مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

نعيمة هدي المدغري: الكتابة المولودة حديثا

naima-houda-mdeghri
نعيمة هدى المدغـري
الأنا النسائية من السيرة الذاتية إلى الرواية.
على الرغم من تعثر الكتابة النسائية في سياق الرواية المغربية، فقد أصبحت اليوم موجودة وبشكل أقوى من المنع والتعتيم، فقد استطاعت النساء تحقيق بعض الانتصار، حيث أصبح الكم لا يستهان به والكم هو شكل من النوعية وعلامة اختلاف التي تحول النص المكتوب من طرف النساء إلى نص معروف، وبذلك يسمح تراكم الكتابة النسائية باكتشاف ثوابت في الأشكال والتيمات.
لذلك وردت كتابات المرأة أطبيوغرافية أو روائية متخيلة، ساردة للذات وعارضة للأنا، فكانت بمثابة سيرة ذاتية سواء استعملت ضمير المتكلم أو الغائب، فقدمت تجارب أنثوية كشفت من خلالها عن خصوصيات الذات الكاتبة وتيماتها معتمدة في ذلك الربط بين البعد العام والخاص.
والروائيات المغربيات إن اشتركن في التعبير عن الذات النسائية فقد اشتركن أيضا في البوح بتشظيها وانهزامها ويأسها من تحقيق التغيير والاندماج في المشروع الحداثي وهي مرحلة تعتبر امتدادا لمرحلة خيبة الأمل التي طبعت نظرية ما بعد الاستعمار التي تناولتها بتفصيل الكاتبة ليلى أبوزيد في روايتيها "عام الفيل" و"رجوع إلى الطفولة" خلال التسعينيات، حيث طرحت أسئلة نظرية وتطبيقية حول العلاقة بين أوضاع المرأة والبرنامج الثوري للتحرر الوطني من خلال سيرة ذاتية للمرأة منخرطة في المقاومة التي باعت من أجلها الغالي والنفيس، فكانت مشاركتها تحديا وإعادة تحديد الأدوار الأنثوية التقليدية بحيث كانت المساواة الجنسين في صفوف المقاومة واقعا حقيقيا فرضته ظروف الاستعمار، إلا أن هذا الأمل سرعانما انطفأ نوره وعوضته الخيبة وانسداد الآفاق مباشرة بعد الاستقلال فأصبح الشك والانشطار والشعور بالضياع واقعا جاثما، لقد تغيرت الأوضاع وأصبحت "زهرة" غير مناسبة للمرحلة الجديدة مرحلة ما بعد الاستعمار فكان مصيرها هو الاجتثات من طرف الذين استفادوا من التغيير ابتداء من الزوج الذي طلقها إلى باقي أصدقاء الأمس الذين غيروا جلدتهم ولم يعد بمقدورهم تحمل الماضي الذي سعوا جادين لنسيانه.
وتطرح ليلى أبوزيد نفس التيمة في روايتها السير ذاتية "رجوع إلى الطفولة" من خلال سرد الوضع الواقعي لامرأة مناضلة مثل "زهرة" تمر من نفس تجربتها تهرب السلاح وتطوف من سجن لآخر مقتفية أثر زوجها المقاوم، ليجيئ الاستقلال فيكافأ الزوج ويحصل على منصب عال وتكون هي الضحية الأولى التي يدير لها ظهره حين يستبدلها بعشيقة، فتقوم الكاتبة بالتعبير عن خيبة الأمل بعد الاستقلال، وتوجه نقدا لاذعا لأولئك الذين يسمون أنفسهم مناضلين ولا ينصفون نساءهم وأبناءهم بقولها "أية ثورة وأي نضال وأية مصلحة وطنية... مناضلون لايحتفون بالحلال لا فرق بينهم وبين خصومهم، كيف يناضل المرء لإقامة الحد على الدولة وهو لا يقيمه على نفسه"[1]. فخيبة الاستقلال تتمظهر في تقديرها في كونه لم يحقق تحريرا وإنما جاء بتغيير طفيف وسطحي فلم يتحرر الرجل بعد لكي تتحرر المرأة.
