مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

نورد الدين محقق: رواية غرب المتوسط (فصل مُهدى للطيب صالح)

noraldinne_mohakak
نور الدين محقق
ودعت أمي وإخوتي، في حين أصرت أختي الصغرى على الذهاب معي إلى محطة القطار صحبة الأخ الأكبر لصديقي مصطفى الذي سيرافقني إلى فرنسا، والسيارة تخترق الطريق، كنت أفكر في العرض الذي سبق لي أن ألقيته حول رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" وحول بطلها الشهير مصطفى سعيد، وقلت في نفسي، ها أنا عما قريب، سأصبح مثله، كانت أختي تنظر إلي في إعجاب، فقد كان الذهاب إلى فرنسا في ذلك الوقت يمثل أمنية كل شاب يحصل على الباكالوريا، وهو الأمر الذي تم معي، فقد تم اختياري ضمن مجموعة من التلاميذ المتفوقين، الذين منحتهم وزارة التعليم العالي منحة مخصصة لمتابعة الدراسة هناك. حين وصلنا إلى المحطة، ودع مصطفى أهله، في حين اكتفيت أنا بتوديع أختي الصغرى التي تحول إعجابها إلى بكاء مرير. حاول الكل إسكاتها بشتى الطرق، لكن عينيها أبتا ذلك. عانقتها من جديد وانسللت حول القطار الرابض في مكانه. تبعني مصطفى يجري، وهو يضحك، قال لي ما كان عليك أن تصطحب هذه الأخت معك. قلت هي التي أصرت على ذلك، ثم لا تنسى أنني أخوها الأكبر، بل إني بالنسبة إليها الأب الفعلي، فهي لم تر أبانا كما كان من المفروض أن تراه، لقد توفي وهي بعد صغيرة جدا، صعدنا القطار، وقد تشعب الحديث بنا وامتد، هو يريد أن يحقق طموحه في الموسيقى والغناء وأنا أحاول أن أحققه في الدراسة، هو يريد أن يجعل من فرنسا محطة عبور إلى بلجيكا، وأنا أريد أن أجعل منها المحطة الأخيرة في مشواري. امتد القطار يقطع الأراضي، ونحن جلوس في إحدى مقصوراته، نشاهد الأمكنة وهي تطوى أمام أبصارنا، كما تطوى أوراق العمر، ورقة تلو الأخرى، كان علينا أن نغير القطار في مدينة سيدي القاسم، لنأخذ قطارا آخر يوصلنا إلى مدينة طنجة، لكن النوم غلبنا، فلم نفعل. حين انتبهنا إلى ذلك، مع مجموعة من الراكبين، كان علينا أن نأخذ قطارا آخر يعيدنا من جديد إلى سيدي القاسم، وهو ما كان. ضحكنا كثيرا حول أول فشل يصادفنا في رحلتنا هاته، ونحن بعد لم نغادر بلدنا المغرب، فكيف بنا إذا نحن غادرناه وتشعبت بنا الطرق بين البلدان الأخرى، بدءا من إسبانيا التي لم نكن نتقن لغتها وانتهاء بفرنسا؟. حين أطلت علينا مدينة طنجة، عروس الشمال، بدا علينا الفرح، توجهنا صوب أقرب مقهى، طلبت قهوة سوداء، قصد طرد النوم الذي ما يزال يداعب أجفاني، في حين فضل صديقي أخذ فطور متكامل، أشعلت سيجارة من النوع الممتاز، ونظرت بعيدا صوب البحر.
