مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

محمد الوهابي: نحو إعادة كتابة تاريخ الشعر المغربي الحديث*

نحو إعادة كتابة تاريخ الشعر المغربي الحديث*


محمد الوهابـي

تعززت المكتبة النقدية الجامعية في المغرب بصفة عامة، والنقد الشعري منها بصفة خاصة، بصدور مؤلف جديد للدكتور عباس الجراري تطوّر الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب من 1830م إلى 1990م(1)، وهو كتاب يندرج ضمن سياق الجهود العلمية التي مافتئ المؤلف يبذلها، تدريسا وتأطيرا وبحثا، في سبيل المساهمة في الدفع بالبحث العلمي داخل الجامعة المغربية إلى مواقع مشرفة، وكذا الرغبة في تقديم وجهة نظره حول موضوع مااختلف الدارسون على موضوع كما اختلفوا حوله، وأعني بذلك مسألة التطوّر والتجديد في الشعر المغربي، حديثه ومعاصره.

نظرة بسيطة على ببليوغرافية أعمال المؤلف توضح تعدد اهتماماته واختلافها زمانا ومكانا وموضوعات... دون أن نشير إلى الجهود الكبيرة في الإشراف والتوجيه، والتي أثمرت مكتبة غنية من النصوص المحققة شعرا ونثراً، إبداعاً ونقدا، فضلا عن الدراسات العلمية، التي تعتز بها المكتبة الجامعية اليوم، والتي كشفت عن جوانب هامة ومضيئة من تراثنا المغربي قديما وحديثا.

وأحب أن أذكرها هنا، وعلى سبيل المثال فقط، بحدثين اثنين

1 ـ جهود الرجل في سبيل إدخال مادة الأدب المغربي والشعبي ـ باعتبارهما تخصصين ـ إلى شعبة اللغة العربية وآدابها بجامعة محمد الخامس، وهو التخصص الذي خرج طائفة من الباحثين الذين قدموا خدمات جلى للثقافة المغربية، قديمها وحديثها ومعاصرها. ولم يكن الأمر سهلا في ذلك الزمن ولايسيرا كما قد يتصوّر الآن.

2 ـ اهتمام أستاذنا بمجال الأدب الشعبي الذي حضر فيه أطروحته المعروفة حول ┐القصيدةî(2)، وهو اختيار لم يكن يسيرا في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الجامعة المغربية، والتي طبعتها توجهات لم تكن تنظر بعين الرضى لمثل هذه الاختيارات، وهنا أيضا كانت شجاعة الاختيار، وطليعية العمل الذي لايزال يحتفظ بقيمته العلمية والتاريخية والتوثيقية، بل أستطيع أن أزعم بأن قيمته اليوم قد ازدادت أهمية وبروزا مع تطوّر الوعي التاريخي، ونضج الفكر الأدبي والنقدي، وانتفاء كثير من العوائق الإيديولوجية الموجهة للدرس الأدبي. علما بأن الدراسات في هذا المجال ـ مجال الأدب الشعبي في المغرب ـ تبقى قليلة ونادرة رغم مرور عقود على تأسيس الجامعة المغربية.

قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة ومدخل من مبحثين

الأول وسماه إطار عام.

الثاني وسماه مفاهيم واتجاهات.

على أن القارئ يقف على عنوان آخر داخل المبحث الأول من المدخل وهو نهضة المغرب الحديث وتجلياتها الفكرية والأدبية.

ثم انتقل إلى الباب الأول من الكتاب وعنونه بـ الفرد والمجتمع، وقسمه إلى فصلين

الأول وسماه في رحاب الوجدان.

الثاني وسماه الواقع الاجتماعي.

بعد ذلك يأتي الثاني وهو تحت عنوان الوطن والأمة، ويضم فصلين

الأول التعبير الوطني.

الثاني البعد القومي.

أما الباب الثالث الموسوم بـ مقومات ومؤثرات، فيتكون من فصلين

الأول يحمل عنوان مقومات فنية ويشتمل على ثلاثة مباحث

أ. اللغة. ب. الإيقاع. ج. الصورة.

