مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

أنور المرتجي: ميتافيزيقــا الاستشراق في الخطاب اللغوي العربي


anouar-mourtajiأنور المرتجـي
يعتبر البحث في نظرية المعرفة (أو الابستيمولوجيا) الحلقة الضعيفة في الدراسة  اللغوية العربية المعاصرة، لقد ارتبط الخطاب اللساني الذي يهتم بدراسة اللغة العربية، بكثير من القضايا الزائفة التي صيغت أحيانا كرد فعل على تمثيلات الفكر الاستشراقي، لأن علماء العربية لم يهتموا أبدا بنقدهم للأداة الواصفة Métalangage و مساءلة المفاهيم الإجرائية التي يطبقونها في تجديد أصالة اللسان العربي، مما أدى بالدرس اللغوي عند العرب، أن لا يتجاوز حدود التبشير و التعريف بالمبادئ الأولية في علم اللسانيات، و إن ينحصر في ترديد أقوال القدماء، و تعريب أطروحات المستشرقين، دون أن يفكر في نقد أسسها المعرفية و مقصديتها الإستراتيجية.

إن الصعوبة المنهجية التي تعترضنا عند مقاربتنا للكتابة اللسانية العربية، أنها لا يمكن تبويبها أو تصنيفها ضمن اتجاهات نظرية محددة. لأنها تستعصي عن كل مقاربة علمية أو موضوعية. و لهذا لم نجد من مخرج منهجي من أجل محاورتها و نقدها سوى موضعتها و تأطيرها داخل إشكالية الأنا و الآخر، أو ما سماه ادوارد سعيد (بالميتافيزيقا الاستشراقية) التي يعرفها بأنها (نمط من التفكير، يقوم على تمييز فلسفي و منهجي، بين عالمين مختلفين هما الشرق و الغرب)([1]) الذي لا يرى في الفوارق الموجودة بينهما (وقائع تاريخية متبدلة، قامت نتيجة سيرورة معقدة، مر منها التاريخ الطويل لتطور الإنسانية فحسب، بل يرى فيها قبل كل شيء آخر التجليات لكل من الطبيعة الجوهرية الشرقية و الغربية بخصائصها المتفاوتة و المتميزة في تفوقها و رقيها)([2]). إن أهم إشارة عند ادوارد سعيد ترتبط بموضوع  بحثنا هو أن الميتافيزيقا الاستشراقية قد انتقلت إلى الشرق، و بالتالي وجه تحذيرا إلى المثقفين العرب من خطورة استعارة هذا المنهج و تطبيقه على الثقافة العربية ( إذ يبدو  أن الاستشراق رغم إخفاقه و مصطلحه المُعضل الذي يثير الشفقة، و عرقيته التي تكاد لا تحجب، و جهازه الفكري الرقيق رقة الورق، يزدهر اليوم بالأشكال التي حاولت أن أصفها بالفعل، فان ثمة ما يدعو إلى القلق في كون تأثيره قد انتقل إلى الشرق نفسه، فصفحات  الكتب و المجلات باللغة العربية، تمتلئ بتعليلات من الدرجة الثانية للعقل العربي و الإسلام، و أساطير أخرى يقوم بها كتاب عرب"[3]. و يقدم ادوارد سعيد نموذجا على حضور مثل هذه الأفكار، عند كاتب عربي يقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، و يدعى شوبي، الذي حاول أن يدرس تأثير اللغة العربية" على التركيب النفسي للعرب"[4] كما أن الباحث الدكتور صادق جلال العظم في كتابه (الاستشراق و الاستشراق معكوسا)[5] يقدم لنا نماذج تمثيلية لأصحاب هذا الاتجاه الذي تسكنه ميتافيزيقا الاستشراق، من خلال الدراسة التي كتبها جورج صدقني و نشرها في مجلة "المعرفة" الدمشقية، حيث درس هذا الباحث تركيب الكلمات العربية، بهدف الوصول إلى تحديد بعض ملامح العقلية العربية الأصلية الكامنة خلفها. (فكلمة إنسان تتضمن معاني متقاربة مثل الإنس الأنيس الناس الخ). و أن الإنسان يسمى إنسانا في اللغة العربية لأنه يأنس بغيره)"[6].