في هذا الاتجاه، اتجاه تحرير الرجل بالأساس، وتحرير المرأة والمجتمع ككل من مفاهيم الذكورة والأنوثة لتحقيق المساواة، سارت كتابات المرأة المغربية للرواية العربية مع مطلع الألفية الثالثة، فعبرت عن الذات النسائية وشعورها بالتهميش والضياع والظلم الاجتماعي والسياسي من خلال روايات تجمع بين الروائي والسيرذاتي نظرا للتشابه العميق بين الجنسين الأدبيين، فكل الأساليب المستعملة في السيرة الذاتية لإقناعنا بصدق الحكاية نستشفها في الرواية، ويبقى الاختلاف بينهما قائما على مستوى عناصر خارج النص، حيث يفترض في السيرة الذاتية وجود تطابق بين الكاتب والسارد والبطل، فلا يوجد داخل النص ما يثبت ذلك، إذ إن السيرة الذاتية جنس أدبي يتأسس على الثقة، وبالتالي فهو جنس وثوقي بمعنى من المعاني يكون هم كتابه بالأساس "عقد سيرذاتي" بواسطة اعتذارات وشروحات ومقدمات وإعلان عن النوايا تستهدف إقامة تواصل مباشر مع القارئ على منوال ما ورد في مقدمات روايات ليلى أبوزيد "فقد كانت الشخوص والفضاءات والأحداث موجودة في الحياة ورهن الإشارة. وكانت شخوصا وفضاءات وأحداثا عرفتها وسمعت بها ذلك فإن كل شخص مكون من مواصفات أشخاص حقيقيين عدة". "كنت وأنا أمارس تلك الأجناس من الكتابة إنما أبحث عن نفسي"[2].
وتقول في مقدمة رواية "رجوع إلى الطفولة": كتبت هذا الكتاب بطلب من الأستاذة إلزابيت فيرنيا من جامعة تكساس لينشر بالإنجليزية في كتاب جماعي يصدر في الولايات المتحدة لكتاب عرب عن طفولتهم"[3] "... وإن من مميزات هذه العملية أن جاء النص متصفا بصراحة تامة"[4].
أما الكاتبة مليكة مستظرف فتعلن منذ البداية عن خلفيتها السيرذاتية بكل وضوح: "... حاولت مرارا أن أبدأ... أسرح بأفكاري بعيدا، في الماضي البعيد، وعندما أستفيق من شرودي أجدني قد رسمت ندوبا وخطوطا كتلك التي أحملها في ذاكرتي، لما أنبش الماضي. لما أنكأ الجراح. لكي أرتاح، ولن أرتاح إلا إذا تقيأت على وجوههم كل ما ظل محبوسا في جوفي طوال هذه السنين"[5].
بينما لم تحدد الكاتبة خديجة مروازي فيما إذا كان النص سيرة ذاتية أم رواية حيث سجلت في أسفل غلاف الكتاب أنه رواية في حين يصرح عنوان "سيرة الرماد" أننا أمام سيرة غيرية نستنتجها أيضا من شفافية القصة ونبرتها، حيث تقبض الكاتبة على مجموع التفاصيل التي تعيد تأويلها وكتابتها وتجعل من الحبكة والتخيل طريقة لقول أو الإيحاء بحقيقة دفينة في أغوار الأنا.
إن ما يميز السيرة الذاتية عن الرواية ليست الدقة التاريخية المستحيلة وإنما فقط المشروع الصادق لفهم الكاتب لحياته الخاصة، فوجود مثل هذا المشروع هو الذي يهم وليس الصدق الذي هو في نهاية المطاف، مستحيل. وبقدر ما هو طبيعي مطالبة كاتب السيرة الذاتية بمشروع قول الحقيقة، فسيكون من السذاجة بمكان مؤاخذته لعدم النجاح في مشروعه لأن ما يهمنا من السيرة الذاتية هو المنظور الذي يعالج به الكاتب سياق الأحداث ومعنى حياته عند تقييمه لها.
إن مفارقة السيرة الذاتية هي أن الكاتب مضطر لإنجاز مشروع الصدق المستحيل باستعماله لكل الأدوات الروائية، ذلك أن السيرة الذاتية هي حالة خاصة للرواية، أو هي شكل روائي خاص وليست شيئا خارجا عنها.