الثاني ويحمل عنوان التناص ، مؤثرات.

وأخيرا ينهي المؤلف كتابه بخاتمة تحمل عنوان تأمل واستنتاج.

ونقف في النهاية على مسرد عام للمصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة.

فكيف قارب المؤلف هذا الموضوع المتشعب، الشائك والواسع والذي حكمته على امتداد تاريخه جملة من الاشتراطات والإكراهات، وكيفت مسيرته عدد من الأوضاع والاعتبارات والسياقات، مما جعله مجالا يختزل ويختزن كل الأسئلة المحرقة والموجعة في ذات وذاكرة وجسد المغرب من أقدم اللحظات المعتمة في جغرافيته إلى أحدث الالتباسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المتفاعلة فيه؟ وماهي، قبل ذلك، الدوافع والمقاصد من وراء هذا التأليف؟ وماهي مبررات اختيار هذه الفترة الزمنية بالذات ، الحديث والمعاصر؟ وماهي المنطلقات النظرية والمنهجية والمعايير الموجهة في

أ. اختيار الشعراء.

ب. اختيار النصوص ، النماذج المدروسة.

ج. اختيار الموضوعات أو التيمات.

وماهو المنهج المتبع في دراسة هذا المتن الضخم طولا ، الزمن أكثر من قرن ونصف وعمقا ، تعدد النصوص والقضايا والظواهر؟

في سبيل الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها أقول

إن أول مايواجه القارئ هو عنوان هذا المؤلف، والذي يتضمن جملة من المفاهيم التي كثيرا ماأثارت نقاشا هادئا حينا، وحادا أحيانا أخرى، بين النقاد والدارسين والشعراء أنفسهم، وأقصد بذلك مفهوم التطوّر، ومفهوم الحداثة، ومفهوم المعاصرة.

ووعيا من أستاذنا بماقد يخلفه استعمالها من التباسات لدى القارئ، فقد بادر، ومنذ الصفحة الأولى من المقدمة، إلى تقديم تعريفه لها، وهو تعريف لايقيد نفسه بأية مرجعية نظرية أو منهجية أو فكرية مسبقة مما هو متداول في هذا الباب، وإما هو ينطلق من فهم خاص لهذه المفاهيم كماهو دأبه في باقي الأمور الأخرى.

يقول معرّفا التطوّر

┐ومن غير أن أثير الأبعاد الدلالية للمصطلحات، أبادر إلى القول بأني لم أقصد من ، التطوّر إلا ملمح النموّ الذي جعل الشعر يتحرك متنقلا من وضع إلى آخر، لاشك أنه في سياقه اكتسب بعض المظاهر الارتقائية التي بها أحرز كيانه، أو سلك الطريق إلى إحرازه، وهو مالاإمكان لتحقيقه إلا داخل المنظومة الإبداعية التي قد يفترض فيها وجود المبدع الخارق السباق الذي لايتجاوز عصره فيأتي بغير المعهود. ولكن الشعر ـ كجميع الآداب والفنون ـ لايخرج في سيره عن حدود مسيرة الفكر البشري والحياة الإنسانية عامة، أي أنه قد يتعرض لما يمكن أن يتعرضا له من صعود وهبوط، أو ركود ويقظة، أو تطوّر وتجدد، أو صراع وتغيير، أو حتى موت وفناءî(3).

وكما يتضح من هذا النص، فإن مفهوم ┐التطوّرî هنا لايرتبط بنسق فكري محدد، أو إطار نظري خاص، أو اتجاه فلسفي بعينه؛ إنه تعريف يتسم بخاصيتين اثنتين كما يبدو لي

1 ـ المرونة

وهي خاصية تسمح بهامش واسع من الحرية داخل مختلف الأنظمة الإبداعية والسياقات الثقافية، والتصوّرات النظرية، والأجهزة المفهومية دون قيد منهجي يحد من هذه الحرية، أو اعتبار ابستمولوجي يوجّه تلك الحركة.

