مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

عبد اللطيف بوعبيد: رواية من يوميات رجل محبـط (الفصل الأول)

لا أخفيكم سرا أنني وجدت صعوبة كبيرة لبدء الحديث عن حياتي, حياة رجل محبط, وتساءلت بيني وبين نفسي من غير ما مرة؛ ومنذ أن فكرت بكتابة حكايتي, من أين يمكن لي أن أبدأ؟, هل من اليوم الذي لفظتني فيه أمي إلى هذا العالم في بداية السبعينيات, وذلك بين الهزيمتين العربيتين, هزيمة 67 وهزيمة 73؟, أم أبدأ من اليوم الذي أدركت فيه أنني أنتمي إلى شعوب متخلفة, ترزح تحت هول الفقر وجسامة الجهل بسبب حكوماتها التي أجهضت كل محاولات النهضة التي كانت ممكنة ببلدانها, وذلك بسبب غياب الوعي بالمسؤولية وتكريس الهاجس الأمني وغياب الديمقراطية, وتفشي جميع أشكال الفساد, الاجتماعي والاقتصادي والسياسي…, أم أن أبدأ من اليوم وعيت فيه وذلك في فترة متأخرة من حياتي بعد أن هدّني المرض أنني كنت مخطئا في الاعتقاد بأشياء كثيرة وأن الحياة الحقيقية أبعد من أن يعيشها إنسان مثلي بل طيلة وجودي, أؤجلها فقط بانتظار تحقيق أحلام هاربة مني باستمرار.. أم أن أبدأ بالحديث عن حياتي في الجامعة وبين ردهات مدرجاتها ومكتبتها وساحتها التي كانت تغدي في, أمل الإصلاح والتغيير, الذي ما فتئ أن خاب توهجه بعد أن اصطدمت بالواقع بعد حصولي على الإجازة والإبحار في عالم البطالة و التحاقي بجحافل المعطلين, أم البداية الحقيقية, ساعة الصفر, يوم الثلاثين من ديسمبر سنة 1999, ليلة ركوبنا البحر من مدينة سيدي إفني في اتجاه جزر الكناري الإسبانية, في قارب يحلو للبعض أن يسميه قارب الموت, وأي موت أشنع من أن يعيش الإنسان وهو لا يعرف معنى لحياته, ولا يشعر بأي قيمة لوجوده بل بالعكس تترسخ بداخله, دونيته يوما بعد يوم.
لا أنكر أني وجدت نفسي تائها بين كل تلك البدايات الممكنة والتي أرى في كل منها, بداية جيدة لحكايتي, حكاية رجل محبط, لأنني أعتبر أن أي لحظة من حياتي هي لحظة إحباط حقيقية سواء بالنسبة لي شخصيا أو بالنسبة لجيل بأكمله أنتمي إليه.
عندما اخترت شعبة الأدب العربي في الجامعة مثلا, لم أخترها لأنها وكما يعتبرها الكثير, الطريق الملكي للحصول على دبلوم الإجازة بدون إبدال جهد معرفي ممكن, أو كما يسميها البعض حمار الكلية الذي يجيد الجميع الركوب عليه, أعتذر من أساتذتي الأجلاء, فأنا فقط أتحدث عن واقع حال ليس إلا, اخترتها لكوني أعشق الأدب أعشق الرواية والشعر والقصة القصيرة أعشق متاهات الفكر ومكامن البلاغة وسلطة اللغة, أعشق الإبداع في الكلمة, لذلك كنت حريصا منذ فترة بعيدة من حياتي, على قراءة كل شيء, لا أنكر أنني عشقت أبطال روايات قرأتها, حزنت لحزنهم وفرحت لفرحهم وكم آلمني موت أحدهم. كم استمتعت بمتابعة المغامرين الخمسة في بحثهم عن اكتشاف اللغز وكم حزنت لبائعة الكبريت التي لم يرحمها برد ديسمبر اللعين, وكم تهت في حكايات محمد عطية الأبراشي و مغامرات أرسين لوبين وشارلوك هولمز وقصص أغاثا كريستي, تابعت لحظة بلحظة أبطال روايات جرجي زيدان ومصطفى لطفي المنفلوطي و نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وصنع الله إبراهيم وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي, ومحمد شكري وزفزاف وحنة مينة و عبد الرحمان منيف.. وغيرهم ولا أنكر أنني تماهيت مع أبطال روائيين عالميين آخرين كجون فالجان فيكتور هوجو و شيخ ارنست همنغواي ودونكيشوط سيرفانتس وأبطال امبرطو ايكو و ميلان كونديرا… لأجل كل هذا اخترت شعبة الأدب العربي لكن أثناء السنة الدراسية الأولى اكتشفت أشياء كثيرة يكرسها الأساتذة أنفسهم صراعات فارغة بينهم من جهة؛ وبينهم و بين الطلبة من جهة أخرى, ولؤم معرفي وعلاقات مشتبهة بين طالبات وأساتذة, وزبونية تزيد من تعميق ذلك الإحباط الذي نتج عندي من تمثل لواقع جامعي كنت أتخيله وحقيقة مُرّة لواقع مثقف يعيد إنتاج التخلف من خلال ممارسته لسلطة الأستاذية, لا أنكر أن هناك أساتذة أجلاء أكن لهم كامل الاحترام والتقدير, على الأقل يرقون عن مستوى زملائهم السماسرة, بضميرهم الحي وأعمالهم الجادة.. إنه الإحباط المتكرر والدائم باستمرار...
ثلاثة مراحل كبرى أعتبرها محطات مهمة جدا في حياتي ليس لكونها تركت بصماتها وآثارها علي, فبالإضافة إلى أني تعلمت فيها الكثير, أعتبرها مراحل انتقال صارمة في حياتي لأنها مراحل تحول حقيقية, من إنسان كنته إلى إنسان مختلف أصبحته, المرحلة الجامعية, ومرحلة العطالة ومرحلة ما بعد العطالة, فكل مرحلة مختلفة عن الأخرى في قوتها وأثرها علي, ومكملة لبعضها البعض من حيث الإحساس بالخيبة, لأنها تشترك جميعها في شيء واحد وهو كثافة الانفعالات والتعبيرات النفسية لحساسية المرحلة العمرية التي كنت أتجاوزها. إيماني بصرامة تلك المراحل الثلاث لا يستمد مشروعيته من كوني استغنيت في مرحلة ما, عن كل الأفكار التي كنت أتبناها وأؤمن بها, وليس كذلك لأن هذه المراحل هي تطور طبيعي لطالب مغربي تابع تكوينا جامعيا توج بحصوله على شهادة عليا لا تغني ولاتسمن من جوع في سوق العمل, اعتبرت هذه المراحل صارمة في حياتي لأن في كل منها سأعرف على المستوى الشخصي لحظات انتقال تحقق في حياتي قطائع مصيرية.. المرحلة الجامعية سأعرف فيها الحب كمفهوم وكحالة, ومرحلة العطالة سأعرف فيها العجز والضعف ومرحلة ما بعد العطالة سأعرف فيها التيه والخيبة الحقيقية.
في المرحلة الجامعية, سأتعرف على نادية في يوم ربيعي, أواخر شهر مارس كان كل شيء كأنه مرتب من قبل لا أدري هل كان من الضروري أن تحصل كل تلك المتتاليات لكي ألتقي بها وأقع في حبها, أم كانت هناك احتمالات ممكنة الحدوث كان سيكون لها نفس النتيجة, غالبا ما أعود إلى كلميم المدينة الأم, في هذه الفترة من السنة الدراسية وأيام العطل, للاستراحة قليلا من عناء مدينة أكادير حيث توجد الجامعة, وبعد يومين من عودتي قررت الاتصال هاتفيا بصديق لي كنا نشتغل معا على موضوع كتاب "ولادة التراجيديا" لنيتشه, طلب منا أستاذ تاريخ الأفكار أن ننجز فيه عرضا, عندما دخلت إلى المخدع الهاتفي, لم أنتبه إليها, ربما بحكم اعتيادي على رؤية فتيات كثيرات يشتغلن بالمخادع الهاتفية التي تناسلت في المدينة كالطفيليات خاصة في الفترة النهارية, أو ربما بانشغالي الشديد بمادة الموضوع, لما أنهيت ونقدتها ثمن المكالمة وهممت بالخروج لمحتها تحدق بي ثم سألتني:
ـ هل تصدق الأبراج؟
في العقد الثاني ترتدي اللباس المحلي الصحراوي الجميل, وجهها جذاب جدا تستعمل نظارتين زادتها جمالا, ابتسامة عريضة,
ـ عفوا, قلت وأنا لا أخفي إعجابي بابتسامتها ودهشتي.
ـ هل تصدق الأبراج ؟ كررت سائلة,
ـ لم أفكر في الأمر من قبل لا أدري.. ؟
لم تكترث لإجابتي وسألتني قائلة:
ـ ما هو برجك؟
ـ الدلو, أجبت بدون تردد.
إلى جانبها على الطاولة تكدست نسخ مصورة من موسوعة الأبراج, بابتسامة جميلة بدأت تقرأ ما ذيل تحت برج الدلو, صوتها الرقيق وقفاتها على الحركات والنقط, أثارا انتباهي بشدة كذلك لكنتها المحلية منحتها قوة نطق الثاء والضاد بشكل ممتاز, أذكر جيدا تلك اللحظات من وجودي و كم أحن إليها وكم كنت أتمنى أن يقف الزمن لكي أتمعن كثيرا بذلك الوجه الملائكي الذي سأعرف معه الحب وسأعرف معه لأول مرة أن الوجود بدون حب لا معنى له!!.
وقفت كثيرا عند الخجل الذي يميز حاملي برج الدلو وارتباطهم بأمهاتهم, في اللحظة التي بدأت تقرأ الجانب الخاص بالعمل قاطعتها قائلا:
ـ طالب في السنة الثالثة من الجامعة شعبة الأدب العربي,
ضحكت ملء فمها وسألتني بنفس الهدوء وكأننا نتعارف, سنوات عديدة مضت,
ـ ما هو رأيك؟
ـ أظن أن حياتنا ليست مرهونة بأرقام أو تواريخ ازدياد أو خطوط يد؛ حياتنا مرهونة باختياراتنا وإرادتنا الحرة في توجيهها.. قلت مجيبا. لم أكن أستوعب وقتها أنني ألعب فقط بالكلمات وأني أستعرض كلاما بليدا قرأته في مكان ما غير مقتنع به.
هكذا كانت بدايتي مع نادية, بداية جميلة وهادئة ولم أكن أدري أنها ابتسامة الزمن الرديء الذي يتهكم منا باستمرار, وأن لا مجال للسعادة في زمن الإحباط والخيبة.
أذكر كذلك أنني طول الأسبوع الذي قضيته بالمدينة الأم, كنت أزور نادية في مقر عملها, بسبب وبدون سبب, تحدثنا في كل شيء ولا شيء, عن عائلتينا, عن التعليم , عن الصحة , عن المسؤولية, عن الوطن, عن الفساد, عن الحب, عن الشعر, عن الموسيقى... تحدثنا لساعات طوال, ولما عدت إلى أكادير عدت شخصا آخر, أهاتفها شبه يوميا, كتبت لها رسائل لم أرسلها أبدا, وكتبت لها أشعارا, تغيرت وأحسست بذلك. في العطلة الصيفية بعد عملها كنا نلتقي في حديقة خارج المدينة لساعات نتكلم أو في بيت كنا نؤجره المهدي وإبراهيم وأنا, في جهة هادئة في الطرف الآخر من المدينة, , غالبا ما كان المهدي يؤدي ثمن إيجاره لأنه هو الوحيد الذي كان يشتغل, يملك ورشة صغيرة للميكانيكا, أما إبراهيم وأنا, كنا نستغل فقط علاقة الصداقة التي تمتد بيننا منذ أيام طفولتنا.
يوم السبت نادية لا تشتغل, كثيرا ما كنا نلتقي في البيت أوقات الظهيرة, بعيدا عن الأعين المتلصصة, لأن في تلك الفترة من النهار, المدينة تموت في قيلولة وتجمد الحركة بها حتى فترة متأخرة من النهار, فقط عندما يبدأ نسيم برد المساء يهب شيئا فشيئا, تنتفض وتدب الحياة في عروقها, قبل آذان المغرب يخرج الجميع كأن المدينة في احتفال أو كرنفال حقيقي, تعج الشوارع بساكنتها, وتعج المقاهي ويخرج الكل إلى الشارع الرئيسي والذين لا يستطيعون ذلك, يجلسون إلى عتبات بيوتهم يتكلمون في الناس وفي أنفسهم ومشاكلهم, وقد تصل أحاديثهم إلى ما يقع في العراق أو مشاكل نانسي عجرم, أو أحداث آخر مسلسل مصري...
