مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

سعدية بيرو: قراءة في الفن البدائـي

1. فن الكهوف تأسيس للذاكرة الإنسانيـة

كلٌما وقفنا أمام مشهد من مشاهد الفن البدائي أو تفرسنا أثرا من آثاره إلا و ينتابنا شعور فيه مزيج من انشراح الصدر و الخشوع، وكأننا نذوب في الزمن و الفضاء متخلٌصين من عوالق النقد الإتفاقي و المقارنات السهلة؛ و غالبا ما نجد أنفسنا أمام نتاج إنساني يجمع بين الإيحاء للطفولة الصافية وبالغ النضج المعجز.

و بما أن الفن هو من أولي النشاطات التي زاولها الإنسان، و التي تجمع بين كل ما هو يدوي و فكري و روحي، فقد لازم مصير الإنسانية التي عبرت من خلاله عن طموحاتها و آمالها و ترجمت به أفراحها و أحزانها و سجلت به تجارب نجاحاتها وعثراتها ومخاوفها.
هو سجل لبدايات الحضارات و تطوراتها و شاهد على أمجادها و أفولها. فلو نظرنا إلى التراث الإنساني (على الأقل ما يعرف منه إلى حد الآن و هو ليس بالشيء الهين كما و نوعا على المستوى الزمني و الجغرافي) لوجدنا زخما هائلا من صور و مشاهد وأدوات مختلفة من بصرية و سمعية و حركية اقترنت بحياة المجتمعات ولازمت الجانب المادي منها و الروحي، ما يتعلق بالحياة و ما يصبو لتخليدها، و ما يعبر عن الموت و الطموح للخلود فيما بعده.
أشكال و ألوان لا تحصى...
أشياء" كانت تلبي حاجيات ضرورية في حياة البشر (رغم أن مفهوم "الضروري"كان دائما يختلف حسب المجتمعات و الأزمنة). هذه آثار العصور البدائية التي تضم أقدم الآثار الإبداعية المكتشفة في تاريخ المسيرة الإنسانية. إنها إبداعات ليس من السهل تأويلها و الوقوف على معانيها ولكن يمكن استقراؤها و استخلاص الإفادة منها.
و تبعا لذلك فإن ما يعرف عن مواصفات الفن البدائي من رسومات و نحث و نقش و حلي و نصب و غيرها ليس بالشئ القليل، و لكنه يكاد لا يعرف شيئا عن بداية هذا الفنَ ، متى؟ كيف؟ فالمعرفة بذلك لا تختلف عن ما يزعم معرفته عن بداية اللغة و تطورها مثلا و التي هي مرتبطة دون شك بتطور الفن نفسه.
و حقيقة الأمر أن تطور المفاهيم البدائية الفنية على درجة عالية من الغموض؛ إذ أنه ببعد زمني كهذا يظهر كل شيء على نفس المستوى؛ و التقسيمات الزمنية التاريخية التي أحدثت قد تكون في أغلبها تخمينية.
لكن، و بتطور علم الحفريات الذي له الفضل الكبير في إيجاد الأصول البدائية، و ذلك بتثبيت القرابة و التتابع، و إقامة الصلة للآثار الفنية "بالمدارس" المعنية، استطاع الإنسان اليوم أن يلم بجوانب حضارية و روحانية جد مهمة من تاريخ البشرية؛ وتسنى للعديد من الشعوب استرجاع بعضا من ذاكرتها التاريخية التي كانت مطموسة. فتحقق بذلك تنوير التاريخ بعد أن كان شائعا لقرون عديدة أن السبق التاريخي والتقدم الحضاري كانا قصرا على أمم دون غيرها، فتنوٌر تاريخ الفن نفسه و تبث أن الفن هو أول المقومات الحضارية التي حققت التطور و التواصل منذ فجر الإنسانية. فبفضل البحوث التي كشفت عن مخلفات الفن البدائي تحققت فكرة عالمية الإبداع و توضح أن مصير الإنسانية في الأركان الأربعة للكرة الأرضية ارتبط بعضه ببعضه، و أن المسيرة الحضارية هي كلٌ يدور في رحى التاريخ ليفرز بذلك سلسلة و حلقات من التتابعات البشرية و الفكرية و الروحية لم يكن يتسنى وجود بعضها دون تواجد سابقاتها.