ومن ثم فـ ┐التطوّرî من هذا المنظور، لايغدو بالضرورة رديفا لشكل معين من أشكال الخطاب الإبداعي، أو نمط محدد من أنماط التفكير والتعبير؛ بل على العكس من ذلك، هو سيرورة لأوضاع وسياقات يتحرك الإبداع داخلها، ويتفاعل معها للدفع بها نحو تخوم وآفاق جديدة تضمن له حدا من التجاوز. والمقصود بالتجاوز هنا، سعي هذا الإبداع لخلق دينامية جديدة تحقق لهذا النمط من التعبير مايسميه الباحث ┐ملمح النمو الذي جعل الشعر يتحرك متنقلا من وضع إلى آخرî، ومايشير إليه باكتساب الشعر لـî بعض المظاهر الارتقائية التي بها أحرز كيانهî.

والأستاذ الجراري وهو يتحدث عن التطوّر في الشعر المغربي أو يرصد مظاهره وتجلياته، فهو لاينظر إليه باعتباره بنية مغلقة، أو نسقا معزولا عن باقي البنيات والأنساق الأخرى، الفاعلة فيه والمتفاعلة معه، وإنما هو مدرك تماما لهذه الجدلية القائمة باستمرار بين أي نشاط إبداعي ┐والمنظومة الإبداعيةî التي ينتمي إليها من جهة، وبين هذه الأخيرة وبين مختلف نشاطات ┐الفكر البشري والحياة الإنسانية عامةî، مما يجعله، أي الإبداع، في طليعة العناصر التي تتأثر بالتغيرات والتحوّلات التي يعرفها هذا الفكر وتلك الحياة، سواء بالسلب أو بالإيجاب.

2 ـ التسامح

وهي خاصية تظهر في نظرة الباحث إلى المناهج وسبل تعامله معها، مثلما تظهر في كل المفاهيم المستعملة داخل هذا الكتاب. ولعل مردّ ذلك، كما يخيل إلي، إلى نزوع واضح لدى الأستاذ الجراري نحو رفض كل وصاية أو تحجير، ولاسيما في مجال الفكر والإبداع.

هاتان الخاصيتان، إذن، ستكيفان مجمل المفاهيم الأخرى التي سنشير إليها في سياق هذا العرض.

وأنتقل إلى مفهومين آخرين وردا في عنوان هذا المؤلف وهما ، الحديث و، المعاصر، وهما مفهومان لهما، فضلا عن دلالتهما التاريخية الزمنية، دلالات أخرى لاتخفى على الدارسين والمهتمين. ودفعا لكل التباس محتمل، فقد حسم الباحث هذا الأمر بصراحة موضحا مفهومه وقصده منهما قائلا

┐... كما أني لم أقصد من ، الحديث و، المعاصر غير مدلولهما التاريخي والزمني، وليس المعنى الذي يربطهما بمدى الإبداعî، لأن الشعر في نظره ┐إما أن يكون أو لايكون، بغض النظر عن المرحلة التي ينتمي إليها، لأن الحداثة غير مقترنة بفترة معينة، ولأن المعاصرة لاتعني دائما التزام روح العصر والتأثر به، علما بأن المقاييس والعناصر في هذه وتلك غير واضحة ولاثابتةî(4).

ولعل هذا التصوّر هو الذي سيهيمن على المباحث التي يتضمنها هذا الكتاب، ولعله أيضا هو الذي جعله يخلو ـ أو يكاد ـ من كل طرح نظري للإشكالات التي ترتبط بهذه المفاهيم والطروحات المتفرعة عنها.

ولاأحب أن يفهم من هذا الكلام، بأنه ليس للرجل وجهة نظره الخاصة حول ┐الحداثةî و┐المعاصرةî، ففي خاتمة الكتاب(5) يقدم بشكل واضح رأيه فيهما، وإنما أحب الإشارة والتأكيد على الفهم الخاص للمؤلِّف لطبيعة هذين المفهومين ـ كما لغيرهما ـ وعدم ارتباطه ببعض مما هو متداول ورائج في هذا الباب، مما يمنحه خصوصية لابدّ من وضعها في الاعتبار عند قراءة هذا العمل.