أول مرة دخلت معي نادية إلى البيت , كانت خجولة وخائفة من أن يراها أحد أو هكذا بدت لي أول مرة, على موسيقى حسانية "لسدوم" كنا نستلقي وجهي في شعرها ويدي تحاصر خصرها, ما أجمل تلك اللحظات وكم أحن إليها, تشعر كأنك تملك الدنيا تملك وجودك الخاص تملك اللحظة وتسيطر عليها, لم نمارس الجنس يومها بل اكتفينا باستغلال الهدوء والاستماع إلى الموسيقى, في لحظة سألتني:
ـ كم من امرأة استدرجتها إلى هنا؟
لم أفهم في الأول سؤالها وتساءلت بيني وبين نفسي؛ هل استفسارها يتضمن العاهرات التي كانت المدينة تعرف ماخورا لهن, وبسبب ذلك كنا نكتري ذلك البيت أم فقط الفتيات مثلها ربما مررن في حياتهن من علاقة أو اثنين, في مدينة ككلميم من السهل جدا أن تستدرج عاهرة إلى بيتك بينما يصعب أحيانا استدراج فتاة, ذلك يستدعي مجهودا وفترة طويلة أحيانا تفصل بين مرحلة التعرف على الفتاة إلى لحظة استدراجها إلى البيت, لأن المدينة صغيرة جدا ومجتمعها مجتمع يبدو محافظ, لقد كنا فقط نعبث بوجودنا ليس إلا!.
عندما لم أجب على الفور عدلت من استلقائها, وشعرت بأنفاسها تسارعت قليلا.
ـ لم أعرف الحب إلا معك. قلت لها معقبا, وكنت صادقا.
أحسست أنها إرتاحت لردي, في يوم السبت الآخر, حرارة الجو كانت لا تطاق, وكنت قد سبقتها إلى البيت, أحضرت مشروبا غازيا مثلجا وتركت موسيقى حسانية رائعة تنساب بهدوء من جهاز المسجل, لما دخلت تجردت من ثيابها, احتفظت بتبانها فقط, حاولت الكلام لكنها وضعت أصابعها على فمي في حركة منها لكي أصمت, لا أدري متى تجردت من لباسي, كانت جريئة إلى درجة اندهشت لذلك, ولا أدري كم انصهر الواحد منا في الآخر ولكن ما طبع ذاكرتي أنني لم أشعر بالامتلاء كما شعرت يومها.
هكذا كانت علاقتي مع نادية, ربما لم أحب ولن أحب إنسانة في حياتي كما أحببتها, نادية كانت سراج حياتي, ذلك النور الذي يضيء في ظلمة حالكة, ذلك العبير الذي أتنسمه في زمن الرداءة, لأنها لما دخلت حياتي لم يعد أحدا فيها غيرها تربعت على عرش قلبي ولم تبرحه أبدا, مع نادية كان الإحساس بالوجود غير الإحساس والإحساس بالامتلاء غير الإحساس, كنا قد تواعدنا على الزواج, بعد أن أتخرج وأشتغل لن يكون هناك حاجز بيننا, وإن تواجد حاجز ما, نستطيع أن نزيله بعشقنا, أن نقهره بتلك الطاقة التي يمنحها الحب, قليلا ما كنا نختلف حول شيء معين وإن اختلفنا نكتشف أننا نحب بعضنا أكثر فأكثر, هكذا عرفت الحب وهكذا عرفت أن الحياة بدون حب ليست حياة, لكن القدر اللعين كان يخبأ ما يكدر به صفو حبنا... وهل للإنسان مجال أن يحب في زمن الإحباط؟
إذا كان القدر يبتسم من جهة فإنه يتهكم من جهة أخرى ولا يدعك تستمتع باللحظة, كأنه يؤكد لك أن السعادة أبعد من أن ينالها إنسان, لذلك أعتبر دائما أن السعادة وهم كبير, مجرد حالة استثنائية في وجود أي فرد ومتوهم من يظن أنه سيحققها.
إن كنت قد نعمت بحب حقيقي مع نادية, ففي نفس السنة, بالضبط في فترة الامتحانات الجامعية أحسست بألم على طول قفصي الصدري, أولا بدأت أشعر بوخز ينتابني مرات متباعدة, لم أعره أي اهتمام, ربطته بالخوف من الفشل في الامتحانات واعتبرته حالة عارضة وتوهمت أنه سيغيب وأنها مسألة وقت ومتى تنتهي الامتحانات سيختفي, لكن كنت مخطئا, بين مرحلة نتائج امتحانات الدورة الأولى و قبل أن تعلن نتائج الدورة الثانية, الآلام زادت حدتها كلما أصابتني نوبة الوخز إلا وأشعر كأن سكاكين حادة تقطع معدتي خاصة في فترة الصباح قبل أن أفطر, أفيق على طعم مر في حلقي وحموضة ريقي تثير الغثيان وأحيانا أفيق على الآم شديدة تعتصر معدتي, لم أفكر أن أزور الطبيب إلا عندما تقاربت الفترات التي تصيبني فيها تلك الآلام, فإن كان في البداية تصيبني مرة كل يومين أو ثلاثة أيام فبعد ذلك أصبحت تصيبني مرة ثم مرتين ثم ثلاث مرات في اليوم الواحد وأكثر, وتجعلني أحيانا أتلوى وأنكمش على نفسي كالجنين ولا أستطيع العودة إلى نشاطاتي العادية حتى تغادرني بعد ساعات .
عندما زرت أول طبيب, وبعد معاينته لي أخبرني أن مرضي له علاقة بالمعدة ولكن الدواء الذي وصفه لي لم يكن ناجعا, لتبدأ رحلتي مع الأطباء والمتخصصين في أمراض الجهاز الهضمي, بمرض كلهم يؤكدون على أنه متعلق بمعدتي لكن لم يستطع أحدهم و للأسف أن يعرف كنهه.
أتأسف لمجموعة كبيرة من أطبائنا, لأنهم وبكل صراحة غير أكفاء, يفتقدون أشياء كثيرة في حقل معرفتهم المهنية وفي تعاملهم مع المرضى فهم يرون الجانب المادي للمريض قبل مرضه, بل الأنكى من ذلك يصفون الأدوية لمرضاهم معتمدين فقط على فراستهم وتكهناتهم قبل أن يحيلوهم على جهات مختصة لأن تلك الأدوية لم تكن الشافية أو ربما لكون المرض الذي ظنوه, كان مرضا آخر, لكن ماذا ننتظر في دولة متخلفة إلا أطباء متخلفين, إنها أزمة دولة, أزمة تخلف, أطباء أقرب منهم لعرافين من أطباء, كل واحد عاينني سواء بتحاليل أنجزتها وبطلب منهم, يصف لي رزمة من الأدوية أستعملها لمدة خمسة عشر يوما وإن لم أتحسن أعود إليهم, لكن لحسن الحظ هناك أطباء يمكن أن نفتخر بهم على الصعيد العالمي, أكفاء ويمارسون مهنتهم بضمير,إنهم ملائكة رحمة بلا منازع, لكن كيف الطريق إليهم في زمن الإحباط, كنت محظوظا لما عاينني ذلك اليوم أحدهم ويكون بذلك الطبيب العاشر الذي أزوره , وذلك بعد أن أوصاني بزيارته أحد معارفي أشاد لي بكفاءته, أتساءل هل يحتمل مرضانا عشرات الأطباء لكي يُكتشف مرضهم, أي خيبة هته وأي عبث !!, بعد راديو كشف واحد شرح لي طبيعة مرضي ووصف لي مجموعة من الأدوية وكيف علي التعامل مع المرض و ذلك باحترام مجموعة من القواعد في الأكل والامتناع عن كل المشروبات الغازية وعن بعض أنواع الوجبات,
الأمر الذي تجده شاقا في البداية هو كيف ستنجح في تغيير عاداتك الغذائية؟ كيف تتجاوز اعتباطية السلوك الذي تعودت عليه لسنوات عديدة باحترام عادات جديدة تحرمك من أشياء كثيرة؟, الشيء الذي يجعلك تشعر بإحراج كبير عندما تكون مدعوا إلى عقيقة أو عرس أو احتفال وكم هي كثيرة الدعوات في كلميم, تجدك ترغب في مد يدك إلى أطباق الحلوى وأصناف المأكولات التي أمامك ولكن في نفس الوقت غير قادر على ذلك, لأنك مريض, هكذا في لحظة تجد نفسك تسن قانونا ذاتيا بينك وبين نفسك لتجنب مأكولات واحترام عادات جديدة تراعي مجموعة من الخصوصيات, وكم هي الفترات التي لم تنجح فيها تلك المراقبة . في هذه المرحلة لولا صديقي المهدي الذي لم يبخل علي خاصة بمساعداته المادية, لا أدري كيف ستكون حياتي, لأنني كنت أخجل من أن أطلب لوالدي النقود, والدي الذي بالكاد يكفي سد الحاجيات الضرورية لعائلتنا بتقاعده الهزيل من ثلاثين سنة خدمة في الجيش؛ لولا وجود نادية كذلك في تلك الفترة, لست أدري هل كنت أستطيع أن أتجاوز صدمة اكتشافي لضعفي وقلة حيلتي, لأن معها وبكل صدق استطعت أن أتعايش مع مرضي, أن اعتبره تافها وأن أتجاوزه.
إن الحب هو الإحساس الوحيد القادر على تجميد الموت وكم هي الأشياء الرائعة التي يُحرم منها من لم يعرف قلبه الحب؟!.
لا أدري هل القدر رمى نادية في طريقي لأتجاوز مرضي, أم أنه رماها في طريقي ليتهكم علينا, فإلى جانب الحب والتوافق والانسجام كان المرض والألم والمعاناة. وهل يمكن تصور حياة بدون أضداد؟ وماذا كان يخبئ لنا القدر, غير ذلك؟..
سيرى بعض القراء أنني لا أعمل إلا على جلد الذات من خلال حكايتي هته, حكاية رجل محبط, وهو عين الحقيقة, لأني غالبا ما أتساءل ماذا يمكن أن أفعل غير ذلك هل أنا مخطئ إن كنت أرى الواقع سوداويا. وماذا يتبقى لنا في زمن الرداءة في زمن الواقع البليد, سوى أن نرصد حياة عشناها بحلوها ومرها وحلم بغد أفضل لم يتحقق بعد, و قد لا يتحقق أبدا, عندما أتحدث عن القدر, فأنا لا أقصد شيئا لم أعشه, فأنا أتحدث عن صيرورة هذا الزمن, هذا الزمن الذي تشكلنا منه وتشكل منا في بلد معين وللأسف بلد متخلف, ماذا لو لم يلتقي أساسا والدي بوالدتي ؟ وماذا لو حدث في تلك الليلة التي مارسا فيها الجنس قبل تسعة أشهر من ولادتي, زلزال رهيب هزت من تحتهما المدينة ومنعتهما من ممارسة الجنس تلك الليلة؟ هل وجودي كان ممكنا؟ أو كان لا بد أن يلتقي والدي مع والدتي ومعها بالضبط حسب قياس خاص هي دون غيرها ليتزوجها وبعد سنوات وفي يوم من الأيام يمارسان الجنس لكي أخلق من نطفته هو ومن بويضتها هي؟ ولكي تسير حياتي بالشكل الذي سارت عليه حتى يوم هجرتي السرية باتجاه جزر الكناري إلى الآن, عندما أفكر في كل هذا أتيه بين أسئلة عدة لا حد لها ولا آخر, في ساعات صفاء بيني وبين ذاتي أشارك معي نادية في تساؤلاتي, لتجيبني بجوابها الوحيد إنه القدر, أعرف قدر نادية, وهو غير قدري, القدر بالنسبة لنادية هو كل ما يقدره الله علينا , ما يكتبه الله لنا, عندما أسمعها تقول ذلك أحاصرها بأنها بدعواها هذه تزيل صفة العدل على الله و هو ما لا يصح بجلاله, وعندما تجد نفسها في المأزق كالعادة تقول لي الإيمان ليس مادته العقل بل مكانه القلب لأجد نفسي أنا الآخر في مأزق وتساؤلات أخرى, ولكي تضع نقطة نهاية لتساؤلاتي تقول لي إننا نجهل الكثير وما توصلنا إليه من معارف وحقائق, ليست قطعية لأن كل شيء هو قابل للتأويل.
