مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

أبو إسماعيل أوعبو: رواية مغربية تحاور رواية مصرية

abouismailouabou

أبو إسماعيل أوعبـو

حالما استنت الرواية العربية الحداثية لنفسها، شرعة التحاور مع متعاليات نصية متباينة المناحي التعبيرية، استعاضت عن مبدإ المحايثة النصية بمبدإ التناص، وعن البنية المغلقة بالبنية المشرعة، وعن السؤال الذي تحده إجابة قطعية بماهية أوصيغة ثابتة، بسؤال الأسئلة التي تختط مسالك حرية الاحتمالات، فلا تذعن لتوسيم "جنسي قار".
إن هاته الكتابة التي تؤسس تصورها للأدب على تحاورها مع كتابات أخرى، سنحاول ما وسعنا الجهد استجلاء أحد تجليات اشتغالها مستحضرين روايتين:
- أولاهما، "رامة والتنين" للكاتب المصري "إدوار الخراط" صدرت سنة 1980.(1)
- وثانيتهما، "العشاء السفلي" للكاتب المغربي "محمد الشرﮔي" صدرت سنة 1987.(2)
فهاته تحاور تلك محاورة ترضخ لها استراتيجية اشتغالها، وتتوقف عليها أدبيتها، حتى أنها تبدو رواية تتخلق بفعل جدلي، أي بقدر ما تحاور سابقتها وتستوحي أفضيتها التخييلية.
حوافز الحافز
إن انتقاءنا الإجرائي لهذين النصين حفزنا عليه ما يلي:
أولا، ما لمسناه من تماثل بين استراتيجية الكتابة، التي يهتدي بها "إدوار الخراط"، واستراتيجية الكتابة التي يقتدي بها "محمد الشرﮔي"، وحتى نتبين بجلاء هذا التماثل، سنختزل دون تعسف، الشروط التي ترتهن بها استرتيجية الكتابة لدى الكاتبين:
أ‌. التخلص من أسر الرؤى التقليدية، عن العلاقة الآلية بين الإبداع والواقع، والتأكيد على أن الواقع متعدد، ومرتبط بجدلية الصيرورة المجتمعية.
ب‌. التحررمن تبعية التواتر السردي المألوف، والمقاييس والمصادرات الأدبية، بغية بلورة كتابة تتجانس مع شتى الأجناس الأدبية، والفنون التعبيرية، فلا تلبث أن تحتويها، معبرة عن نفسها بالتخلق المستمر، والتشكل الدائم القائم على الحوار.
ج. وهو حوار يجعل الرواية لا تتضمن معنى ثابتا مطلقا، وإنما تتضمن احتمالات معان تأويلية، تنطرح أسئلتها على المتلقي الفعال والمشارك والخلاق، ذلك أن الكاتبين لا يكتبان نتاجا مستديرا مغلقا على ذاته، أي تم تمامه وانتهى بالكامل، وإنما يكتبان نتاجا مفتوحا يفترض في القارئ نباهة ذهنية.
ثانيا، ما صرح به" إدوار الخراط"، في سياق دراسته لظواهر في الرواية المغربية، حيث قال:
"لعلنا نرى في " العشاء السفلي"... سمات " الواقعية الضد " و"الواقعية القصيدة" معا من خلال نص تنهار فيه العلاقات التقليدية بين معطيات اليومي، وتتجسد فيه المرأة كائنا لغويا ميتافزيقا من خلال "الفانتازيا" والشعر والصراح، فهل في هذا كله ما يذكرني بعمل روائي سابق لي، هو "رامة والتنين"، من غير أية إثارة لقضية التأثير والتأثر، أوالتناص الخفي الكامن بالتعبير الحديث، فلا شك أن " للشرﮔي" أصالة وفرادة خاصة به وحده"(3).
ولاشك أن هذا التصريح يقر بحقيقتين:
أ‌. التفاعل النصي التام بين نص لاحق هو"العشاء السفلي"، ونص سابق هو "رامة والتنين".
ب‌. وهو تفاعل حواري إيجابي مادام يحاذر من النسخ والمحاكاة، ويكفل التفرد والتمايز، أو بالأحرى المغايرة والتجاوز.
ثالثا، ما ألح عليه "محمد الشرﮔي" حين اعتبر الكتابة حوارا، يتم مع بنى ندائية مرجعية، يقول: " الكتابة كما تصورتها وكما أتصورها بصفة عامة، لا يمكن أن تقوم لها قائمة عميقة، ما لم تتفاوض مع النصوص الأساطيرية المتجمهرة في ذاكرتنا الألوفية، وفي جسدنا الألوفي، من هنا شرعية استدعاء ملاحم الشرق القديم، ومن هنا شرعية التوسل بنداءات أسطورية متوجهة إلى أمريكا اللاتينية، فذاكرة الكتابة ذاكرة كونية والكتابة حوار"(4).
فهو بهذا الإلحاح يراهن على النص المفتوح على الحوار، وهو يستقيم في "العشاء السفلي"، في علاقته ببنى ندائية استلهمتها "رامة والتنين"، وبالمتخيل الأسطوري الذي استحصلته بمحاورتها تلك البنى الندائية الأسطورية.
أفق الحوار
إن "الروائي"(Le romanesque) حين يلابسه الأسطوري، ينشرع كتابة على حوار مزدوج، يعقد من جهة على صعيد تعالقات البنى الحكائية، التي ينسج وفقها الأسطوري في نسيجها التخييلي، ويعقد من جهة أخرى على صعيد تعالقات "الروائي" مع البنى التراثية التي استوحاها من التراث الحضاري.
بهاته الإزدواجية يصبح الأسطوري، فعل توتير حاد في النص، وبؤرة إشعاعات دلالية، أي يصبح مجالا حقيقيا لإثارة الحوار.(5)
على هذا المستند تسترفد "رامة والتنين" مرجعية أسطورية خصبة، تجعل متخيلها متخيلا خصيبا، يندغم في ثناياه الواقعي والأسطوري اندغاما يرتهن ب"معنى المعنى" ارتهانا يجعل العلاقة بين النص والمتلقي علاقة إبداعية جدلية، يستتيحها هامش رحب للحوار.
إن هذا الهامش الذي يسمه (WOLFGANG ISER) بوسم "هامش التحليل الإضافي" ويسمه (ROMAN INGARDEN) بوسم "البياض الدلالي"(6) هو المهاد الذي يجري "محمد الشرﮔي" على بساطه استراتيجية الكتابة، ويبلور تصوره الخاص لها، إنه هامش الأسئلة المتناسلة، التي لا تتوق إلى الأجوبة النهائية، بقدر ما تتوق إلى التساؤل، وحمى البحث عن اللانهائي والمتعدد.
