مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

عبد العزيز ابن عبد الله: البادية المغربية وإشعاعها الحضاري

البادية المغربية

وإشعاعها الحضاري


عبد العزيز ابن عبد الله

اضطلعت البادية المغربية شمالا وجنوبا من الكويرة إلى طنجة بدور حضاري أشع طوال ألف عام في مسار واكب، بل نافس، ركب التطور الفكري والاقتصادي والاجتماعي في كبريات الحواضر. وسنرسم صورة مكبرة عن إسهامات منطقتين هما إقليم (كلميم) في الجنوب الأدنى للصحراء و(خريبكة) في الوسط الشرقي، لاستشفاف جوانب ربما ظل بعضها غامضا خلال عشرات الأجيال، وهي مساهمة متواضعة لإبراز بعض الانجازات التي حققتها البادية المغربية في استقرارية أصيلة تطمح باطراد إلى التجدد ضمن إطار الحضارة الإسلامية.

خريبكة ودورها في بناء الكيان الحضاري

لقد اضطلعت البادية المغربية برسالة حضارية عبر التاريخ ونود كنموذج لهذا المسار الحضاري إبراز دور (خريبكة) في بناء الكيان المغربي، ونوجز فيما يلي الخطوط الكبرى لهذا النشاط الجهوي بعد رسم صورة مكبرة عن الجهاز القبلي في هذه المنطقة مبرزين هيكل الفصائل والبطون والأفخاذ التي كيفت المجتمع بهذا الإقليم مع حياة الترحل التي طبعتها خلال القرون الأولى إلى عهد الموحدين في القرن السادس الهجري.

تقع (خريبكة) بين تامسنا وتادلا، ويقارب عدد سكانها اليوم أربعمائة ألف نسمة (372.000 حسب الإحصاء الأخير) وهي تتألف من الجماعات الآتية:

أولاد إبراهيم (بوجنيبة سابقا).

أولاد بحار كبار([1])

أولاد عزوز

أولاد عبدون (نفس الاسم لجماعة في بلاد الرحامنة)

وادي زم: تضم جماعات منها أبو الجعد وآيت عمار والمعادنة وبني اسمير وبني بانا وأولاد فنان وتاشراقت وبني ازرنتل والشكران والرواشد والكناديز وأولاد بوغادي.

وهنا يحق لنا أن نتساءل لماذا أطلق على المنطقة اسم (خريبكة) أو (خريبقة)؟ فهل هي كلمة بربرية أم عربية؟ إن مادة خ ر ب ق تؤدي مفهوم الاستقرار بالأرض وقد يكون أصل الكلمة منذ القرن السادس الهجري حيث تخلى أهل المنطقة عن الترحال والنجعة والظعن للإقامة بالأرض.

ولعل لموقع المنطقة بين تامسنا وتادلا أثرا في اختياراتها الحضارية بل وحتى السياسية التي كيفت جانبا من مميزاتها بحكم المناخ الجغرافي والمؤشرات المختلفة وأول ظاهرة لتأثير الجوار هو مطاطية مساحة المنطقة لأن إقليم تامسنا شكل في فترة زمنية غير واضحة مجموع السهول الممتدة بين سلا ومراكش وسط المغرب الأقصى وكانت كلمة (حوز) تقرن بهذا الإقليم الذي عرف امتدادا آخر على طول ساحل المحيط الأطلنطكي عبر نهر أبي رقراق (الفاصل بين العدوتين: سلا والرباط) إلى نهر أم الربيع ثم انحصر بعد ذلك في إقليم الدار البيضاء ليطلق أخيرا على منطقة الشاوية بما عرف فيها من تفاعلات عربية بربرية ولعل النحلة البرغواطية قد حاولت طوال هذه الفترة وقبل ظهور الموحدين استقطاب الفكر العقدي والديني غير أنها لم تفلح لأننا لم نعثر على أية ظاهرة بارزة توذن بهذا التأثير وقد يكون لطابع الترحل وعدم الاستقرار القبلي ضلع في استمرار أصالة المنطقة التي وجدها الموحدون خلوا من رواسب الانحراف سواء منه البرغوطي أو الخارجي (أي مذهب الخوارج).

