مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

محمد العربي المساري: المغربي تعددي منذ ميلاده

المغربي تعددي منذ ميلاده

mohamed-arbi-messari
بقلم محمد العربي المساري

يحدث لي بانتظام أن أوجه إلى صديق مغربي يهودي بطاقة تهنئة بمناسبة رأس  السنة العبرية روش هاشانا، ثم أوجه إلى نفس الصديق بطاقة تهنئة بمناسبة رأس السنة الميلادية، الذي أصبح مشاعا للإنسانية جمعاء، حتى أنه أصبح هو " رأس السنة " العالمي. وبهذا نكون هو وأنا نحتفل برأس السنة مرتين. وفيما بين المسلمين نتبادل التهنئة بمناسبة رأس السنة الهجرية، وكذلك بمناسبة رأس السنة العالمية. وبذلك تكون لي ثلاث مناسبات للاحتفال برأس السنة. وهناك أكثر من ذلك.
فحينما كنت طفلا، أذكر أننا كنا نحتفل برأس السنة الفلاحية، وكانت بلا طقوس مشابهة لما يصاحب ما سبق، ولكنها كانت تحاط بكثير من العناية. واكشتفت بعد مدة أن تلك المناسبة الصغيرة التي كان قوامها أكلة مميزة، لم تكن تعنينا فقط كأسرة مهاجرة من القرية إلى المدينة، بل مناسبة مشاعة بين المغاربة أجمعين، تسمى الحكوزة.
وحينما كبرت أخذت أجد في الحجرة الرئيسية من منزلنا بتطوان مسقط رأسي، "يومية بوعياد" الشهيرة التي كانت عائلتي تحصل عليها من طنجة، لأن ذلك المطبوع كان يستورد من الداخلية، أي المنطقة التي كانت تحت الإدارة الفرنسية. وما كان يميز تلك اليومية هو أن كل صفحة منها كانت مقسمة إلى ثلاثة مربعات. في الجزء الأعلى عن اليمين مربع يحمل تاريخ اليوم بالتقويم الهجري، والمربع الثاني بالتقويم الغريغوري، وفي الأسفل التاريخ المطابق للتقويم الفلاحي، الذي يراد اليوم أن يسمى بالتقويم الأمازيغي. والسنة في هذا التقويم تبدأ في اليوم الثالث عشر من العام الغريغوري. ومن الذكريات التي رسبت في الذهن أن ذلك اليوم كان بالنسبة إلينا هو بداية العام الحقيقي لأنه مرتبط بالنشاط الفلاحي. وليست الصدفة هي التي أدت إلى اختيار ذلك اليوم المرجعي. فهو مرتبط بالتقويم الذي سنه يوليوس قيصر، وهو إذن من بقايا الفترة الرومانية من تاريخنا.  
وكانوا يحكون لنا ونحن أطفال أن عجوزة ( ومن هنا تحريف اللفظة إلى حكوزة) تخرج في ليلة الثالث عشر من يناير، أي في عنفوان فصل الشتاء، الشديد البرودة في المغرب، لتطوف على المنازل، مصحوبة بزوجها،  وكلما وجدت بطنا فارغة ملأتها تبنا. ولهذا كان الآباء  يوصون الصغار بأن يملأوا بطنهم جيدا لكي لا تجد الحكوزة فراغا تضع فيه تبنا. وكان عشاء الليلة المعلومة يتكون من شربة قمح دسمة وساخنة.
وهكذا فإن تعدد رؤوس السنة عندنا يرمز إلى أن المغربي يعيش أربعة أزمنة. و يتأتى له أن يعيش أربع حيوات دفعة واحدة، إذ تكون له 24 ساعة التي للناس جميعا،  ولكنها مضروبة في أربعة.
وفي ظل هذا الوضع ترانا نتقاضى رواتبنا وفق التقويم الغريعوري، وننظم حياتنا الروحية وفق التقويم الهجري، بينما يأتى التقويم الفلاحي ليرتب علاقتنا مع الأرض المعطاء بحبها وعنبها وفومها وعدسها.
وهناك جزء من مواطنينا يتبعون التقويم العبري، وهو قديم في بلادنا قدم الرسالة السماوية التي كلف بها سيدنا موسى. وفي كلامنا الدارج يرد على لسان المغربي بشكل طوعي بل بديهي لفظ "سيدنا موسى" لأنه ليس في تصور المغربي المؤمن بالإسلام أن نبي الله موسى ليس نبيا له. وبعيد عن تصور غير المتعلم أن يعتبره نبيا لدين آخر.