جاءت هذه الاكتشافات كأنها شعائر وطقوس أظهرت بقايا البشرية الأولى. رفات عظام أدوات و أسلحة، قش وأخشاب مغطسة، وصلتنا ممزوجة كجذور في خميرة الرطوبة الأرضية. طاقة بشرية عتيقة و طاقة كونية قديمة.
في بطن الأرض
الأرض تلك المادة المنتشرة التي تبتلع الموت لتغدي منه الحياة
فيها الأشياء الحية تذوب و الأشياء الميتة تنتجع و في أحشائها طبقات كرفوف رصفت عليها بقايا شاركت في تهييئها يد البشر و العناصر الطبيعية على السواء، فبدت و كأنها حدائق متجمدة في الزمان و المكان، ظهرت فيها الحجارة كعظام و عاج مصقول والعظام أصبحت كالحجارة في خشونتها. أسنان الحيوانات و الوحوش بدت كعساقيل لبابية على وشك أن تنبث، و أدوات الصوان المصقول كأنها أنياب ضخمة. أما الحفر على الصخور فقد آرتئى كبصمات بقايا جيولوجية خلدت ألوانا و أشكالا تشبه الحشرات و الطحالب المنقرضة في لولبتها و النباتات في التواؤها. بُعثت تلك الآثار من جديد لاستقرائها و فك رموزها، آثار خولت الوقوف على بدايات خاصة متميزة وفريدة من نوعها؛ و شهدت على نشاطات شكلت أسس الفكر و الإبداع الإنسانيين و غرست بذور الطموح و المثالية على أبعد مستوى.
تلك المثالية التي ستتحول فيما بعد، لتوسع معنوي بعد أن كانت في البداية توسعا ماديا:
إذ كان يتحتم على البدائي أن يصطاد الحيوانات لكي يحصل على لحمها و جلدها و عظامها. كان لابد له من المحافظة على الحياة وضمان البقاء بالدفاع عن عشيرته من المصادمات مع الوحوش و ربما من غزوات جيران أو غرباء من بني جنسه؛
اخترع، أبدع، انصب بكل ذاته وغزا الحياة من حوله، غريزة التكاثر و الخلق هي النقطة الأولى لكل توسعاته ولأكبر اكتشافاته، و لحاجته للوحدة الشعورية ، و لإرادته قصد تصور وسيلة معقلنة تلائم قوانين عالمه و محيطه. حصل على السلاح والصوان المصقول فكان في حاجة إلى حلي تجدب أو ترعب، تاج من الريش أو طوق من مخالب أو أسنان، مقابض أسلحة منقوشة و أوشام، ألوان و ألبسة من فرو، أواني فخارية وأدوات شتى، و في البداية كل البداية تماثيل و صخور منقوشة و جدران كهوف مرسومة غاية في الإثارة و الإعجاب.
لقد ولد الفن
صحيح أنه لا يمكننا تحليل الفن البدائي ومعطياته تحليلا "منطقيا معقلنا"!
ولكن، من يقول أن الفن يخضع لمنطق أو عقلانية؟ فالمنطق نفسه تختلف مفاهيمه حسب الظروف و البيئات! و الفن كيفما أريد له أن يكون، يبق دائما الأمر يتعلق بتلك الظاهرة "الميتافيزيقية"، روحانية أو سحرية أو دينية أو سياسية أو تربوية أو غيرها من الأدوار التي لعبها الفن في حياة الإنسان عبر التاريخ.
و قد يتساءل المرئ: كيف تسنى للإنسان في العصور الغابرة أن يبدع كل تلك الصور و الأشكال التي تبهرنا اليوم؟ هل كان الفنان البدائي رجلا أم امرأة أم طفلا؟ قد يذهب البعض للتساؤل هل كان الإنسان البدائي أقل ذكاء أو أكثر بلادة...؟ كيف ؟ و هل تجوز المقارنة؟ وما هي المعايير التي يمكن اتخاذها في تحليل ثم فهم عقلية الإنسان البدائي؟ و ما أدرانا إن كان الإنسان البدائي قد توفر على إمكانيات خارقة على مستوى الإدراك و التواصل خصوصا مع الطبيعة و ربما مع ما فوق الطبيعة؟
أسئلة لا يمكن الحسم في الإجابة عنها.