وقد انحصر الشق الإباضي من الخوارج في تلمسان منذ عهد أبي قرة (القرن الثاني الهجري) والشق الصفري في سجلماسة منذ تأسست عام 140 هـ على يد بني مدرار إلى أوائل القرن الرابع الهجري وهو آخر عهد المغرب بهذه الطوائف المنحرفة عدا فلول البرغواطيين وبقايا أباضية تحمل اسم البضاضوة أو العكاكزة إلى عهد الحسن الأول أوائل القرن الرابع عشر الهجري.

أما تادلا فقد امتد نفوذ المولى إدريس الأكبر إليها بين 172 هـ و177 هـ جنوبي مكناس وفاس وطفقت إلى أوائل القرن السادس الهجري موئلا وملجأ لأدعياء الملك مما أدى عام 530 هـ إلى وقعة تادلا (في عهد عبد المومن بن علي الموحدي).

وكانت تعتبر طريقا مفتوحا بين فاس ومراكش قبل أوائل القرن الثاني عشري ممرا للقوافل التجارية التي كانت تنحدر منذ القرن الثالث الهجري من قرطبة بالأندلس على العدوة الجنوبية عبر قصر المجاز (القصر الصغير) ثم البصرة (العاصمة الثانية للأدارسة) وفاس ومراكش عن طريق الأطلس الأوسط ثم سجلماسة ومنها إلى السودان لاختراق (بحر القلزم) أي البحر الأحمر للوصول إلى اليمن ومحاذاة الربع الخالي المؤدي إلى الخليج العربي وبصرة المشرق وقد اتسمت هذه الطريق بكثير من مظاهر الوحدة والتساوي سلالة ولهجة وأعرافا بحكم الاحتكاك او التهجين وقد أصبح الانتقال بين فاس ومراكش يتم منذ القرون الأخيرة عبر تامسنا أي عن طريق الساحل من الرباط إلى فضالة (المحمدية اليوم) ثم أنفا والشاوية.

ويمكن أن نتساءل عن ماهية القبائل الأصلية في المنطقة إذ لم تكن بها قبل الموحدين قبائل قارة- على ما قد يلوح- وإنما كانت كانت تتردد عليها قبائل رحالة انتجاعا للمرعى والماء، وفي عام 584 هـ نقل إليها يعقوب المنصور الموحدي العرب الهلاليين وهم عرب (أثبج) مع (جشم) الذين منهم (الخلط) وبنو جابر وأولاد مطاع عرب معاقلة وبطن من سفيان أخوال المولى زيدان العلوي (راجع زهر البستان في أخبار المولى زيدان، لمحمد العياشي المتوفى عام 1139 هـ).

فالعرب الهلاليون كانوا مع زناتة درعا للجيش الموحدي الذي عبئ في 18 جمادى الثانية 558 هـ للجواز الثاني إلى الأندلس ضمن ثلاثمائة ألف فارس انتشروا إلى سهول أبي رقراق قبل أن تعاجل المنية الأمير عبد المومن ابن علي في مدينة سلا.

أما بنو جابر فمن بطونهم ورديغة وقد تحيزوا إلى سفح الجبل بتادلا يجاورون صناكة القاطنين بهضابه وصناكة أو صنهاجة كان لها أيضا دور في المنطقة وهم عرب بائدة منحدرون من اليمن ومن هذه الكلمة اشتقت أسماء مثل سنغال وزنوج...الخ.

وبخصوص اقتصاد المنطقة لوحظت ثلاث مراحل:

1) من آخر الفتح الاسلامي إلى عام 584 هـ وهي فترة امتازت بالنجعة والتجارة أي فترة حركية اعتورتها تغييرات جذرية في الانتماءات القبلية.