وعليه يجدينا في ما يلي من صفحات، استبيان التعالق الحواري الذي نتج عنه في المحصلة نص "العشاء السفلي".
إن هذا النص اتخذ أسطوري "رامة والتنين" سداه ولحمته، معه يتمازج ويتفاعل ويتحاور، جاذبا المتلقي نحو تمثل رمزي خصيب لواقع متعدد المستويات.
ذلك أن الكتابة تبعا لهذا الأسطوري، لا تشتغل على المعنى الثابت المطلق، وإنما تشتغل على المعاني التي تنطرح احتمالياتها عليها، وعلى المتلقي الذي ينبغي أن يتملك نباهة ذهنية، مسعفة على ملء البياضات الدلالية، وكشف الملامح الانزياحية التي ينزاح بها النص اللاحق عن النص السابق فيما هو ينبثق عنه.
إن محاولة استكناه هاته الملامح، التي تفترض مسبقا وجود درجة عالية من الصلة الفعلية، تدعونا إلى التأكيد على أن منتهى العلاقة الحوارية، يستقر عند تجليين متباينين:
- أولها، انزياحي يتبين في عدول متخيل النص اللاحق عن متخيل النص السابق.
- ثانيهما، تطابقي يتبين في علاقة تماثلية دلالية، تؤلف بين النصين.
أولا التجلي الانزياحي
- النزول إلى ما بعد العالم السفلي:
كما نزل "أورفيوس" العاشق الأسطوري دون جدوى أدراج العالم السفلي، بحثا عن معشوقته المفقودة "يوريدايس"، نزل "ميخائيل" عاشق رامة بحثا عن وحدانية الحب المفقودة، غير أنه لم يتوقف عند هذا العالم "الأورفيوسي"، بل تجاوزه بعدما نزل أدراج الجسد الأنثوي ل"رامة" إلى عالم آخر أسفل منه، يوجد في قرارة جسدها الأنثوي.
إلا أن "ميخائيل" رغم تعمقه في هذا النزول، آل إلى ما آل إليه "أورفيوس"، إذ ظل ميخائيل يبحث عن وحدانية الحب، وينشدها إلى أن وضعت عليه الأختام، فبقدر ما كان يفقد تلك الوحدانية، بقدر ما كان التنين الأسطوري الرابض في أعماقه، برأسه المشتعل، وفمه الفاغر ذي الألف سن، يدميه ويلحق به الضربات تلو الأخرى.
وإذ تزدوج رحلة ميخائيل تكون محملة بتساؤلات لا تني تتناسل، فتقود إلى متخيل أسطوري جديد، يؤشر على أفق مغاير للبنية الندائية الأسطورية المعتادة، ولعل هذا ما حذا ب"محمد الشرﮔي" إلى معاودتها في" العشاء السفلي" مع شخصيتي "ميزار" و"مغرار"، مما أثار لدينا السؤال التالي:
إلى أي مدى استطاع هذا المبدع ، أن يخرج من هاته الرحلة، بالمختلف والمغاير وتنشيط حركية الحوار؟
يلزمنا إزاء التعالق الحواري، الذي يرفد وحدة "العشاء السفلي"، ويقيم "مسافتها الجمالية" كثير من الاحتراس، حتى تتسم هاته الدراسة بالدقة في المقابلة بين المتواليات الحوارية التي تنتظم في ثنايا النصين المعتمدين.
ولتكن البداية بمتوالية سردية، تنبني في "العشاء السفلي" طبقا لمقتضى تحاورها مع أخرى في "رامة والتنين":
" (ميزار): هذه الحبة مصيرها صعب، سأدحرجها بين ثديي، وعليك أن تبحث عنها وتخرجها بلسانك...هيا !
(مغرا): غابت الحبة بين الهرمين، نزلت تحت غلالة الساتان، وطرقت وادي الملوك. بشرة معجونة بلعاب الطيور الفرعونية، بشرة قنادس الأنهار المقدسة، مددت لساني شققت طريقا بين الهرمين المتقابلين، وكان الدم والحليب يتخثران في الخوابي المأتمية المدفونة في كل هرم، بحث عن الثمرة المرمية بحث الأعمى، فسمعت التدفقات اللبنية تهدر داخلك مثل شلالات نياﮔارا، سمعت الأعياد الدموية صادحة بغنائها الدبائحي، وتراءى لي أخناتون شرق الهرم العالي، فاقتربت، مد لي حبة العنب وهو يقول بأنه عثر عليها في كتاب الموتى أخذتها منه وصعدت" (ص:55).(7)
هكذا تمعن شخصية "مغران" في العالم السفلي، في حلول صوفي ظاهره تزاوج، وباطنه توحد، فهو بعدما نزل أدراج الممر الأرضي: "أذكر أن ذلك العطر هو الذي قادني عبر الممر، وهبط بي الأدراج في آخره، وأدخلني البهو السفلي حيث كنت تنتظرين"(ص:19).
وحل في العالم السفلي "الأورفيوسي" لم تشأ "ميزار" إلا أن تجعل جلسة العشاء السفلي الأسطوري، تجد استمرارها في عالم أعمق، وهو العالم السفلي لجسدها الأنثوي.
ومن ثم دحرجت حبة المعرفة بين نهديها طالبة من "مغران" اقتناصها بلسانه، وإذ مال بعنقه قصد التقاطها، هجر "العالم الظاهري" مستهديا في عمق الجسد الأنثوي بقوى باطنية، مكنته من الإشراف على عالم سفلي أعمق، والحلول فيه حلولا جلا بجلاء الطاقة الباطنية المتفجرة بالاستعارات، التي تفيض شاعريتها على الجسد فتخصبه وتثريه دون الإذعان لأي قيد حسي.
تلك إذن خطوات خطاها مغران متنقلا من العالم الأرضي، إلى" العالم الأورفيوسي"، ثم إلى عالم أنثوي أعمق، هو عالم الحلول والمعرفة الحقة، والتطهير، وهو عالم يؤطر بزمان سرمدي وبمكان أبديي.
إن هذا المسلك الترميزي، سلكه "مغران" على نحو ما فعل "ميخائيل" في "رامة والتنين" إذ نزل الأدراج الأخيرة المنحوتة في الجسد الأنثوي لرامة، وأقام بواحة عالمها السفلي، بغية التطهير واستحصال المعرفة.
ولئن تم نزول "مغران" من بوابة الثديين، فإن نزول"ميخائيل" تم من بوابة العنق:
" أقطف بيدي ثدييك الناضجين وأنحني أغرق فمي في الشفتين النديتين المفتوحتين...ذراعك تلتف حول رأسي المدفون في عنقك.