فبغض النظر عن المكتسبات التكنولوجية ووسائل الرقي والتطور (و التي هي نتيجة لسلسلة من التطورات و الإكتشافات التي شاركت فيها الإنسانية جمعاء ـ و أولها إنسان الكهوف ـ تارة بالسبق إليها، و تارة بالحفاظ عليها و تارة بتطويرها، و تارة أخرى بإيصالها لأجيال تابعة)، فسكان الكهوف كانوا أولي المتحضرين و قد خلق فيهم الفنان الأول.
كان حاذقا فسوى شكلا من اعظم، أو وشم على جلد؛ طائرا أو غزالا أو فيلا أو أسدا أو زهرة.
عند رجوعه من الصيد كان يأخذ قطعة خشب ويعطيها شكل حيوان ، يعجن طينا على شكل تمثال أو يأخذ قطعة اعظم مسطح فينقش عليها خيال كائن ما.
نشوة عارمة تجتاحه عند رؤيته لوجوه ساذجة تطل على منجزاته؛ ينتشي هو نفسه لهذا العمل الذي يخلق تفاهما مبهما بينه وبين الآخرين، بينه وبين عالم المخلوقات و النباتات التي يتعلق بها لأنها حياته.
إنه يكون قد انصاع إلى شيء أكثر إيجابية، و هو الحاجة للوقوف على آكتسابات أولية للمعرفة الإنسانية ليجعلها في متناول العشيرة.
الكلمة أو الإشارة قد لا تقوى على وصف الحيوان الذي يصادفه في الغابة والمطلوب خشيته أو إيجاده فيرسخ هيئته على اعظم أو صخر ببعض الخطوط الموجزة. و قد تكون إحداهن قد لمست في تكوينها و في وظيفتها البيولوجية تلك الإسقاطات الكونية لدورات الشمس و القمر و تعاقب الفصول، فرسخت برموز و إشارات ما عبر عن حياتها الداخلية المتعلٌقة بالخلق و الرمز للمقدس الذي لا تتسنى رؤيته للعين المجردة.
ولد الفن في حضرة الفنان البدائي.
و للإلمام بخصوصية هذا الفن لا بد من الإحساس بعقلية هذا الفنان، ولهذا يجب على الباحث أن يستشعر الخواص الإنسانية و الفطرية و أن يزيل من ذاكرته ما تراكم من أحكام و مقارنات سهلة، و أن يكشف عن الأقنعة الزائفة التي أًٌُلبست تاريخ الفن و البشر عبر الزمن، في محاولة استكشاف ما هو مشترك و ثابت في النفس الإنسانية.
لقد خلد فنان العصور البدائية ملاحم من بيئته وترك بصمات تطور حضارته على مدى آلاف السنين؛ و على الرغم من أنه يستحيل متابعة هذا التطور خطوة خطوة فان تنوع المشاهد و الصور، ووفرة الأدوات و الأشياء التي تعد بالآلاف و في بعض الحالات بالملايين (كرؤوس الحرب و أدوات من حجر الصوان المصقول) تجعلنا نؤمن بأن هذا التطور قد قام على الإستمرارية و الإلحاح على الحاجة لهذه الإستمرارية. قكلما انحذرنا نحو المدامك الأرضية و تعمقنا في سمك الزمن وانتشرنا في المساحة الجغرافية لحضارات الكهوف، كلما تراءت هذه الحضارات كعضو متماسك في امتداداتها و تنوعها؛ الشيء الذي لا يمكن تفسيره كنتاج عن اختلاف مزاحات فردية أو ميولات خاصة و طارئة، لأن الفن البدائي لم يقم على ترددات غامضة بل تطور حسب "تسلسل تاريخي ـ حضاري" يمكن معانقة خطوطه العريضة رغم عدم قدرة الوقوف على أحداثه و تتبع مساره أول بأول.
ففنان الكهوف آنتمى إلى حضارة ضاربة في القدم حاول خلالها أن يعكس في روحه قانون الوسط الذي كتب عليه أن يعيش فيه و ذلك بترجمة سمات هذا الوسط بالذات. و الحالة هذه، يبقى هذا هو هدف كل حضارة مهما بلغت من أوج.
