة وإبداع، إنه طريق أهل النظر الذين اشتغلوا بتحصيل العلوم، وتحصيل براهينها ، بطريق البحث والنظر "ثم لا بأس بعد ذلك بالإنتظار لما لم ينكشف للخلق الباحثين عن الأمور الإلهية" .
واشتراط ابن طفيل للعلم النظري أساسا للتجربة الفلسفية، منشأه ما وقع فيه البعض من مزالق، عندما دهمتهم تلك "الحال الغريبة" التي وصفها ابن طفيل في أوائل رسالته الفلسفية، لعدم ارتياضهم بالعلوم الحقيقية كما وقع للحلاج والبسطامي "فقالوا فيها بغير تحصيل" . وهي الحالة التي نبه عليها الغزالي عندما أكد أنه "إذا لم تكن النفس قد ارتاضت بالعلوم الحقيقية، اكتسبت بالخاطر خيالات تظنها حقائق تنزل عليها. فكم من صوفي بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه، ولو كان قد أتقن العلوم أولا لتخلص منه على البديهة"
إن احتفاء ابن طفيل بأهل النظر في شخص ابن باجة، وتأكيده على أهمية منهجهم في المعرفة، وعلى ضرورة التمرس بعلومهم، وإعلانه أن تجربته الفلسفية تقوم على أساس من منهجهم وعلومهم، يجعلنا أمام السؤال التالي: هل ظل ابن طفيل وفيا لمنهج أهل النظر أم أنه قطع معهم في مرحلة من مراحل تطوره الفكري؟
إن التخلي عن العقل في السياق الثقافي الذي تحرك فيه ابن طفيل، يوقع في الإلحاد كما يقول الغزالي في المشكاة، وهذا التخلي هو الذي وقع فيه أولئك الذين .."لم يكن عندهم إلا الله تعالى فسكروا سكرا رفع دونه سلطان عقولهم... [ف] أوقعهم تخليهم عن "سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه ...[في ] شبه الإلحاد.."
فهل "يجرؤ" ابن طفيل على التخلي عن العقل؟
لقد حاول البعض أن يقرأ هذا التصريح الذي أعلن فيه ابن طفيل "القطيعة" مع العقل، باعتباره تصريحا أعلن فيه ابن طفيل عن حدود البحث النظري، فهو مع ضرورته ليس إلا توطئة "سيتم الإستغناء عنه نهائيا فور انتهائه إلى مرحلة الوصول والمشاهدة، مما يدل على أن مرحلة الوصول والمشاهدة هي ما يهم ابن طفيل لا معطيات العلم الطبيعي وعلم النفس أو صناعة الطب والتشريح...[ومن هنا ف] المشاهدة التي يدعو إليها ابن طفيل مؤسسة بالنظر ولكنها ملغية للنظر في آن واحد" ، هل هذا الأمر فعلا هو ما ينطق به نص ابن طفيل؟
إن الوقوق عند النص الذي أعلن فيه ابن طفيل القطيعة المفترضة مع العقل يلاحظ ملاحظة هامة وهي حرص ابن طفيل على تحديد معنى العقل الذي يرفضه، وحصره للفلاسفة الذين يصرح بالقطيعة معهم، فالعقل الذي "يرفضه" هو الأداة المنطقية التي تجرد الكليات من المحسوسات، والفلاسفة الذين يقطع معهم هم الذين يعتقدون أن هذه الأداة يمكن أن تقتحم أي فضاء معرفي ولو كان هذا الفضاء يعسر تحديده وفهمه بمقولات نحتت أصلا لفهم العالم المادي، إن ابن طفيل لايرفض العقل بإطلاق، ولا أهل النظر بإطلاق، إنه يرفض فهما ضيقا للعقل ليس غير؛ العقل الذي يقتنص من الجزئيات كلياتها، وابن طفيل وإن كان كلامه في الجزء العملي من الرسالة قد أصبح "فوق هذا النمط"، فإنه ليس فوق العقل، لأن العقل يظل حاضرا عند ابن طفيل:
أولا لأن رسالة ابن طفيل رسالة في العلم والعمل، وإذا كان العقل النظري بطبيعته يقف عند حدود العلم المجرد فقط، فإنه لابد من عقل آخر عملي يتجاوز هذا المستوى النظري إلى مستوى الفعل والسلوك، أو بعبارة أخرى إلى مستوى "العلم المدني"، إن ابن طفيل يشتغل هاهنا في مجال دلالي يعتبر أن العاقل هو الذي يجمع بين العلم والعمل كما يعلمنا ميزان العمل.