يحدث هذا لاعتبارات عقيدية، إذ كل الرسل يدخلون في المنظومة العقيدية التي يومن  بها المسلم كشيء مسلم. " لانفرق بين أحد من رسله ". فالمغربي بحكم أنه مسلم، هو حامل لعقيدة تجبره على التسليم بوجود آخر مقبول، ، وله حرمته التامة، خاصة التابع لديانة توحيدية.
وقد ورد في بحث عن " الإسلام في الحياة اليومية " للمغاربة نشر في العام الماضي أن المغربي يقبل بوجه عام بوجود تعايش مع "الآخر" المختلف دينيا وثقافيا. وأوضح الباحثون الذين نشروا هذا الاستطلاع وهم الأساتذة م. العيادي وح. رشيق و م. طوزي، أن الآخر عند المغربي هو الشخص البعيد أو القريب الذي لا يتقاسم معه نفس الدين ونفس الثقافة. أما اليهودي المغربي فهو آخر دينيا ولكنه مشمول بنحن. وورد في البحث أن 54,1 % يؤيدون إقامة التجارة مع اليهود. ومن جهة أخرى أن 40.4 % يؤيدون أن يقع تدريس تاريخ الديانات الأخرى في المدارس.
إن الجغرافيا والتاريخ جعلا من بلادنا أرضا للتلاقي والتبادل. وهي من الأمثلة النادرة لإلتقاء الأضداد، من حيث الجغرافيا الطبيعية ومن حيث التنوع البشري والثقافي. فعندنا سواحل على البحر، وجبال شاهقة وأخرى متوسطة. وبلادنا متوسطية وأطلنطية وإفريقية. ونحن بلد عتيق وأيضا بلد حديث. ومن جهة أخرى عندنا تنوع بشري هو الذي يصنع غنانا الثقافي حيث أن كل عنصر يساهم بعطائه المتميز. فنحن أمازيغيون من عدة مشارب، وعرب بتنوبعات شتى.
ونحن بلاد عتيقة وحديثة في آن واحد. و يقول روم لاندو وهو بريطاني لاحظ أمورنا عن قرب وبحب، وألف كتابا قدم فيه المغرب للقراء الإنكليز: إنه يكفي أن تلاحظ البناء المغربي وهو منهمك في التعامل مع الطوب والآجر، لكي تتصور كيف تم بناء الكتبية وكل من صومعتي حسان في الرباط والخيرالدة في إشبيلية. ربما يقصد بذلك قوة التقليد.
و سجل ملاحظون آخرون كيف أن المغربية والمغربي يتوصلان بسهولة وبراعة إلى التكلم بالفرنسية والإنكليزية وغيرهما من اللغات بحذق يضاهي الناطقين بها من الأصليين. وهذا ليس شيئا غريبا فإن ملكنا القديم جوبا الثاني كان يكتب باللاتينية مثل أهلها الرومان، وأفلح مغاربة أمازيعيون في كتابة صفحات جميلة في الأدب العربي.
و لابد أن أعيد أن المغربي منذ ميلاده يكون تعدديا. ولكي أشرح ذلك يمكن أن أذكر بأننا نشكل مجموعة من الأقليات. وكل واحد منا ينتمي إلى فئة إثنية أوثقافية مختلفة.  
وبما أننا نتعايش في نفس الحيز الجغرافي، فإننا نتنقل فيه، وفيه نتاجر، وفي حظيرته نشارك في نفس المؤسسات التي نتخذ فيها القرارات التي تنظم حياتنا. وكل واحد منا مجبر على أن يبحث عن وسيلة مشتركة لممارسة شتى أنواع التبادل وبالطبع ممارسة الحوار وأيضا لكي يكون جاهزا للتفاوض. فالمغربي مدرب بطبعه على التفاوض لتدبير أموره اليومية التي تتوقف على التفاهم مع آخر. وهذا هو تفسير ميل المغربي إلى الاعتدال. والأفكار المتطرفة والإقصائية استثناء.
