مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

سلام أحمد إدريسو: باب الخوخـة (نص روائي)

باب الخوخة (نص روائي)

salam-idrissou

سلام أحمد إدريسو

عتبات

ماذا سيقع لو تُقال تلك الحقيقة عارية من أي خيال يقيها من برودة الواقع؟...

الحقيقة كما كان يُقال في السبعينات؛باردة كالحية،إلى حد أن سؤالا كهذا تناقلته ألسنة حسيرة بوجل ورهبة،لا لشيء سوى أنها تخشى عري الأجوبة الصحيحة.لذلك كان يحلو دائما لمن تحلّى بالقليل من الإنصاف أن يسخر من اختباء الجميع خلف ذلك القناع الكذّاب بأسئلة مماثلة:"أجل وماذا سيقع في ملك الله،لو تخرج تلك الحقيقة عارية الرأس لتتجول في الحارت؟..ّ".واليوم يتساءل آخر كالفيلسوف:وهل ستُضرب الكواكب المنيرة عن عشقها القديم مثلا؟.أم يا ترى تتساقط أسوار تلك البلدة المتخفية هي الأخرى خلف أسمائها اليابسة..".على كلٍّ...

يقال إن أصح ما رُوي لها من أسماء...بالإمكان اختزاله في عبارة واحدة هي "المدينة البائدة".أما ذلك الاسم الروماني السحيق،ذي اللكنة الموسيقية المنسابة،فلا أحد من سكانها يذكره أو يؤكده سوى من يزعم بثقة دائما بأنه خازن تاريخها بدون منازع.الواقع أنها بُعثت على الألسنة،خلال حقب ذوات العدد ببركة الخيال السحرية،بما يعني غلبة الظن لدى الأكثرية بأن شجرة الحقيقة عقيمة وأن خصوبة التاريخ آتية من أفعوان التخييل.

ولكن يُقال أيضا بأن هذه الحكاية متعددة الألفاظ والصيغ،لن تظفر بانبعاثها من جديد،مادام أهل تلك البلدة،الأشباح شبه المحنطين،يرفضون الاعتراف بتلك الحقيقة المخزية؟.وسيزداد الأمر غموضا لمّا يدعي أحدهم-وهو يتباهى،مثل شاهد المحاكم،بقوله الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة-بأن ضفاف نهر "بلاد الهبط" وحدائقه المنطوية على صمتها قد تتبعثر فعلا,لو يتجرّأ البعض منهم على مجرد الخروج من حالته الموميائية المعمِّرة,فبالأحرى أن تتملّكه الشجاعة لبرهة من الزمان فيعترف ببشاعة رائحته السرية،التي لا نسب بين نتانتها وبين رائحة بلدته العجيبة،العابقة بشذى الرمان والنعناع وجنان الورد والبرتقال التاريخية،إلا الخير- كما يقال بالدارجة.ناهيك عن مروج اللقلاق الرحبة التي كانت محط رعاية وعطف قديمين من لدن الأهالى البسطاء،مما جعلها تفتح أحضانها عن آخرها لاستقبال أسراب الطير المهاجرة من الشمال أو الجنوب.أما اليوم فلا يوجد من تلك المروج الساحرة غير ممالك طيفية معلقة سابحة في أجواز الضباب المركوم.

في الواقع حتى بياض الرّقيم يفقد سحره،لأنه لا يسعف،في حالة كهذه،سوى بعبارات ملثّمة بالتصنّع والتعميم؛نجد بين سطوره مثلا العبارة التالية:"...ربما تتصرم الأجيال ذواة العدد,قبل أن تتكون لدينا الإضاءة الكافية لاكتشاف الصورة الحقيقية من جديد،ولربما تأتي ساعة الرحيل الأخير بعيدا عن حدائق تلك البلدة المترهلة،قبل أن تنفرج أسارير الزمان عن أحدوثة مماثلة تمدنا بقبس من الأنس:الأنس بكون هذا الإنسي الملتبس،الهُلامي،متعدد الملامح والذّوات..،ماهو في الحقيقة سوى مصطفى الجراح ولد للاّ هنية...".

&& && &&

هذا الاسم مألوف لدينا.