2) من آخر الرقن السادس الهجري إلى آخر القرن الثاني عشر منه: اتسم هذا العهد بنوع من الاستقرار تبلور في اتجاه متزايد نحو الالتصاق بالأرض لفلحها وزراعتها وتربية المواشي في مراعيها بالإضافة إلى الحركة التجارية التي تقلصت خلال القرن الثاني عشر بسبب المزاحمة التي انطلقت من الطريق الساحلي الجديد بين فاس ومراكش وأقصى الجنوب.

3) منذ اعتلاء جلالة المرحوم محمد الخامس على العرش عام 1927 تم الكشف عن الفوسفاط الذي بلغ دخله عام 1930 م ما قدره مائتا مليون فرنك وهو مبلغ باهظ بالنسبة لذلك العصر، غير أن المعمرين والفرنسيين والألمان استطاعوا أن يستحوذوا – في ظل الاستعمار- على الأراضي الصالحة للزراعة حيث بلغت مساحتها في الشاوية وحدها 27.671 هكتارا عام 1912 انتزعت من سبعمائة ألف فلاح أو ملاك زراعي مغربي وكانت الماشية آنذاك مزدهرة حيث بلغت رؤوس الغنم ثمانية ملايين والأبقار مليونين اثنين حسب إحصاءات نفس السنة وهي 1927. وهي كمية لا يستبعد وجودها في منطقة غنية إذا اعتبرنا أن إحصائيات عام 1859 سجلت 48 مليون رأس من الغنم وستة ملايين من البقر بالنسبة لمجموع المغرب، مع أن كمية رؤوس الغنم اليوم في الشمال الإفريقي لا يتجاوز خمسة وعشرون مليونا. وتأسست بالدار البيضاء مولدة كهربائية عام 1924 أصبحت تمد منذ سنة 1928 الخطوط الحديدية بين الدار البيضاء وخريبكة.

وعناية الملوك العلويين بالمنطقة بلغت شأوا بعيدا تبلور في مدى اعتمادهم على رجالهم اقتصاديا وعسكريا مما جعل السلطان محمد بن عبد الله يعين عام 118 هـ / 1774 م على تادلا مثلا أحد أبنائها وهو صالح بن الرضى الورديغي([2]) وقد اندرجوا في سلك الجيش المغربي في عهد ثلاثة ملوك علويين وهم محمد الثالث والمولى سليمان والمولى عبد الرحمان بن هاشم بعد أن شاركوا في وقعة الأرك بالأندلس عام 591 هـ وفي وقعة وادي المخازن عام 986 هـ وانتظموا في العسكر الرسمي منذ أيام المرينيين.

أما في الحقل الثقافي فيكفي أن تشير إلى الدور الطلائعي الذي اضطلعت به مدارس (أبي الجعد) و (زاوية الدلاء) مما لا يقل أهمية عن دور (زاوية تامكروت) الناصرية ضمن نشاطات امتدت جسورها عبر عصور متوالية إلى عهد المولى هشام لا سيما بعد أن انتقل الزعيم الديني محمد العربي المعطي الشرقي من مراكش إلى أبي الجعد في هذه الفترة. على أن المنطقة استقطبت منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين حركة مناوئة لبرغواطة المنحرفة فكانت معقلا حصينا للفكر والثقافة الاسلامية ومنطلقا لتطور اقتصادي عارم في الميدانين الفلاحي والصناعي بفضل مناجم الفوسفاط وسد (بين الويدان) وقد كان لرجالها دور فعال رائد في مجال الاستشهاد والفداء في اتصال مع شهداء المقاومة بالدار البيضاء ضمن ثورة الملك والشعب عام 1953 فاستحقوا بذلك أسمى المعالم في ساحة الشرف.