المغربي بالضرورة يبحث عن وسيلة وأسلوب للتخاطب مع مغربي آخر يتكلم لهجة متميزة وأحيانا لغة مختلفة. وهذا الآخر ينحدر من أصل مختلف، و أحيانا ينتمي إلى إثنية  مختلفة.
فنحن نتساكن منذ قرون فوق الأرض التي ورثناها من الأجداد ونشكل  مجموعات متباينة، ولكنها معتادة على أن تصنع ما نسميه وحدة في إطار التنوع.
نحن مجموعتان كبيرتان من عرب وأمازيغ. وحينما وصل الإسلام إلى المغرب على يد العرب وقع حدث فاصل في تاريخنا غير مجراه بكيفية جذرية وما زال مفعول ذلك الحدث مستمرا حتى اليوم.
ومنذ أربعة عشر قرنا كنا مجموعات متنوعة، وذلك راجع إلى الهجرات وعوامل أخرى ترسبت مع الزمن. وكانت الهجرات الأكثر أهمية تلك التي أتت من المشرق. وهذه المجموعات معروفة باسم عام هو البربر ونحن نفضل أن نسمى بالأمازيغ. وفي الوقت الراهن يوجد في حظيرة الكتلة الأمازيغية ثلاث مجموعات لكل منها لسانها وعاداتها.
والعرب أيضا هم متنوعون، إذ منهم المنحدرون من أولئك الذين وصلوا إلى البلاد في القرن الثامن الميلادي، ثم في القرن الحادي عشر. ومنهم معربون وصلوا في فترات متقطعة إلى المغرب قادمين من إسبانيا على موجات. ووصل الأندلسيون بكثافة إلى المغرب بعد انتهاء الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن الخامس عشر ثم في السابع عشر. وكان منهم أحفاد عرب من الأوائل، و أبناء إيبيريين أسلموا، وحتى أبناء  أمازيغ استوطنوا في البلاد مع الفتح، وكان منهم رجال مشهورون مثل الفيزيائي عباس بن فرناس، وبنو الأفطس الذين حكموا بطليوس، وبنو ذي النون الذين حكموا طليطلة،  وبنو زيري. كما أنه يمكن أن نجد في نقط من الصحراء مجموعات عربية وأخرى أمازيغية ممن توجهوا إلى هناك قادمين من الشمال كما من الجنوب.  
وكما يتباين المسلمون في أنسابهم، يوجد مغاربة يهود من المنحدرين من السكان القدامى يسكنون داخل البلاد، وهم من بقايا الهجرات القديمة التي وردت من المشرق، ويهود آخرون أتوا من إسبانيا وسكنوا في السواحل. وحينما وصل هؤلاء إلى المغرب مطرودين من الأندلس أطلق عليهم اسم الميغوراشيم أي الغرباء، تمييزا لهم عن الطوشابيم أي الأصليين. ولكن بطبيعة الحال لا يبقى المرء في عداد الغرباء بعد خمسة قرون، وجميعهم اليوم ينتمي إلى هوية واحدة هي التي يشتركون فيها مع باقي سكان بلد واحد هو المغرب.
إن المكونات الإثنية التي تساكنت في حظيرة هذا الكيان الضارب في القدم، قد عرفت كيف تنتج في أغلب الظروف صيغا لتنظيم تعايشها المقبول بكيفية متبادلة، والمسلم به بفضل توازن بارع، يرجع الفضل فيه كما قال الحسن الثاني إلى حس التمييز الذي يتصف به المغاربة. وهذا التوازن هو الذي حفظ للمغرب وجوده كدولة مستقلة، وكمجتمع قادر على أن يحل تعقيداته بواقعية وموضوعية. وبطبيعة الحال انزلق المغاربة أحيانا نحو أوضاع سلبية توقعهم في الفوضى، غير أنه سرعانما تحدث يقظة تعيد الانبعاث الوطني.
وقد يوجد من يقول إن التنوع الإثني لا ينفرد به المغرب وإنه شيء موجود في عدة جهات. ولكن فيما يتعلق بالمغرب يجب أن نلاحظ أن كل واحد من المكونات التي تؤلف المجموعة المغربية، هو شاعر بالاختلاف الذي يجسمه الآخر. وهم جميعا يتصرفون بناء على ذلك التنوع للقيام بمهام مشتركة وعبر مسلسل قوامه إعمال العقل والبحث عن الصالح المشترك. أي يتعلق الأمر بشيء هو أشبه ما يكون بالفسيفساء. فهذا يتألف من قطع مستقلة ومختلفة بعضها عن بعض، غير أنه لتشكيل مجموع متناغم يجب التأليف فيما بين تلك المكونات. وهو الدور الذي قام به الدين وحس التمييز الذي عند المغاربة وبهما تأتى لهم أن يصنعوا التحام المغرب كما هو عليه الآن.