وقد كنا نستشعر أحرفه كما نستشعر رائحة الماء الفيضانية الناضحة بالغموض،لكثرة ما جاست بسيولها خلال متاهات الحارة القديمة وهي تسحر طفولتنا.بل ولكثرة ما أطل علينا اسمه برفقتها وقد ضاهت رنات حروفه صمت ذلك الماء المحمّل بالطّمي الجبالي.أقول:ونحن صغار..كنا نسمع به كثيرا في عتمات باب الواد،حتى بتنا نرى شبحه الرمادي هائما خلال تلك الدروب الضيقة والمتعرجة من حومة القطانين.كان الأولى أن يذكّرنا اسمه بطعم شجيرات الورد والحبق والقرنفل والدالية وقد اختارت عزلتها-هناك بالقصبة-بين يدي للا هنية على السطح العالي أو في دكان الورد بالمحمدية.أترى إلى التناقض المفضوح في هذا الكلام؟؟.وهل سيدّعي أحدنا كذلك أنه يعرف للاّ هنية؟؟.على كلّ؛يقال أيضا:إن مصطفى الجراح-وهو أصلا من بلاد زناتة-زار مرارا ربوع "البائدة".بل ولعله استقر بها حينا من الدهر...

أترى إلى الفرق الوهمي بين السواد والبياض؟..

ربما في هذه الحالة سيذكرنا اسمه أيضا بفصول ذلك الخيال المخضرّ دائما على شفاه بعض العذارى اللاّئي أصبحن اليوم جدّات،ويفضّلن الحكاية عن سحر الستينات،وعن عشاقهن الذين قضوا بقية عمرهم إما مدفونين،أو هاربين من قبضة المخزن بعدما أعلنوا بالصوت العالي عن أسماء معشوقاتهم الجريحات بحلم المعارضة.ولربما سيفضلن الحكي على الخصوص-وهن يترنّمن بمحكياتهن الأسيفة-عن موجات الإحباط التي-تزعمن-أنها لم ترحم أحدا من تلك العصبة المثالية من عشاقهن.وهذا الضرب من الإحباط،غالبا ما يُحفر في النفس على هيئة بئر عجائبية تنفث ماءها الناري،في حين ترى نافورتها المصهورة تأبى الكشف عن متاهاتها التحتية المتشعبة؛ما دامت ذات جوهر قهري جماعي.وهاهنا نتذكر خزائن ذلك الصمت المقصود مرصوصة حول هذه المرحلة بالذات،بصورة أضحت معها هزيما يمزق بلادة المرحلة التي سكنها مصطفى ولد للا هنية.

الرّقيم يحتفظ أيضا بعبارة-قد تكون-أقل أو أشدّ تفلسفا،وذلك بحسب زاوية التأويل؛نجد مثلا:"...الحق أن مصطفى الجراح إنسان كبقية الأناسي،هو أيضا بشر عادي يحتفظ بعالم كامل من تلك التناقضات العجيبة.لمَ نستثني الحديث دائما عن انتماءاته السياسية أو حتى المذهبية،التي تتوجت بإبحاره السّرّي نحو جزيرة شكه الإيديولوجي المنقطعة عن العالم؟.بل ولم نتعمد أيضا الإعراض عن بئر الأوهام الفكرية وقيعان الأعاجيب التي انزلق وعيه إلى ظلماتها مع أن ميدانه الأول كان هو العلم؟.بل ولم لا نملك قدرا من الشجاعة فنقول ان مصطفى الجراح كان أحيانا كثيرة لا يعترف حتى بوجود نسق لهذا الكون الفسيح،الذي غالبا ما تنفلت أسماءه المدهشة كالسمكة من بين شفاهنا،فنسميه أحيانا العالم..وأحيانا المجتمع..وأحيانا الإنسان..."؟.

وعلى كل فقد اختلف خلق كثير بشأن هذا الإنسي الواقف بين خيال الواقع وحقيقته،حتى المعاصرين له من أولئك المكتفين بالفرجة على حلبة التاريخ وهي تهتز وتومض.أولئك الذين لا شغل لهم سوى الجلوس في "نادي الإنتلجنسيا"،أو"مقهى البارونات"،لاحتساء فناجيل القهوة ممزوجة بنكهة الغائبين..

-............؟؟...

-يبدو لي والله أعلم بأن هذا الإنسان كان مجرد واحد من أصحاب الحال..

-لماذا؟..تقصد أنه كان من غير المنتمين إلى أي طائفة؟..هذا غير معقول..

-بل هذا هو المنطقي..

يعلّق أحدهم كالساخر ويلوي شفتيه

-يقال إنه كان منتميا إلى طائفة الرافضة أو ربما المرجئة أو..