فبالغريزة و الطموح المتقد و حب الاستطلاع، والحاجة للمقدس و الشعور به، والمزاولة اليومية خلقت الحضارة. الحضارة، تلك الظاهرة الشاعرية التي بفضل المآثر التي تشيد و تخلف ورائها يمكن تقديرها و الإنبهار بقيمة اعظمتها؛ وهذا ينطبق تماما على الحضارة البدائية التي شيدت لحياتها و عملت على تطوير أساليب العيش ، ثم نمت شعورها الروحي و الديني منذ بزوغ فجرها إلى أواخر عهودها، حيث استمرت على مناولها في أماكن عديدة إلى حدود القرن الثالث ق.م، في الوقت الذي ستتحول فيه إلى حضارات تشييد و بناء مع حقَب النُصُب و المنهيرات على طول شمال المحيط الأطلسي و شمال البحر الأبيض المتوسط .

2. فن الكهوف:الحافز، النمط والجمالية
هل تنطبق مفاهيم الفن على تلك التشكيلات الكرافيكية التي خلفها إنسان ما قبل التاريخ؟
ألسنا بصدد إضفاء قراءات بعقلية القرن الواحد و العشرين على تصوير يتراوح عمره بين 10000 و 77000 سنة؟ أليست المعايير الجمالية التي نستعملها في قراءاتنا حائدة بالنسبة لتلك المخلفات البدائية؟
الأسباب التي دفعت هؤلاء البشر إلى إنجاز تلك الأشكال و الألوان لازالت مجهولة، و النظريات تتوالى و تتضارب دون أن تنال واحدة منها قبول الجميع. لكن، و بكل ما يوحي إليه كل ذلك الإرث الشاسع في الزمان و المكان، لا يسعنا إلا أن نتكلم عنه و نصنفه على أنه فن، بل و في نظرنا هو أب الفنون.
إذن يتشكل الفن البدائي من تلك التمثيلات "الصورية" المنقوشة أو المرسومة على سند جداريَArt Pariétal أو صخريArt Rupestre أو فن منقول Art Mobilier مشكل من عظام أو طين أو حجر أو عاج . وهذه التمثيلات يمكن اعتبارها التجلي الإنساني الثقافي الوحيد الذي استمر بدون انقطاع ما يزيد على سبعين ألفية (حسب آخر الاكتشافات) ليصل إلينا على أشكاله المختلفة و بكميات هائلة غطت مجموع الكرة الأرضية . فذلك العدد الهائل من المواقع الأركويلوجية المكتشفة و الخاصة بالفن البدائي لم ينحصر في مكان بعينه ولم يقتصر على عنصر أو قبيلة أو لون من الأجناس البشرية؛ بل هو خاصية ميزت الإنسان العارف Homo sapiens كأهم عنصر ثقافي لازمه و انتشر معه ، من أقصى شمال اسكندنافيا إلى أقاصي جنوب إفريقيا، من اسبانيا إلى سيبريا مغطيا آسيا و أمريكا ومنتشرا في أقيانيا وبصفة متميزة في استراليا إلى جزيرة الفصح... وتعد المواقع الأركيولوجية الخاصة بهذه الآثار بالملايين و تتفاوت أهميتها الفنية و التاريخية حسب تأريخها و طبيعتها و حجمها و كذا مدى الاهتمام الذي تلقاه من طرف الدول التي تتواجد بها هذه الآثار ومن طرف المجتمع العلمي الدولي لأجل الحفاظ عليها وصيانتها.
اكتشفت آثار فن ما قبل التاريخ لأول مرة عن طريق الصدفة في اسبانيا أواخر القرن التاسع عشر، وكان ذلك الاكتشاف بمثابة الصاعقة للباحثين في هذا المجال آنذاك. فأمام جداريات فنية حقيقية كالتي اكتشفت بكهف الألتميرا Altamira سنة 1879 من طرف طفلة ذات الخمس سنوات كانت ترافق أباها و هو مزارع مولع بالبحث في الآثار يدعى ساوتيولا Marcelino Sautuola والذي أعلن اكتشافه هذا سنة 1880 و لم يتلق سوى ازدراء و استخفاف علماء المتحجرات، والسبب هو أن الأمر كان يبدو شيئا غير منسجم مع ما تصوروه عن عقلية و معارف أولائك البدائيين.