ليستنتج من هذه الملاحظات، أن وجهة النظر التي تحملها العقلية العربية الأصلية تسبق الفكرة الفلسفية الشهيرة القائلة بأن الإنسان كائن اجتماعي بالطبع، أي أن الفكرة التي توصل إليها الفلاسفة نتيجة جهود و تجارب طويلة هي موجودة بصورة تلقائية في العقلية العربية، ثم يقدم الدكتور صدقني، مقارنة بين الفكرة التي تحملها العقلية العربية عن الإنسان، و الفكرة التي تنظر بها العقلية الغربية عن الموضوع ذاته. فيكتب قائلا (تقوم فلسفة الانجليزي هوبز على أساس عبارته الشهيرة "الإنسان ذئب للإنسان". أما الفلسفة الجوانية في كلمة إنسان العربية فعلى النقيض، إنها تبشر بأن الإنسان أخ الإنسان)[7] و يعلق الدكتور العظم على هذه المقارنة الساذجة، بأن هذا التصور هو مثال على النقل الحرفي للميتافيزيقا الاستشراقية التي تستخدم بصورة ميكانيكية مقلوبة، ( من أجل التأكيد على تفوق العقلية العربية الأصلية، على غيرها من العقليات البشرية الأصلية منها و الفرعية)[8].

إننا نجد نفس المنظور عند الباحث يوسف سليمان اليوسف، الذي في بحثه عن "مقدمة في فقه اللغة" يقدم تعريفه الخاص لفقه اللغة العربية (بأنه عندي، إنما هو الكشف عما ادخره الباطن، باطن العقل في عملياته الجوانية اللامرئية، أو بذره و أودعه من أوالياته و فاعلياته و نسيه في ما وراء مظهر اللغة الخارجي، و بهذا يتماهى فقه اللغة و فقه العقل في مبتداه و أول نشأته، مثلما تتماهى اللغة و العقل سواء بسواء)[9] ، و هكذا يصير المعجم العربي حسب هذا الدارس، (نتيجة لما يفرزه العقل و أحد تجليات رموزه الكامنة (فالقاف للقطع على أن الغين للغياب)[10]، إن هذه الصور المثالية لفهم بنية المعجم العربي، تلتقي مع الفكرة التي دعا إليها مستشرق عرقي مثل ارنست رينان، الذي حدد مهمة فقه اللغة في (أن يستشرف رؤية الواقع و الطبيعة برؤية واضحة) و بذلك يتسنى للمستشرق كما يقول ادوارد سعيد أن يجعل اللغة العربية (هي التي تنطق الشرقي العربي، و ليس العكس)[11]. هذه الرؤية التي يتبناها دارس عربي في فهمه لطبيعة اللغة العربية، أجعل منها رينان فرقا جوهريا و اختلافا عرقيا، يميز بين متكلمي اللغات السامية. (فاللغة العربية تمثل بالنسبة للغات الهندأوربية شكلا منحطا  بكلا المعنيين الأخلاقي و البيولوجي)[12]. كما أن استكناه العقلية العربية من الكلمات، يجعل اللغة العربية هي التي تنطق الإنسان العربي. و تدل على مكنوناته العقلية، وفقا لما بلغته تجربته الحضارية، من تقدم ثقافي و رقي اجتماعي في مرحلة تاريخية محددة.