إن هذه العلاقة بين الكتابة والهوية هي بالنسبة للمرأة ضرورة ملحة، فكتابتها تسرد الذات، تجسد النسائي عن طريق الإغراق في الأنا كرد فعل على التشكيك الدائم الذي يحيط بوجودها، ومن هنا كان من الصعب التمييز بين المرأة الكاتبة وشخصيتها المكتوبة، تقول الناقدة الفرنسية هلين سيكسو: "ينبغي للمرأة أن تكتب نفسها، وأن تكتب المرأة عن المرأة... لأن الكتابة النسائية تطهير للنفس، وإبرام عقد مع الزمن"[6].
وتقول أيضا: "ما تقوله النساء لي في الليل أسمعه وأعيده، إن جزءا من النص هو مني، وجزء منتزع من أجساد الشعوب، وجزء هو أخي، وجزء آخر غير معروف"[7].

سؤال الذات النسائية في الرواية السجنية والأسرية:
إن الرغبة في سرد الذات النسائية في الرواية المغربية هو العامل المشترك بين كاتبات مرحلة مطلع الألفية الثالثة على اختلاف تلويناتها وتفريعاتها، سواء ما تعلق منها بالرواية السجنية التي فرضت نفسها كظاهرة ميزت المرحلة، أو الرواية الأسرية التي عبرت عن أنا المرأة بامتياز وأثارت لحظات العمقالتاريخي والاجتماعي والثقافي. فقد كتبت مروازي خديجة، الرواية السجنية، حيث قامت بتبئير شخوص فضاء العتمة من خلال سارد داخل حكائي "ملين" في الفصل الأول المعنون "بصبح الخير الغربية" وفي الفصل الثاني تولت البوح بجروح الذات الساردة "ليلى" وهو بعنوان "مساء الخير جروحي".
يفتتح السارد "ملين" الفصل بمحكيات تستحضر الاعتقال كمعيش خضع فيه لألوان من التعذيب داخل السجن الذي يقضي به مدة عشرين سنة كمعتقل سياسي متهم بتكوين خلية سرية وتوزيع مناشير والمس بأمن الدولة، يسترجع شذرات من الأحداث والعلاقات التي تؤثث الفضاء السجني والذي تكسر رتابته زيارات ليلى، تلك المرأة التي تملؤه حقا.
أما ليلى ساردة الفصل الثاني، فتقدم تجربتها بالمخفر السري لمدة شهرين بتهمة إعادة فتح ملف المختار المحكوم بالإعدام، وهي مدة كانت كافية لتخسر فيها زوجها، وستعتقل بعد الطلاق لمدة سنتين تذوق فيها الأمر، وتتعرف على عينات نسائية مختلفة، فتتجاور بذلك تيمة السجن مع تيمة المسألة النسائية.
ومن ثمة شكلت تيمة الخصوصية والاختلاف التي تطبع العلاقة بين الرجل والمرأة محورا مركزيا، بالإضافة إلى تيمة الارتباط الأسري سواء تعلق الأمر بمؤسسة الزواج أو العلاقة مع الأهل، وتيمة العلاقة مع الجسد. وهذه مضامين مشتركة مع مضامين الرواية الأسرية عند ليلى أبوزيد ومليكة مستظرف كما سنحاول توضيح ذلك. فالكاتبة ليلى أبوزيد في رواية "الفصل الأخير" تحددمسار بطلتها عيشة في فضاء اجتماعي وعاطفي مستقطب من الاختلاف بين الجنسين حيث تعيش التمزق في رحلة بحثها عن قيم أصيلة في مجتمع ابتلي، في تقديرها، بالانحطاط الخلقي واللاتجذر. وتدخل في إطار تفكير طموح حول الهوية وحول الترسخ الاجتماعي في بحث مستمر عن حقيقة داخلية يتم التعبير عنها من خلال تحكم الساردة بهويتها كامرأة وكمبدعة، فتحاول تمرير خطاب إصلاحي تصحح من خلاله الكثير من المفاهيم والرؤى بما يكفل المساواة بين الرجل والمرأة وذلك ابتداء من صراعها مع زملاء وزميلات الفصل في الطفولة، إلى اصطدامها برجال بعقليات ذكورية متسلطة، مخادعين غير مقدرين للمرأة وللحياة الزوجية وجاحدين لما قدمته لهم ثقافة المجتمع المغربي الأصيلة. وهو خطاب يستهدف تغيير الوضع الاعتباري للمرأة مشيرة إلى لعنة العداء النسائي في المجتمعات الطبقية الذكورية،وتعويض أوضاعهن المزرية بتعاطي السحر والشعوذة وزيارة الأضرحة. وفي مقابل خيبة الأمل في التغيير وتحرير المجتمع من مفاهيم الذكورة والأنوثة تعزف الساردة عن الزواج وتختار النجاح في حياتها المهنية التي تضمن لها الحرية والاستقرار النفسي الذي لا تتمتع به المرأة المتزوجة.