ميخائيل ينزل الدرجات الأخيرة المنحوتة في الأرض، والحيطان المصنوعة من الطين النيلي تحيط بالواحة المهجورة منذ آلاف السنين، اللوتس الأبيض الغض على تيجان الأعمدة البعيدة المخروطية، نضارتك الصخرية لا تحول. دخان مشاعل الحب التي احترقت في العصور الغابرة، والكوة المفتوحة في الحائط ساطعة، يغرقها القمر، في هذه الغرفة نامت فيها الكاهنات البغايا القدامى..." (ص:98).
فهذا النزول وذاك لا يتمان في تساوق وتقابل تامين، فبمراعاة ما يشهده كل نازل، يمكن القول: إن "ميخائيل" بخلاف "مغران" انتهى في رحلته إلى استنباط الحب الإباحي التعددي، الذي تنشده "رامة" من داخل وحدانيتها النهائية، وهو حب يفيد التجدد والتطهر عبر البغاء المقدس (انظر المتوالية السابقة)، الذي عرف عند القديسات القبرصيات، والأسيويات، والإغريقيات والهنديات.(8)
وإن أبى "ميخائيل" أن يسترفد هاته المعرفة، وظل يؤمن بوحدانية الحب، ويتعبد في محرابه تعبدا جعله يتوق إلى صياغة وجه العالم، على غرار وجه "رامة" الحبيبة(ص:188)، فما هذا إلا لأن معرفة العالم العلوي، القائمة على القواعد والأصول، والأنساق الذهنية الجاهزة، قيدته وأحاطته بقضبانها إحاطة عودته على الانغلاق، والنظر إلى العالم نظرة أحاية البعد، لاتقر بالتعدد-الاختلاف.
وإذ يتراءى لنا "ميخائيل" منشدا إلى الوجود الأحادي البعد، تتراءى لنا معشوقته" رامة" منقادة نحو الوجود المتعدد الأبعاد، الذي يتكامل فيه العالم العلوي مع العالم السفلي، والظاهري مع الباطني، والواعي مع اللاواعي، والواقعي مع الخيالي تكاملا جدليا، يستتيح لها احتمالات وجودية عديدة، تعيشها حرة طليقة في مدارات حب، لا يني يتجدد تجدد زمانها الذي تنساق مع صيرورته، دون الامتثال للمؤسسات الجنسية، سواء كانت الزواج أو العلاقات الخاصة الثابتة بين رجل وامرأة، أو المؤسسات المالية الجنسية الأخرى بأنواعها (ص: 141)، ما دامت هاته المؤسسات تؤسس حبها على الثابت، وتمكنها في المكان.
لكن منزع "رامة" في وجودها المتعدد والمحرك والمنفتح، آل إلى هد منزع "ميخائيل" في وجوده المتوحد الثابت المغلق، الذي احتد بضيقه الشعور، مما أدى إلى وحشة شعورية وغربة وجودية أدركا بميخائيل منتهاه، فلم يجد بدا من التعبير عنهما، والاعتراف ضمنا بجدوى الوجود المتعدد لرامة التي طالما دافعت عنه، يقول:
" أحقا كان البحث من الأول للاخر هو ما دمرك؟ وهل تم الدمار ووضعت عليه الأختام؟ هذا السعي الملح المحرق الذي يريد أن يبري أطراف العالم من حولك، ولايخدشه مع ذلك، لكنه يهدمك، أليس كذلك؟ قطعة بعد قطعة متساقطة، وقال لنفسه أيضا: وأخيرا، حتى في السقوط مادام هذا يحدث، فلن تكون موضوعا لرثائك لنفسك، هذه الدموع القديمة... ! لا شأن لأحد بها، أنت تستطيع أن تتحملها أيضا" (ص:326).
إنه بهذا الاعتراف يقر بإجدائية الحب الإباحي، وبالمعرفة التي تصادر على الاختلاف والتعدد المعرفي، وهما عنصران متلازمان لم يتبين ميخائيل أهميتهما، إلا بعدما تدمر ووضعت عليه الأختام.
وبذا كانت محنته في البحث عن وحدانية الحب والمعرفة، التجلي الرمزي الآخر لمحنة "أورفيوس" ،حين سعيه لآسترداد معشوقته "يوريدايس".
ترى هل "مغران" في "العشاء السفلي" انتهى إلى نفس ما انتهى إليه "ميخائيل"؟
إن "مغران" عدل – بعدما كانت نقطة الانطلاق واحدة- عن المسلك الترميزي لميخائيل عدولا حواريا.
إن هذا العدول، يستكنه على مستوى تعالقات الرموز المعتملة داخل البنية اللغوية العميقة، لذا سنتجاوز التعالقات الدلالية التقريرية إلى نظيرتها الإيحائية، حيث يعني ملفوظ "أخناتون"- الوارد ضمن المتوالية- "خادم آتون"، وآتون هو الإله الأحد الذي اهتدى بهديه "أخناتون" وانشغل بالدعوة إليه وسخر من أجله سائر الآلهة القديمة المعبودة في مصر، ومستعمراتها حتى جعله إلها مطلقا.(9)
فكان أول من أدخل فكرة التوحيد في تاريخ البشرية، وهي فكرة اعتد بها "مغران" واهتدى بهديها لمعرفة مستقر حبة العنب، التي ترمز إلى المعرفة الباطنية لميزار، هاته المعرفة التي تزود بها، حتى أن وجوده أصبح -بخلاف وجود "ميخائيل"- يرادف وجود معشوقته التي نشدت فكرة التوحيد معه، فتوحدت.
وكما اعتد بهاته الفكرة "مغران" اعتد بها قبله "ميخائيل"، إلا أنه بخلافه لم يشهد لدى حبيبته "رامة" قبولها، تقول:" لا أفهم هذه الوحدانية، قد أقتنع بها عقليا، نعم، هذا كل شيء، مظاهر الكثرة والتعدد بكل روعاتها المختلفة، بكل صنوف جمالها وخطرها تشدني كل مرة، وتغويني، وما أسرع استسلامي للغواية..." ص:316.
وإذا كانت "ميزار" هي الأخرى تستسلم لهاته الغواية، فإن هذا الاستسلام، لا يعني أنها تتبنى موقف "رامة" أي موقفا ضديد ما استخلصناه.
ذلك أن سفر "ميزار" في الوجود ليس كسفر "رامة" أي لحظات متباينة ومتعددة، وإنما هو مهما امتد عبر الأمكنة والأزمنة، ليس سوى لحظة واحدة سرمدية مخصبة لنفسها دوما، ومنفتحة على الآتي لكي يخصبها، تقول: " تيقنت في الأخير بأنه سواء تعلق الأمر بقبائل "ثاراهوما" أو الأطلس أو الكونغو أو الحبشة أو مابين النهرين، فإن اللحظة هي ذاتها، لكنها أخرى مخصبة لنفسها دوما ومنهومة للآتي، الذي يخصبها حبا كان أو موتا، لحظة مسكونة بلحظات متوازية ويانعة" (ص:29) .