و قبل أن يعترف العلماء بتواجد شيء اسمه فن ما قبل التاريخ، استهزئ الكثير منهم ممن حاول التنبيه إلى أهمية تلك الاكتشافات، بل و منهم من نعتهم بالاحتيال و الغش كما جرى مع ساوتيولا الذي أمضى بقية حياته محاولا جلب الاهتمام إليها ، و لم يرد الاعتبار إلى اكتشافه إلا بعد عشرين سنة من وفاته، أو خوان فيلانوفا Juan Vilanova y Piera الجيولوجي الشاب الذي حاول الدفاع عن ملف ساوتيولا دون جدوى إلى حين اكتشاف كهف لاموط La mothe سنة 1895، ثم توالت الاكتشافات في أوروبا و خصوصا في فرنسا، ثم في ستينيات القرن العشرين بشمال افريقيا و الصحراء و غيرها .
وعلى إثر اكتشاف كهف لاسكو Lascaux بفرنسا سنة 1945 ، تسنى الوقوف على أقدم الآثار المكتشفة حتى ذلك الحين فبادر علماء المتحجرات إلى وضع تسلسل تاريخي على ضوء ما تواجد لديهم من المعلومات. كما انبثقت عن ذلك العديد من النظريات لتصنيف الفن البدائي:
1- نظرية الفن لأجل الفن، l'Art pour l'Art وهي تٌصور البدائيين "كمحبين للجمال" كان همهم اقتفاء الحسن، و المتعة. لكن تواجد "الأروقة " في جحور مظلمة و على بعد مئات الأمتار من مداخل المغارات يجعل تصور رسم تلك الجداريات لهدف زيني أمرا باهتا.
2- نظرية الطوطمية Totémisme leو مؤداها أن كل عشيرة يقابلها حيوان طوطمي يكون محط تحريم و حضر غذائي بالخصوص و في بعض الأحيان يخص بالعبادة و التقديس. و يَشْرِك هذا الطرح العديد من الحيوانات المختلفة التي لا تتطابق و المكتشفات الأركيولوجية. و من جهة أخرى هناك العديد من الرسوم تمثل حيوانات و هي مصابة بحِرَب أو حاملة لجروح، الشيء الذي يتنافى و مسألة تحريم الحيوانات الطوطمية. و هكذا تبقى هذه النظرية متخلفة بسبب تنافر و تباين "أحكامها".
3- نظرية القدرة السحرية، le Pouvoir Magiqueوتفترض أن تمثيلات الحيوانات أو مشاهد الصيد كانت كفيلة بمساعدة إنسان الكهوف في البحث عن قوته. و ذلك لظنه أنه بإسناد قدرة خارقة إلى الصور يستطيع أن يطرد الأرواح الخبيثة و يضمن بذلك صيدا وفيرا. هذا الافتراض يتناقض و تواجد العديد من تمثيلات لحيوانات و عناصر و أشكال لا علاقة لها بالصيد.
4- النظرية البنيوية، le Structuralismeو هي نظرية فتحت منظورا جديدا بسمات "بنيوية"؛ و تذهب إلى أن وراء الفوضى الظاهرة في الفن ألجداري l'Art Pariétal للكهوف، هناك نسق و بنية يمكن إظهارها بالإحصاء. و انصرف المنظرون إلى أن هناك بنية للكهف في مجمله بتمثيلات مدخله و قعره، وتنظيم الجدارية بتشكيلات مركزية و أخرى محيطة و خصوصا ازدواجية أساسية " ذكر/ أنثى" و المتمثلة بالزوج الرمزي "بيسون – ثور بري /حصان. ولقد استرسل الكثير من الوقت دون أن يتم استنتاج بداهة البنية تلك.
5- الشًّمَانية، le Shamanism، وتَعْتبر الكهف مكان اجتيازٍ بين عالم البشر و العالم الموازي. بهذا المعنى تكون المغارة بمثابة المحراب الذي يقوم فيه "الشامان" بالدخول في"حضرة" أو"حِلم" لأجل إنعاش الانسجام بين الإنسان و الطبيعة. وبذلك تذهب هذه النظرية، التي تضفي بعدا روحانيا على فن الكهوف، إلى أن تلك التمثيلات تخلق محيطا عجيبا أشبه منه بالديني.
وتبقى هذه النظرية جد منتقدة من طرف بعض علماء ومؤرخي عصور ما قبل التاريخ الذين يرونها عبارة عن خيال طافح. لكنها أيضا النظرية الأكثر جدالا اليوم، و الأكثر رد اعتبار لدور الفن كحافز اجتماعي و نتاج إنساني اكتسى صبغة كونية على مستوى " رموز الأفكار " Idéogrammes و التقنيات و الموضوعات.