أما مليكة مستظرف فقد اخترقت المسكوت عنه بتناولها نوعا آخر من الطابوهات حيث أماطت اللثام عن موضوع اغتصاب الطفولة وما تخلفه من جرح نفسي وجسدي كما يومئ إلى ذلك العنوان: "جراح الروح والجسد" فالبطلة وهي مستسلمة لمسارها وسط كائنات مركبة ومعقدة، تعيد تصويره بدقة مثيرة، تصبح بؤرة لتوترات متناقضة حيث تضع طفولتها موضع تشريح دامي وموجع أدانت من خلالها تعرض طفلة لأبشع أشكال العنف الجسدي والنفسي، إذ كانت ضحية لأصناف من الرجال المتهورين والمعتوهين المنساقين وراء رغباتهم الرعناء دون خوف من محاسب أو رقيب، وقد حرصت على وضع الأصبع على وضعية المرأة المغربية وصعوبة إدماجها في مجتمع ذكوري يهمشها ولا يعترف بكينونتها وإنسانيتها من خلال إثارة قضايا الخيانة والعنف الزوجي، بالإضافة إلى جرأتها النادرة في إعادة اكتشاف ذاتها وجسدها وخصوصا ما تعلق بتغيرات المراهقة واغتصاب الطفولة، وزنا المحارم والدعارة والفساد... كلها عوامل جعلتها تعزف هي الأخرى عن الزواج وتغادر المغرب بحثا عن حياة أفضل، لأن انتظار الرجل الموعود الذي طالما تحدثت عنه كتابات الرجال لم يعد يشكل أولوية في حياة المرأة وقد صورت ذلك الكاتبات بجدارة واقتدار.
يستحضر هذا المشهد تجربة الرواية النسائية بالمغرب في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة التي تميزت بالتنديد بأشكال الإلغاء الذي تعيشه المرأة، والرفض للثقافة الذكورية التي تنظر للمرأة كجنس تابع ومن درجة ثانية، كما ركزت على الخصوصيات والاختلافات التي تطبع علاقة المرأة والرجل، وحضور الجسد الأنثوي في الكتابة النسائية من منظور مغاير، مقترحة تجربتها ولغتها التي تطرح رؤية جديدة للعالم من خلال موقعها الحضاري المعقد، كما سنحاول التطرق لذلك.

علاقة المرأة بالرجل.
تناولت المرأة في كتابتها سؤال العلاقة مع الرجل بنضج عميق، ابتعدت فيه عما يمكن طرحه كمواجهة صراعية، مكتفية بالإلحاح على ضرورة تجاوز مفاهيم السلطة والقوة والتفوق، من أجل إعادة اكتشاف الذات وتحريرها من مفاهيم الذكورة والأنوثة والتعامل بفكر أندروجيني بعيد عن التعصب ومؤمن بالمساواة.
تكتشف المرأة ذاتها من خلال تمتعها بسلطة الخطاب وقدرتها على افتتاح الكلام وإيقافه، لأن الممارسة اللغوية هي رهان داخل علاقة السيطرة والسلطة، إذ جرت العادة في المجتمع الذكوري أن كلام الرجل هو المفيد وهو الأقوى بينما روضت النساء على الصمت في الواقع واعتبرن ثرثارات مجازا، وعوملت المرأة دائما كقاصر ومتخلفة، فأقصيت من حقل التفكير، وحرصت في الميدان الذي فرضته عليها الثقافة بحجة الطبيعة، ميدان الوجدان والإحساس والحدس... إنه جيتو حيث يوجد بصفة طبيعية كل منبوذي السلطة وبالخصوص منبوذي سلطة الكلام كما تقول الناقدة الفرنسية ياغللو[8].