لذا فإن هذا الموقف الذي يقوم على فكرة التوحيد، يشكل توفيقا بين موقفي"ميخائيل" و"رامة"، فميزار إن كانت تزدحم بحب وعشق "مغران"، باعتباره الواحد، فإن هذا الازدحام يجعلها تخصبه أيما إخصاب، حتى أن الدم الأخضر يتفجر فرحا بكثافة جذوره ولمعان ضوئه السهران، ويتدفق على صدره الحليب الأزرق فيشم عبق أعشابه.(ص: 29).
هنا تتحقق فكرة التوحيد من خلال شهوة الإلتئام، حيث الأنا يحل فيها الآخر حلولا مطلقا، لا تترتب عنه جدلية الحضور والغياب فحسب، بل تترتب عنه كذلك استمرارية الوجود وسرمديته.
لهذا وذاك تكون رحلة "مغران" رحلة معرفية، قادته إلى التشبع بمعرفة تقوم على فكرة التوحيد، التي جسدتها ميزار في توحد ذاتين توحدا كفل لهما الاندغام الوجودي، وبالتالي الانفتاح على معارف الباطني والارتداد إلى المنابع المعرفية الأصيلة، التي تزخر بها الذاكرة الجمعية، وإن كانت هاته المعرفة تنشد الواحد المتوحد الذي ينشد إليه الكل المتعدد، فإنها لا تلبث أن تخصب ذاتها بذاتها، وتنفتح عما يمكن أن يزيدها خصبا.
إن هاته المعرفة، كما سيتبين في ما يلي، هي التي ستوصل "مغران" إلى النسيان في الجسد، هذا النسيان الذي طالما سعى إليه "ميخائيل" دون جدوى، فظل الانفصال بينه وبين "رامة" قائما من بداية الرواية إلى نهايتها.
من هنا يبدو أن رواية" العشاء السفلي" اتخذت متخيل "رامة والتنين" عن وعي مسبق، أداة لتمرير متخيل حواري حركي.
من البيضة الكونية إلى الخنثوية:
يلوذ الروائي بالأسطوري ليؤسطر عوالمه الحكائية برمزياته المتراحبة، ويرضخ عناصر اللغة إلى تفاعل عضوي، تنفتح بموجبه الرواية على احتمالات لا متناهية للكتابة والتلقي.
إن هذا الملاذ لاذ به الروائي "إدوار الخراط" في روايته، فصاغ "الكيمياء الكتابية" صياغة تستثير من الأسطورة طاقتها الإيحائية الرمزية، ومن الرواية كفاءتها السردية التقريرية، مما جعلنا إزاء رواية تعيش طقسية الأسطوري، ضمن بنية لغوية ينظمها تحاور لغوي خاص، لعله هو ما رفد الحوار بينها وبين "العشاء السفلي"، برفد إبداعي خصيب.
يجدينا قبل استجلاء تجليات هذا الحوار، الإشارة إلى المدار الموضوعي الذي دار في فلكه.
يتمثل هذا المدار في أسطورة نشأة الكون، التي اشتق منها "إدوار الخراط" ما تلاءم وتجربته الروائية.
إن هاته الأسطورة تساق في التراث الحضاري( الإغريقي، الهندي، الفرعوني، الصيني...) مساق الدال، الذي تتعدد مدلولاته تعددا يجعلها أسطورة متراكبة، تتراكب ضمنها أساطير عديدة تتناص معها، إذ تحكي أصل شيء ما من المكونات الكونية، ولعل تراكبها يدلنا عليه السؤال الذي أوجدها:كيف نشأ الكون والمؤثثات التي تؤثثه؟
فهذا سؤال يفترض عدة أجوبة، وهي أجوبة مهما تعددت تُبقي صلتها به قواطع مشتركة، تتقاطع حولها باعتبارها مبادئ تنظيمية، ترتهن بها في اشتغالها وتناسلاتها.
وما دامت هاته القواطع، قد هيأت للتجربتين الروائيتين المتحاورتين حول الأسطوري مدارج جمالية، فإننا لانرى بدا من استجلائها، باعتبارها تدل على الدلالات التالية:
أولا، الدلالة على زمن يتخلق في مداره المقدس والعجائبي، اللذان يكفل لهما التجدد الدوري.
ثانيا، الدلالة على أصل الكون وأصل المكونات التي تكونه، أي الدلالة على كيف نشأ شيء ما في الوجود.
ثالثا، الدلالة على كائنات عليا كانت خلف خلق الأصول التي تأرخت وجوديا.(10)
إن هاته الدلالات نواظم، تنتظم وفقها الحقول الدلالية والمعجمية، التي تشكل النسيج الأسطوري لكل كتابة تقارب عن بعد أو عن قرب سؤال نشأة الكون.
لذا فإن ملامحها تتلامح في رواية "رامة والتنين"، التي استوحت أبعادها الأسطورية، وتحاورت معها تحاورا وجد امتداده التخييلي في "العشاء السفلي"، فاي أفق لهذا التحاور المزدوج؟
في رواية "رامة والتنين" يمثل الأسطوري طاقة باطنية في ذاتي شخصيتي "ميخائيل" و"رامة" اللذين يحاك الحكي حولهما، فهما ينفعلان بوقعه انفعالا يتباين تباين إجابة كل واحد منهما عن سؤال الخلق:
- أهو خلق تكمن حقيقته في وجوده بالقوة كما كان داخل البيضة الكونية،
أم تكمن حقيقته في وجوده بالفعل كما تم بعد انفقاس البيضة الكونية؟(11)
إن هذا السؤال، يؤول من حيث إجابته إلى مآلين وجوديين اختياريين:
أولهما، مآل"ميخائيل"، فهاته الشخصية ترى الوجود متوحدا، كما توحد في البيضة الكونية التي نشأ فيها.
لذا فهي تتوق في وجودها الفعلي، إلى أن ترقى بمعشوقتها "رامة" إلى وضعية التوحد في الجسد، بآعتبارها ترادف وضعية الوجود بالقوة في البيضة الكونية، ولعل هذا التوق يتمثل في ما صرحت به مرارا:
- "الأساس هو التوحد، ألا يكون هناك الأنا والآخر، ألايكون هناك اثنان، بل واحد عطاء متبادل كامل وأخذ متبادل كامل". (ص:177).
- "حبيبتي في داخلي أحملك، أرضي وسمائي، مجدي وانكساري إلى الأبد متى نلتقي فلا يعود في اللقاء شرخ الانفصال الدائم، نلتقي فلا نعود أنا وأنت لا قبل ولا بعد". (ص: 67).