أجدني دائما أسبح في ملاحظاتها لتتولد لدي أسئلة أخرى, أبحر فيها وحيدا وبدون إشراكها, هكذا كنت أحاول أن أقيم انسجاما بيني وبين ذاتي من خلال تلك الرحلات الممتعة في التساؤلات, مثل أولئك المساجين, الذين يسبحون في خيال من صنع تفكيرهم للتغلب على قسوة زنازينهم. غير أن زنزانتي وللأسف كانت هي وطني ومجتمعي, لأنني في كل لحظة, أشعر بالعجز أمام رداءة واقع يزداد تدهورا يوما عن يوم كم هو قاس أن تشعر بأن هذا العالم الفسيح قد تحول فجأة لزنزانة تضيق بك ولا تتسع كثيرا لطموحاتك وأحلامك!!, كل شيء في وطني يتردى, يتجه نحو الهاوية, التعليم يتردى أمام أعين الجميع والكل يتهرب من المسؤولية الأسرة والمعلم والمجتمع والسياسي الذي يبلور ما يبلوره بشكل ارتجالي أحيانا والضحية من؟ هو تلميذ اليوم الذي سيصبح رجل الغد, فلن نستغرب إذن إن وجدنا أطباء غير أكفاء ماداموا تخرجوا من مدرسة استفحلت فيها ظاهرة الغش, وقس على ذلك مهندسين, ومديرين, واقتصاديين ومعلمين , إنها أزمة التخلف, تبدأ من نقطة وتنتهي في نفس النقطة لتشكل في الأخير الدائرة, ما هي النتيجة؟ مجتمع استفحلت فيه ظاهرة البطالة والرشوة والزبونية والمحسوبية, وكل قطاعاته في أزمة بنيوية حقيقية, الاقتصاد في أزمة والصحة في أزمة والقضاء في أزمة والثقافة والمثقف في أزمة... حتى الطبيعة أصبحت في أزمة وأصبحت سنوات الجفاف أكثر من سنوات الخصب والرفاه, الكل في أزمة حتى أصبح الإنسان نفسه في أزمة. وللأسف ليست أزمته وجودية بل أزمته خبزية, مرتبط بالخبز واليومي البائس ولا تتعدى أحلاما بليدة منتهية في لحظتها.
سيقول البعض أنني سوداوي في طرحي ,وأنني أعكس حالتي فقط على مجتمع يتطور ومن الطبيعي أن يكون أي تطور هو تطور لأزمة, وأنني أبالغ لأن كل المجتمعات في أزمة ولسنا مجتمعنا فقط, ولا يمكن تصور مجتمع بدون أزمة, نظرتي لم تأتي من فراغ وليس تمثل لشخص يائس كما سيعتقد البعض , هناك تطور لمجتمعنا وهذا صحيح وهو مصحوب بتحولات في القيم والتصورات والإدراك ولم يعد ذلك المجتمع البسيط فالأسرة تحولت من أسرة ممتدة إلى أسرة شبه نووية, وخروج المرأة إلى العمل ليس في الحقول كما كان وتحت رقابة العائلة أو القبيلة بل خروجها إلى العمل في المصنع والمعمل والمكتب, غير بالتأكيد أشياء كثيرة, وركبها, إلى درجة أصبح المجتمع يفرز ظواهر مختلفة لم تكن في مجتمعنا و لم تكن تطرح بالشكل الذي أصبحت تطرح عليه, ظاهرة الحجاب مثلا, أتساءل لماذا في زمن والدينا وجيلهم لم يطرح الحجاب بالشكل الذي يطرح به اليوم؟ أو ليس هذه الظاهرة نمت عبر تطور خاص يتداخل فيه السياسي والاقتصادي والثقافي وذلك عندما خرجت المرأة إلى المدرسة ثم العمل و بدأنا نشعر بتهديد لخصوصية ملابسنا التقليدية أمام زخم وصيرورة الملابس الغربية التي أصبحت تعبر عن الموضة والحداثة, وذلك الانفعال مع هذا الجديد أفرز نوعا جديدا من الألبسة نحاول أن نرى فيها خصوصيتنا نحن, منها الحجاب؟ , وبالهجرة تحولت المدن وتغيرت القرى, ولم تعد القرية تلعب الدور الذي كانت تلعبه والمدينة أصبحت أكثر انتشارا وأكثر ابتلاعا لكل قادم جديد, النتيجة في الأخير, انتقل مجتمعنا من مجتمع شبه بسيط إلى مجتمع مركب, ونحن نعي تمام الوعي, أن أي انتقال لا يمكن أن يكون بدون أزمة يخلفها أو ينتجها, لكن ما يجعلني أرى الأشياء بالمنظار الذي أراه عليه, هو هذا التفاوت والهوة التي تتسع بين أغنياء وطني وفقرائه, المعلم والطالب وبعض موظفي القطاع العام في السبعينيات كانوا من الطبقة الميسورة المتوسطة, اليوم أصبحوا كالشحاذين بالكاد يلبون متطلبات حياتهم, فالكثير من المعلمين يمارسون سمسرة في العقار أو السيارات إلى جانب مهنة التعليم, والكثير من الأفراد الذين لا مهنة لهم يعيشون دون مستوى الفقر , البؤس أصبح أكثر انتشارا, و البنيات التحتية لا تتناسب مع النمو السكاني وتطور المدن, لدينا طاقات بشرية تهدر بالبطالة والفقر والأمية والهجرة السرية, وطاقات طبيعية تهدر بسوء التدبير والاستغلال السيئ للسلطة.. كفاءات وعقول تهرب إلى الخارج, وفساد سياسي وغياب للديمقراطية؛ هذا الوعي الشقي هو الذي يجعلني أرى الأشياء بالطريقة التي أراها عليه, وما حالتي إن قورنت بحالات أخرى يزخر بها وطني الحبيب إلا نقطة في بحر كبير, إنه زمن الإحباط بامتياز.
مدينة كلميم, هذه المدينة التي تعتبر بوابة للصحراء, منها تبدأ الصحراء وعندها تنتهي, في أواسط السبعينيات كانت بسيطة جدا, عدد سكانها قليلون ومساحتها صغيرة جدا, حينها يمكن أن تتجول في المدينة مشيا على الأقدام في ساعة زمنية فقط, من شارع السلسلة آنذاك إلى هضبة" كويرة" اليهودية, شارعان فقط يقطعان المدينة, الشارع الذي يؤدي بك مباشرة إلى جنوب الصحراء والآخر الذي يوجهك إلى قلبها, شرق الصحراء حيث تمتد الصحراء الكبرى, صحراء شمال إفريقيا.
كان الناس يتعارفون فيما بينهم يتراحمون ويتزاورون وكانت بيوت الزقاق الواحد كالبيت الواحد, يتقاسمون فيما بينهم كل ما يحصلون عليه من حليب ماعزهم أو من جني ثمار الرمان والنخيل والتين من الواحات المجاورة للمدينة كأسرير وتيغمرت والقصابي.., كبرنا جميعا في كل من تلك البيوت, العيد كانت له نكهته الخاصة, والعلاقات بين الأفراد كانت لها نكهتها الخاصة, حتى السماء كانت لها نكهتها الخاصة, أذكر أن المطر كان يهطل لأسابيع أحيانا, وتسيل الأودية واد أم العشار غربا وواد أسيف آزرو أي واد الحجارة شرقا, تزداد البسمة على الوجوه وتعم الفرحة؛ الإنسان والمكان, وفي فصل الربيع نغيب في الورود والأزهار, وعلى مد العين تصبح الصحراء فجأة جنة زاهرة, والجبال التي تحيط بالمدينة تلبس فجأة خضرة لا أول لها ولا آخر.هكذا كانت كلميم وهكذا كان الإحساس بها, أما الآن أصبح كل شيء غريب بها الوجوه متجهمة والأرض شحيحة والسماء ناذرا ما تسقط بعضا من أمطارها حتى الطيور التي كانت تقضي بعض فترات السنة بها غادرتها ولم تعد.
كان هناك مستشفى واحد فقط, تركه الاستعمار, وثلاث مدارس وإعدادية واحدة, لما كبرت المدينة حتى لم يعد يعرف الجار جاره ظل المستشفى وحيدا و رغم وجود عيادات خاصة لم تعرف المدينة إنشاء مستشفى آخر, كأن السكان لا يتكاثرون أو ربما الدولة تعتقد أن المواطنين لا يمرضون, بينما بالمقابل عدد المقاطعات التي تعمل على مراقبة الناس ازدادت بازدياد عدد الأحياء السكنية, وكثر أعوان السلطة "الشيوخ" و"المقدمين" الذين يعملون على مساعدة السلطة في ضبط أنفاس السكان, فهم عيون السلطة التي لا تنام, يحيطون بأشياء كثيرة, يعلمون من سكن حديثا في الحي الذي يراقبونه, ومن تزوج وبمن ومن طلق ومن مات ومن ازداد له مولود, ومن زود بيته بالكهرباء ومن زود بيته بالماء الصالح للشرب, ومن يمتلك البراميل فقط لتحصيل الماء, ومن يمتلك خطا هاتفيا ومن لم يدفع فاتورة الماء أو الضريبة السنوية ومن يربط بيته بقنوات الصرف الصحي ومن لا زال يربط مرحاضه بحفرة أمام بيته, ومن يمتلك رسم عقار سكناه ومن يستأجر البيت فقط, وقد أجتهد أحد "الشيوخ" وبين ضبطه للمساحة البشرية التي يشتغل عليها, بوضع لائحة للملتحين والمحلقين, مرفقة بصورهم, وتاريخ طلق لحاهم وتاريخ حلقها ومتى كان ذلك وبأية مناسبة وإن كانت هناك إضافة كانطباع شخصي, يتركها حتى يقارن ما توصل إليه "المقدم" في بحثه , وإن صادف واختلفا في معلومة معينة تخص شخص أو شيء معين, يعيدا بحثهما من جديد إلى أن يتفقا حوله, لكي يدونا ما وصلا إليه في سجلات جانبية خاصة, ولا يمكن أن تعترف بك أي مؤسسة من مؤسسات الدولة إلا إذا اعترف بك الشيخ ومساعده, فأي شهادة أو عقد يمر من أيديهما, كشهادة السكنى أو شهادة وفاة أو شهادة حياة...
في أواخر التسعينيات, اجتهدت وزارة الصحة وأنشأت مستشفى آخر في شرق المدينة غابت فيه جميع المواصفات التي تمنحه لقب مستشفى بدلا من بناية بائسة, في الصيف تتجاوز درجة الحرارة في المدينة الأربعين و الياجور الذي بنيت منه المستشفى لم يراعي هذا الشرط الطبيعي, فيصبح بذلك معدل الحرارة أكبر بدرجة أو درجتين بالغرف التي تستقبل المرضى, كالبيوت المغطاة, والمواطن هو الذي يؤدي الثمن كالعادة في زمن الفساد. تم كذلك إنشاء مستشفى عسكري ظل معلمة غير كاملة البنيان أكثر من عقد من الزمن. كبرت المدينة, ولم ينشأ بها ولو مصنع أو معمل واحد وعلى طول سنوات استقبلت وفودا جديدة من الناس من المهاجرين لفظتهم دواويرهم وقراهم البعيدة الأكثر بؤسا والأكثر فقرا؛ جاؤوا من مناطق مختلفة من المملكة, وعلى أفواج متراكمة, منهم من يبقى لسنة أو سنتين, مدة تطول وتقصر حسب رغبته وقدرته على التغيير ثم يرحل ومنهم من يبقى حتى يتوفاه الأجل, كبرت المدينة وكبر معها الإحساس بالغربة. كثر عدد المدارس بطريقة غريبة جدا, كنا نتهكم على ذلك ونسميها سياسة التقسيم, لا أدري من انبثقت عبقريته في وزارة التربية الوطنية عن فكرة تقسيم المدارس من أجل خلق مناصب جديدة للشغل بإنشاء إدارات جديدة وأطر جديدة, قسمت المدارس الثلاث بفصلها بجدران, ثم سمي المنتوج الجديد باسم آخر, وحصلنا على مدارس جديدة, وهي في الأصل كانت مدرسة واحدة. بعد ذلك أنشأت الدولة مدارس أخرى لكن لم تتناسب مع عدد الأطفال الذين يزدادون سنة بعد سنة, مما أسفر على أقسام يتجاوز عدد تلامذتها الخمسين وفي كل المستويات. هكذا يتولد الإحباط وهكذا ننتجه.