ظهور الفن ألجداري l'Art Pariétal هو الحدث الرئيسي لفن العصر الحجري القديم، و حسب النظريات الكلاسيكية، بدأ هذا الفن منذ 35000 سنة ليتطور شيئا فشيئا إلى حدود 13000 قبل الآن ليبدأ بعدها في الانحدار ثم الانقراض تماما قبل 8000 سنة. فطلقوا العنان لتصوراتهم المتأثرة بنظرية التطور، وذهب بعضهم إلى أن هذا الظهور كان بداية انطلقت من الصفر وكانت عبارة عن خربشات و رسومات ساذجة و موجزة . و قد بقيت هذه النظرية تؤخذ بعين الاعتبار و تغذي كل ما يدخل في نطاق تصور لثورة فنية أوروبية لإنسان الكهوف. لكن الأمر سينقلب تماما عند اكتشاف كهف شوفي Chauvet سنة 1995 الذي يحتوي على جداريات ورسوم هي من أقدمها على الصعيد الأوروبي ، و من أكثرها إعدادا و تقنية؛ الشيء الذي سيوضح تماما أن إنسان الكهوف قبل أكثر من 35000 سنة كان يمتلك تقنية كبيرة في تخطيط الرسوم و إعدادها. ثم سيأتي اكتشاف بكهف بُلُمْبُسBolombos بجنوب أفريقيا سنة 2002 لكُتلتين من مادة مُغرة ، نقشت عليها خطوط هندسية منحدرة و متوازية يعتقد أن تاريخ نقشها يرجع إلى قبل حوالي 77000 سنة ، الشيء الذي يحتم إعادة النظر في أطروحة الثورة الأوروبية الرمزية و الفنية. بل و هناك اكتشافات أخرى تبقى مخفية بين غموض السرية و شجار الباحثين من ذوي الاتجاهات المختلفة، فقليلا ما سمعنا مثلا عن ( منحوتة طان طان) التي لا ندري كيف خرجت من المغرب دون علم أحد من " المسئولين المغاربة " في هذا المجال. و يقول من يؤمن بأنها منحوتة أصيلة، كروبير بدناريك Robert Bernarek رئيس الفدرالية العالمية لمنظمات الفن الصخري ( IFRAO ) ، على أنها قد تكون أقدم تجسيد بشري لأن تاريخها يتراوح بين 500 000 و 300 000 سنة .
صور إنسان الكهوف بيئته، و بالأخص الحيوانية منها؛ كما شكل رموزا و علامات ملغزة. و تنقسم المواضيع التي تطرق إليها في الفن ألجداري إلى ثلاثة أصناف:
-1 جماعات الحيوانات، وتشكل أغلب التمثيلات التي أبدعها فنان الكهوف و قد أخص بها الحيوانات التي كانت تحيط به و ليس فقط تلك التي كان يصطادها أكثر؛ و على العموم فمعظم هذه الحيوانات و الأكثر ها شهرة و أحسنها إتقانا وتنفيذا الحيوانات آكلة العشب. هناك الحصان و البيسون، ثم الماموث و الثور البري فالأيل, و نادرا ما رُسمت حيوانات كالأسود و الدببة؛ ونادرا جدا الأسماك و الطيور. و في بعض الأحيان شكلت أشياء تثير الدهشة، بل وتثير تحفظ العلماء في الإعلان عنها كالرسم الذي يمثل أحد الديناصورات في مواجهة مع ماموث بكهف برنفال بفرنسا Bervifal ؟ ويلاحظ أنه قليلا ما رسمت مشاهد مكتملة كقطعان في مشهد طبيعي مثلا. كما يوجد بعدد جد ضئيل رسوم لحيوانات خيالية قارن Licorne، أو أخرى خرافية نصف حيوان نصف إنسان مثلا.
2- التمثيلات البشرية، وهي جد قليلة، ومن الملاحظ أن رسم الإنسان قد تم في الغالب بطريقة موجزة، ودائما بمرافقة حيوانات أو مختلطا بها. و ما يمثل أكثر العنصر البشري من رسومات إنسان الكهوف رسم الأيادي عن طريق طليها بمادة صابغة ثم طبعها على السند ألجداري، أو بوضع اليد على الجدار ثم نفث سائل ملون من حولها عن طريق الفم، للحصول على شكل سلبي لليد.