تلك منطقة من عشرات المناطق المغربية التي شكلت طوال ألف عام حلقة حضارية فياضة بالعمل المطرد البناء!

كلميم عاصمة الجنوب الأدنى للصحراء

تختلف أنظار المؤرخين حول أبعاد منطقة كلميم أو كولمين والأسماء التي تداولتها عبر التاريخ فقد حدثنا البعض أن اسمها الأول كان (نول لمطة) ثم تاكاوصت قبل أن تحمل الاسم الحالي([3]).

و(نول لمطة) هذه وصل اليها المرابطون في القرن الخامس وهي حسب La Chapelle في كتابه les Tekna du Sud Marocain-Paris مدينة (أسرير الزوافد) الحالية غير ان الشيخ دحمان ولد بيروك قائد (ايت موسى أوعلي) يرى أن (نول لمطة) هو اسم لمدينة (تاكاوصت) المعروفة اليوم بالقصابي ويرى البعض أن (نول) تكمن في انقاض (تشيشت)بتغمرت شرقي وادي نون (كتاب تكنة –مونطي Montel).

ومهما يكن فان هذه الاسماء تندرج ضمن دوائر تخضع لكلميم وهي طرفاية واقا وايتوسي (وكانت تعرف باسا) وطاطا والطنطان والقصابي الخ....

أما اكلميم فهي إحدى جماعات دائرة بني اسناسن (إقليم وجدة) وكولميمة إحدى دوائر الرشيدية (أي قصر السوق).

وكانت (كلميم) تشكل في القرن الثالث عشر الهجري إحدى المناطق الكبرى في الصحراء تضم درعة أو طرفاية والساقية الحمراء وهي أربع مقاطعات تنطلق من سوس إلى ما وراء ذلك من باقي الصحراء إلى نهر النيجر وهو المعروف بالنيل الغربي في القسم الغربي من السودان الذي يقابله النيل الممتد على طول مصر والسودان، وقد لاحظ المؤرخ مولييراس Monlièras (في كتابه المغرب المجهول le Maroc inconu الذي صدر عام1895) أن المغرب كان يضم عشر مقاطعات ثلاث منها في أقصى الشمال وهي (الريف وجبالة وفاس) وثلاث في الوسط (حوز مراكش وبلاد البربر والظهرا شرقا) بالإضافة إلى المقاطعات الأربع المذكورة في الجنوب وأكد ملييراس أن هذا التقسيم كان مجهولا في أوربا التي "ترسم خرائطها –كما يقول مولييراس- في فوضى والاتباس". وقد عبث الاسبان، فقسموا الصحراء المغربية عام 1359 هـ/1940م طبقا لنظام تجزيئي إلى أربع مناطق هي : إبفني وطرفاية والساقية الحمراء ووادي الذهب ثم قرروا تقسيما ثانيا قبيل استقلاق المغرب يحتوي على منطقة شمالية هي طرفاية وثانية وسطى هي الساقية الحمراء وثالثة جنوبية هي وادي الذهب.

ولعل تداخل المناطق الصحراوية المغربية هو الذي شجع المستعمر على التأرجح في تقسيماته لأغراض سياسية وإلا فمن الصعب تقسيم صحرائنا لان قبائلها كانت تنتج في مطاطية موصولة موارد العيش حيثما طاب لها المقام في مناخ هو نفس المناخ وبين بني عمومة أوخؤولة لا يختلفون حيثما انتقلت فلذلك نجد هذه القبائل مبعثرة تتأصل مغربيتها بالانتشار القبلي بين شمالها وجنوبها فمن العبث إذن أن نحاول تحديد تخوم مفتعلة لنواح عاش بعضها في ظل حاضرة اعتبرت باب الصحراء ومهبطا تستريح فيه الرواحل بين الجنوب وأقصى الجنوب ولهذا كانت (كلميم) الحاضرة المركزة تحط فيها القوافل التي بلغت أعداد جمالها المحملة بمنتجات شقي المغرب الشمالي والجنوبي في فترات من تاريخ المغرب ألف جمل تتوالى قطاراتها كل يوم من الكويرة إلى طنجة.