عندما بدأت حرب الصحراء في أواسط السبعينيات عرفت مدينة كلميم تحولا غريبا, وبما أنها ممرا وبابا للصحراء, و تواجد الجنود ومرورهم منها أفرز ظاهرة خطيرة بالمدينة, بدأت ببيت ثم اثنين ثم ثلاثة حتى أكتمل حي في وسط المدينة من عشرات البيوت, غير بعيد عن الثكنة العسكرية, أصبح ماخورا, ومحجّا لكل باحث عن اللذة, الكل يعرفه صغارا وكبارا, نسميه "بالدرب", أول مرة ذهبنا المهدي وأنا, استقبلتنا القوادة, امرأة تجاوزت الخمسين, أذكر إحداهن كنا ندعوها كريكيشة, لقب بحثت كثيرا عن كنهه لم أجد له مرادفا في اللغة العربية, إنه إبداع اللهجة التي تجمع بين الحالة والصفة واللون والرائحة في كلمة واحدة, كريكيشة تعني لدينا, القصيرة الدميمة العجوز والعاهرة التي تتسرب منها رائحة العهر ولم يعد ثمنها يساوي شيئا... كانت تعني كل ذلك, عندما تفحصتنا بعينيها وعرفت ماذا نريد, ومنحناها, كل واحد منا عشر دراهم, نادت باسمين لتخرج عاهرتين, من غرفة لم نعرف كم كان عددهن فيها, أعتذر عن استعمال هذا المفهوم بدلا من مفهوم بائعات اللذة, الذي أجده يحترم أكثر إنسانية تلك الضحايا, بعد أن اختار كل واحد منا عاهرته اختلينا في غرفة, استلقت ممدة بدون حراك وخلعت سروالها لينكشف لي عن عورتها قبل أن تقول لي أنت لازلت لم تحلق ذقنك لازلت "برهوشا" أي طفل صغير , أول مرة سأمارس الجنس, سألتني هل مارست الجنس من قبل قلت نعم وأنا كاذب وأنا أرتجف, أخرجت قضيبي من سلسلة سروالي, وبعد احتكاك سريع جدا, بسرعة قذفت, هكذا فقدت عذريتي, وبعد ذلك بدأنا نتنافس, جيل بأكمله, من سيمارس الجنس أكثر من مرة في الأسبوع, ونتناقل أخبار الجديد في الدرب فنعلم من جاءت مؤخرا وفي أي بيت ويحرص كل واحد أن يكون هو السباق لممارسة الجنس معها, لتحقيق نوع من التباهي, كما كنا نحذر بعضنا البعض بعدم الاقتراب إلى عاهرة بعينها, عندما يصاب أحد زملائنا بأحد الأمراض الجنسية المتنقلة التي كنا نجهل أنها خطيرة, وننعتها كلها ب"البرد", عشر دراهم فقط وتستمتع, أي دولار واحد, كم كان رخيصا جسد نسائنا ولازال ! ,هناك تستقبلك فتيات لا يتجاوزن أحيانا الرابعة عشر تغتصب طفولتهن وتحت أنظار السلطات وتحت أنظار الكل, نحن كذلك كنا أطفالا, لم نتجاوز السابعة عشر وقتها, أتساءل هل كانت الدولة تريد ذلك وترعاه؟ ولماذا لم تحارب الماخور إلا بعد ذلك بسنوات,و حاربته ليس بإنشاء مراكز تستقبل تلك النساء اللواتي لم يجدن إلا بيع أجسادهن في زمن القبح, بل بطردهن من تلك البيوت وسجن بعضهن, الشيء الذي أفرز ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن الأولى وهي تواجد تلك البيوت في كل زنقة وكل حي من المدينة, هل كانت الدولة تهتم بالراحة الجنسية لجنودها؟ ولم تهتم بعقول شعبها إذن لقد كنا أكثر انفتاحا من الآخرين في هذا المجال, أما نحن كنا نعبث بمراهقتنا فقط في زمن الإحباط. عندما أكتب عن مدينة كلميم فإنني أحاول أن أستفسر المكان عن سبب ما أقدمته عليه وما يقدم عليه آخرون غيري, لماذا نركب البحر, لماذا نغامر بحياتنا؟ لماذا؟ لماذا؟
كبرت المدينة وكثر سكانها, وكبرت معها أزماتها, في الأول إذا حدث وسمعنا بوقوع جريمة قتل كانت كل العائلات تحزن لها, يداولها الناس في مجالسهم وبأشكال مختلفة مضيفين وناقصين عن الجريمة الأصل قصصا من خيالهم أحيانا, لكنها تترجم أسفهم البليغ على وقوع ذلك الحدث, في أواسط الثمانينات, جاء للمدينة يهودي مغربي يسمى برتخاي, في تلك السنوات بدأت فترات جفاف كبيرة جدا وتغير حال الناس وانفعالاتهم, لما جاء برتخاي فتح محلا لبيع الخمور, كان هناك بائعين قبله أخريين, نسميهم " كرابة" يصنعون الخمور في بيوتهم ويبيعونها. لكن زبائنهم كانوا معروفين, ومحدودين جدا, مع الجنود تروج كل التجارات, تجارة الأجساد, والخمور والقمار والعقار.. عندما قدم برتخاي إلى كلميم عرفت المدينة قطيعة حقيقية مع ماضيها الهادئ, فهو يمتلك رخصة بيع الخمور, لا أدري من أين حصل عليها, بيع الخمور لغير المسلمين, هل السلطات كانت تجهل أن ليس بالمدينة غير المسلمين فقط وشرذمة السياح التي تأتي لإلقاء نظرة على المدينة ترحل في المساء نفسه بعد أن تكتشف أن ليس هناك ما يستحق المشاهدة سوى البشر الذين يتقاسمون بيوتهم مع دجاجهم وماعزهم, في براريك بنوها خصيصا لذلك فوق السطوح, التي ظلت سائدة وإلى اليوم ولم تتغير إلا بإضافة الأطباق الفضائية" البارابول" التي تتعايش مع الدجاج والماعز في فضاء واحد كلوحة سريالية تماما. ما أقسى الجهل وما أبشعه !! , أم أن الدولة كانت ترى أن أولئك الذين يشترون تلك الخمور ليسوا مسلمين؟ .
انتشر شرب الخمر بين الشباب, كثر عدد الذين يشترونها وعدد شاربيها ومن لم تكن له جرأة من الشباب على شربها أصبح يشربها ولو فقط لحب الاكتشاف, أو مشاركة زملائه حتى لا ينعت بالضعيف والساذج, هي العادات هكذا تتسلل إلى المعيش ثم تستوطن حتى تصبح طبيعية ولا أحد يأخذ باله منها, بطرحي هذا لست محافظا كما سيعتبر البعض لكني فقط أرصد فترة مهمة من تحول مدينة ترعرعت وكبرت فيها بين عادات لم تكن إلا في إطار ضيق لتتسع رقعتها و لتشمل شرائح أكبر, مدينة تدفع شبابها إلى الموت .
أول جريمة قتل هزت المدينة وسببها الخمر وبائعات الهوى كانت في أواسط الثمانينيات وبعد أن أستقر برتخاي وفرض نفس وبيعه الخمور لمن هب ودب, وبأثمان في استطاعة الجميع, وقعت تلك الجريمة في إحدى الليالي بشارع الجيش الملكي, الشارع المؤدي إلى الثكنة العسكرية بالقرب من الماخور . لم تكتشف إلا بعد أن بدأت رائحة تعفن الجثة التي قفل عليها القاتل في مقهاه وهرب إلى طنجة, تزكم الأنوف, بعد ذلك توالت الجرائم في ستة أشهر وقعت جرائم قتل عديدة سببها الخمر, قتل عسكري بيد صديقه في جلسة أنس ورمي بأستاذ فرنسية من الطابق الثاني في جلسة أنس وقتل شخص بيد أحد المراهقين بعد انتهاء حفلة عرس وليلة حمراء .. تكررت الجرائم ولم تعد تذكر كما في الأول ولم تعد انفعالات الناس كالأول, فالجرائم الجديدة تغطي على الجرائم القديمة, حتى أصبح القتل لا يعني شيئا لأحد, كضحايا فلسطين الذين كنا نتأثر لموتهم عند مشاهدتهم في الأخبار وكأن أحدنا مات, لكن مع تكرار نفس المشاهد أصبح الأمر أليفا وتعوده الناس, هكذا تغيرت المدينة وكبرت وكبرنا معها, وتغير إحساسنا بها وكلما غبنا عنها لمدة بسبب الدراسة مثلا نعود ونجد أنها قد تغيرت واختلفت عنا وأصبحت تتجاهلنا, ولم نعد ندرك أن الزمن تغير وأن الواقع تبدل وأن الأزمة تجدرت لذلك كنا نجهل تماما ماذا كان يخبأ لنا الزمن؟...
أعترف أن مرحلة العطالة كانت أعنف مرحلة في حياتي, بل أقواها ليس فقط لكوني أصبحت تائها بدون مشروع مستقبلي, لا أعرف ما أكونه. لكن بسبب أحداث خاصة جدا أضيفت لسجل إحباطاتي وعجزي التام أمامها. على الحاصل على الشهادة الجامعية وفي بلادنا المتخلفة وبعد أن يلتحق بجحافل المعطلين, وفي مدينة ككلميم, أن يجد طريقة ليتأقلم مع واقعه الجديد, أن يرتب بشكل ما حياته اليومية, خاصة بعد سنته الأولى من حصوله على الشهادة الجامعية, لماذا سنته الأولى؟ لأن طول تلك السنة يغذي نفسه بأمل أن يشتغل بعد إجراء مباريات للتوظيف أو توسط أحدهم ... فمع الزمن تكتشف أنه لا أمل, وتصبح بذلك السنة اللاحقة أكثر صعوبة من سابقتها, وأكثر يئسا, لذلك تجد نفسك في زمن البطالة, مفروض عليك أن ترتب حياتك لكي تصبح مطاقة, كأن تستيقظ في وقت معين لا تثر فيه والديك, أن تستيقظ قبلهما مثلا, وأن تحاول أن لا تتواجه معهما أكثر مدة ممكنة, ربما قد يثير أحدهما سيمفونيته التي ستألفها أذنيك, وهو لماذا لا تخرج وتبحث عن شغل؟ لماذا أنت تركن في البيت كالمرأة؟ يقولون ذلك وهم لا يعلمون أن المرأة هي الأخرى لم تعد بالبيت, بل يعيروك بأختك التي تشتغل وأنت قابع في البيت, كأن بطالتك عيب وشغلها هي انتصار ليس من بعده انتصار, عليك أن ترتب يومك بشكل يتناسب مع برنامج قد يفرض نفسه عليك كأن تأكل في وقت معين وأن ترتاد الأماكن نفسها؛ بذلك تصبح عاداتك قارة, تضمن بها من جهة توازنا بينك وبين عائلتك والمجتمع ومن جهة أخرى تضمن بها توازنا بينك وبين نفسك, خاصة في مدينة تفتقد لخاصية الدينامكية والحركية ككلميم.
بعد مرور سنة من العطالة, سخرت فيها كل طاقاتي بكتابة طلبات مختلفة إلى جميع المؤسسات التي كنت أظن أني قادر على العطاء فيها, ولا أنكر أني راسلت القصر الملكي نفسه بطلب لجلالة الملك, من كوني ابن لجندي, أفنى ثلاثين سنة من حياته في خدمة بلده وفي خط النار, لكن لم أتوصل بشيء, وعرفت أن طلباتي ربما لا تقرأ وإن قرأت ترمى في سلة المهملات. بعد مرور الشهور الأولى من عطالتي, فهمت أن الوظيفة لن تأتي أبدا وعلي أن أتحرك في طريق آخر لأن الأمور لن تتغير, خاصة لما وضحت لي الرؤية بأنه غير ممكن أن أشتغل بإجازة في الأدب العربي, وأن المتنبي الذي اشتغلت عليه في بحث السنة الأخيرة من الجامعة لا يمت إلى الواقع الحقيقي بصلة, كنت على وعي بأن مئات المعطلين يعانون مثلي لذلك لما اقترح علي المهدي العمل, عند أحد أصدقائه كمسؤول لتأجير السيارات, وهو مشروع كان حديثا في المدينة لم أرفض رغم الراتب الهزيل جدا الذي لا يتجاوز الألف درهم في الشهر أي مائة دولار, قبلت لأني أعرف إن رفضت فهناك الآلاف الذين سيقبلون بتلك الأجرة, على المعطل أن يقدم تنازلات, بل التنازلات تفرض عليه مع مرور الشهور والسنوات, ومن التنازلات التي يجب أن يقدمها أن يكون عرضة للاستغلال, لأن في القطاع الخاص ليس هناك من يحميه وقانون الشغل يبقى فقط حبرا على ورق, في بلد كالمغرب طاقات بشرية هائلة وكفاءات كلفت الدولة أموالا باهظة, تنطفئ أمام أعين المسؤولين من غير أن يحركوا ساكنا رغم ناقوس الخطر, أثر كل ذلك سيظهر بالتأكيد سلبيا بعد سنوات,
عندما اشتغلت في محل تأجير السيارات , قررت أن أبدي تفانيا في الشغل, أن أحقق شيئا إيجابيا على الأقل يمنح لي ذلك الإحساس بالامتلاء رغم أني كنت مقتنعا أنها فقط صفحة أخرى من صفحات الإحباط, عندما تكتشف يوما بعد يوم أنه لا قيمة لك ولا معنى, وبعد تكرار الاحباطات التي تتلقاها تجد نفسك قد كونت مناعة من التأثير من أي إحباط يصيبك لأنك في الحقيقة لا تتوقع إلا ذلك. بعد شهرين من عملي, لمحت من الزجاج الخارجي للمحل, نادية, ناذرا ما كانت تزورني في مقر عملي, لأن تحرجها نظرات الباعة المجاورين لي, وعيونهم المتلصصة, لحظتها كنت أنهي الترتيبات الأخيرة مع زبون لدي, كانت آخر سيارة بحوزتي, وكان يعني ذلك أنني ولمدة الأسبوعين القادمين, سأكون في شبه عطلة, وذلك مادامت السيارات الخمس مؤجرة وموعد استرجاعها سيبدأ بعد أسبوعين, عندما ودعت الزبون, أقبلت علي مكفهرة, حزينة وصامتة, لم يكن من عادتها ذلك كان صمتها قويا, كنت أشعر بآلام في معدتي, اعتذرت لها بأن آخذ حبة دواء لأني أصبحت مسلحا بالملينات وأدوية أخرى, لأن تقرير آخر فحص, أثبت أن غلاف معدتي الداخلي أصبح يفقد قوته ويترهل. أجهشت بالبكاء, منذ أن تعرفت على نادية لم أراها يوما تبكي إلا مرة واحدة عندما ماتت جدتها, بكاؤها هذه المرة مختلف, أكثر لوعة ويأسا, يحمل مرارة من نوع خاص, أحسست أن الأمر خطير جدا, تسارعت على إثره دقات قلبي, وكان إحساسي صادقا وهي تجهش بالبكاء أخبرتني أنها حامل..