وكما أن الباحث لم ينس أنْ يعرف بمفاهيمه، لم ينس أيضا أن يوضح ويبرر اختياره للفترة الزمنية المدروسة من 1830 م تاريخ احتلال الجزائر إلى 1990 م تاريخ اندلاع حرب الخليج ┐باعتبار ماكان لذلك الاحتلال من أثر كبير في المغرب، عد به كالصدمة التي حثت على الإفاقة والنهوض؛ وباعتبار مانتج عن هذه الحرب من شعور عميق بدخول العرب والمسلمين جميعا في مسيرة جديدة ولدت وعيا وفكرا ومواقف غير ماكان متعارفا عليه في السابقî(6).

ويقول أيضا

┐وإنني لأعتبر هذا الحادث ، احتلال الجزائر بما شكله من تحريك وإيقاظ وماكان لهما من عواقب، منطلقا للفترة الحديثة التي تؤطر داخلها هذه الدراسةî(7).

وإذا كنت لاأجادل في مشروعية اختيار المولِّف وحريته الكاملة في ذلك، فإنني شعرت بأن التأريخ المقترح للعصر الحديث يفجر من جديد مسألة ذات أهمية قصوى في تاريخ الأدب المغربي، وأقصد بذلك مسألة تحقيب هذا الأدب. علما بأن هناك تحقيبات أخرى سابقة، سواء من إنتاج المؤرخين، أو من إنتاج النقاد والدارسين، تذهب مذاهب أخرى.

فهل يمكن اعتبار هذا الاختيار مشروع تحقيب جديد للأدب المغربي عامة، وللشعر خاصة، يضاف إلى باقي التحقيبات؟ أو، على الأقل، هو دعوة ضمنية لإعادة النظر فيها؟

كانت هذه إطلالة سريعة على طبيعة فهم الأستاذ الجراري لجملة من المفاهيم المؤطرة لعمله والموظفة فيه. ونتساءل الآن ماهو المنهج الذي اتبعه الباحث في دراسة الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب على امتداد هذه الفترة؟

في سبيل الإجابة على هذا السؤال أقول

أمام طول الفترة الزمنية، وتنوّع متنها وتشعب قضاياه، فقد ┐كان النظر إلى الشعر في هذه الدراسة يقتضي رصد شتى جوانبه التطورية في محاولة لمقاربتها وملامستها، وإن من بعد استعراضي في بعض الأحيان، وبمنهج وصفي يتوخى التعريف بالتجربة المغربية في مضمار الإبداع، على مافيها من مستويات قد تضطر إلى إعمال الذوق والنقدî(8).

وهكذا تتضح أهمّ مكوّنات منهج المؤلِّف في هذا الكتاب، والتي سعى من خلالها إلى رصد مختلف مستويات التطوّر الذي لحق بهذا الشعر والتعريف به وهي

أ. الاستعراض ـ ب. الوصف ـ ج. الذوق ـ د. النقد.

┐ونظرا لما يطغى على نصوص هذا الشعر من تشابه وتماثل فقد اقتصرت منها على ماكان دالا في جوانب من جوانب التطوّر الذي تسعى هذه الدراسة إلى إبرازه، مع محاولتي توسيع نطاق تقديمها لتكون معبرة عن مختلف مراحل الفترة وماعرفته من تحرّك شعري بلورته أجيال متعاقبة من الشعراءî(9).

ولعل هذا هو ماجعل الدراسة تتسم بكثافة توثيقية كبيرة نقف عليها بوضوح ونحن نقرأ مختلف المحاور المدروسة، كثافة جعلت من مصادر ومراجع هذه الدراسة في تنوّعها وغناها ـ ، وعددها 407 مابين المخطوط والمطبوع، ومابين الصحيفة والمجلة، ومابين القديم والحديث والمعاصر ـ تبلغ حجم مكتبة بحق.