وإذا أردنا أن نضرب مثلا حيا لهذا الانتشار القبلي ضمن الوطن الواحد أمكننا أن نرد عاصمة (العيون) نفسها إلى جهة طرفاية لأن أغلب سكانها من هذه المنطقة أي من عمالة كلميم وسكان طرفاية الحقيقيون هم الآن في الساقية الحمراء وهم الأزرقيين والفيكات ولميار وآيت لحسن والرقيبات وهي فخذة العروسيين وأولاد تيدرارين ولنأخذ فخذة واحدة من هذه الفصائل وهي فخذة العروسيين الذين امتزجوا بباقي القبائل عن طريق المصاهرات والاحتكاكات الاجتماعية وهم يعيشون الآن بين الساقية الحمراء ووادي الذهب على طول ساحل المحيط وينتمون إلى الشيخ سيدي أحمد العروسي الذي يوجد ضريحه قرب مدينة الصمارة وقد انتقل إلى الصحراء من مراكش الحمراء والمولى عبد السلام بن مشيش من قبيلة بني عروس التي توجد كلها أصالة في جبل (العلم) المعروف بجبل مولاي عبد السلام.

وهذه النجعة لم تكن لها دائما دوافع اقتصادية أو اجتماعية بل إن الاختيارات الثقافية كان لها ضلع حيث كان بعض أهل سوس يرسلون أولادهم إلى صحراء (كلميم) وغيرها ليتعربوا وهي شنشنة عرفناها في باقي البلاد الإسلامية فكان الناس يتبدون أي يقصدون البادية لإصلاح ألسنتهم كما فعل الامام الشافعي الذي اختار لمقامه بطاح قبيلة (بني هذيل) على أن الوصلة كانت ممدودة منذ القرن الرابع الهجري أي طوال ألف عام بين جامعة القرويين بفاس وبعدها جامعة ابن يوسف بمراكش من جهة والصحراء المغربية من جهة أخرى فلذلك لم تخل هذه الفيافي الشاسعة من علماء أفذاذ أسهموا بحظ وافر في بلورة الفكر الإسلامي عبر الديار المغربية شمالا وجنوبا في مثاقفة عارمة ظلت لحمة حية عبر الأجيال.

وقد أشع وميض الحضارة المغربية عبر هذه المسارات متكاثفة متواكبة تواصلت من خلال ما جريات المذهب المالكي وسلفيات التصوف وتشابه الأعراف وتوافق اللهجات العامية وأساليب الكتابة المغربية المختلفة عن الشرقية ومناهج التعليم في الخلوة أو المسيد (تصغير مسجد) وحفظ المتون الخ.

ولعل إطلاق (دار بيروك) على جهات من هذه المنطقة راجع إلى الدور الذي قام به آل بيروك حيث تولوا عمالة الساقية الحمراء فوسعوا نشاط ميناء طرفاية بتعزيز القوافل التجارية مما أطمع الانجليز في امتلاك الإقليم وقد تصدى آل بيروك عام 1292 هـ 1875 بأمر من السلطان الحسن الأول للاستعداد للطوارئ حسما لغزو محتمل وقد عين المخزن دحمان بن بيروك عام 1299 هـ 1881 م وسلحه عام 1303 هـ 1885 لحراسة السواحل من طرفاية إلى الداخلة (وهو الاسم العربي لوادي الذهب) وصد كل من طرفاية إلى الداخلة (وهو الاسم العربي لوادي الذهب) وصد كل عدوان أجنبي عن الصحراء وفي العهد الحفيظي تولى على فال بن دحمان خلفا عن والده على رأس ولاية الساقية الحمراء لإقرار الأمن في آيت باعمران مع مواصلة خفر السواحل وقد خلفه أخوه أحمد سالم بن دحمان إلى عام 1331 هـ 1913 م حيث انضم إلى جيش التحرير بقيادة أحمد الهيبة على إثر استيلاء الأسبان على المنطقة وفي نفس السنة تولى أخوه عابدين الولاية وصاحب مندوب السلطان المولى إدريس بن عبد الرحمان إلى موريطانيا عندما حمل الظهائر السلطانية لتنصيب الولاة في الصحراء وهكذا يمكن القول بأن الصحراء كانت تشكل منطقة واحدة لها حاضرتان مركزيتان هما (العيون) في أقصى الجنوب و(كلميم) في أدناه([4]).