هل نستطيع أن نفهم يوما كيف تسير آلة هذا الزمن الرديء بموازاة مع ما يخلفه من أثر فينا؟ وهل نستطيع أن نضبطه ولو للحظة لنستوعب هول ما يحدث لنا فيه من تحول وتغيير واختلاف؟
رغم احتياطنا الشديدة من مسألة الحمل, وقع ما لم نكن ننتظره ورغم أنني تصورت وقوعه, لكنها فقط مهزلة القدر الذي لا يعمل إلا على تكريس الإحساس بالخيبة بل على غرسها بقوة فينا. لم أكن أدري ما العمل ؟ شعوري كان مركبا غريبا, ممتزجا بالسعادة والحيرة والخيبة والحسرة والألم, سعادة دفينة من الإحساس باستطاعتي إعطاء الحياة, هذا الشعور من كونك ستكون أبا وباستطاعتك أن تكونه, أن تهب الحياة أن تمنح استمرارية لك في هذا الوجود, أن تترك خلفا, يجعلك تشعر بالسعادة وفي نفس اللحظات شعرت بالخيبة والألم والكره لما أنتبهت أن واقعنا لا يسمح لنا أن نحقق ما نريد, أنا أسكن عند والدي وأجرة ألف درهم لا تكفي لمصروف أسبوع ناهيك عن فتح بيت, وحتى لو افترضنا وواجهنا عائلتينا بالأمر الواقع, لن نذهب بعيدا في علاقتنا, لأن في مجتمع يرى نفسه محافظا الأمور لا تسيير كذلك, لا أحاول هنا أن أجد تبريرات, لكن أن أحكي ما اتفقنا أن نقدم عليه وما قررنا القيام به و بشكل عقلاني؛ قررنا أن نسقط الجنين, نادية تخاف الفضيحة وأنا لا أدري ماذا أعمل, هكذا وبكل بساطة, هل سيغفر لي ربي يوما ما أقدمت عليه؟ وهل سأسامح نفسي يوما؟ وهل أستطيع نسيانَ ما وقع؟ لا أظن ذلك أبدا, وحتى وإن كتبت لي حياة أخرى, لا يمكن أن أنسى ما جرى أبدا, ولا يمكن أن أسامح نفسي أبدا. عندما تعيش القسوة والألم و تعيش الإحباط فإنك ستكفر لا محالة وتسب كل القيم البالية وتجد نفسك تائها بلا معين ...
الأحداث التي توالت بعد ذلك كانت عنيفة جدا وقاسية, إنها لعنة الزمن الرديء الذي تجعلك تشعر بالخواء والعجز المطلق بأنك لن تستطيع القيام بشيء. بعدما اتفقت مع طبيب خاص في مدينة أكادير كان مشهورا بقيامه بعمليات الإجهاض وبسرية تامة, مقابل مبلغ مادي ساعدني المهدي بجمعه, يقدر بأربع ألاف درهم أي أربع مئة دولار, استطاعت نادية أن تقنع أمها باتفاق مع خالتها من كون أنها ستبيت عندها تلك الليلة, لنسافر إلى أكادير لأن موعد العيادة بعد الوقت المخصص للاستشارات, أي بعد الساعة السابعة والنصف مساء, ومن مدينة كلميم إلى مدينة أكادير, ست ساعات بين الذهاب والإياب, وأي رجوع في وقت متأخر من الليل قد يثير شكوك العائلة, لذلك ارتأينا من الأحسن أن تتفق مع خالتها, التي كانت تقتسم معها أسرارا كثيرة, من كونها ستبيت عندها تلك الليلة تفاديا لكل شكوك, وبعد عودتنا نبيت في البيت الذي اعتدنا اللقاء فيه وفي الغد الموالي تعود إلى بيتها, ذلك اليوم من نهاية شهر يناير, لم نتكلم إلا لحظات فقط كنا بقدر ما يزداد صمتنا بقدر ما تزداد هواجسنا الداخلية ويتعمق بيننا إحساس لا نستطيع إدراكه, عندما خرجنا من عيادة الدكتور بعد عميلة الإجهاض ازداد صمتها, ولأول مرة شعرت أن شيئا ما قد حدث بيني وبينها لا يمكن أن أستعيده أبدا, وأن شيئا ما يتكسر في وجودنا تلك اللحظة لا يمكن أن أفهمه ولا يمكن رده, كأنك ترى مزهرية غالية الثمن تسقط أمامك ولديك القدرة على إمساكها ولكن لا تستطع لتدعها تتكسر أمام عينيك وتتفكك إلى شظايا غير نهائية, تلك الليلة لم يغمض لي جفن, أما نادية نامت و استفاقت من الألم مرتين رغم شربها الدواء, في المرة الثانية استيقظت, وهي تجهش بالبكاء عندما ضممتها إلى صدري كنت أشعر في قرارات نفسي أني فقدتها وللأبد.
من المسؤول؟ بقدر ما أفكر في ذلك بقدر ما يمتزج لدي شعور بالمهانة والاحتقار, هل المسؤول عن ذلك الملكية والحكومة والبرلمان التي عجزت عن حل مشكلة البطالة والتشغيل؟ هل المسؤول عن ذلك المجتمع الذي لا يرحم أحدا؟ هل المسؤول عن ذلك والداي اللذان أنجبنني؟ أم المسؤول هو هذا الزمن الرديء الذي وجدنا فيه؟ لم أرى نادية بعد تلك الليلة أبدا, حاولت الاتصال بها عشرات المرات على هاتفها النقال ولا أحد يرد, سألت عنها في المخدع الهاتفي الذي تشتغل فيه , أخبرني الشخص الذي عوضها بأنها تركت الشغل بدون سابق إنذار, أرسلت لها أختي الصغرى في بيتهم لأن أختي الكبرى لا أستطيع الحديث معها في أمور مماثلة لفارق السن بيننا, رفضوا استقبالها رغم أنها قالت لهم أنها صديقة لها ولم يودوا أن يخبروها, حتى بنات الجيران لا يعرفن أين اختفت, جننت, وآلام معدتي ازدادت حدتها, ولم يعد ينفع معها الدواء, ظللت أراقب بيتهم لعلها تظهر لأنه ليس من عادتها هذا الاختفاء الفجائي بالتأكيد عائلتها علمت بسرنا. أمشي على طول الزقاق, ذهابا وإيابا غير مكترث لأحد, وغير آبه لنظرات أحد وحين أتعب أقف بجانب عمود للكهرباء, محافظا في مجال بصري على رؤية واضحة لنوافذ بيتها والباب الخارجي, بعد مرور عدة أيام ولم تظهر, فاتحت أمي في الأمر, التي استنكرت ما قمت به, وولولت على حظها المنحوس ولعنت يوم التقت أبي وتزوجته ولعنت يوم ولدت , ويوم رأيت فيه النور, وذكرتني بأنها تعذبت في حملي عكس إخوتي كلهم, و كنت شقيا منذ صغري ولم تنعم معي بيوم راحة منذ ولادتي, وبسببي أصابها السكر والضغط وبسببي ستموت, لما هدئت أقنعتها أن تذهب شخصيا وتسأل عنها, وإن كلف الأمر أن تطلب يدها , أمام إصراري وتوسلاتي استجابت لي, لما ذهبت انتظرتها ومرت الدقائق كأنها سنين, لكنها لما عادت, عادت مجهدة, حزينة ووجهها شاحب, وقبل أن تزيل لحافها, أخبرتني أن نادية ماتت وقت الظهيرة وستدفن هذا المساء ولقد حملها الرجال لكي تغسل ويصلى عليها, وأن بيتهم غارق الآن بالعويل وبالكاء.
كيف يا الله كيف يحدث كل هذا ولماذا تموت نادية ولماذا يحصل لي أنا كل هذا؟, أنا السبب في كل ما وقع وكل ما يقع. لماذا لم تمتني يا الله قبلها؟ أحسست بكل شيء ينهار أمامي, حاولت أمي وبعض من إخواني الحاضرين تهدئتي, لم أستطع, حاولت أن أعرف من والدتي كيف ماتت, قالت يروج, أنها انهارت ساقطة فجأة بعد العصر, تزبد فمها وانتفض جسدها حاولوا مساعدتها على شرب الماء لكن الموت كان أسبق!, لم أصدق حرفا مما قالته والدتي إنهم هم الذين قتلوها بل لا أنا الذي قتلتها, قتلتها لما فكرت أن نجهض ولدينا, يا الله ما هذا العقاب القاسي ما هذا الألم الأبدي, ما هذا الوجود البائس؟ بكيت كطفل صغير, بكيت كأني لم أبك أبدا, خرجت ودموعي في عيني رغم محاولة أهلي منعي عن ذلك, وقفت في رأس الزقاق حيت يوجد منزلها, نساء عند الباب وعويل يسمع من الطرف الآخر, قلبي يرتجف, نادية ماتت.
رافقت الجنازة من بعيد حتى المقبرة, بين الجموع لمحت أباها وأخاها, تتبعتها وآلاف الهواجس والأسئلة تطرق عقلي وأنا غير مصدق أن الجنازة التي أتتبعها تلك اللحظات جنازتها هي, وأن المحمولة على النعش هي نادية حبيبة القلب, بقيت بعيدا حتى انتهوا من قراءة القرآن على قبرها ورشوا عليه الماء ووضعوا جريد نخل بجانب رأسها وانفضوا عائدين إلى بيوتهم, لما انتبهت أني بقيت وحيدا, اقترب من قبرها وقلبي يتقطع ألما غير مستوعب ما يقع وكأني في كابوس حقيقي, درت بالقبر مرتين أو ثلاثة وأنا غير مصدق بكيت وصرخت وتلمست الشاهد على رأسها, تخيلتها تخرج لي من مكان ما وتقول لي لا تصدق إنهم فقط يريدون أن يصرفونك عني, بابتسامتها ونظارتيها, ماذا فعلت في حقك يا ربي حتى تميت حبيبتي, ظللت قابعا بجانب قبرها, غير آبه للزمن إلى أن ساد المقبرة ظلام كثيف وبدأت أشعر ببرد قارص يلسعني ونباح كلاب ضالة تزداد حدته في السواد.
الأيام التي تلت موت نادية كانت قاسية وحزينة, بعد اليومين الأولين من موتها, غمرني حزن عميق يزيد من إحساسي أنني لن أراها أبدا, بدأت أبكي كطفل صغير مفكرا في كل شيء تائها عن الدنيا, شهيتي نقصت, لم تعد لدي أي رغبة في الأكل ونومي أصبح متقطعا, ظللت قابعا بغرفتي لا أخرج, وإحساسي بالذنب يزداد, يتعمق في كل لحظة لأنني اعتبرت نفسي السبب في موتها, فكرت أن أخبر الشرطة بكل شيء وأحكي لهم وأقول لهم أنها جريمة قتل وليس موتا عاديا, كنت متأكدا أن سر موت نادية لا يخرج عن دائرة عائلتها ولكن أفتقد لدليل, مشغلي بعد أن اتصل على هاتفي المحمول عدة مرات ولم يرد عليه أحد, جاء شخصيا يسأل عني في البيت رفضت مقابلته وطلبت من أخي الأكبر أن يعطيه مفاتيح المحل. أخرجت كل ما كان يجمعني بنادية, الرسائل التي كتبتها لها, أيام تعرفت عليها والتي لم أرسلها إليها أبدا, الصور التي أخدنها سويا, والساعة اليدوية التي أهدتني إياها, وكل شيء لمسته يدها, لباسا أو جريدة أو كتابا, وبدأت أعيد ذكرياتنا لحظة بلحظة, وأنا في كل ثانية أشعر أنها ستفتح الباب وتضمني إلى صدرها وتقول لي, حبيبي, أعدك لن يفرق بيننا شيء أبدا, ما أقسى الموت وما أقسى هذا الزمن وما أقسى أن تعي في لحظة أن وجودك لا معنى له وأن لعنة الإحباط لا نهاية لها أبدا.
غالبا ما تقبل بعض الأشياء على أساس أنها وقائع ممكنة الحدوث لأي شخص لكونك تعلم أن جميع البشر يمرون من حالات حزن وشقاء, لكن السؤال الذي يظل عالقا في رأسك يفرض عليك نفسه بل ينغص عليك صفاء تفكيرك هو لماذا أنت وليس الآخرين, لماذا أنت يحدث لك هذا وبهذا الشكل المكثف والمتوالي؟ رغم أنك تعرف جيدا أن حالات أقسى وأعنف يمر منها غيرك, لكن أنانيتك تجعلك تشعر كأنك مستهدف وباستمرار.