كانت النوارس هناك تنتظرني، تذكرت لحظتها أننا حين كنا صغارا نذهب إلى البادية، كلما حلت عطلة الصيف، وحين تشتد الحرارة، ننسل من البيوت الهادئة، وآباؤنا نيام، لنذهب إلى البراري باحثين عن العقارب السوداء، تحت الأحجار، وكلما عثرنا على واحدة منها، نقوم بقتلها فرحين، وذات يوم، بينما كنا نفعل ذلك، إذ تراءى لنا ثعبان أسود آتيا صوبنا، فما كان منا إلى أن هربنا صوب البيوت في حين بقي بوشعيب، وهو ابن المنطقة، متسمرا في مكانه حاملا منجله، ومنتظرا قدوم الثعبان إليه، حين عدنا إلى حيث كان بوشعيب، وجدناه، قد قام بسلخ الثعبان، وأشعل بعض الأعواد، وقام بشيه. قال لنا باسما، إن لحم الثعبان لذيذ جدا، وقد تعودت على أكله صحبة أبي. لقد علمني أبي كيف أستطيع اصطياد الثعابين وكيف أستطيع الصمود أمامها دون خوف أو وجل، أبدينا إعجابنا به، لكن لا أحد منا، نحن أبناء المدن، قد مد يده ليأكل من هذا اللحم الثعباني المشوي. أعادني صديقي مصطفى إلى التواجد الذهني معه، حين سألني عن سبب شرودي، فأخبرته بالحكاية. فابتسم، ثم ما لبث أن وجه نظري صوب إحدى البنات الطنجاويات قائلا لي:"انظر إليها، ما أجملها، لكأنها حورية خرجت للتو من البحر"، قلت مصادقا على كلامه:"بل يبدو لي أنها أبهى من الحورية ذاتها. أنظر اٍلى تناسق أعضائها وكيفية تمايلها في إيقاع موسيقي هادئ". قالت فتاة كانت تجلس بالقرب منا وهي تضحك:"ماذا ستفعلان أيها الشقيان حينما تصلان إلى الضفة الأخرى". قال صديقي مصطفى مجيبا:"أول ما سأفعل حين أصل هو أن أتزوج بأول فتاة تراها عيني. شرط أن تكون في جمال هذه الحورية التي مرت بالقرب مني". قلت مستدركا:"أما أنا، فعلى استعداد أن أتزوج بفتاة في مثل جمال التي طرحت علينا هذا السؤال الشائك". اهتزت الفتاة ضاحكة، فقد كانت بالفعل جميلة، بل جميلة جدا، ثم قالت لي:"وأنا موافقة فقط لأن ذوقك جميل". دعوناها للجلوس معنا، فلبت الدعوة مسرورة، سألناها معا عن وجهتها، فقالت لنا مزهوة:"باريس"، ثم أضافت:"وأنتما؟" قال صديقي مصطفى:"ليون" قالت موجهة كلامها لي:"وأنت؟"، قلت:"ستراسبورغ". قالت لنا، على أي اتركا لي عنوانيكما، سأتصل بكما حالما أصل إلى باريس، لا أستطيع الآن مرافقتكما، رغم أن طريقنا مشترك، على الأقل طيلة أمكنة إسبانيا، ولكن أبي يرافقني إلى هناك ،وهو عما قليل سيأتي. ودعتنا ثم عادت إلى مكانها، بعد أن تركت لنا هي الأخرى عنوانها ورقم هاتفها هناك، قال لي صديقي مصطفى حين ذهبت:"أيها اللعين، لقد أوقعتها في شباكك، ألم تر كيف كانت تنظر إليك في هيام؟"، ابتسمت، ثم قلت له:"يا ولدي، إنها مجرد تهيؤات، تحاول بها استدراجي إلى الحديث معك عنها، إن كان ولابد، فهي قد مالت إلي، أكثر منك، فمت غيظا إذن..". ضحكنا معا على هذه الجملة الأخيرة، ثم شرعنا في جمع أمتعتنا من جديد، قصد الذهاب إلى الباخرة، فقد تراءت لنا من بعيد، كما أن الناس قد بدأوا في التوافذ للذهاب إليه. كانت الباخرة رائعة جدا. كانت المرة الأولى التي أركب فيها باخرة بهذا الحجم. أذكر أن اسمها كان "ابن بطوطة" أخذت مكاني بين الركاب وسرحت بنظرتي تجاه البحر. النوارس هي النوارس، والزرقة تملأ المكان، ولا شيء غير الزرقة. ظل صديقي مصطفى مشدوها من روعة الفضاء، سألتني فجأة إحدى الراكبات عن مكتب الصرف، فأخبرتها به، وحين عادت، شكرتني ثم امتد بنا الحديث، تحدثنا عن كل شيء، وكنت كاذبا في كل الذي قلته لها باستثناء نوعية الدراسة التي نويت متابعتها في فرنسا. حدثتني عن كل شيء يخصها، ويظهر أنها كانت صادقة في كل الذي قالته لي. جاء صديقي مصطفى نحونا، ثم شرع في العزف على الجيتار الذي حرص على جلبه معه من المغرب، كان عزفه جميلا جدا، بحيث شعرت معه، بأنه قد استطاع أن يستميل قلب الفتاة إليه. مما دفعني إلى الانسحاب، وتركهما معا.