أعدت هذه الرسومات في أغلبها بتقنية عالية، توحي في عمومها لنمط معين يمكن أن يكون قد بلور قواعد في التكوين وتقنية المواد و الأدوات المستعملة، تختلف حسب الحيز الجغرافي و الزمني.
3 – رموز وإشارات وعلامات، نِقط، خطوط منحدرة أو مستقيمة أو عشوائية، أشكال هندسية أو تجريدية من دوائر و مستطيلات و تعرجات، غطت كل حقب ما قبل التاريخ، رسمت أو نقشت أحيانا إلى جانب حيوانات، أو منفردة و تغطي أحيانا مساحات مهمة قد تصل إلى بعض المترات المربعة. وهناك العديد من الهيئات التجريدية من "رموز أفكار" Idéogramme قد تكرر تشكيلها بصفة جد متشابهة في أكثر من منطقة في العالم رغم فارق الزمن و المسافات... وقد أهمل الفنان البدائي كل ما يتعلق بالبيئة النباتية لأسباب لا يمكن الإحاطة بها.
أما فن النحت و الحفر فقد تطرق لنفس المواضيع المذكورة مع بروز كبير لتماثيل ما يسمى بالفينوسات و هي تماثيل أنثوية في هيئات جد متباينة.
ويطفح سجل الفن البدائي بأشكال وألوان من التقنيات والإبداعات المختلفة من رسم و نقش وحفر و نحث و تجسيم، استعملت في إعداد هيئات فنية شتى من جداريات ضخمة إلى مجسمات صغيرة جدا مرورا بحلي و أسلحة و مصابيح...
و قد استعمل الفنان البدائي مواد خام و ابتكر أدوات و وصفات في إعداداته الفنية المتنوعة. فلكي يرسم كان عليه أن يحصل على مواد ملونة، ثم بعد ذلك كان عليه سحقها ثم خلطها بمواد سائلة مثبتة؛ و كان عليه إعداد أدوات قاطعة لحفر و شق الحجر و العظم أو أخرى لتحديد الشكل و طلي المواد الصابغة...
هذا و مم لا شك فيه أن وراء فعل الفن البدائي يكمن وعي بهذا الفن، وذلك يظهر على أكثر من مستوى، من الناحية التقنية و ما تتطلبه من إعداد للمواد الخام و الأدوات و اختياره للسند الملائم و استغلاله لنتوؤات أو تصدعات لإظهار نوع من البروز للهيئات التي مثلها كانت رسما أم حفر . ثم على مستوى الأشكال التي عبر من خلالها عن مخيلته، ولكي يعبر الإنسان عن مخيلته، لابد أن يكون واعيا بهذه المخيلة.
تٌكمن أهمية الفن البدائي في كونه الفعل الحضاري الوحيد الذي وصلنا حاملا معطيات ثقافية تخص المجتمعات الإنسانية الغابرة، وهو لا يعطينا صورة عن محيط وبيئة تلك المجتمعات فحسب، بل يخول لنا و بقدر كبير تصوُرَ مفاهيم و طريقة الإنسان البدائي في تعامله مع تلك البيئة وذاك المحيط. فكل ما نشاهده من تمثيلات و رسوم و نقوش و حفر و نحث ... إنما هي رموز، وكما يبين تاريخ الفن و الأنتروبولوجيا، فإن أي تجسيم لا يطرح بالصدفة، فشكل حصان أو بيسون ليس بالضرورة مرآة للشكل الواقعي بقدر ما هو مفهوم "تشكيلي" لما يمثله ذاك الحصان أو ذاك البيسون، في بيئة معينة ألا و هي بيئة الإنسان البدائي. إنه حدث ثقافي حضاري، نمط إبداعي تجلى في استغلال "المادة" و" الأداة" في حيز التشكيل لأجل التعبير عن موطن الخيال، و بهذا المعنى تشكل تلك المنجزات الشكل الوحيد الذي وصل إلينا عاكسا "إيديولوجية" اجتماعية، خاصة بإنسان الكهوف. و من تم دليلا قاطعا على عالمية الإبداع و إقناعا على أن عمر هذا الإبداع من عمر الوعي الإنساني.

* سعدية بيرو فنانة تشكيلية مغربية تقيم في الصويرة المغرب
www.bairou.net
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018