وقد اشتهرت (كلميم) بزاوية (أسا) حيث مدفن الشيخ يعزى بن وهدى الذي توفي عام 766 هـ 1335 م وقد تولى على هذا المركز الصوفي بعض رجالات الفكر مثل محمد بن أحمد الحضيكي (المتوفى عام 1186 هـ 1775 م) ويظهر أن زاوية (أسا) من اقدم الزوايا أي الرباطات الصوفية التي عرفها المغرب حيث أسسها شيخ صوفي توفي عام 500 هـ 1107 م في نفس السنة التي توفي فيها يوسف بن تاشفين حسب وثيقة محفوظة في الزاوية ويقام سوق سنوي بهذا المكان وقد وصفها كأحد رباطات (تكنة) مؤرخون غربيون تحدثوا عن سبب تأسيسها وذلك من أجل طرد المشركين من تيزكي سلام والقضاء على قصر (أدروم) وقد تجمعت حول الزاوية المناضلة عناصر من أصول مختلفة هي التي كونت (أيت أوسي أو أيتوسي)([5]) كما استقطبت المنطقة بفضل هذا الاشعاع الروحي عناصر وردت من المغرب الأدنى كآل حمود وعلى الذين جاءوا على ما قيل من تونس وضربوا خيامهم في (إيفران) وتغجيجت وهم الذين أسسوا مسجد (أسا) وقد انضم إلى الزاوية بعد ذلك أهل (أجواكين) الواردين من تاجا كانت وأهل أكوارير وهم محارزة (تيميمون) بكوراره.

كل ذلك يدل على أن المنطقة اضطلعت برسالة ثقافية ودينية سامية في الصحراء منذ عهد المرابطين حيث كانت صلة الوصل بين أقصى الصحراء وشمال المغرب ومهبط ركب الحجيج الوارد من السودان الغربي (السنغال الحالي) والمتجه شمالا نحو مراكش أو شرقا نحو سجلماسة التي كان الانطلاق منها يغذي الطريق الأولى التي عرفها المغرب عبر الأطلس بين فاس ومراكش قبل أن تؤسس في العهد العلوي الطريق الساحلية المارة بالرباط والدار البيضاء على أن مدينة (سجلماسة) قد أسست عام 140 هـ فكانت العاصمة الفكرية الأولى للمغرب قبل عهد الأدارسة الذي بدأ عام 172 هـ بدخول المولى إدريس الأكبر وكان مسجد سجلماسة أول معهد درس به العلم قبل جامعة القرويين التي لم تؤسس إلا عام 245 هـ وإلى سجلماسة ينتسب عكرمة التابعي تلميذ الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن عباس وقد لاحظ ابن حوقل في مسالكه (ص 70) وياقوت في معجمه امتيازها صناعيا بغزل الصوف فاقت تقنيته آنذاك ما عرفته مصر . و بسجلماسة نزل الشريف الجليل الحسن بن قاسم الحسني جد الملوك العلويين الذي استقدمه أهل الصحراء تيمنا وتبركا من (ينبع النخل) بالجزيرة العربية فاختار لإقامته أسمى منطقة من حيث السكون الروحي والفيض الرباني وقد قام بتدريس العلوم في جامعها إلى أن توفي عام 676 هـ 1277 م وكانت القضايا الفقهية ترفع إليها من سائر أنحاء المغرب وقد بلغت مكانة اقتصادية جعلت الأندلس نفسها تتعامل بالدنانير السجلماسية التي عرفت بالدنانير العشرية وكانت أداة التعامل بمجموع الصحراء وخاصة في إقليم (كلميم) الذي يظهر أنه بدأ يستقطب جزءا من النشاط الحضاري في المنطقة بعد تأسيس (مراكش) التي خلفت أغمات حيث تجمعت آنذاك فئات من رجالات العلم اجتذبت إليها علماء تونس الذين وجدوا في المنطقة بين كلميم وسجلماسة الموئل الفكري والوحي الخصب وقد حدثنا صاحب (التشوف في رجال التصوف) عن العشرات من هؤلاء وعن غيرهم من علماء المغرب والأندلس الذين اختاروا اللجوء إلى هذه الرحاب.