ارتكنت في إحدى زوايا الباخرة، وبدأت في قراءة رواية "الغريب" لألبير كامي. هذه الرواية سحرتني. قرأتها أزيد من خمس مرات، ولم أستطع الانفكاك من سحرها، لدى وصولنا إلى إسبانيا، انتظرنا مجيء القطار الذي سيأخذنا إلى العاصمة، مدريد. كنت مرهقا بعض الشيء في حين كان صديقي مصطفى يبحث عمن يحتسي معه بعض الكؤوس الحمراء. صديقي مصطفى لا يستطيع أن يشرب لوحده. دعاني للشرب معه، فأبيت، لم أرد أن أرى أوربا لأول مرة وأنا سكران ثم اٍني لا أشرب .كنت عازما على رؤيتها بكل جوارحي، وقد تسنى لي ذلك، فكيف أراها بنصف وعي ؟ هذا لا يجوز بتاتا في ملتي واعتقادي. كانت الشوارع زاهية، والفتيات الحسناوات يملأن الطرق، وكنت وحدي ،آه يا وحدي كما يقول محمود درويش. حاولت معاكسة بعضهن، لكن اللغة خانتني، فهن لا يعرفن إلا اللغة الإسبانية، وأنا جاهل بها.
"هل تتكلمين العربية ؟ "، " Do you speak english ?"،" Parle tu le français ? " ولا من مجيب سوى الابتسامات العذبة التي تذيب القلب وتحرق الوجدان. لمَ لمْ أتعلم اللغة الإسبانية. كم كنت غبيا؟ التجأت حين أعياني البحث المضني عن فتاة إلى صديقي مصطفى، وجدته، ضمن جماعة من المغاربة والتونسيين، يحتسون الكؤوس تباعا. حدثً الجميع عن خيبتي، فتطايرت الضحكات ذات اليمين حينا وذات الشمال حينا آخر، قال أحدهم:"لا عليك، ما أكثر النساء الجميلات في هذه البلاد. حين نصل إلى مدريد، سآخذك عندهن، فأنا أتكلم اللغة الإسبانية بطلاقة، كما أني خبير بالنساء الإسبانيات، فأنا كما ترى طنجاوي، وأهل طنجة أدرى بأهل مدريد من البيضاويين ...!، قلت ضاحكا:"في هذه، أنا معك"، ثم جلست أتابع معهم بقايا السهرة، في انتظار قدوم القطار. وجاء القطار ليلا، وصعدنا نتسابق للولوج إلى المقصورات المليئة بالنساء، كنا شبانا في مقتبل العمر، وكانت النساء الأوربيات يمثلن لنا قمة الأنوثة المشتهاة، كنا ندعي الأدب والفن، وكانت المرأة الأوربية مثالا للصديقة المرغوبة، هكذا جلسنا في إحدى المقصورة المضاءة بنورهن، ألقينا التحية، فجاءنا الرد بأحسن منها، فبدأنا نتباهى بالحديث باللغة الفرنسية، حينا والحديث بالإنجليزية حينا آخر، لكنا انصرفنا حين بدأ المغاربة الشماليون، من طنجة وأصيلا والعرائش يتحدثون باللغة الإسبانية، لغة البلاد، إذ استطاعوا جلب أسماع حسناوات إسبانيا إليهن، في حين ظللنا نحن نتضاحك مدعين الفهم، ولا فهم، لكن ما أن اشتد الحديث وامتدت الطريق أمامنا، حتى بدأ الكل يتحدث، وبدأت الترجمة تباعا من العربية إلى الفرنسية إلى الإنجليزية إلى الإسبانية، ثم من الإسبانية إلى الإنجليزية إلى الفرنسية إلى العربية والكل منتشي، فرح مبهور، بهذا المجمع اللغوي الشبابي العالمي، ثم بدأت بعد ذلك لغة الموسيقى تتدفق، بوب مارلي، والبيتلز وناس الغيوان، والفيس بريسلي، وجاك بريل، وليو فيري، وينس ميكَري ونجاة اعتابو. قالت فتاة مغربية:"تعجبني نجاة اعتابو كثيرا" إنها تصور العلاقة الإنسانية بين الذكر والأنثى، بشكل طبيعي وحين أثقل عليها أحد الفرنسيين بالأسئلة، أجابته ضاحكة، وهي تنظر صوبنا:"J?en ai marre à Lawlid !" فاهتززنا ضحكا، في حين ظل الشاب الفرنسي فاغرا فاه دون أن يدري أن هذه الجملة التي رَمي بها من لدن شابتنا هي جزء من أغنية شهيرة للفنانة نجاة اعتابو ذاتها، وحين شرحنا له ذلك، شاركنا في الضحك هو الآخر.كنت عازما على اصطياد أول أنثى أوربية، ولتكن من إسبانيا ومن مدريد تحديدا، ظلت عيوني تبحث وتحملق وتنظر وتحدق، وظلت عيون الفتيات اللواتي كن معنا، إما محايدة أو متسائلة أو مترددة، فجأة وبدون سابق إنذار نهضت مدعيا استنشاق الهواء في الخارج حين لمحت فتاة أمام النافذة. اقتربت منها وألقيت التحية بالفرنسية، فأجابتني بالإسبانية، فأكملت حديثي معها بالإشارات، عدت إلى اللغة الأولى، فالرجوع إلى الأصل أصل، أعجبتها اللعبة فسايرتني فيها، وشيئا فشيئا التقت شفتانا معلنة الحب في كامل الوضوح. كانت الشفاه تتكلم لغتها، في حين تعطلت لغة الكلام، وامتد الوقت جميلا، عبقا، متألفا كأحلى ما يكون.