إن هذا الخطاب العرقي البليغ العبارة، الذي يعزن موقعه بادعائه للمعرفة الموضوعية. لم يجد محاورا يفضح إستراتيجيته السيئة. فبدلا من أن يكون الحوار على أساس النقد الموضوعي للميتافيزيقا التي تسكنه، وتفكيك نسقها المعرفي فإن المؤسف حقا هو أن بعض اللغويين العرب مقتنعون بهذه الميتافيزيقا الاستشراقية، عندما تعاملوا مع العربية ومشاكلها على أنها من طبيعة خصوصية، يظهر ذلك ‏جليا من خلال كثير من الأحكام حول اللغة العربية وأفضلية معجزتها بين سائر ‏اللغات الإنسانية، ‏كرد فعل عاطفي ومثالي ضد الطروحات الاستشراقية التي تدافع عن تفوق اللغة والعقلية الغربية، وذلك من أجل إثبات دونية الإنسان العربي ولغته. ولقد حاول بعض الدارسين السلفيين أن يصارعوا النزعة المركزية الاستشراقية بنزعة مركزية مضادة، تعبر عن جهل تام بماهية اللغة الإنسانية، و من أجل تقديم بعض الشواهد التي تثبت ذلك، سوف نستعير من الباحث اللساني رشاد حمزاوي بعض التعاريف للغة العربية، التي يطلقها بعض متكلميها كما وردت في أطروحته القيمة حول أعمال " المجمع اللغوي العربي"[13]  بالقاهرة (إن اللغة العربية - حسب رأيهم- وحدها تهتك أستار الأسرار، وتبوح بما وراءها من جوامد الدفائن ومعضلات الأفكار( (لأن الكلمات لا يفسرها إلا لغتنا المبينة) أما قاموسها (فهو غني، لأن لغتنا في نفسها غنية عظيمة الوفرة) فقاموسها( يجمع بين الفائدة والمتعة).. (ولهذا يجب تربية الملكة العربية على الفصحى النقية في نفوس الناشئة، وهم نهضة المجد وعدة الاتحاد والمستقبل) (فاللغة الحية من ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وحدة قوية متماسكة تستطيع لكل المصطلحات) ( حتى تكون العربية كما في الماضي لغة غزيرة نابضة بشباب الحياة تساير ركب الحضارة ).  هذه أمثلة على شكل توليف من النماذج الكثيرة ‏الذي تمتلئ به الكتابات اللغوية حول اللغة العربية، تعتبر نتاجا لتصور معياري، ارتبط بها وتعمق كرد فعل، نتيجة للأحكام الاستفزازية التي صاغها تلامذة رينان،  مما جعل الحديث حول هذه اللغة، تطبعه الذاتية والعاطفية وأحكام القيمة من كلا الطرفين، وإن اختلفت الأسباب والشروط التاريخية التي دعت إلى ذلك عند الفريقين. إن الحوار حتى يكون موضوعيا يجب أن يعتمد على أسس علمية متكافئة، فالمبادئ الأولية في اللسانيات تؤكد اليوم، أن اللغات الإنسانية متساوية أمام الباحث، سواء تعلق الأمر بلغة الشعوب "البدائية" أو الشعوب المتحضرة، أو كانت من العصور القديمة أو عصور الانحطاط، وأن لا نهتم عند الدراسة باللغة الفصيحة واللغة الجميلة وحدها، وإنما بجميع أشكال التعبير، ولقد أكد في هذا الصدد العالم الاتنولوجي ب.ل. وورف ( أن الشعوب المسماة تجاوزا "بالبدائية" بالرغم من فقر قاموسها اللغوي فإنها تستطيع أن تعبر عن أعقد القضايا الحضارية بواسطة نظامها اللغوي[14].