- " أريد أن... أجمعك، أنت ساحرتي الطائرة الشتات إلى صدري كنزي ومجدي وشهوتي، وأجعلك واحدة". (ص: 34) .
إن النزوع إلى التوحد جاء في معمارية الرواية، بمثابة السلك الرابط بين كل أنسجتها وبناها الحكائية، ذلك أن حرقة البحث عنه لم تهدأ لدى "ميخائيل" حتى أنها اتخذت في أعماقه شكل التنين المشتعل العينين، الفاغر الفم، ذي الألف سن الذي ينفث ألسنة من نار. (ص:121).
إن الرغبة في التوحد ما هي سوى رغبة في خنثوية أسطورية مقدسة، اتخذها "إيروس" في معمق البيضة الكونية، حتى تدل على الشمولية الأولية، التي تكتمن ثنائية المذكر والمؤنث الرامزة إلى احتمالية خروج الوجود، من نطاق الكمون إلى نطاق التحقق الفعلي.
إلا أن "ميخائيل" يرفض هذا التحقق الذي يتم بعد انفقاس البيضة الكونية، واندماج عناصرها في صيرورة زمنية، تجعل كل عنصر يتباعد عن الآخر في وجود متعدد، وهو لا يرفض هذا التحقق، إلا لأنه يرى فيه فقدان الهوية، وتعدد الأقنعة، والتغاير، وانقطاع الصلات، وتصدع الشخصيات، وتدنيس المقدس، وتقديس المدنس، والتحلل من القواعد والأصول، والتحرر، والتنافر والتضاد...فبهذا التحقق يرضخ الوجود لسلطان الزمن، فيتقيد به كما يتقيد به كل موجود مادي، فلا يتم بتاتا في كنفه الارتقاء إلى مرقى المطلق الذي يحن إليه "ميخائيل"، وهو يراه في توحده مع "رامة"، التي انساقت مع الصيرورة الزمنية انسياقا جعلها مرادفتها الرمزية، الدالة على الوجه الآخر للوجود الحركي النسبي الذي يفضي إلى أفضية المتعدد والمتجدد.
ولقد تنبه "ميخائيل" إلى هاته الدلالة، لذا قال لرامة:
- " دائمة الشباب تخرجين من المياه المتحركة، كل مرة في غضاضة الصبا الجديد.
وقال لنفسه: هذه المرأة باقية لا تزول، هي نفسها تضع أرقام الزمن، وفق ما تمليه حاجاتها الداخلية"( ص: 265) .
- " وقال لنفسه : هي لاتعود أبدا إلى شيء مضى، لا تذكر أبدا، لا تقول أن شيئا قد حدث وانقضى، كل شيء عندها في الحاضر، كل لحظة تبدأ عندها من جديد، كأن الماضي لم يحدث أبدا، وبالتالي لم ينس ولم يذكر، لأنه لم يكن هناك أصلا، كل حكاياتها في الحقيقة تجري بالفعل المضارع" (: 265).
لقد كان المآل الوجودي لرامة عاملا في استثارة أسئلته حول مآله الوجودي، فلم تلبث هاته الأسئلة أن تضاعفت حتى تكاثفت، عندما نأت عنه "رامة" وتركته قيد وحشة شعورية وغربة وجودية، فلم يجد آنئذ بدا من القول:
" حتى لحظة الاجتراح الحسي نفسها والامتزاج والنسيان في الجسد حتى في هذه اللحظة هل هناك إلا تأكيد للذات؟ ثنائي ومتبادل في أفضل الأحوال، ولكنه ليس واحدا، حتى في هذا الاندماج يؤكد انفصالا أساسيا لا التحام له أبدا، أبدا، أبدا" (ص: 260).
هكذا ينتهي إلى مساءلة الأحدية الخنثوية -الوجود بالقوة- ، ووضع موضع السؤال جدلية الاختلاف التي أقرتها "رامة"، واعتبرتها المحرك ،الذي تتحرك تبعا له صيرورة الوجود الانساني.
ثانيهما، مآل "رامة"، فهاته الشخصية ترى الوجود بعد انفقاس البيضة الكونية متعددا تتحرر فيه الموجودات، لتعيش في استرساله الزمني تجارب وجودية شتى، تكفل لها التجدد والخلود. تبعا لهاته الرؤية تجنح "رامة" طليقة في الوجود إلى ما يخرجها من هويتها إلى المختلف، ولقد تأتى لها هذا الخروج بيسر، فأصبحت شخصية توسم بالغفلية ، لا يدل عليها اسم قار، بل أسماء عديدة متخالفة ومتغيرة بتغيرها، فهي العنقاء، (ص: 265) وأنيما وماندالا، ويامنت الرؤوم، ويامؤوت زوجة آمون، ومريم، وديميتر...(ص:96) وإيزيس الأم العذرية (ص:243)، المرأة الالهية، العرافة الطفلة، الضاحكة الجادة التعسة، العابثة الداعرة القديسة العذراء الأبدية (ص:38) .
إن هذا التعدد، الذي يدل على شخصية زمنية حركية لا تستقر على حال، هو ما جعل "ميخائيل" المتوحد يصرح بعدم معرفة حبيبته، (ص: 38، 299، 300)، هاته الحبيبة التي تجاوزته زمنيا، حتى امحت معالمها لديه، فبقي مراوحا في المكان، عبارة عن صيغة ثابتة ثبوت عالمه المتوحد المغلق، الذي يتضاد مع عالمها المتعدد المشرع .
بهذا إذا كان ميخائيل قيد الوجود بالقوة- كما هو في البيضة الكونية - يستقر في الهوية والتجانس، أي في البعد الوجودي الواحد، فإن رامة تتحرر من هذا الوجود، لتعيش الوجود بالفعل حيث التجدد والتعدد.
تبعا لما سلف نستكنه تصورين للخلق:
أولهما، تصور "ماهي" مغلق يريد "ميخائيل" أن يعيش بموجبه فعل الخلق طقسيا، بالتكرار الدوري لما حدث في الزمن الأسطوري الدائري المطلق، لذا يتوق إلى الأحدية الخنثوية باعتبارها تحقق له وضعية الحلول في البيضة الكونية.
ثانيهما، تصور"وجودي" مشرع، تختلق "رامة" بموجبه الوجود، وتخصب المخلوقات التي لا تتحدد لها ماهيات إلا من خلال وجودها، الذي يرتهن بالحرية والانفتاح والاسترسال الزمني.
فهذان التصوران، خلص إليهما "إدوار الخراط" في روايته بهدي استراتيجية كتابة لم تنح منحى الحديث عن الأسطورة، وإنما نحت منحى التحدث مع الأسطورة والتحاور معها، مما جعله يبتدع الأسطوري.