حين وصلنا إلى مدريد نزلت تاركة إياي غارقا في النشوة، بعد أن مدتني برقم هاتفها، ملحة علي بالإشارة بضرورة تعلم اللغة الإسبانية، وعدتها بذلك وعدت إلى أصحابي. كان الكل غارقا في النشوة. ارتميت فوق الكرسي الممتد وسرحت بعيدا، إلى أن غلبني النوم، كنت متيقنا بأن متاعي في أمان، فصديقي مصطفى تركته مستيقظا، كما أن علاقتي بالأصدقاء المغاربة الجدد، قد توطدت، في الساعات التي تحدثنا فيها، واشتركنا معا الطعام خلال مرورها. لم أر مدريد كما كان يجب أن أراها، خصوصا وقد عانقتها كثيرا في أشعار نزار قباني وعبد الوهاب البياتي. لم أر لعبة الكوريدا ولم أشاهد الثيران الهائجة وهي تجري بين الشوارع والأزقة، لم أر مدريد، حتى وإن قبلت إحدى أجمل بناتها، قبل أن تطأ قدمي أرضها. كان مروري هذا بها، مرورا خفيفا كمرور الكرام في المتخيل الشعبي العربي، لكني وعدت النفس بعودة قريبة إليها وأنا على دراية تامة بلغة أهلها، وصلنا إلى الحدود الإسبانية الفرنسية، كان الصف طويلا، حين جاء دوري تقدمت بهدوء، سلمت جواز سفري، فتم طبع تأشيرة الدخول عليه، انتظرت صديقي مصطفى، قليلا، ثم توجهنا معا إلى أقرب مقهى لننطلق منها إلى محطة القطار الذاهب إلى باريس. استقبلتنا باريس كأحسن ما يكون الاستقبال، فقد نزلنا من القطار إلى أرضها ونحن بصحبة أجمل نساء الدنيا، كانت فرانسواز تقبض على يدي، في حين كان مصطفى يعانق كريستين. لقد أحببت باريس كثيرا من خلال ما كنت أقرأ عنها سواء باللغة العربية أو اللغة الفرنسية، من ينسى كتاب "الإبريز في تلخيص باريز" للطهطاوي، ومن ينسى "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، ثم من ينسى "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، وهي كتب سردية،تحدثت بحب عن هذه المدينة الرائعة. مدينة الأنوار والحب والشعر.
قالت لي فرانسواز وهي تنظر إلي في زهو:"طيلة حياتي كنت أحلم أن ألتقي بفتى عربي. فتى آت من ألف ليلة وليلة إلي، يحملني بين ذراعيه، ويرميني أرضا، ثم يدثرني بجسده القوي"، قلت لها مسايرا تخيلاتها العذبة هاته:"وأنا طيلة حياتي، كنت أحلم بفتاة آتية من بلد النور والمعرفة والحب، من بلد فولتير وجان جاك روسو وسارتر وألبير كامي، كي أسكن فيها وتسكن في". ظللنا في باريس ثلاثة أيام، متسكعين في شوارعها ومقاهيها ونواديها الليلية وبعض مكتباتها الشهيرة، وحين حان وقت الفراق، أخذنا صورة مجتمعة بالقرب من برج إيفيل. ودعت فوانسواز التي غلبها البكاء فانهالت علي تقبيلا كما ودعت كل من صديقي مصطفى وصاحبته كرستين، أخذت القطار الذاهب إلى ستراسبورغ وكلي خوف من المجهول الذي ينتظرني هناك. فأنا لا اعرف أي إنسان في هذه المدينة، كما أن مؤسسة "كروز" المكلفة بالأحياء الجامعية فيها قد أخبرتني في رسالة عاجلة بعدم وجود أي غرفة شاغرة في هذه الأيام، وما علي إلا البحث عنها بمفردي وحسب إمكانياتي الشخصية.