والواقع أن الإقليم شكل منذ ذاك شبكة طرق سالكة كان بعضها يتجه أيضا من سجلماسة إلى (تنبكتو) ومن درعة إلى السودان الغربي ومن (وادي نون) إلى (سان لوي) (بالسنغال) زيادة على الجادة العادية التي أصبحت تستقبل منذ القرن الثالث الهجري القوافل المنحدرة من قرطبة عبر البصرة وفاس ومراكش وقد وصف الحسن الوازن المعروف بليون الإفريقي في كتابه (وصف إفريقيا) هذه الطريق عام 918 هـ 1512 م حيث رافق تجارا بين المغرب والسودان الشرقي وكانوا قد دشنوا حينداك طريقا جديدا من الجنوب عبر التشاد (وصف إفريقيا ج 1 ص 14 و 99) لأن الطريق المار بفزان وطرابلس كان قد هجر منذ قرن بسبب عبث عبر الساحل كما هجر البحر بسبب عيث القرصانه وكانت القوافل تتجه قبل ذلك طوال ستة قرون عبر بلاد النوبة وجنوب السودان الشرقي ثم بحر القلزم (البحر الأحمر) إلى اليمين والخليج العربي للوصول إلى (بصرة) الشرق التي كانت لها مبادلات ضمن مراكز تجارية مشتركة مع سجلماسة تعاملت لأول مرة في تاريخ المغرب الكبير فضلا عن باقي غربا في القارة الافريقية بالحوالات المالية وقد ظلت الوصلة ممدودة والتضامل مستمرا في جميع المجالات بين أجزاء المنطقة وخاصة بين سجلماسة ودرعة في العهد الذي أسست فيه مدينة (كلميم) حيث كتب فقهاء كل من سجلماسة ودرعة في العهد الذي أسست فيه مدينة (كلميم) حيث كتب فقهاء كل من سجلماسة ودرعة عام 447 هـ 1055 م إلى عبد الله بن ياسين ويحيى بن عمر يستنجدون لاتقادهم من ظلم مسعود بن وانودين وتحديد معالم الإسلام المندثرة في الصحراء فهب المرابطون في نفس العام (وقيل عام 445 هـ) لتحرير درعة من الاقطاع المغراوي وقتل الأمير مسعود وإحراق مزامير اللهو والمواخير وإسقاط المكوس والمغارم في كل من سجلماسة وباقي الصحراء وقد سار الموحدون على هذا النهج ضمن وحدة المغرب وصحرائه وحاول بنو عبد الوادي تملك المنطقة في عهد يغمراس بن زيان ولكن يعقوبا المريني انبرى عام 673 هـ 1274 م لصدهم مستعملا نوعا من السلاح أشار إليه ابن خلدون وهو "هندام النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانة أمام النار الموقدة في البارود" وهي أول مرة استعمل فيها المسلمون مادة تشبه البارود لمقاومة ما عرف آنذاك بالنار الإغريقية.