وما دام هذا الأسطوري ليس ذا أفق نهائي، فإن "العشاء السفلي" اعتملته في متخيلها وتحاورت معه، حتى أننا إذا ولجنا إلى صميمها ألفيناها قائمة في نسيجها الحكائي عليه.
إن هاته الرواية تصوغ أولا في كيانها ما يلائم رمزيا متصورات أسطورة الخلق، لذا نرى فيها شخصيتي "ميزار" و"مغران" تتوقان إلى حلول الواحدة منهما في الأخرى، وتوحدهما على غرار توحد المذكر والمؤنث في البيضة الكونية.
" كنت أنا وأنت من غير هذه الأرض، لذلك خصصتك بليلتي الأخيرة، أحببت أن يكون نزيفي قربك، انزع غلالتي، عرني، وأنمني على الفراش مثل جرة طينية ستحتويك" (ص:57) .
تكتمن هاته المتوالية رغبة "ميزار" في أن تعيش مع "مغران" طقسية الخلق الأسطوري، ولعل ما يدل على هاته الرغبة، تضمن ملفوظها الجرة الطينية التي تتخذ الشكل الهندسي للبيضة الكونية، إذ تحتوي ثنائية المذكر والمؤنت.
إن هاته الثنائية تراها ميزار توحدا جسديا في "الجرة الجسدية" حتى تبلغ مع "مغران" مبلغ الأحدية الخنثوية، أو الكائن الخنثوي الأسطوري، الذي احتوته البيضة الكونية، باعتباره رمز الخصوبة الخلاقة والتجدد الدوري والخلود.
تقول "ميزار":
" يا مغران لن تكون في حاجة لأن تراني، فقد وهبتك كل شيء لبني، غيابي، والآن أهبك جسدي وموتي، إنني أترك توقيعي الهذياني في فكرك وجسدك، فاعتبرني ممرا إلى شيء آخر يشملني ويتعداني، شيء أبعد مني وأخطر... نحو ذلك الشيء الآخر أرسلك، ولتكن حركتك من حركته، وتذكر أن "ميزار" وهبتك حبا ليس من هذا العالم، وأنها لذلك تستحق النسيان الكبير" (ص: 58) .
وهو "نسيان" لايفيد فقدان الذكرى ما دام: "هو الاحتضان البعيد والعميق لذلك الوجه أو لتلك الذكرى ... احتضان يقطن خلفية الجسد والخيال، مثل لحن سري غير معهود، مثل أغنية متنائية على الدوام، ومع ذلك تعطر صاحبها" (ص: 85).
بهذا وذاك تتحقق الخنثوية في "مغران"، إذ تحل فيه "ميزار" حلولا مطلقا، تتحرر إثره من العرضيات الكونية، في أحدية أولية يتحقق في استدارتها "النسيان الكبير" بتجانس العاشقين.
وهو تجانس يهب لميزار المشرفة على الموت الخلود الرمزي، كما يهب لمغران طاقات الخصب، التي تكسبه الديمومة في الجسد المتوحد المتعالي النابض بالحياة.
هكذا يتم الوصول إلى وضعية البيضة الكونية، التي تحتوي المبدأين المذكر والمؤنث وترمز إلى التجدد والخلود.
ولعل السؤال الذي يتبادر الآن إلى ذهننا إزاء هذا الوصول هو:
ألم يؤل "مغران" و "ميزار" بهذا الوصول إلى تبني مبدإ الأحدية الخنثوية، الذي نبذته "رامة" واعتبرته مبدأ انغلاق يعلب الذات في علبة الوجود بالقوة، فلا ترقى بتاتا إلى مرقى الوجود بالفعل؟
إن "ميزار" و"مغران" لم يؤولا إلى تبني هذا المبدإ وفقما تصورته "رامة"، فهما يتبنيانه باعتباره مبدأ الانفتاح، الذي لا يلبث أن يجعل الخنثوي، ينفتح على عوالم وذوات أخرى حتى يضمن لذاته الموحدة وجودا بالفعل.
تقول "ميزار" مخاطبة "مغران": " لا تهرب من مكان يدعوك، اعثر على جذرك السري في كل مكان، وتذكر أن كل مكان تحضر فيه هو مكاني" (ص:73).
تتراءى هنا الذات الخنثوية أمام "ميزار" متجذرة السر في الوجود الخارجي، تجذرا يجعلها لا تجد بدا من الاستجابة لنداء الأمكنة، والبحث فيها عن سرها بحثا يتراحب حين تتراحب الأمكنة، وتصبح عبارة عن صحراء – من الأجساد والوجود والرؤى- تتجانس معها تجانسا تصبح معه أناها هي الأنت:
" أنا أيضا مزدحم بك يا "ميزار" فيما مضى ازدحمت بغيابك، وهذه الساعة بحضورك لقد عبرت صحراء من الأجساد والوجوه، والرؤى والأعشاب الوحشية، وها أنذا أغادرها إليك... هتفت قائلة... لاتغادر تلك الصحراء أبدا إنها أنت". (ص:22).
من خلال هاته المتوالية وما سبقتها من متواليات "العشاء السفلي"، ندرك أن الأحدية الخنثوية تدرج من المنغلق إلى المنفتح، ولعل هذا التدرج، يتمثل في المستويات التالية:
أولا، مستوى الازدحام بالجسد، حيث الذات تزدحم معنويا بأخرى.
ثانيا، مستوى النسيان الكبير، أو النسيان في الجسد، حيث يحصل الاندغام بين اثنين في ذات واحدة.
ثالثا، مستوى تجانس الذات الموحدة مع ذوات أخرى والتعايش معها في أمكنة تتجذر فيها أسرارها.
هنا يقتضينا الأمر أن ننبه، إلى أن هاته الأحدية الخنثوية المتدرجة، التي بلغ مبلغها مغران بفضل "ميزار"، لم يبلغها "ميخائيل"، فهو ظل قيد مستوى الازدحام بالجسد: "أعيش بك ومعك ولست معي أهذا يحدث؟" (ص: 73) . وهو ازدحام تبين بجلاء في استرجاع "ميخائيل" ذكرياته مع "رامة" استرجاعا استحوذ على حياته التخييلية.
وإذا كنا قد عاينا هذا الاسترجاع في "العشاء السفلي"، فإننا عاينا بعد حين تقلصه وتراجعه حين أعلن "مغران" موت "ميزار" (ص:58).هذا الموت الذي ليس سوى المعادل التخييلي للنسيان في الجسد.
يبدو من خلال ما سبق أن"محمد الشرﮔي" لا يسلك نفس المسلك الترميزي ل"رامة والتنين"، فرغم أنه يحاورها عن وعي مسبق، فإنه لا يجعل الغشاوة الأسطورية لنصه غشاوة شفافة، تكشف بيسر نصها السابق الذي تتحاور معه، من هنا أتت صعوبة استكناه التعالق الحواري القائم بين النصين المتحاورين.