ربما قد أتفق مع الكثيرين الذين سيعتبرون أني رشحت نفسي للهجرة السرية بسبب كل تلك الأحداث, لكن عندما أعيد على نفسي ذلك السؤال لماذا هاجرت سريا؟ أقتنع أن تلك الأشياء لم تكن وحدها السبب. لم أكن أفكر في الهجرة عبر قوارب الموت ولم يكن شيئا يخطر ببالي, أتناقل أحيانا مع أصدقائي ما يقع في المحيط, أقرأ مرة هنا وهناك وبشكل خاطف جدا غرق بعض قوارب الموت أو ضبط عصابة متخصصة في الهجرة السرية, أو أتابع ما يعرض على قنوات التلفزيون من أحداث كأي مواطن عادي, لكن أن أرشح نفسي للهجرة السرية كان أمرا مستحيلا ولم أفكر فيه أبدا, ليس لكوني تعرضت لمجموعة من الأحداث, مرض معدتي و البطالة التي وجدت نفسي فيها وموت حبيبة قلبي هو الذي جعلني أفكر في الهجرة, حتى بعد موت نادية لم أفكر في ذلك, أذكر أنني بدأت أقرأ بنهم كبير في الفترة التي بدأت أتعايش فيها مع موت نادية وبدأت أتأكد يوما عن يوم أن موتها حقيقة لا يمكن تغييرها وعلي قبولها, عائلتي وجدت هذا الانتقال مؤشرا إيجابيا في حياتي و بدت الابتسامة على وجوههم, رتبت الغرفة التي أحتلها مع أخي الأصغر, غيرت موقع المكتب بدلا من مكانه قرب الباب وضعته بقرب النافذة المطلة على الشارع, لكي أكون في موقع الضوء, الجرائد التي كنت أحتفظ بها في ركن الغرفة والتي كانت تزعج أخي الأصغر مني الذي يقتسم معي الغرفة رتبتها بحسب تاريخ إصدارها, بعد أن عزلت المواضيع التي أهتم بها أكثر, التي تتطرق للنقد الأدبي, ملأت الجميع في كراطين وطلبت من أختي الصغرى أن تضعهم في غرفة فوق السطوح, نجمع فيها بعض الحاجيات التي لا نستعملها, والتي قد نحتاج يوما, في الدولاب جمعت بعض أشرطة الموسيقى التي كانت مبعثرة وبدأت أنظم مكتبتي, بعزل جناح المجلات عن الكتب والروايات وعزل الكتب الفرنسية عن العربية... بعد مدة وجيزة بدأت أكتشف أن مطالعتي المفرطة لم تكن إلا محاولة إسقاط يائسة لموت نادية على المجال المعرفي كنوع من العزاء الذاتي, محاولة بليدة للنسيان, أعشق المطالعة ومند مدة طويلة والدليل امتلاكي مكتبة متواضعة قرأت جل محتوياتها, لكن ليس إلى درجة القبوع المستمر في الغرفة, بعد مرور أيام قليلة بدأت أشعر بالملل لذلك كان حتما علي, وبما أني أنجزت عزائي أن أخرج من قوقعتي. وكانت فقط مرحلة الهدوء التي تسبق العاصفة.
الفرد الذي يرى العالم على شكل سلبي لن تكون حياته إلا انعكاسا طبيعيا لرؤيته, هكذا يعتقد الأغلبية؛ قد لا أتفق مع هؤلاء خاصة في حالتي, ربما لأنني أردت أن أكون إيجابيا في فترة معينة بل أحاول دائما أن أكون ايجابيا, لكن القدر ورائي بالمرصاد, هناك من تسعى السلبية إليه, تبحث عنه أينما كان لتضخم لديه الإحساس بأنه لا شيء إنه الإحباط ولاشيء آخر غيره...
عندما أحيل والدي على التقاعد بعد أكثر من ثلاثين سنة اشتغالا في الجيش, كثرت بينه وبين والدتي حروبا كلامية على أتفه الأسباب أحيانا, بعد فترة وجيزة من تقاعده بدأ يشعر بأن هناك أشياء كثيرة لا يتفق معنا فيها, البرنامج اليومي لوالدتي وزوجة أخي من تنظيف وترتيب للبيت وتحضير للأكل , دخول وخروج أختاي من البيت الذي وجده مستفزا وليس له تفسير والذي لا يتفق مع برنامج محدد, والشيء الذي اعتبره مؤلما, إحساسه بكوننا كنا الأقرب إلى والدتنا منه, لذلك بدأ يغضب لسبب ولدونه, يصرخ ويشتم, وعندما يوجه الحديث لها بخصوصنا يقول لها أبناؤك, كأننا نحن لسنا أبناءه, عندما يراني قابعا في غرفتي أقرأ أحيانا يجد ذلك المكوث في البيت لا معنى له ويقول بأن الرجل هو الذي يشتغل هو الذي يشمر عن ساعديه ويعين والديه, بقدر ما كانت تلك الكلمات واقعية كانت قاسية, ولم أكن أكترث لها لأني كنت أتفهم الأمر جيدا, و لأنني أقر بفضله الكبير علي, حتى اليوم الذي أحدث فيه المفاجئة الكبرى للجميع, وأعلن لنا أنه قرر أن يتزوج, تفهمته جيدا ولم أبدي أي امتعاض عكس جميع أعضاء العائلة, الذين استاءوا للأمر واعتبروا ذلك نكرانا لجميل والدتي عليه, وبدون أن يقيم أي اعتبار لرأي أحدنا, أكترى بيتا, وتزوج فتاة في عمر أخي الجزار الذي يكبرني بسنتين, وتركنا نحن في المنزل, ثمرة عمله في الجيش, وقبل أن يطلق والدتي طلاقا نهائيا كان يزور البيت أحيانا ليتفقد حال إخواني الصغار حضوره كان يجعل البيت كأنه في جو جنائزي تماما, يجلس بعض الدقائق ليختفي أسبوعا أو أسبوعين, أمي بكت وندبت حظها المنحوس كالعادة, والسنوات التي قضتهم هدرا معه, وبعد أن استوعبت جيدا الحدث اقتنعت بعجزها التام, هذا الانكسار المفاجئ في عائلتنا غير أشياء كثيرة جدا, جعل والدتي تشعر بجرح عميق اخترق وجودها, أصبحت أكثر تيها وأكثر صمتا, وتكتفي فقط أن تشكو أحيانا من ارتفاع ضغطها أو ارتفاع نسبة السكر في دمها. ولم يعد البيت كالأول فالكل اعتبر زواج أبي بامرأة أخرى خيانة لنا جميعا. مصروف البيت تقلص بشكل كبير, بعد امتناع والدي عن أداء واجبه بحكم أننا كبرنا وباستطاعتنا تدبير حالنا وحال أخواننا الصغار, وواجبه انتهى بالسهر علينا حتى أصبحنا يافعين, مساعدات أخي الجزار وأختي الصغرى التي تشتغل في الحلاقة, كانت قادرة على تحقيق توازن ما, لكن أمام ارتفاع فاتورة الماء والكهرباء والدواء اليومي لوالدتي وحاجيات أخوتي الصغار أصبحت الأمور تتأزم شيئا فشيئا, أما أختي الكبرى الموظفة في البلدية, كانت مساهماتها شحيحة جدا رغم أنها تقتسم معنا البيت فراتبها بالكاد يكفي لتشتري به ملابسها والمساحيق المتنوعة التي تتفنن في شرائها, في هذا الوضع الجديد, في غياب والدي بدأت أشعر أنا الآخر بنوع من المسؤولية , لأول مرة أشعر وبشكل جدي أن الأمر يعنيني أنا كذلك, في حضور والدي كان الأمر مختلفا, كنت أشعر أن لا أحد يقيم لي أي اعتبار أنا الحاصل على الشهادة الجامعية والقابع بالبيت, أما الآن أشعر أني كذلك ملزم بالمشاركة في مصروف البيت, بل أشعر أن نظرة العائلة تغيرت والدتي من الحين للآخر تهتم برأيي في بعض الأمور, ورغم أن تلك الأمور كانت تافهة بالنسبة لي لكن كنت أجد سعادتي في إبداء رأيي بها, الشيء الذي لم يكن ممكنا في حضور والدي.
اتصلت بصديق لي لديه مدرسة خاصة يقدم فيها دروسا للدعم والتقوية, رحب بفكرة مساعدتي له, بتدريس مستويات الابتدائي, تجربة وجيزة جدا, تضاف لمجموع التجارب التي رسبتها, حاولت أن أقرأ بعض كتب الديداكتيك والبيداخوغية وبعض النظريات في التربية لكي أواكب المعرفة النظرية مع العمل التطبيقي الذي كنت أجد نفسي سعيدا عند مزاولته, لا أنكر أبدا إن كان بيدي اختيار تحديد مهنتي كنت سأختار أن أكون مدرسا. مهنة التدريس مهنة نبيلة, بل رسالة شريفة.
لن أتحدث عن درجات الخيبة التي أصابتني, بعد انخراطي في ذلك العمل, عندما فاجئني كون تلاميذ مقبلون على الالتحاق بالإعدادي, لا يجيدون القراءة والكتابة, و يجدون صعوبة في استيعاب اللغة العربية, في كتابة بعض كلماتها وفهمها وصعوبة أكبر في إنجاز بعض العمليات الرياضية كعمليات الإضافة أو الطرح ناهيك عن إنجاز عمليات الضرب والقسمة, أما اللغة الفرنسية التي كانت مبرمجة لهم منذ السنة الثالثة لا يتقنونها بالمرة, لاحظت بأن مستوى التعليم تدنى بشكل كبير جدا, لم أمتلك سوى أن أعمل بجد ربما قد أساعد قليلا من أتاحت لي الفرصة مساعدتهم لذلك كنت أتفانى بشكل كبير في عملي قد أجالسهم لساعات طويلة ومتى سمح لي وقتي بذلك وبدون أن أشعر بأي كلل أو ملل وبحب كبير.
أحيانا أتساءل عن كيف يمكن للفرد أن يكون إيجابيا وكيف يصبح ذلك؟ لكن عندما أفكر وبعمق ما هي إمكانيات حدوث ذلك في مجال لا يساعد أبدا على الإيجابية, مجال سلبي بامتياز, تنكشف لي الصورة عن حقيقة مُرّة وهو أن لا مجال للإيجابي في زمن السلبي, في نفس المرحلة قررنا مجموعة من الأصدقاء خلق جمعية تعنى بالتربية والبيئة وبعد أن رحب الجميع بالفكرة وبعد عدة أسابيع فقط بدأت بعض الحزازات الشخصية بين أعضاء الجمعية تطفو على السطح, الفكرة كانت جيدة جدا إلى درجة أن بعض الأساتذة الذين تربطني معهم معرفة شخصية تحمسوا لها, لكن لا مجال للإيجابي في زمن الإحباط, روج أحدهم أن الرئيس المفترض للجمعية يشتغل عينا للسلطة ورغم قرارنا بعزله وتفهمه لذلك لم تنجح محاولتنا, لأن خبر مثل ذلك كان قادرا على أن يدمر مؤسسة بأسرها وليس فقط جماعة متحمسة لخلق جمعية, الشيء الذي نجحت السلطة كذلك في تكريسه بجمعية المعطلين, حتى ظل أعضاؤها يتراشقون فيما بينهم بالأقاويل والدعايات, عبر تكتلات نشأت بينهم, وعندما يظهر منصب شغل في الأفق, تتقد همتهم ويعلنون اجتماعاتهم, التي يتداولون فيها كلامهم البيزنطي عن النضال والتشغيل ... لتنتشر الصراعات الفارغة والاتهامات المجانية لبعضهم البعض, حتى يتصرف مسؤول البلدية أو والي الإقليم في المنصب المذكور فينتشرون بين كراسي المقاهي يتوسطهم إبريق شاي يندبون حظهم العاثر يبدعون مفاهيم ينعتون بها بعضهم البعض نتيجة عقدة نظرية المؤامرة كالكولسة كناية بالكواليس, والتبوليس كناية بالاشتغال مع الشرطة, ويعيشون نوستالجيتهم ويعيدون ذكريات ماضيهم الذي ولى محاولين نسيان حاضرهم الذي يفر منهم باستمرار وتجاهل المستقبل المظلم القادم لا محالة, يجسدون النضال في كلام يلوكونه بامتياز في المقاهي وإهدارهم للوقت بنظرة لا يستوعبونها إلا هم, متجاهلين أنه علينا أن نتغير ولا سبيل إلى ذلك إلا بإرادة الكل وبنقد جدري وبناء, بعد ذلك الحادث قررت أن ألتزم فقط بالاهتمام و بشكل كبير في إبراز موهبتي في الدروس الخصوصية التي كنت أتألق فيها يوما بعد يوم, لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن, إنه القدر الرديء دائما يجعلني معرضا أكثر وباستمرار للعنة الإحباط, تورط مشغلي في علاقة مشتبهة مع إحدى تلميذات الثانوي والتي كان يدرسها الرياضيات, وبحكم أننا كنا نقتسم نفس المكان الذي ندرس فيه, جاءت والدتها ذات مساء لكي تتأكد من الخبر, كنت أدرس في القسم الخاص بي ثم سمعت جلبة في باب المؤسسة, بعد أن تبادلت الحديث مع صديقي وبعد أن تأكدت من تلعثمه أن الخبر صحيحا, صاحت في وجهه وتحت أنظار الجميع أنه من المفروض أن يكون أباها الثاني قبل أن تختم قولها أنه لا يستحق أن يكون أستاذا, وكانت صادقة في ذلك.