هكذا شعرت الكاتبة المغربية بضرورة إقامة أسلوب جديد في التخاطب له مكانته وأهميته المستقلة عن موقف الرجال منه، فلغة السلطة التي هي من إنتاج الرجل، لا يمكنها الاستمرار دون مساعدة النساء باعتبارهن آليات اجتماعية متورطات في إعادة إنتاج خطاب السلطة الأبوية، لذلك حصرت الكاتبات على ممارسة فعل الكتابة من منظور جديد تدخل فيها مع الرجل في علاقة قلب الأدوار ابتداء من امتلاك زمام الكتابة إلى التحكم في السرد ومزاحمة الرجل في تلك السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها على مستوى الخطاب واللغة وإعطائه دور الإنصات والتنفيذ، فهو عاجز عن ممارسة سلطة القول لأنه سجين عند خديجة مروازي ومهاجر عند ليلى أبو زيد، وغائب عند مليكة مستظرف، وإنما تستحضره الكاتبة عن طريق التنقل إليه داخل فضاء السجن، أو عن طريق التذكر والاسترجاع، بل تذهب خديجة مروازي أبعد من ذلك حيث تستغل صوت الرجل من موقعه كسارد لتمرير خطابها النسوي الذي سيحظى بالصدق والثقة من طرف المجتمع الذكوري الذي لا يقنعه كلام المرأة، فيمارس السارد وساطته للإقناع بقوة حضور المرأة الفكري والثقافي والعاطفي، وبكونها أداة محورية للحياة التي لا يمكن أن تستمر دونها، وتقديم اعترافات بظلم المجتمع لها، يقول: "أن أتحدث عن ليلى وهو ما أجدني عاجزا عنه، هو أن أتحدث عن امرأة تزرع الحياة في الجليد، ليلى اشتعال لا ينطفئ أحسها تسكن دمي منذ ولدت...[9]". ثم يقول عن الرفيقات المعتقلات من أجل الرأي: "وجود امرأة بالسجن هو خروج عن المألوف بالنسبة للمجتمع والعائلة، وهو مبرر كاف للتبرؤ منها، أدركنا جيدا وطأة هذا الوضع والمعاناة المزدوجة التي تجثم عليهن، لكن مهما حاولنا، لم نقدر القبض على وضعهن في تفاصيله"[10].
يدخل السارد في حوار هذياني مع الذات الممزقة من جراء غياب المرأة على غرار كبار الشعراء العباسيين والأندلسيين الذين بهرونا باستعطافاتهم وبث لواعجهم وهم داخل السجون، فيستمر الهذيان الشاعري لفقرات من صفحات عديدة تختار لها الكاتبة الجملة البسيطة العادية التي تناسب طبيعة المرأة وتعبر عن ذاتها، لأنها أخذت القلم والكلمة من أجل إنصاف المرأة والاعتراف بكينونتها وإنسانيتها.
وباستثناء المونلوغ الهذياني للسارد فإنه يكتفي في حواره مع المرأة على الجمل المقتضية والإنصات، والتنفيذ، فيتخلى عن مهمته السردية التي تعوض بالتقديم المشهدي حيث تسحب منه ليلى سلطة الكلمة وتقدم خطابا قويا تخطط فيه لما يمكن فعله داخل السجن هي التي تعيش خارجه، ويبقى له الإنصات والتنفيذ[11].
ونحن نجد نفس اللهجة الخطابية عند ليلى أبوزيد في حديثها عن الهوية بشكلها الخاص والعام والعلاقة مع الغرب والعلاقة مع المرأة على غرار نهج رواية الأطروحة مستهدفة إسماع صوت المرأة ونضج فكرها وإقناع المجتمع بمشروعية مطلبها[12].