ثانيا التجلي التماثلي
عابدتا القمر
تنحدر "رامة" من جنس عابدات القمر الآشوريات والبابليات والإغريقيات، اللواتي دأبن على ممارسة البغاء المقدس، والشعائر الدينية القديمة، بموازاة الهالة الضوئية للقرص الفضي: القمر. (ص:)78) .
من هنا فقد جاءت صورتها في سياق المتخيل، مؤسطرة مطابقة لصورة سيديا سليلة سميراميس، وهيروديال، وسالومي، وتاييس وهيباتيا، فهي كهاته الشخصيات تنقاد وراء الشهوات لإشباع رغبة جنسية لا ترتوي بتاتا، ما دامت تنشد المستجد نشدانا يجعلها تنبذ كل حب جنسي، تشبه مداعبات يومه أمسه.
إنها جسد فاتن مستباح، يصحو بين الآونة والأخرى بعد اغتساله في الأجساد مشرقا.
إن هذا التجلي الأسطوري، الذي نجد نظيره في "العشاء السفلي"، يبعثنا بإلحاح على تقصي مدى تطابق صورة "رامة" مع صورة "ميزار"، ذلك أن ملامح تطابقية كثيرا ما كانت تتلامح في الروايتين المتحاورتين، حتى أن الواحدة من الشخصيتين السابقتين تبدو وكأنها بديلة الأخرى ، ولعل هاته الملامح تتبين في ما يلي:
أولا، صلتهما الوثقى بعابدات القمر تقول "ميزار":
في هذه الدارعريتك كثيرا وتعريت أمامك كم لعبنا ! وعندما يلوح القمر نرتمي فوق العشب المضرج بلعاب السلاحف الكثيرة وقتداك. وأحملك فوق ظهري وأجري على أربع، مثل زاحفة ليلية مبهورة بالضوء" (ص: 23).
تأتي هاته المتوالية الموحية بالأسطوري لتكشف حنين "ميزار"، ورغبتها الدفينة في ممارسة طقوس عابدات القمر أو البغايا المقدسات، وهي طقوس مرتهنة بلحظة العري الجسدي وانبجاس ضوء القمر.
ولعلنا نجد في المتوالية التالية الدليل الحاسم على ما نذهب إليه:" قلت لها انظري إلى جسدي إلى صدري، لم أكن هكذا، فقالت إن القمر يمكن أن يفعل في ليلة واحدة كل هذه الأفاعيل، وأنه لولاه لما اختمر الدم في جسد أنثى" ص: 27.
ثانيا، انحدارهما من الجنوب: تنحدر" ميزار" كنظيرتها "رامة" من الجنوب تقول "رامة": " أنا من جنس عابدات القمر، قالت له: هل تعرف أنني قطعت ألف كيلومتر في جنوب الصحراء لكي أذهب إليهن" ص:78.
وتقول "ميزار": "أنا جنوبية ، ذاكرتي وجسدي جنوبيان" ص: 26.
ثالثا، إباحيتهما الجنسية المفضية إلى مجاوزة المألوف والرتيب، هذا لأن "ميزار" نهجت نفس النهج الإباحي لشبيهتها "رامة"، لذا كانت في رحلتها مع اثني عشر بحارا، ترقد مع الواحد رقدة واحدة ووحيدة (ص:54).
إن هاته الإباحية، التي تعبر عن رغبة جنسية متجددة مناظرة لرغبة "سيديا"، لم تخف عن "مغران" لذا نعت "ميزار" بنعت الأم الداعرة والفاجرة.(ص:57).
رابعا، تعدد جذورهما الحياتية: تنتصب "رامة" الوثنية المتعدد، انتصاب شجرة ضخمة وارفة متعدد الفروع، بل متعدد الجذور ملتفة السيقان، أغصانها تتدلى فتتحول إلى جذوع تخترق الأرض، وتقف أعمدة راسخة ومتلاصقة لها جذورها العميقة.(ص:325) . لذا يحس "ميخائيل" دائما أنها في كل مكان، وفي كل زمان، دائما سيفتح لها بابه، دائما سيراها في طريقه، دائما ستمر به، دائما سيجدها تنتظره، دائما ستأتي له، حيثما كان.
إن هذا الحضور الكلي تحضره "ميزار" حتى أن كل مكان يمد فيه مغران جذوره هو مكانها، تقول: " لا تهرب من مكان يدعوك فكل مكان تكون فيه هو مكاني.
وتقول كذلك: "لا تهرب من مكان يدعوك، اعثر على جذرك السري في كل مكان، وتذكر أن كل مكان تحضر فيه هو مكاني" (ص:37).
خامسا، انتسابها إلى سلالة غير بشرية، تجنح باستمرار حيال العري الجسدي واللحظة الجنسية، التي تقع خارج سياق الزمن، ولآستبيان هذا الانتساب نستحضر ما يقوله راوي "رامة والتنين" من جهة: "فلما استضاءت الأرض حدث ما قال، لقيته هذه المرأة التي ليست من سلالة البشر، حينما كان ذاهبا إلى نهاية البحرية، وقد جاءت عارية وشعرها مضطرب" (ص:51).
وما يقوله "مغران" من جهة أخرى:" نزعت غلالتك وأنمتك كنت ترتجفين تعريت ورقدت بجوارك بدا لحمك غير البشري بكل جغرافيا حمقه". (ص:57) .
إن هذا التطابق وتلك التطابقات السابقة، جعلت من "رامة" "وميزار" شخصية واحدة مزدوجة تتخذ تجليين متسقين، ولعل هذا الافتراض يتبين بجلاء من خلال التقابلات التالية المجتزأة من الروايتين معا:
1. أ. رامة "رامة ساقاك صخرتان بحريتان مفتوحتان، عمودان أشوريان"(ص:248).
ب. ميزار "ساقاك مثل عمودين أشوريين يؤازران وقفتك الكثيفة وامتدادك الركين".( ص:19) .
2. أ. رامة " مسح بيده على شعرها العسلي بحنان كأنه عاشق أبوي، أجمة ناعمة مسرحة من نباتات نامية، فيها قوة من الحياة البدائية" (ص177) .
ب. ميزار "شعرك غابة العالم شعرك غابة مدارية كثيفة المنابت، غابة بنغالية تفقد فيها الوحوش ذاكرتها" (ص:57).
3.أ. رامة "جسدها الفارغ تحت بلوزة هندية خضراء باهتة الخضرة" (ص:206).