وهذا اللفظ أي المغرب اسم قديم لبلد حافظ لمدة طويلة على وجوده المستقل كدولة لها كيان متميز وممتد في الزمن، محافظ على معالم جغرافية وسياسية وثقافية محددة. و "المغرب الأقصى" مصطلح قديم، ورد في كتاب برنامج التجيبي (لمؤلفه القاسم بن يوسف التجيبي، المتوفي سنة 1339 ) والمعني به المغرب الحالي. ونستفيد من هذا أن لفظة "المغرب الأقصى" كانت متداولة في أوائل القرن الرابع عشر، لتعني كيانا بذاته متميزا عن الغرب الإسلامي الذي كانت تعرف به المنطقة الواقعة غرب مصر إلى الأطلسي. علما بأن أن أول دولة مركزية بالمغرب قد أقيمت منذ المرابطين أي في القرن الحادي عشر.
ودولة المغرب، كتعبير عن إرادة هذه المجموعات التي تؤلفه، هي المحاور المقبول والمحترم من لدن جيرانه في حوض المتوسط، الذين كانت له معهم كل أشكال التبادل والاتفاقات وحتى بعض المواجهات، مما يجعل منه شريكا معروفا. وبما له من خبرة تراكمت عبر القرون، يمكن للمغرب أن يكون طرفا في حوار مسؤول هدفه هو بناء السلام وإقامة تعاون مربح بكيفية متبادلة، وهي شكل الحياة الوحيد المطلوب في عالم اليوم.
وكان الماريشال ليوطي ، وهو أول حاكم فرنسي في المغرب بعد فرض نظام الحماية قد وجه تقريرا لحكومته جاء فيه على الخصوص : " لقد وجدنا هنا حقا دولة وشعبا. وإذا كان صحيحا أن هذا الشعب يجتاز أزمة فوضى. ولكنها أزمة حديثة العهد نسبيا. وهي أزمة حكومة أكثر منها أزمة اجتماعية".  
ومن المعلوم أن نتيجة تلك الأزمة التي تحدث عنها الماريشال كانت هي فقدان الاستقلال لأول مرة في تاريخ المغرب، كدولة مستقلة موجودة منذ سنة 877. لكن ذلك الفقدان كان هو المفجر ليقظة وطنية، قادت إلى ظهور الحركة الوطنية التي كانت هي المجسدة لنهضة سياسية وثقافية.
وعبر مقاومة السيطرة الأجنبية وفي غمرة تأمل ناضج بشأن أسباب الانحطاط الذي ساد قبيل 1912، تاريخ فرض الحماية الفرنسية والإسبانية، تمكن الشعب المغربي من أن يرسم مسيرته نحو استرجاع الاستقلال والوحدة الترابية المصحوبة بمسيرة واضحة جدا نحو بناء دولة عصرية وديموقراطية.
وكان الاستقلال المستعاد في 1956 ثمرة تسوية تم التوصل إليها مع المستعمرين السابقين. وهذا ما سهل إقامة صداقة واضحة المعالم مع كل من فرنسا وإسبانيا وكذا مع الأقطار الأوربية التي اتفقت على ترقية العلاقات القائمة بين الاتحاد الأوربي و المغرب إلى وضع شراكة متقدمة، وهو وضع يمنح لأول مرة لدولة من خارج الاتحاد.
إن المغرب بلد منفتح بطبيعته، يشاطئ بحرين، ويقوم بمثابة جسر حقيقي بين أوربا وإفريقيا. وهو بلد عربي ومسلم، حيث الحوار شكل للحياة فيما بين عناصره، والانفتاح الفكري هو قاعدة في علاقاته مع شركائه. وبالتالي فإن في إمكانه بلا شك أن يساهم بتنور ومصداقية  في السنة الدولية للتقارب بين الثقافات.   

الرباط في 13 ديسمبر 2009        
حمد العربي المساري، صحافي وكاتب
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2019