صورة الرجل كموضوع لكتابة المرأة.
تبدو صورة الرجل في الرواية النسائية المغربية صورة ذلك الآخر الذي قام بتشيئ المرأة وحصر قيمتها بمقدار خدمتها له، فنمطها في قوالب جامدة، بحيث بقيت المرأة داخل الدور التقليدي الذي أنيط بها، وبذلك عمل على احتوائها وإبعادها عن الحياة السياسية والاجتماعية واعتبر تدخلها في مجالات التفكير خروجا عن الخطوط المرسومة لها واختلالا في التوازن، وحيدا عن القوانين البيولوجية والاجتماعية.
تقول خديجة مروازي على لسان ساردها مولين عن مشاركة المرأة في الحياة السياسية ودور الرجل في تراجعها: "جاءت نساء إلى الساحة الطلابية، وحتى في وداديات التلاميذ كالشعلات، ولا أحد ينكر الفعل الأولي للرفاق في إدماجهن في صميم الحركة، لكن بمجرد الارتباط العاطفي الذي لم يكن ليؤجل كثيرا، تبدأ الشعلات في الانطفاء والتراجع إلى الدرجة الثانية، ثم التواري في البيت..."[13].
وتتهم الساردة ليلى الرجل إنه مثبط لعزيمة المرأة لأنه يريدها ناكرة لذاتها تفني وجودها في وجوده وتكتفي بتلبية طلباته: "أمينة اكتفت منذ زمان منذ تزوجت عباس بأن تتحول إلى ربة بيت، يكفي أنها "تقدات" من الساحة زوجا"[14]. والواقع أن هذا التحول الذي يرغب فيه المجتمع الذكوري جعل المرأة تؤدي الثمن غاليا فلا استقرار ولاطمأنينة النفس ولا أمل في المستقبل تقول الرواية: "تزوجت فقيها وهجرت الحياة... خرجت من مجتمع الناس واعتكفت بين القدور والمجامير والجفان حتى لم أعد أعرف كيف أقرأ الجريدة أو أمشي في الطريق"[15]،"فالزواج لم يعد يحقق استقرار بالنسبة للمرأة وإنما هو "الشك والخوف والحيرة"[16].  يزج بالمرأة في شرنقته، وتهدد برفض المجتمع لها إذا ما حاولت الخروج من الشرنقة، لأن قوانينه من صنع الرجل ومن أجل الرجل.
وتدين الكاتبة على لسان السارد، المعطيات الأنثوية التقليدية التي ينتجها المجتمع الذكوري وللمقولبات السلبية التي يعدها مسبقا لها، "تزوج محمد ليلى وهو يراهن على امرأة بكل هذا الرصيد من الانفلات، لم يكن لديه أدنى استعداد لاستمرار ليلى في نفس الطريق بعد الزواج، أراد أن يعجنها وفق النمط الذي بدأ يرسمه لنفسه ولحياته"[17] لذلك رفضت هذه الصورة الكاتبتان ليلى أبو زيد ومليكة مستظرف على لسان ساردتيهما، فلم يكن انتظار فارس الأحلام من بين أولويات اهتماماتهما، تقول الراوية: "أحلامي أبدا لم يدخل في ضمنها الزواج"[18].
تنتقد الكاتبات الرجل لعدم احترامه للاختلاف بين النساء، فالأنوثة ليست قالبا ينطبق عليهم جميعا وإنما هناك اختلافات عميقة تتعلق بتجاربهن الفكرية والثقافية، لذلك عبرن عن رفضهن لنمطية الفكر والسلوك الذكوري الذي يفرض الحجر على المرأة.