ب. ميزار " كان الإزار الأخضر طويلا، وأنت تقفين داخله واهبة لجسدك الهائل الرخو ما يكفيه من المكان" (ص:19) .
4. أ. رامة "عبرت وجهه مرة أخرى رائحة أنوثتها العميقة الطيبة، ممتزجة بعطرها الذي يذكره دائما بليال ليست من هذا العالم" (ص:24).
ب. ميزار " هزني عطر أنثوي جارف... فألحقني بمجراه، أذكر الآن أن ذلك العطر، هو الذي قادني عبر الممر، وهبط بي الأدراج التي في آخره، وأدخلني البهو السفلي حيث كنت تنتظرين"( ص:19) .
إن هاته التقابلات توقفنا على التشابه الكبير، الكائن بين "رامة" (الساقان، الشعر، اللباس الأخضر، العطر..) و"ميزار"، وهو تشابه تتوحد به هاته مع تلك توحدا، يجعلهما شخصية أسطورية واحدة تعيش برؤية في "رامة والتنين" باسم "رامة"، وتعيش برؤية أخرى في "العشاء السفلي" باسم "ميزار".
خرق المحرم
يقترن السلطوي بحمى الانغلاق، مترسخا في إطار النمذجي وقولبة الآتي على شكل الكائن، في حين يقترن الحداثي بحمى الانفتاح، مصرا على تجاوز النمذجي، وكل شكل أنجزه على الدوام، ومفتونا بقلق التساؤل، والبحث عن المتعدد الذي يرفض الشكل والتشكل، لأن المتشكل النهائي يغدو طقسيا، والطقسي تجسيد أسمى للسلطوي، وما دام المحرم يتجسد دائما في شكل بارز، مرتبطا جذريا بممارسات شكلية سرعان ما تتحول إلى طقوس، فإن النصين الروائيين اللذين نحن بصددهما ينبذانه، وينفلتان من أسره وطقوسه، لأن الفعل المنتج لعالم جاهز نهائي، ضديد الفعل المنتج لعالم افتراضي تعددي، احتمالي لانهائي، فأولهما يلازم السلطوي الذي يستقر في النمذجة، وثانيهما يلازم الحداثي الذي يستقر في مناخ من الحرية المطلقة.
إن هذا التضاد هو ما جعل "العشاء السفلي"، ترفض المحرم وتنتهكه وتنسلخ عنه لتنتمي إلى ما يقع خارجه، باعتباره مهاد علاقات استعارية متعددة.
هكذا تمارس الأم الحاضنة والمعشوقة "ميزار"، الجنس مع الإبن والعاشق "مغران": "انزع غلالتي، عرني، وأنمني على الفراش مثل جرة طينية ستحتويك".( ص:57) .
"أمسكت وجهك بين راحتي، جذبتك نحوي ثم وضعت فمي بين شفتيك"( ص:55) .
وهي ممارسة تنتهك المحرم، كما انتهكه أدونيس وعشتروت وإيزيس وأوزوريس وحورس..
إن هذا الإنتهاك نجد شبيهه في "رامة والتنين" إذ ينادي "ميخائيل" حبيبته "رامة" بالأم العذرية: "عظامي استراحت في طين جسدك الرخي، يا إزيس الأم العذرية، وعانقت ساقاي دلتاك" (ص: 243).
ويستشف في نبرتها لهجة الأم (ص:84) التي إذ يحس بالضمإ تهبه ثديها:" أقول عطشان أنا يا حبيبتي فتقولين...هاك ثديي يا حبيبي" (ص:33). كما أن هذا الإنتهاك يظهر في الإباحية الجنسية التي أشرنا إليها.
هكذا كانت نتيجة الحوار النصي، الذي أجرته "العشاء السفلي" بتجلييه الإنزياحي والتماثلي، استحصال نص مفتوح يدل على قدرة فائقة وفريدة على البناء والتوليف، ويؤشر على أفق مغاير، من ثم فهي ليست نصا على نص، أي ليست نصا يسعى إلى التوازي مع نص آخر سابق عليه في الزمن، وإنما هي نص يتفاعل تفاعلا جدليا مع النص السابق، حتى أن أدبيتها لا تستقيم ولا تقوم لها قائمة إلا بفضل الحوار.
" أبو إسماعيل. أعبو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
هوامش

(1) . صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.
(2) . صدرت عن دار توبقال، الدار البيضاء، 1987.
(3) . إدوار الخراط: ظواهر في الرواية المغربية، مجلة الناقد، ع:30، 1990.
(4) . استجواب مع محمد الشركي، أجراه معه محمد البوكيلي ضمن البرنامج الإذاعي: "الريشة والقناع"، يوم 11مارس 1991.
(5) . كمال أبو ديب: الحداثة-السلطة-النص، مجلة فصول، المجلد الرابع، ع:3، 1984، ص: 56.
(6) . Voir à ce sujet :
Host Steinmetz,Réception et interpretation (in) Théorie de la littérature, éd:Picard, coll:L, Paris, 1981, P-195.
(7). سنكتفي لاحقا بذكر رقم الصفحة عند استشهاداتنا من الرواية.
(8) . يمكن إلقاء نظرة ملمة بتفاصيل هذا البغاء المقدس في الفصل الرابع المعنون ب: "رجال ونساء مقدسون" من كتاب "أدونيس أو تموز" ل "جيمس فريزر"، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط:2، 1979، ص:58.
(9) . رشيد العناني: سقوط فرعون أم سقوط الخيار الديني؟ مجلة الناقد، ع: 30، 1990، ص:62.
(10) . استوحينا هاته الدلالات من كتاب:
Mircea Eliade : Aspect du mythe,éd,Gallimard, coll :Folio/Essais, Paris, 1963.
(11). تتفق مجموعة من نظريات الخلق الأسطورية (إغريقية، هندية، فرعونية، صينية...) حول ولادة
العالم من البيضة الكونية، إلا أنها تختلف حول مصدر هاته البيضة:
هل أنتجها السديم الأولي، أم أنتجتها المياه الأولية؟
أم أنتجتها آلهة الليل بعدما ضاجعتها الريح؟...
كما تختلف حول ما احتوته تلك البيضة:
هل احتوت السماء والأرض فحسب؟
أم احتوت الآلهة وسائر المخلوقات؟
أم احتوت الاله، الذي نظم السديم ووهب الحياة للمخلوقات؟
أم احتوت "إيروس" الخنثوي الذي بعث الحركة والحياة في الكون؟
انظر:أحمد ديب شعبو: المرموز التكويني، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد: 38،آذار، 1986.
إن ما يهمنا نحن من هاته البيضة هو دلالنها على وجودين، أولها وجود بالقوة كان قبل انفقاس البيضة، وثانيهما، وجود بالفعل تم بعد انفقاس البيضة.

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2019