ومنذ أوائل القرن الماضي عمد المخزن إلى توفير وسائل تأمين السواحل المغربية في الصحراء حيث قام الحسن الأول عام 1303 هـ برحلة إلى طرفاية Cap Juby لإقامة مركز زحامية وتغيير ما أحدثه التجار الانجليز وطمس أعلامه وبناء مرسى (أساكا) واتخادها مركزا للإصدار مع ترتيب (عسات) بالسواحل من أكادير إلى كلميم (الاستقصا ج 4 ص 265) ولعل شساعة المسافات في هذا الشاطئ قد حدت المخزن منذ عهد مبكر إلى نهج طريقة ناجعة للخفر والحراسة فهل كانت هنالك حاميات مبعثرة على طول الساحل؟ هل كان الخفر برا أم بحرا؟ كل ما نعلم أن آخر وثيقة تحدثت عن ذلك يرجع تاريخها إلى عام 1319 هـ 1901 م أي أول القرن العشرين حيث كلف المولى عبد العزيز إبراهيم بن مبارك الشتوكي التكني مع محمد بن بلال البوسعيدي ب (السهر على حراسة السواحل المغربية على طول الصحراء من طرفاية إلى رأس بوجدور "...برا وبحرا ونصب العيون وتطيير الأعلام بما عسى أن يروم أحد إحداثه" وقد تحدث ابن مرزوق الخطيب التلمساني (المتاوفى عام 781 هـ /1379 م) (حسب المسند الصحيح الحسن –الباب 39) عن الربط التي أنشأها أبو الحسن المريني على سواحل المغرب والجزائر وكانت "إذ وقعت النيران في أعلاها تتصل في الليلة الواحدة أو بعض ليلة في مسافة تسير فيها القوافل نحوا من شهرين وفي كل محرس منها رجال مرتبطون نظار وطلاع يكشفون البحر فلا تظهر في البحر قطعة تقصد ساحل بلاد المسلمين إلا والتنفير يبدو في المحارس فأمنت السواحل في أيامه السعيدة وقد نصت المعاهدة الانجليزية المغربية لعام (1273 هـ /1856 م) في بندها الثالث عشر على أنه إذا غرق مركب بريطاني في وادي نون أو مكان ما من سواحله فإن سلطان المغرب سيستعمل سلطته لإنقاذ وحماية قائد المركب وطاقمه إلى أن يعودوا إلى بلادهم يساعدهم ولاة وعمال سلطات المغرب في مثل هذه الأماكن" وقد أصبحت السفن منذ ذاك تحمل كل ستة أشهر المؤن إلى الجند المغربي المرابط هناك.

فكلميم كانت إذن المنطلق المركزي الذي انبرت منه جيوش الحامية لتنتشر في الصحراء وهي الحاضرة التي استقر فيها مولانا الحسن الأول عام 1303 هـ لتركيز الوحدة وتحرير الجيوب.

هوامـــش

مجلة المناهل، العدد 38، 1986، ص-ص35-68

[1] - راجع وصفها في كتاب صدر عام 1948 ل Alain Chaillons

[2] - الاستقصاء 4 ،110.

[3] - راجع تكاوصت ووادي نول مع ترجمة وإليها. ابن يد عبد المولى بن عيسى في ( مناهل الصفاء مختصر الجزء الثاني ص 59)، وكانت تكاوصت هذه عاصمة للإقليم مثلما أصبحت اليوم حيث كان على رأسها وال.

[4] - توجد مذكرات مجهولة المؤلف في حياته وقع النقل عنها إلى القرن العاشر اختصرها محمد عمرو السوسي الإسريري من رجال القرن التاسع وسماها ( الهدى في أخبار ءال يعزي وهدى).

M.De Fust , Etude sur la tribue de Ait Oussa; Assa..-[5]

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018