تناقش الكاتبات أيضا تيمة الخيانة المسكوت عنها تارة والمباركة تارة أخرى من طرف المجتمع الذكوري والتي تعتبرها ليلى أبوزيد من قبيل خيانة الوطن "فالخيانة، رجالنا مجبولون بها وإن كان من يخون الزوج قادرا على أن يخون الوطن، الخيانة والعياذ بالله ! كم هي مذمومة في الوطن ! طيب، وطن صغير ولكننا نحصر العفة في المرأة ونبرر انفلات الرجل بإيوا ماشي بحال !"[19]
والواقع أن الكاتبات لم يترددن في التشنيع بالخيانة كآفة تمخر جسم المجتمع المتواطئ، وبالخائنين بكل أشكالهم رجالا ونساء مثقفين ومناضلين متعلمين وأميين "فالخيانة ليس لها لون أو جنس، الخيانة تبقى خيانة، تصرف حقير وبشع"[20]. والدك كل ليلة مع امرأة، هذه شقراء والأخرى سمراء وأخرى لا أدري كيف هي، يجري وراء الشيخات يعيش وكأنه هارون رشيد عصره"[21]. لذلك نددت الكاتبات بسلوك المثقفين والمناضلين باعتبارهم يمثلون النخبة المعول عليها لتقديم مشروع حداثي يدمج المرأة كفاعل مماثل للنهوض بالبلاد، ولتغيير العقلية الذكورية المتحجرة وإنقاذ المجتمع من براثن الجهل، إلا أن هذه الأمور تبقى نظرية "فمثقفونا، المبادئ عندهم نظرية، للاستعمال الرسمي في المنابر والجرائد والندوات، اما السلوك العملي مع الزوجة والأولاد فوصلات دكتاتورية"[22].
وتخلق الكاتبة خ مروازي حوارا بين مثقفين مناضلين عانوا مرارة السجون وعانت نساؤهم مرارة الانتظار خلف القضبان وخلف أبواب المسؤولين، لتجدن انفسهن بعد الإفراج عن الزوج في انتظار آخر أشد مرارة، "وحتى الآن لا أزال أنتظر رجلا لا يصل إلا عند الفجر، من أين لقلبي أن يعيش ثانية بالانتظار. هذه المرة ليس انتظار من يدخل إلينا من عتمة السجن"[23]. وتشير الكاتبة إلى علاقة المثقف مع زوجته المثقفة المناضلة إذ لا تختلف عن العلاقة بين الأميين وهي تدخل في نفس القالب المهيأ مسبقا لجميع النساء، والذي يقوم على السلبية والخضوع، فليس هناك أدنى اعتراف باختلاف المرأة المثقفة وبرصيدها الفكري،" أنا الآن قرب النافذة خلف الباب أنتظر متى يقذف به آخر اجتماع أو جموع وأنا أتكئ على جرحي وأقول تبا لامرأة هي أنا لا تختلف عن أي امرأة تنتظر زوجها السكير أو العربيد حتى تقذف به آخر  حانات ما بعد الفجر"[24]. ويعتبر الرجل المثقف الخيانة أمرا عاديا لاستمرار العلاقة الزوجية ويؤطره في سياق تاريخي يحلله للرجل ويحرمه على المرأة، "هذا الوضع أصبح مع تمدده وامتداده ينبطح أمامنا كشيء عادي وينجرف في اتجاه الطبيعي، كل رجل يدخل مع امرأة في علاقة يحبها يتزوجها لكنه يضع الزواج كعلاقة مركزية لا تمنعه من خلق علاقات محيطة، ربما لولا هذا التواطؤ الضمني لما استمرت مؤسسة الزواج إلى الآن"[25]. لهذا الاختلاف في الرؤية وفي الفعل بما أن الرجل يعتبر طبيعيا ما تراه المرأة خرابا وتدميرا إذ "لاشيئ يقضي على المرأة ويعجزها قبل الأوان كالخيانة الزوجية"[26]. فإن ل. أبوزيد تنتهي إلى أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة معقدة لا تستطيع الانفلات من دائرة الصراع "فما أشد غموض العلاقة بين الرجل المغربي والمرأة وأشد تعقيدها ! حرب في الحب وحرب في الزواج"[27]. فلم تر أزواجا في عمر متقدم إلا أعداء[28].