هكذا وصلت إلى ستراسبورغ وحيدا. لم يكن معي إلا أمتعني. سكادو فوق الظهر، وكاسكيطة فوق الرأس، في حين كنت مرتديا لبدلة دجينز كاملة. كانت اتجاهي صوب المقهى مباشرة. وضعت أمتعتي وطلبت قهوة سوداء كالعادة، ثم لم ألبث أن أشعلت سيجارة من النوع الرفيع، وشربت دخانها بعمق، كانت المقهى قد بدأت تودع زبائنها، وكنت على وشك الذهاب نحو النادل لأسأله عن مكان الحي الجامعي الذي عمل اسم بول أبيل، حين شهدت صديقي خالد، يلج إلى المقهى، أية صدفة رائعة هي، بالنسبة إلي؟، قلت في نفسي:"والله إني مرضي الوالدين"، ناديت عليه، فقصدني فاتحا ذراعيه، تعانقنا أمام الملأ الفرنسي، وامتدت ضحكاتنا لتملأ المكان، قال لي:"لعلك قد وصلت الآن" ثم أردف:"لقد تأخرت كثيرا، فكل الطلبة المغاربة، أصدقائنا، قد تسجلوا في الجامعة، واكتروا شققا، أو حصلوا على بعض الغرف في الأحياء الجامعية"، "قلت: والآن، ما العمل؟"، قال لي:"دع الأمر لي، إنك محظوظ حين صادفتني، لو لم تكن كذلك، لقضيت هذه الليلة متسكعا في الشوارع، كما فعلنا نحن لدى قدومنا، لنذهب من هنا الآن، وبعد أن ترتاح قليلا عندي، سأفرجك على مدينة ستراسبورغ". أديت ثمن قهوتي، وانطلقت معه.
ركبنا الحافلة رقم 23، التي أخذتنا إلى حي ليسبلاناد، حيث يقع شاطو بورطاليس. هذا القصر الأثري الذي ظل شاهدا على التاريخ. أعجبت بالقصر وبغرفه المتعددة التي تحولت إلى مأوى للطلبة الجامعيين، كانت غرفة صديقي خالد كبيرة جدا، فهي في الأصل كانت مخصصة للاجتماعات العامة، هناك مدفئة كبرى، غير مشغلة، وهناك كراسي مركونة في غير انتظام. استلقيت على السرير بعد أن تخلصت من أمتعتي، ولم أدر إلا وأنا أسبح في سابع نومة، بتعبير إخواننا المصريين، رأيتني هناك في مدرستي، وأنا أقوم بإلقاء عرضي حول رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، وإحدى صديقات الدراسة المجدات تسألني:«ألا ترى معي أن مصطفى سعيد، بطل الرواية، كان مصابا بداء العظمة؟» أجبتها وابتسامة هادئة ترتسم على شفتي :«بلى، ولكنه كان جديرا بهذا الداء، فهو قد كان مختلفا عن باقي زملائه».
-------------------------------------
(٭) فصل مقتطف من رواية « غرب المتوسط » ) قيد الطبع( ، وهي رواية تنتمي إلى نوع الروايات الحضارية وما بعدها ، التي تطرح علاقة الشرق بالغرب ، من منظور إنساني تكاملي مبني على المحبة والتسامح والتآخي ،عن طريق تتبع حياة شاب في علاقاته المتشعبة مع الحياة الثقافية هناك .إنها رواية تعيد التفكير من جديد في روايات عربية سابقة من أهمها ،عصفور من الشرق ، لتوفيق الحكيم ، و« قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح ، وهي بشكل من الأشكال امتداد لرواية « وقت الرحيل» للكاتب، والتي سبق نشرها ضمن منشورات وزارة الثقافة المغربية 2007.
وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018