ومن هنا فإن تجربة الكمال العلمية والعملية التي عاشها ابن طفيل جعلته يعتبر المنطق علما يقصر بالمرء عن الكمال، كا صرح بذلك في مقدمته الفلسفية للرسالة، فالمنطق الذي احتفى به المعلم الثاني، ونذر له ابن سينا شطرا من عمره، واعتبر أبوحامد الجاهل به ممن لا يوثق بعلمه، وحرص ابن باجة على تعلمه، وكتب فيه ابن رشد أكثر من سفر، وعمل ابن حزم على تقريبه من البنية الثقافية العربية الإسلامية، هذا "العلم" يشطب عليه ابن طفيل من قائمة العلوم المفيدة، بدعوى أنه لا يوصل إلى الكمال، فهل يعني هذا أن رفض ابن طفيل للمنطق هو رفض للفلسفة لأن المنطق في التقليد الفلسفي الإسلامي مدخل لها؟
إن ابن طفيل وهو يتحدث عن المنطق، فهو يتحدث عنه باعتباره آلة من الآلات، وأداة من الأدوات المعرفية التي تمهد للمعرفة المتعالية، حيث يصبح المنطق فضلا لا غناء فيه، ذلك ما تقدمه لنا رسالته الفلسقية، ففي جزء من قسمها الأول؛ قسمها النظري، يلاحظ حرص ابن طفيل على أن تكون استنتاجاته منطقية، واستقراءاته واضحة، وخضوعه لمبادئ العقل لا ريب فيه، ففي هذا القسم راعى ابن طفيل مبدأ الهوية، والتناقض مثلا، بحيث حرص على قول منسجم المقدمات والنتائج، بل وأظهر فيه تفكيرا أكسيوميا واضحا كما نلاحظ في قوله...، وفي هذا الجزء يكون المنطق لحمة مع النص، أما في القسم الأخير من الجزء النظري حيث أشرعت الأبواب على الميتافيزيقا، وفي القسم العملي منها حيث أكب "حي" على مشاهدة العالم الإلهي، فيصبح المنطق عائقا عن المعرفة، فالفضاء الإلهي لا يفهم بلغة الحدود والتعاريف،ولا بلغة القياس والبرهان كما نظرت له كتب المنطق، إن هذا الفضاء فضاء اللاتحديد، وفضاء التناقض. إنه فضاء القول الإستعاري بما يسمح به من مساحة منفتحة على ألوان مختلفة من الحجاج، لافضاء القول المنطقي، بما يفرضه من صرامة في الإستدلال، لكن هل يعني هذا أن قول ابن طفيل هو قول غير عقلاني؟
إن رفض ابن طفيل المزعوم للعقل، ليس إلا رفضا لنوع من المعقولية الضيقة، لينفتح على معقولية أخرى تجمع بين العقل والحدس، في أفق ميتاقيزيقي خالص يحتاج إلى أد اة في المعرفة تلائمه وتستجيب لطبيعته، وهي التي صرح ابن طفيل أنها لا تسمى قوة إلا على سبيل المجاز، إننا هاهنا أمام عالم اللاتحديد.
لكن في هذا العالم أيضا يظل العقل حاضرا لمراقبة التجربة الميتافيزيقية من أن يلحقها وهم، فتخرج عن الحق إلى الشبهة، والظن، واللامعقول من الحلول ووحدة الوجود، وهو ما يعكسه ابن طفيل في هذا النص الهام: يقول ابن طفيل {...وما زال يطلب الفناء عن نفسه ،والإخلاص في مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك فغابت عن ذكره وفكره [58و] السماوات والأرض وما بينهما وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية وجميع القوى المفارقة للمواد التي هي الذوات العارفة بالموجود وغابت ذانه في جملة الذوات وتلاشى الكل واضمحل وصار هباء منثورا ولم يبق إلاالواحد الحق الموجود الثابت الوجود وهو يقول بقوله الذي ليس معنى زائدا على ذاته لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ففهم كلامه وسمع نداءه ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام ولا يتكلم ةاستغرق في حاله تلك وشاهد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ...ثم.. إنه لما فني عن ذاته وعن جميع الذوات ولم ير في الوجود إلا الواحد الحي القيوم وشاهد ما شاهد ثم عاد إلى ملاحظة الأغيار عندما أفاق من حاله تلك التي هي شبيهة بالسكر خطر بباله أنه لا ذات له يغاير بها ذات الحق تعالى وأن حقيقة ذاته هي ذات الحق وأن الشئ الذي كان يظن أولا أنه ذاته المغايرة لذات الحق ليست شيئا في الحقيقة بل ليس ثم شئ إلا ذات الحق وأن ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها فإنه وإن نسب إلى الجسم الذي ظهر فيه فليس هو في الحقيقة شيئا سوى نور الشمس وإن زال ذلك الجسم زال نوره