وهذا مايوضح مرة أخرى قيمة هذه الدراسة وأهميتها بالنسبة للمجال الذي اهتمت به، وهو مجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والأبحاث التي تكشف وتضيء باقي جوانبه المعتمة، وتعمق النظر في المنجز المعروف منه بما يجعله بحق مختبرا نظريا ومنهجيا يسعف في فهم أعمق لتاريخنا الثقافي المغربي، ويغني معرفتنا الأدبية وغير الأدبية بكل العناصر الضرورية في سبيل إعادة كتابة تاريخ جديد للأدب المغربي، على ضوء ماجد من المعطيات النصية، والتصورات النظرية والمنهجية المرتبطة بهذا الحقل العلمي الحيوي والهام في كل مشروع ثقافي.

ويضعنا هذا الكلام، الآن، أمام دوافع هذا التأليف ومقصدياته، والتي تجعل المتلقي مدركا لاستراتيجية هذه الدراسة، وواعيا بمراميها المختلفة. وهي أمور يعلن عنها أستاذنا في مستهل كتابه قائلا

┐في نطاق اهتمامي بالأدب العربي في المغرب تدريسا وتأليفا وتأطيرا، وشعورا مني بحاجة القارئ عامة وطالب الأدب خاصة إلى دراسات تتسم بالشمولية، وتتوخى التعريف، مما لاتتيحه البحوث الجامعية على كثرتها ـ يسعدني أن أقدم هذا الكتاب أعرِّف فيه بالشعر العربي في المغرب من خلال التطوّر الذي مسه على امتداد الفترة الحديثة والمعاصرةî(10).

فهذه الدراسة، إذن، هي استجابة موضوعية تكمن في غياب الدراسات الشمولية للأدب المغربي، والتي تسعف القارئ العام وطالب الأدب على حدّ سواء، في التعرف على الأدب المغربي، وملامسة قضاياه، والاحتكاك بنصوصه. ولعل هذا مايعكس انشغالا تربويا وتعليميا ، وديداكتيكيا يشعر به كل من يشتغل بتدريس الأدب المغربي. وفضلا عن ذلك فهو أيضا استجابة لانشغال ذاتي، يكمن في الرغبة في التعريف بالأدب العربي في المغرب ـ وهو مالم يتوقف أستاذنا عن النهوض به سواء في محاضراته داخل الكلية أو أبحاثه المتعددة ودراساته، مما جعله هاجسا محوريا لديه ـ نظرا لما لقيه ويلقاه من تجاهل وإنكار(11) من لدن الباحثين في المشرق العربي منذ القديم، وهو مالاحظه الفقيد عبد الله نون أيضا، وكان من بين دوافع تأليفه ، للنبوغ المغربي(12).

كما نجد لهذا الإحساس بالحيف والإنكار صدى في جملة من المؤلفات التي صدرت عن الأدب المغربي طيلة العقود الماضية، بل تكاد لاتخلو منه مقدمة من مقدمات الرسائل والأطاريح الجامعية التي اختارت الأدب المغربي موضوعاً لها، الأمر الذي يستدعي قراءة سوسيو ـ ثقافية، ونفسية وتاريخية معمقة لهذا الوضع الذي أضحى مزمنا، والذي أعتقد بأنه آن الأوان لتجاوزه. إن الوعي بهذه الخلفية الموجهة للكتاب، والتي تجعل نصب عينيها أهدافا محددة، تفرض على المتلقي بأن يتعامل معه من داخلها، وانطلاقا منها، وليس من خارجها.

إن دراسة طموحة بهذا الحجم، والتي تسعى لتغطية فترة زمنية بهذا الطول، ودراسة متن شعري بهذا الغنى والتنوّع لابد وأن تعترضها صعوبات، ولكن الباحث استطاع بخبرته وتمرّسه التغلب على الكثير منها، مما جعلها تفي بغرضها، وتحقق ماكان يرجوه لها من نتائج، وفي طليعتها إبراز التطوّر الذي مسّ الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب في مضامينه وأشكاله، وفي مقوّماته الفنية والجمالية، لغة وإيقاعا وصورة، وتأثرا وتفاعلا ، كما في مبحث التناص، رابطا ذلك كله بالواقع المغربي بكل مناحيه من جهة، وبالإبداع الشعري العربي من جهة ثانية.