إذا كان دور الاستشراق كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق، وامتلاك السيادة عليه، قد انطلق من تصور مركزي للكون، ليس الشرق سوى كوكب يحوم حوله، فإننا نجد أن كثيرا من الأسئلة المنهجية تحمل في طريقة صياغتها هذا الفهم التفوقي، إن الخطاب الاستشراقي سلطة، تتمثل في تحديده لمجال وموضوع الشرق كما أراد هو، لاكما هو موجود في الواقع (إنه شرق نتج تبعا لمنطق مفصل، ‏ليس محكوما ببساطة الواقع التجريبي، بل بمجموعة من الرغبات والمقموعات والإسقاطات‏([15]) التي يوجهها المستشرق إلى موضوعه، فالتساؤل عن أصل النحو العربي كما أكد على ذلك الدارس كارترCarter([16]) هو صياغة استشراقية تنطلق من تصور ‏مركزي متفوق للعقلية الأوربية، التي تعاملت مع وجود أقسام الكلم في العربية، (الاسم والفعل والحرف) على أنها دليل على تأثر النحو العربي بالمنطق الإغريقي، نظرا لوجود مثل هذه التقسيمات عند أرسطو،  ‏وقد كان الأخذ بهذا الرأي الذي لا تسعفه الوقائع التاريخية والنصوص اللغوية العربية القديمة، منطلق البداية في الكتابة حول موضوع أصل النحو العربي الذي لا نعتقد أنه يستحق - من وجهة نظر لسانية - الأهمية التي أعطيت له، وهكذا وجدنا دارسا مثل إبراهيم مذكور([17]) عند بحثه عن أصل النحو العربي، يكتفي بتعريب رأي المستشرق مركس A.Merx ‏ دون تعديل لطبيعة السؤال أو التشكيك في أهمية طرحه بالنسبة للدارس اللغوي، وتبعه في نفس الاتجاه مجموعة من الدارسين العرب، أمثال أنيس فريحة في كتابه ‏" نظريات في اللغة([18]) ‏الذي يؤكد على الأصل السريانى للنحو العربي، ‏وأحمد ‏أمين "في ضحى الإسلام"([19]) الذي يثبت الأصل الهندي، وأخيرا أصدرعلي أبو المكارم([20]) كتابا يدافع فيه عن "أصالة النحو العربي" وعدم تأثره بالأنحاء الأجنبية.
­- في اللسانيات المعاصرة تمثل المقاربة النسقية للغة، طريقة إجرائية من أجل تجاوز كل أشكال الخلط بين ما هو تاريخي وسوسيولوجي أو نفسي، حتى نستبعد كل ما هو خارجي عن بنية اللغة، لهذا السبب المنهجي نرى أن القضايا التي استنفدت جهود الدارسين العرب كأصل النحو العربي وأصل اللغة (أهي توقيف أم اصطلاح؟) لا تعتبر اليوم من هموم الدرس اللساني الحديث، لأنها لاتملك المشروعية المنهجية، نظرا لعدم أهميتها المعرفية في الإجابة عن الأسئلة التى تفسر القوانين الداخلية التى تحكم بنية اللغة العربية.