تلك الحادثة وبعد انتشارها بين الكل كلفت المشروع دمارا تاما, نقص عدد الملتحقين بالمؤسسة, بل في نهاية الشهر انسحب الكثير من المنخرطين, وبقيت عناصر قليلة جدا, لم تجد فقط لسبب أو لآخر بدا من البقاء. انسحبت أنا الآخر, كنت أعرف جيدا قد يزج بي أنا كذلك في القيل والقال, واعتبرت التجربة محاولة فاشلة وأنها انتهت ولا سبيل للاستمرار فيها .
قبل موت الملك الحسن الثاني بأيام, عاودت والدتي الاتصال بأختها أي خالتي في الرباط, مذكرة إياها بوعدها لها بمساعدتي على الحصول على وظيفة, خالتي زوجة أحد المسؤولين الكبار, نظرا للتفاوت الطبقي بين عائلتينا لم تكن هناك أي زيارات متبادلة بيننا رغم علاقة الأخوة التي تجمع بينها وبين والدتي.
أذكر بعد حصولي على شهادة الإجازة هاتفتها والدتي وطلبت منها بأن تتوسط لي بالحصول على عمل ما, ورغم أنني باسم المبادئ كنت ضد تلك الفكرة ظاهريا لكن في قرارات نفسي كنت أرغب أن أحصل على وظيفة, ولا يهم الطريقة كيف, بل كنت مستعدا أن أعطي رشوة لتحقيق ذلك, لأن في زمن الإحباط كل شيء ممكن, أن تدوس على مبادئك, أن تتبول عليها, أن تلعن الزمن وان تتنكر لكل القيم الموجودة بل أن تتحالف مع الشيطان إن كان السبيل لذلك, وهل هناك مبادئ سامية في زمن الإحباط؟, إن أي ادعاء للطهرانية في زمن القحط ضرب من القول فقط هكذا كنت أخمن وهكذا كنت أبرر ما أقوم به, قامت والدتي بذلك من أجلي, وبما أن خالتي وعدتها أنها ستعمل كل ما في وسعها لتحقيق ذلك, لم تكرر طلبها مرة ثانية إلا بعد طلاقها من والدي, استدعى الأمر أن تسافر شخصيا إلى الرباط رغم وجع المفاصل وأعراض الضغط الدموي ومرض السكري, قضت هناك يومين, وبعد أن عادت, طلبت مني مهاتفتها, بعد فترة العشاء اتصلت بها, أجابتني إحدى بناتها, أذكر أني زرتهم مرة واحدة فقط, لم أشعر بالارتياح أبدا في منزلهم لأني لم أعتد على السلوكيات التي كانوا يقومون بها, الأكل بالشوكة والسكين وبشكل منفرد, والصمت المطبق أمام جهاز التلفاز, زوجها المهم بعد العشاء مباشرة اختفى في غرفة بعيدا, إبنتها الكبرى لم تنم تلك الليلة بالمنزل, أما الاثنتين التي كانتا في نفس عمري و بعد حديث مقتضب بيننا , تغامزتا بينهما و انخرطا في ضحك هستيري, اعتبرا أفكاري بالية وأنني أنتمي إلى زمن ولىّ . عندما وصلني صوت أخت أمي من الجهة الأخرى, أمرتني أن أرسل لها عبر البريد, نسخا مصورة من مجموع الدبلومات التي حصلت عليها, ورغم أني أرسلت لها كل ما طلبته مني, لم تقم بشيء؛ بعد موت الحسن الثاني وبعد مكالمة وجيزة بينهما, قالت لأمي بشكل واضح, إن الكل خائف على كراسيه ولا يمكن عمل شيء في الوقت الراهن, حتى تتضح الأمور مع الملك الشاب.
ما هو الإنسان؟ الإنسان هو اللحظة هو الظرفية والسياق الذي يتواجد فيه, قد تكون لديك أفكارا معينة تنتصر إليها و قناعات فكرية خاصة لكن في سياق معين تجد نفسك تقوم بأشياء مخالفة عن قناعاتك أو تنخرط في أمور متناقضة مع مبادئك رغم أن صوت عقلك الداخلي ينبهك أنها ليست قناعاتك أو أفكارك أنت, في هكذا لحظة تجد نفسك تتنكر لكل تلك الأفكار التي كنت حريصا لسنوات عديدة الدفاع عنها, ربما هو الانسياب العادي لحياتنا هو الذي يجعلنا نتوهم أننا نحمل مبادئ سامية معينة ننتصر إليها لكن في خضم الحياة ولما نتواجه مع متغيرات جديدة ومع الواقع الحقيقي نجد أنفسنا نقوم بما لم نكن مقتنعين به, ثم بعد ذلك نجتهد في إيجاد تبريرات لما نقوم به , اللحظة والسياق هما اللذان يحددان الإنسان!!, عندما اقترح علي المهدي ذلك المساء في مقهى السعادة, مشروع الهجرة السرية إلى جزر الكناري أجبته بالموافقة, لم يكن يتوقع قبولي الفوري لأنه يعلم جيدا موقفي من الهجرة الخارجية القانونية بشكل عام ناهيك عن أن تكون تلك الهجرة سرية, لكن ذلك المساء, لما اقترح علي الفكرة وافقت على الفور, لم يعقب على موافقتي بل اكتفى بالقول أنه رتب كل شيء وأن إبراهيم كذلك سيرافقنا في سفرنا. في تلك الأيام كانت إقالة البصري حديث الجرائد والعامة, الرجل الذي حكم المغرب إلى جانب الملك الراحل بيد من حديد, كنت أشك أن يكون هناك أي تغيير ولو أقال الملك جميع وزراء المغرب والعملية في حد ذاتها لم تكن إلا تغيير بطانة ببطانة أخرى يثق فيها الملك أكثر, كان الملك الجديد يختار فقط رجالاته ويستغني عن رجالات أبيه الراحل, عملية تكريس السلطة وإعطاء دماء جديدة للملكية ليس إلا, هكذا كنت أخمن.
ليس هناك منطق في سلوكياتنا, بل نحن الذين نصبغ على سلوك معين صفة منطقيته, لأن الأشياء تأتي هكذا ونقبلها, تفرض نفسها علينا بسبب حاجتنا الملحة إليها قد نرفضها في البداية لكن مع مرور الوقت نألفها وتصبح عادية, وننسى ما أحدثته فينا من استهجان ورفض, حتى تصبح تقليدا نمارسه باستمرار ونصبغ عليه مشروعيته. الهجرة السرية تناسلت عبر التقليد تضخمت عبر نجاحات الآخرين في العبور وتحول حالهم المادي, عندما نكون في منظومة يحكمها الإحباط والفشل لا نرى إلا التجارب الناجحة في العبور رغم كوننا نعيي جيدا أنها تجربة خطيرة وأن هناك تجارب كثيرة فشلت, لكن ذلك الخطر لا يكون رادعا لدينا لسبب واحد هو أننا نعيش إحباطا تلو الآخر, ومجموع تلك الإحباطات تجعلك ترى أن الموت الحقيقي هو ما تعيشه؛ الموت الحقيقي هو أن ترى نفسك تشيخ ولا زلت لم تستقل ماديا؛ الموت الحقيقي أن ترى نفسك بدون مشروع مستقبلي أن تجد نفسك بدون بوصلة تحدد اتجاهك في بحر هذا الوجود الشاسع, وأن يصاحبك الشعور الدائم بلا جدواك.
أتساءل دائما لماذا أقدمت على الهجرة السرية؟ و بقدر ما أتساءل في ذلك بقدر ما أتيه في شبكة أكبر من الأجوبة والأسئلة, أجد نفسي أطرح احتمالات أخرى كانت ممكنة, إذا لم أجهض في الحب هل كنت سأهاجر؟ إذا كانت لدي وظيفة قارة هل كنت سأهاجر؟ إذا كانت عائلتي ميسورة الحال هل كنت سأهاجر؟ إذا لم تكن لي معرفة مسبقة بالمهدي هل كنت سأهاجر؟ الاحتمالات تكبر في ذهني حتى تبدو غريبة؛ تتيه الأجوبة أمام بحر الاحتمالات التي كنت أجد نفسي في لبها.
أخبرني المهدي أننا سنكون ستة فقط, وعلي أن أكون كتوما حتى تنجح الرحلة, ريسان, الأول قام بعمليات مماثلة ناجحة والثاني له تجربة كبيرة مع البحر وهناك ميكانيكي آخر, ونحن الثلاثة؛ إبراهيم المهدي وأنا. ربما في تلك اللحظة بالذات كنت مستعدا لقبول أي شيء؛ لكن لماذا؟
لا أفهم نفسي جيدا ولم أكن لأفهمها, هذه الموافقة لمواجهة الموت, هذا العبث وهذا الإقدام المفاجئ الذي لم أعهده في شخصيتي, الإشكال أنني كنت قادرا على أن أرفض في الأيام التي تلت ذلك العرض, لكن صوت خفي بداخلي كان يدفعني إلى الأمام يشل أي تفكير منطقي يؤكد لي أن ما نحن بصدد التحضير لإنجازه, انتحار ليس إلا.
هل الإنسان محكوم عليه أن يرى فقط الأشياء التي يريد هو أن يراها؟, أم أننا في لحظة اتخاذ قرار ما والسير في تنفيذه نكون تحت تأثير شيء آخر, يقضي على أي تفكير منطقي, بماذا كنت أفكر؟ كنت أفكر في شيئين اثنين الأول, كيف يمكن لي أن أجمع عشرة آلاف درهم, أي حوالي ألف دولار,لأسير بها حالي هناك ورغم أن ثمن الرحلة قد تكلف المهدي بأدائه, والثاني هل ستنجح الرحلة كما قال لي المهدي وهل فعلا نسبة الخطر فيها صفر, كل فعل يحتمل نسبة ما من الخطر لذلك كنت أتوقع غرقنا جميعا أو غرق بعضنا فقط أو نجاتنا جميعا كل الاحتمالات كانت ممكنة ورغم أني لم أكن مقتنعا بكلام المهدي كنت أتعامى على رؤية الحقيقة ووجدت نفسي أنخرط في اللعبة حتى النهاية, نجحت بشكل كبير جدا في إخفاء الأمر عن عائلتي, كنت على دراية برد فعل والدتي إن علمت ما كنت أنوي الإقدام عليه, ستقطع ثيابها كالعادة وتولول على عمرها الذي فنته في خدمتنا والخيبة التي لحقتها منذ أن تزوجت أبي و من سلوكياتي وسترجع كل أمر سيء وقع لها في حياتها لوجودي أنا , ارتأيت أن لا أخبر أحدا حتى أتصل بهم هاتفيا من هناك, لم تكن تلك الأيام التي تفصل عن موعد الرحلة سهلة جدا, وبقدر ما كنت أترقب موعد الرحلة بقدر ما كنت أرغب أن لا يأتي ذلك اليوم أبدا, شعور مزدوج بين الإقدام والتردد, كنت على يقين أن كل شيء ممكن لكن ليس هناك سبيل لإيقاف العملية كأنني مدفوع للقيام بها, وهي الحقيقة, كنت أحاول الهروب من نفسي عبر هذه المغامرة هذا ما استنتجه بعد ذلك بسنوات.
لم تكن هجرتي بسبب عوز مادي ولم تكن بسبب الأزمات التي عشتها لأن هناك حالات أفراد كثيرين غيري مروا من تجارب قاسية في حياتهم وكانوا أشد فقرا وأشد حاجة ولم يهاجروا سريا, بل كانت بسبب اليأس والخيبة, الوعي بالإحباط واليأس من الحياة هو الذي دفعني للهجرة السرية, لم أتقبل إحباطاتي سواء تلك التي فرضت علي أو كنت فاعلا فيها, هناك من يقوم بما يقوم به لأنه لا يدرك هول الفعل و خطر الحدث الذي يود القيام به وفي نفس الوقت لا يستوعب درجة الإحباط التي يعيش فيها, يركب البحر يركب المجهول آملا في مكان أفضل وواقع أحسن. عصارة ما تعلمته من تجاربي أن المكان الأفضل هو المكان الذي لا نتواجد فيه أبدا , لأن المكان الأفضل يبقى سوى تصور ذهني لا وجود له في الواقع المادي, يبقى سوى تشابك لأفكار سوى رؤية دماغية, تغيب فيها كل المتغيرات الممكنة التي تعري حقيقة أن لا وجود لمكان أفضل, مادامت إكراهات أخرى أكثر قوة نغيبها عندما نفكر أو نتمثل ذلك المكان أو ذلك المستقبل الذي نحلم به, فلا يكون كذلك إلا ذهنيا فقط ولكن واقعيا لا وجود له, غالبية المهاجرين السريين يفرون من الإحباط الذي يعيشون فيه, يفرون من الخيبة التي تلاحقهم والتي تجعلهم يشعرون في بلدانهم أنهم لاشيء, وربما هجرتهم قد ترجع إليهم ذلك الإحساس بأنفسهم والمعنى الحقيقي للوجود الذي يفتقدونه في بلدانهم, يفرون من واقعهم المادي المزري يفرون من الفقر, يفرون من الضغط ومن الحرمان من جحيم بلدانهم يفرون نحو أوروبا الجنة, فردوسهم المادي, يفرون إلى الكرامة إلى نسيم الحرية والرفاه المادي.