كما انتقدت الكاتبات زيجات الرجل المتعددة التي يتمسك بها كحقه المشروع مستغلا الدين لممارسة رغباته دون اعتبار لمشاعر أبنائه وزوجته السابقة، وهذا أمر بقي غامضا في الوسط النسائي أن يتسبب أب في جرح أبنائه جرحا عميقا على جميع المستويات دون أن ينتبه إلى ذلك حتى، "لا أفهم أن يتزوج مرة ثانية من له سبعة. ولا كيف يسمي ذلك زواجا، ولا كيف لم يدرك أن الأولى لا تصلح إلا بعدما جاء منها بسبعة"[29]. وتعتبر ذلك من قبيل الاجتهاد المصلحي "فعل فعلته ومسحها في الدين. أرأيت الرجال. يجتهدون فيما يلائم شهواتهم"[30].
وتقول م. مستظرف: "عندما ماتت أمي تنهد أبي بارتياح كأنه تخلص من حمار أجرب"[31]. "لم يكن في حاجة لنصيحة أحد، تزوج امرأة قروية شابة كل شيء فيها يوحي بأنها من النوع الرخيص"[32].
هذه الكتابات لا تقدم صورا عدائية ضد الرجل بقدرما تؤسس لترسيخ علاقة جدلية مع فكر الآخر رجلا كان أو امرأة، واحترام مفهوم الاختلاف بين الرجل والمرأة وإعطائه بعدا لا يحمل معنى التضاد من أجل تغيير المفاهيم المتحيزة في الثقافة والمجتمع. لذلك حاولن تدمير الصور التقليدية للمرأة التي يتبناها المجتمع بمختلف شرائحه، كما حاولن تدمير الخطابات التي تهمش المرأة. فهي كتابات متشبعة بخصوصيات المرأة الكاتبة التي تشجب الظلم واللامساواة وترفض المقولبات الجامدة التي يحشرها فيها المجتمع،ـ ومن ثمة كانت هذه الكتابات نسوية بالأساس وليست نسائية حتى وإن كانت نموذجا فرديا لأنها تحمل رسالة للمجتمع الذكوري من أجل الإصلاح والتغيير والتحرر من مفاهيم الذكورة والأنوثة، وتبعا لهذه التجارب الرائدة والواعدة بعطاءات تتفق وانتظارات المجتمع الحداثي، نأمل أن تظهر حركة نقدية نسائية مواكبة ومضيفة  مجهودها لما تبذله المبدعات من مجهودات وهذه مغامرة أخرى تستلزم مشاركة جميع الفعاليات نساء ورجالا.

-----------------------------------------------
[1]- "رجوع إلى الطفولة" ص 50ـ ليلى أبوزيد.
[2]- الفصل الأخير ص 8 و 9 ليلى أبو زيد. مطبعة النجاح الجديدة، ط.س 2000.
[3]- "رجوع إلى الطفولة" ص 5ـ
[4]- "رجوع إلى الطفولة" ص 5ـ
[5]- "جراح الروح والجسد" ص 5. مليكة مستظرف، مطبعة ط1 س 1999.
[6]-  Helene Sixous, la venue à l’écriture. Edition des femmes, 1986 pp 21.22
[7]- نفس المرجع نفس الصفحة.
[8]- Yaguellot Maricana : Les mots et le femmes. Payot, Paris 1987 p 51.
[9]- سيرة الرماد، ص 75 مروازي خديجة، إفريقيا الشرق، ط 1 ص 2000.
[10]- نفس المرجع ص 97.
[11]- نفس المرجع ص 56-57.
[12]- "الفصل الأخير"، ص 50.
[13]- "سيرة الرماد" ص 88.
[14]- نفس المرجع، ص 151.
[15]- "الفصل الأخير" ص 144.
[16]- نفس المرجع ص 65.
[17]- سيرة الرماد ص 107.
[18]- "جراح الروح والجسد" ص 100.
[19]- الفصل الأخير" ص 74.
[20]- "جراح الروح والجسد" ص 71.
[21]- نفس المرجع ص 58.
[22]- "الفصل الأخير" ص 70.
[23]- "سيرة الرماد" ص 124.
[24]- نفس المرجع نفس الصفحة.
[25]- نفس المرجع ص 72
[26]- "الفصل الأخير" ص 144.
[27]- "الفصل الأخير" ص 144.
[28]- نفس المرجع، ص 48
[29]- نفس المرجع، ص 48.
[30]- نفس المرجع ص 49
[31]- جراح الروح والجسد" ص 56.
[32]- نفس المرجع  ص 56.
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018