وإذا تركنا جانبا أصحاب هذا الاتجاه الذي تسكنه ميتافيزيقا الاستشراق، وانتقلنا إلى المرحلة الثانية في الكتابة اللسانية التي تتبنى - بطرق متفاوتة - الخطاب العلمي القائم على نظرية لسانية محددة،  ‏فإن هذا الاتجاه أمام ضخامة التراث اللغوي القديم (النحوي - اللغوي - البلاغي) يصطدم بإشكالية معرفية مسكوت عنها، تتعلق بمنهجية قراءة هذا التراث، هذا الاتجاه سنسميه الاتجاه "الأصولي" ويمثله تمام حسان وعبده الراجحي ونهاد الموسى . ففي بحث للدكتور تمام حسان حول "النحو العربي ومناهج التحليل"‏([21]) نجده يقرأ بواسطة سيبويه نظرية تشومسكي، ليصل إلى نتيجة بسيطة وهي أن الإضافات النظرية للنحو ‏التوليدي، ليست إلا نسخة منقحة لما جاء في "الكتاب" لسيبويه،  فالسليقة هي القدرة اللغوية عند تشومسكي، ومفهوم الأصل والفرع، يعادلان مفهوم البنية العميقة والسطحية، (لأن النحاة العرب حين قرروا فكرة الأصول الثابتة، كانوا أسبق من تشومسكي الذي قرر فكرة المعيار التجريدي)([22]). إنه نفس المنحى الذي سار فيه الدكتور عبده الراجحي، وعنوان كتابه "النحو العربي والدرس الحديث"([23]) ، خير ‏دليل يؤشر على الغلو في هذا الاتجاه. أما الدكتور نهاد الموسى الذي بالرغم من تأكيده على ‏أهمية البعد الابستيمولوجي عند المقارنة بين النحو العربي والنحو التوليدي، فإنه مع ذلك تغريه عملية المقارنة ليتابعها إلى النهاية (وأنا عارف بالمقارنة المستهجنة الناجعة عن المقابلة بين منهج النظر النحوي عند العرب ومناهج النظر اللغوي الحديث، لما اكتنف كلا منهما من ظروف مغايرة وسياق تاريخي ثقافي خاص، ولكن لي في منهج الأسر اللغوية المتعارفة مستأنسا. فإنه إذا كانت تلك المقابلة تهيئ ضربا من المدارسة يعين على فهم طبيعة النظر في الظاهرة اللغوية )([24]).
إن تطور الدراسات اللسانية عرف منذ بدايته مرحلتين من التطور، الأولى يمكننا أن نسميها بالمرحلة التصنيفية Taxinomique التي تعتمد على جمع وترتيب المعلومات، وقيمة هذه النظرة المنهجية تكمن في تقديمها لكثير من الحقائق عن المادة المدروسة، أما بالنسبة للنظرة الثانية، فهي أكثر طموحا لأنها لا تكتفي بالوصف بل تسعى إلى التفسير والشرح، وكما يقول نيكولا روفيت بالنسبة للعلم الحديث لا يتعلق الأمر فقط بجمع وترتيب الوقائع، وإنما بإنشاء -عن طريق عدد محدود من الملاحظات والتجارب- نظريات ونماذج افتراضية تفسر الوقائع المعلومة وتتوقع أخرى جديدة ) ([25]). وعلى منهاج هذه الملاحظة، ‏يمكننا القول بأن قيمة "الأصوليين " العرب عند دراستهم للتراث القديم، هي في تنظيم المادة المدروسة ( إنها قراءة نفهمها على أنها مساهمة في التعريف بالتراث وإحيائه وتسهيل الاطلاع عليه)([26]) . أما عندما تطمح إلى أكثر من ذلك وتدعي مشروعية تحقيق برنامج نظري خاص باللغة العربية، ( فإنها بذلك تعادي العلم - رغم ادعاء استخدامه- لأن القارئ غالبا ما يسقط ما هو محمل به من تصورات، ويجد في التراث ما لم يكن فيه في ظروفه التاريخية، وما لم يكن في المنظومة المعرفية لعصره،  إذ، ‏يضطر إلى الحكم على فكر نشأ في ظروف معرفية وتكنولوجية معينة، بمقاييس عصر وصل فيه العلم والتكنولوجيا إلى نتائج لم يعد ممكنا معها أن نأخذ بتحاليل القدماء رمتها ، بل يمكن فقط أن نستأنس بها )([27]) .  بمعنى آخر أن كل عصر يطرح أسئلته، وبالتالي فإن طبيعة أجوبتنا بالضرورة ستكون مختلفة عن أجوبة القدماء، وهكذا يتناسى أصحاب هذا الاتجاه الذي يتبنى هذا النوع من القراءة اللا تاريخية الحاجز الذي يفصلنا عن واقع القدماء.