وبقي نور الشمس بحسبه لم ينقص عند حضور ذلك الجسم ولا زاد عند مغيبه ، ومتى حدث جسم يصلح لقبول مثل ذلك النور قبله،فإذا عدم الجسم عدم ذلك القبول ولم يكن له معنى ،وتقوى عنده هذا الظن بما كان بان له من أن ذات الحق عز وجل لا تتكثر بوجه من الوجوه ،وأن علمه بذاته هو ذاته بعينها ،فلزم عنده من هذا أن من حصل عنده العلم بذاته فقد حصلت عنده ذاته ،وقد كان حصل عنده العلم فحصلت عنده الذات ،وهذه الذات لا تحصل إلا عند ذاتها ونفس حصولها هو الذات فإذا هو الذات بعينها ،وكذلك جميع الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقة التي كان يراها أولا كثيرة وصارت عنده بهذا الظن شيئا واحدا ،وكادت هذه الشبهة ترسخ في نفسه لولا أن تداركه الله برحمته ..فعلم أن هذه الشبهة إنما ثارت عنده من بقايا [59و] ظلمة الأجسام وكدورة المحسوسات :فإن الكتير والقليل والواحد والوحدة والجمع والإجتماع والإفتراق هي كلها من صفات الأجسام ،وتلك الذوات المفارقة العارفة بذات الحق عز وجل لبراءتها عن المادة لا يجب أن يقال أنها كثير ولا واحد لأن الكثرة إنما هي لمغايرة الذوات بعضها لبعض ،والوحدة أيضا لا تكون إلا بالإتصال ،ولا يفهم شيئ من ذلك إلا في المعاني المركبة الملتبسة بالمادة ، غير أن العبارة في هذا الموضع قد تضيق جدا لأنك إن عبرت عن تلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا أوهم ذلك معنى الكثرة فيها ،وإن عبرت بصيغة الإفراد أوهم ذلك معنى الإتحاد وهو مستحيل عليها".
إن أهمية هذا النص تكمن في أنه يسبق مباشرة "ثورة" ابن طفيل على أهل النظر ، وبيانه لحدود العقل بالمعنى المقرر، وعجزه عن فهم وتفسير ما يقع في "العالم الإلهي " ،لأن المفاهيم التي يقارب بها العقل هذا العالم ،مفاهيم :الكثرة والوحدة والإتصال والإنفصال والتحيز والمغايرة وغيرها ..هي مفاهيم أنشأت أصلا لفهم "العالم الحسوس "- وقد تقصر أحيانا عن فهمه كما يقررابن طفيل- في حين أن العالم الإلهي {لا يقال فيه كل ولا بعض ولا ينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة إلا وتوهم فيه شيئ على خلاف الحقيقة فلا يعرفه إلا من شاهده ..} .والناظر في هذا النص يلمس بوضوح أن الحجاج العقلي حاضر لتجنيب التجربة الميتافيزقية مزالق "الظن" والوهم"، وأن دعوى رفض العقل لا تعني أن فيلسوفنا حريص على القطيعة التامة معه، بحيث يعمل على الإنتقال من مجال علمي يستند علىالعقل إلى مجال معرفي آخر يقطع معه ، إن ابن طفيل يعتقد أن للعالم الإلهي منطقه كما أن للعالم المحسوس منطقه كذلك، فلا يمكن أن نفسر العالم الإلهي بمنطق العالم المحسوس، وفضلا عن ذلك فإن ابن طفيل يؤكد في مقدمته الفلسفية على استحالة التعبير عن تجربته الفلسفية من غير طريق النظار والفلاسفة، إنها تجربة لا يمكنها أن تتداول إلا إذا أثبتت كنص مكتوب، وهي إذا أثبتت فإنها "تستحيل" إلى نص فلسفي نظري لايكاد يخرج عن النصوص الفلسفية التي كتبها ابن باجة نفسه. ومن هنا نفهم موقفه من العقل، الذي يؤسس -في نظرنا -للصلة العميقة المفترضة بين ابن طفيل وابن باجة، رغم التباين الظاهري لتجربتهما، تباين يفصح عنه ذكرابن طفيل لابن باجة بين الغزالي وابن سينا. ومواجهة ابن طفيل رسالة ابن باجة في الإتصال، بالإشارات والتنبيهات السينوية. ومواجهة البحث النظري بالذوق. ومواجهة الفيلسوف [الأعمى] بالولي [البصير]، مما يفصح عن رغبة ابن طفيل العميقة في إتمام تجربة ابن باجة، بتجربة حجة الإسلام والشيخ الرئيس، وإغناء طريق أهل النظر بطريق أهل الولاية. لتتعايش التجربتين معا دون أن تأتي إحداهما على الأخرى.
نعم لقد انفتح ابن طفيل على التصوف انفتاحا كبيرا، لكنه انفتاح أبقى عليه فيلسوفا يطرح السؤال كلما بدهه أمر يحير، أو وجد نفسه أمام ظاهرة تقلق، ويفكر ويجرب بمنهج أهل النظر ليجد الحلول للإشكالات المطروحة.
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018