وأحب أخيرا ـ وقبل أن أختم هذا العرض، أن أشير إلى أهمية وقيمة هذا الكتاب، والتي جاءت مكثفة، مشحونة وسجالية في الكثير من القضايا التي تعرضت لها.

وعلى ذكر السجالية ، والحوارية أيضا فهي، في نظري، من البنيات الأساسية في هذا العمل النقدي. ذلك أن المؤلِّف كثيرا مايدخل في حوار تارة، وفي سجال تارة أخرى مع تصوّرات وأطروحات فكرية وأدبية شغلت المشهد الثقافي المغربي زمنا، وكان لها دور كبير في تكييف الذوق العام وتوجيهه، سواء كانت هذه التصوّرات والأطروحات صادرة عن أدباء ومبدعين، أم عن مثقفين ومفكرين، أو عن منظرين سياسييين وإيديولوجيين.

وهكذا، جاءت خاتمة الكتاب لتلخص مجمل نتائج الدراسة، بالإضافة إلى الإعلان عن مواقف وآراء الباحث في أهمّ القضايا المشتعلة في تاريخ الأدب والنقد المغربيين مثل

ـ مسألة التجريب في الشعر المغربي المعاصر ، ص. 614.

ـ ومسألة تصنيف الشعراء إلى أجيال ، ص. 614.

ـ وكذا جملة من المآخذ التي يأخذها على شعراء الحداثة في المغرب وممارساتهم لها ، ص. 615 والتي كانت في نظر الباحث عائقا في وجه تقبل القصيدة الحداثية من طرف شعراء القصيدة التقليدية، كما كانت سببا في ردود أفعالهم الرافضة إزاءها.

ـ بالإضافة إلى مفهوم الالتزام ، ص. 619.

ـ ومفهوم الحداثة ، ص. 625 ـ 626.

ـ ومفهوم الإيقاع والوزن في الشعر ، ص. 621.

ـ ومسألة الغموض في الشعر ، ص. 622.

ـ ووظيفة النقد في المغرب ، ص. 623.

ـ وتنتهي هذه الخاتمة بالحديث عن ┐الاتجاه لإسلاميî في الشعر المغربي.

وهكذا تأتي الخاتمة لتثير من جديد القضايا والإشكالات التي عرفها الشعر والنقد المعاصران في المغرب، وتقدّم وجهة نظر المؤلِّف حولها بروح فيها الكثير من الخصائص والسمات التي عرف بها، والتي سبق وأشرت إلى بعضها في مستهل هذه المداخلة.

على أن هذا وذاك لايعفي من ضرورة قراءة هذا العمل الجيد والهام، والاستفادة منه، وتوسيع دراسة قضاياه، خدمة للأدب العربي في المغرب، وخدمة للباحثين في الجامعة المغربية.

 

هوامش العرض

(1) الكتاب من منشورات النادي الجراري، ط. 1 سنة 1997، مطبعة دار الأمنية ـ الرباط.

(2) القصيدة الزجل في المغرب، مطبعة الأمنية، الرباط 1970 م.

(3) المقدمة ص. 7.

(4) نفسه.

(5) ص. 625 ـ 626.

(6) المقدمة ص. 8.

(7) المدخل ص. 19.

(8) المقدمة ص. 9.

(9) نفسه.

(10) المقدمة ص. 7.

(11) ص. 17.

(12) النبوغ المغربي في الأدب العربي في المغرب الأقصى ، عبد الله كنون، الطبعة الأولى، المطبعة المهدية، تطوان 1357 هـ .

* قراءة في عباس الجراري، ┐تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغربî ، 1830 ـ 1990، منشورات النادي الجراري ط. 1، مطبعة الأمنية ـ الرباط، 1997.

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018