إننا عندما عرضنا هذه الأمثلة، لا ندعي أننا أحصينا كل القضايا التي تحضر فيها ميتافيزيقا الاستشراق. لقد حاولنا الإشارة إلى نماذج منها، وذلك من أجل التقعيد لرؤيتنا المنهجية، كما أننا لا نسعى من خلال هذه الشواهد الحجاجية، ‏أن ندافع عن ترك وعدم الاهتمام بكل القضايا التي سبق للمستشرقين أن عالجوها. إننا نتفق مع ادوار سعيد الذي يدعونا إلى ممارسة "النقد الشـــــــاك اللا يقيني" الذي لا يتعامل مع قضايا العربية وكأنها مشاكل من نوع خاص، لا يمكن أن تنطبق عليها قوانين الدراسة  العلمية المعتمدة على اللسانيات، وبذلك يلتقي أصحاب هذا الاتجاه، مع الرؤية الاستشراقية الميتافيزيقية، التي تعتبر أن مشاكل الإنسان العربي وقضاياه الوجودية والفكرية هي من نوع خاص لا تستحق شرف التعامل معها وفقا  لمنجزات الفكر العلمي ‏ومكتسبات التكنولوجيا الحديثة.
إن الخروج من مأزق هذه الأسئلة المقلوبة، التي لا نعتقد أنها تخدم اللغة العربية، لا يتحقق إلا من خلال نقد الأسس الفكرية والأطر المعرفية، التي قامت عليها مثل هذه القضايا الوهمية، وذلك بوضع قضايا اللغة العربية ضمن دائرة العلوم الإنسانية، وتحديدا علم الألسنية الحديث.
------------------
هوامــش
[1] - ادوارد سعيد ، الاستشراق ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، ص 38.
[2] - صادق  جلال العظم الاستشراق، و الاستشراق معكوسا. دار الحداثة ص 31  
[3] –إدوارد سعيد ،الاستشراق. م,سا، ص 319  
[4] -  د. صادق جلال العظم، الاستشراق معكوسا، دار الحداثة  
[5]  -  المرجع نفسه، ص30  
[6]  نفس المرجع و الصفحة
[7]  نفس المرجع
[8]  نفس المرجع
[9]  يوسف سليمان اليوسف "مقدمة لفقه لغوي جديد"، مجلة المعرفة عدد 23  أبريل 1981.
[10]  نفس المرجع ص: 83
نفس المرجع و الصفحة [11]
ادوارد سعيد الاستشراق، ص160 [12]
[13] Hamzaoui, l’académie arabe du Caire « histoire et œuvre » thèse dactylographie, Tunis 1979
[14] l.~wolf. « linguistique et anthropologie ».p.71 denoel
[15] - إدوارد سعيد: الاستشراق، م.سا ص43.
[16] - Carter « Les origines de la grammaire Arabe », éd. Geunther. P.70.
[17] -
17 - إبراهيم مدكور. "منطق أرسطو والنمو العربي" سلسلة اقرأ عدد 337 سنة 1972.
[18] -أنيس فريخة "نظريات في اللغة"، دار صادر، ص 75.
[19] - أحمد أمين "ضحى الإسلام"، ج1. ص 245.
[20] -علي أبو المكارم "تقويم الفكر النحوي"، دار الثقافة، بيروت، ص 105 .
[21] - تمام حسان: " النحو العربي ومناهج التحليل"، ملتقى لسانيات وسيميائيات، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ص49
[22] -. المرجع نفسه.
[23] -عبده الراجحي: النحو العربي والدرس الحديث، دار النهضة، بيروت، ص75.
[24] - نهاد الموسى : نظرية النحو العربي في مناهج النظر اللغوي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص10.
[25] - Nicolat Ruwet « Introduction à la grammaire générative » . Ed. Payot. p : 11
[26] - عبد القادر الفاسي الفهري "اللسانيات واللغة العربية"، دار توبقال ص. 60.
[27] -المرجع نفسه، ص61.
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2019