إنه زمن الذل والمهانة, زمن الخوف المستمر من الغد, في بلد تشعر أنك لا تنتمي إليه, ربما قد أكون من خلال كتابة قصتي هته, أحاول فقط تبرير سلوك صدر مني لأنني لم أكن مقتنعا أبدا الإقدام عليه, لكن هي الحقيقة التي لم أجد بدا من كتاباتها.
لماذا يجد الإنسان رغبة شديدة في قراءة الحوادث في قراءة مشاكل الناس, إلى درجة المتعة أو الألم أحيانا؟ لماذا يقبل القراء في الجرائد أكثر على صفحات التي تهتم بمشاكل الناس بل ويجدون متعة كبيرة في متابعة أحداثها أحيانا وتناقلها بينهم, بعضها يشعرنا بالأسف والحسرة لكنها لا تمنعنا عن قراءتها ورغم أننا نشعر في دواخلنا أنها تفوق قدرتنا على تحملها, لكن نجد أنفسنا نتابعها وباهتمام كأننا نحاول أن نقيس مشاكلنا على مشاكل الغير كأننا نريد أن نعرف ما لا نكونه نحن وإلى أي درجة نتشابه في أزماتنا, أو ربما نريد أن نقيس ضعفنا وحقيقتنا عبر ما يعانيه الآخرون, أو ربما أنانيتنا التي تستحوذ علينا تجعلنا لا نطمئن على وضعنا إلا إذا عرفنا أوضاع الآخرين الذي ليسوا بأحسن حال منا, أو رأينا عيوبنا من خلال متابعة تجاربهم وآلامهم, لذلك تجدنا نتابع مآسيهم كأن ما نقرأ هو دليل على اكتشافنا لهم وعندما نكتشف شخص أو أزمة فإنها تبدوا تافهة لنا أو تبدو متجاوزة, أو ببساطة نحاول أن نسقط مشاكلنا على مشاكل الغير عبر قراءاتنا, أعرف أيها القارئ لماذا تابعت وباهتمام مثلا حكايتي؟ لماذا أسرتك كل هذه الأحداث المتتالية من حياتي رغم ألمها ورغم أنها متشابهة في جوهرها مع مشاكل أفراد عديدين آخرين غيري وربما مع مشاكلك أنت, وأعرف مدى محاولتك استباق النتائج إلى النهاية تريد أن تعرف كيف توالت الأحداث وماذا حصل بالضبط في كل لحظة من مسيرة إحباطي, وثق بي أيها القارئ أنني لا أكتب فقط من أجل زوجتي كريستين! , بل أكتب من أجلي ومن أجلك أنت كذلك, هئنذا خلقت لديك متاهة أخرى من متاهات السرد باستباقي الحديث عن مستقبل تجهله إلى حدود قراءتك الآن.
لا أريد أن أتورط معك أيها القارئ عبر هذا الحوار, بل هدفي أن أورطك أكثر , فأنت منذ الصفحات الأولى, متواطئ معي على كل حال, أنت تحقق متعة على المستوى الذهني وأنا لا أريدك أن تكون عدميا, لذلك أتمنى أن تكون إيجابيا أو سلبيا, أن تبدي رأيا مع ذاتك, وأن لا تنتهي حكايتي عند إتمام قراءتك, أتمنى أن يكون رد فعلك بحجم قراءاتك كلها وترسباتك الفكرية, قد تكون الآن مستلقيا أو على الأقل في وضع مريح, تستمتع بقراءتك وهذا من حقك لكن ما سأعتبره حيفا في حقي هو عند انتهائك من هذا النص تشعر بشيء من الشفقة أو تقول بينك وبين نفسك طريقة سرد رائعة تعبر عن مأساة حقيقية, وهل ستكون قادرا على قول شيء آخر؟, أتمنى أن تتجاوز هذه النتيجة وأن تقول هذا المحبط يستحق هذه اللعنة, ولا يجب أن أكون أبدا مثله, إنها علاقة الكاتب والقارئ, علاقة صعبة وفي نفس الوقت سلسة, أعرف أنك تريد أن تكتشف نهاية مصيري, أعرف أنك وطول قراءتك لقصتي قد نسجت تساؤلا كبيرا إلى جانب تساؤلات أخرى طبعا تفرضها عليك قراءاتك الناقدة ورؤيتك التي كونتها من مطالعات عدة, تتساءل هل نجح هذا المحبط في حياته؟ ورغم أنك بدواخلك متأكد أنني لم أنجح خاصة لأن العنوان الذي سطرته لهذه السيرة يوحي بأنني لم أنجح ولكي أشفي فضولك أخبرك أنها عين الحقيقة.
النجاح شيء نسبي نختلف في تقييمه حسب رؤيتنا الخاصة والزاوية التي نرى منها المسألة. نجاحي في العبور إلى جزر الكناري وإلى فرنسا في وقت لاحق, سيراه البعض نجاحا ليس من بعده نجاح لكن بالعكس أعترف أن عبوري إلى الضفة الأخرى ليس إلا شكلا جديدا من إحباط أكبر وأخطر من الذي كنت أعيشه بكلميم, أو هكذا على الأقل وعيته, لأن ما كان ينتظرني لم أكن أتصوره أبدا, إننا لا نتطور بل ننتقل فقط, ننتقل في تصورنا وإدراكنا أما ما هو قائم فهو ثابت وللأبد لا تتغير سوى رؤيتنا له, إن الإحباط واحد والأزمة واحدة ولكن هو الوعي بهما هو الذي يتغير, عندما كنت أقرأ غرق قارب موت كنت أجدني أتساءل؛ لماذا هؤلاء الأشخاص أقبلوا على ما أقبلوا عليه؟ لماذا ركبوا البحر وهم يعلمون انه الخطر بعينه؟ وربما في أعماق نفسي كنت أقول يستحقون, ليس كرها لأحد وليس حسدا من كون بعضهم ينجح في تحقيق مراده ولكن بسبب دفين: إيماني العميق أن لا تغيير من الخارج, وكنت أخمن دائما, هنا ولدنا وهنا ترعرعنا وهنا نموت, وفي نفس الوقت كنت أتحسر ألما أحيانا خاصة عندما كنت أعرف شخصيا بعض الأشخاص الذين غرقوا في البحر, الحكايات كثيرة ومتشابهة والمأساة واحدة. الأرقام ترتفع يوما عن يوم ولا مسؤول يبدي أي قلق كأن الأمر لا يستحق أو كأن مغامرات شبابنا لا تعني أحد, كأن من الأفضل أن يغرقوا في البحر بدلا من أن يزعجوهم بإضرابات تطالب بالحق في الشغل أو ضد غلاء المعيشة.
الكل كان يتحدث عن الهجرة السرية "الحريك" بل أصبحت ثقافة مجتمعية, أتذكر بعض تلامذتي الذين كنت أدرسهم بعد أن أحثهم على الاهتمام بدروسهم يواجهونني بمنطق, ماذا أنجزت أنا بشهادتي الجامعية؟, بطالة مقنعة فقط, ويقولون لي ببرودة دم, "الحريك" هو الحل, و كانت كل محاولة مني لإفهامهم أن الأمور ليست كما يظنون, أشعر أني أعرض نفسي للسخرية ليس إلا, ماذا سيقولون عني برب السماء لما يعلموا أني أنا الآخر "حركت" هاجرت سريا؟ أو ليس هذا قمة العبث؟ لماذا فشلت كل المؤسسات في عملها, الأسرة, المدرسة...؟ لماذا أصبح الحريك ثقافة؟ لماذا؟, إن كنت أرغب في شيء الآن هو أن يسامحني تلامذتي لأني لم أكن ذلك الأستاذ القدوة الذي نهيتهم يوما عن شيء وأتيته فيما بعد.
كم هي تافهة الأفكار وكم هو سهل التنظير, و كم هو صعب التبات على شكل واحد وتوجه واضح من الرؤية, كنت جبانا ولا زلت, في أواخر شهر ديسمبر من سنة 1999 أخبرنا المهدي أن موعد الرحلة قد اقترب, وعلينا الاستعداد في كل لحظة, الترتيبات الأخيرة خاصة صرف عملتنا إلى البسيطة الإسبانية, وتحضير جوازات سفرنا التي قد نحتاجها يوما....
ذلك الصباح كأني أستفيق على بيتنا لأول مرة كل ركن فيه يذكرني بشيء ما, بلحظة ما من تلك اللحظات الوجودية التي قضيتها بين جنباته, الصور المعلقة على الجدران, الدولاب في الصالون وفي المطبخ مكتبتي كنبتي ومكتبي, كل شيء يذكرني بشيء ما وكل هذه الأشياء قد لا أراها أبدا وكأني ألقي عليها نظرة الوداع الأخير. أخي الذي يقتسم معي الغرفة مستلقي في مكانه تمنيت لو استيقظ وودعته تمنيت لو ودعت إخوتي جميعا, فكرت أن أوقظهم وأقبلهم جميعا, واحدا تلو الآخر وأقول لهم كم أحببتكم وكم أحبكم, لكن لم استطع, سيكتشفون أمري, والدتي وحدها التي كانت مستيقظة؛ لازال الوقت مبكرا, وبما أنها كانت عطلة آخر السنة الميلادية والأيام الأخيرة من شهر رمضان الكريم, الكل يغط في نوم عميق, وأنا أشاهدها تنتقل أمامي في البيت كعادتها, كأني أشاهدها لأول مرة, بقميصها المزركش وخمار رأسها وحركاتها المجهدة, توصيني أن أنتبه كثيرا إلى نفسي أن أكون حذرا, تظن أني ذاهب لاجتياز مباراة كتابية في مراكش وكما أوهمت الجميع رغم كون أختي الصغرى لما فاتحتهم في أمر المباراة الكتابية غمزت بعينها قائلة مباراة أم تريد قضاء رأس السنة هناك؟ ولكي لا أثير شكوكهم أكثر قلت الاثنين معا, احتفال رأس السنة يوم السبت والمباراة يوم الاثنين أي يوم الدخول من العطلة, الجميع يجهلون ما كنت أنوي القدوم عليه, أمي ذلك اليوم بدت لي ملاكا طاهرا يمشي على الأرض, وهي كذلك !! اليد الحانية علي في هذا العالم, سألتني مرارا هل حملت معي دوائي, وتريكو الصوف لأن برد مراكش قارص في فصل الشتاء, كنت أنظر إليها بحنان لم أحب أمي يوما كما أحببتها ذلك الصباح كنت سألغي كل شيء, لكن ذلك الصوت الداخلي الدفين يقول لي لقد حان الوقت. اللعنة على هذا الزمن البائس الذي يخنقنا في كل لحظة بصيرورته الأقوى منا, الذي يحرمنا حتى من أن نقول لمن نحب كم نحبك, قبل أن أغادر طبعت على رأسها وخذها قبلات عديدة و استنشقت تلك الرائحة التي لن أنساها أبدا, ضمتني إلى صدرها طويلا كعادتها في أي سفر, كما لو كنت رضيعا كنت أحاول أن لا أنظر في عينها ربما قد تكتشفني في لحظة, و كم أغدقت علي من دعواتها الطيبة و تمنت لي حظا موفقا, هل كانت حاستها السادسة تخبرها بشيء ما؟ لم أكن أدري ربما شعوري المكثف بين لحظة وداع قد تكون الأخيرة وبين حب جارف توهج ذلك الصباح هو الذي جعل تلك اللحظات ثابتة في مخيلتي وللأبد, عند عتبة البيت حاولت أن تدس في يدي ورقات نقدية, رفضتها بلطف شديد ولم أستطع أبدا أن أمنع نفسي من إيقاف دموع انهمرت مني بدون رغبة.
كم أحبك يا أمي وكم أحببتك وكم سأبقى أحبك وللأبد. عندما لفظني البيت إلى الشارع أحسست بموجة برد قارصة انتزعتني من كل تلك الأحاسيس الجياشة اتجاه والدتي واتجاه العالم ككل, لأوقف كل تلك التداعيات في مخيلتي وأفكر فيما أنا مقبل عليه.
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018