ويقاطعه أحدهم متجاهلا الجميع

- ألا تقرؤون التاريخ؟.أصحاب الحال في بلادنا كانوا هم البوليس،لا غيرهم...

-على كل,,

-ما أقصده هو أنه كان من عشاق الخلوة ليلا على ضفاف اللكوس بصحبة بنات الجبل المهاجرات..وكثيرا ما كان بعد ذلك يتسلل متخفيا عند الفجر إلى الجامع الكبير..و.

-ماذا تخرّف؟..

يقاطعه مستاء

-أنا أزعم أنه كان من أولئك المثقفين ال..

يحتج الأستاذ وقد فرغ لتوّه من تصفّح ركام الجرائد

-وما لهم المثقفون..؟,,

-بينهم وبين الحياة حرب أبدية..

-وإذن فأنت واحد منهم..ها..ها..ها..

يختطف جريدة وينسحب إلى ركن قصي من بهو النادي..

يحتار الثالث متناسيا انسحاب الآخر:

-هذا هو العجب العجاب..أيهما يكون الأقرب الى الحق اذن.أن نضرب كفا بكف ونسلم بأن هذا الرجل بهذه الألغاز،كان سينتهي الى ما انتهى اليه من مجاهيل.أم نلقي بأنفسنا في تهلكة أخرى من الجدل والأسئلة..و. .

ما يلبث أن يعود الأستاذ إلى مقعده ليتدخل من جديد

-عبثا تحاولون..أرى أنه من العبث أن يدعي احد منكم القدرة على رسم حدود الضوء في عالم مصطفى الجراح التحتي .

-حتى ولو كان هذا المدعي هو شهاب الجفري نفسه؟...

يتساءل الثالث كالمحتج،ويؤكد الآخر

-نعم آمولاي..حتى شهاب الجفري لا يملك لملمة كافة الخيوط المبعثرة بل والضائعة..

يتدخل الأستاذ ليتفلسف،وكأنه يتحدث مع نفسه:

-لا جديد في قولك..هذا هو الانسان في كل زمن وعلى مشارق الأرض ومغاربها...كائن غامض عجيب غير قابل للتفكيك الشافي ...

-ها هو يبدأ في التفلسف..

-يا عباد الله هذه هي حقيقة الإنسان..لمَ المكابرة؟؟..الإنسان –يهب واقفا كالخطيب -ليس آلة عمياء بقدر ما هو مفازة من الاحتمالات المحيرة ...يخيل الينا أننا استطعنا محاصرة دروبه الملتوية ، ولكن سرعان ما تعتصم ضدنا كافة الألوان والأشكال وحتى الأحجام والعلامات .

يقوم ثم ينسحب ساخرا منهم جميعا

-احيانا تصبح سيرة انسان ما، موحشة كالتاريخ نفسه.. .

.........

وفي يوم آخر يستنتج احدهم وهو يرتشف قهوته بنادي,فيؤازره آخر متفلسفا أيضا

-كنت على حق البارحة..فرسم معالم ذاكرة أو شعور معين، أشد هولا من تفسير تاريخ شعب بكامله . في كل الأحوال فان تلك الذاكرة الصعبة هي جماع هذه الأشياء التي نعيها ، أو قد لا نعرفها . بدليل أننا غالبا ما نظل عاجزين عن الإعراب عنها بالكلمات ...

ينخرط شارب القهوة كالحالم

-آه...الحزن... الفرح...الضباب البهيم الذي لا يذيبه غير عصر من الأنوار. وربما–وهذا من لطف الأقدار–وحشة هذا الضباب البهيم ذاتها,هي ما يعطي لتاريخ الشعوب والقبائل هيبته الممتلئة بالنشوة والسحر.من تراه له الحق في تحديد البدايات ؟....

&& && &&

في أوقات كثيرة ، يشير أحدنا الى محطة ما في الحياة ليقول بيقين، هذه هي البداية .وسريعا ما تتلاشي ملامحها الهلامية من بين أصابعه ثم يديه ، كما تتلاشى قبضة الماء سريعا من كف القابض عليها . كذلك تطلع العم نعمان الحارس الى اجتراح هذه المحاولة فباء بفشل مليم . قال ان مأساة سي مصطفى بدأت منذ أُلحقَ سرا بدار "الرفق بالإنسان"،المشرفة بخيلاء على ربوع البلدة.سيقولون:قد كان ذلك الالتحاق بالدار لمجرد التغيير.وسيقولون:بل لأن مصطفى الجراح لم يخضع أبدا لغواية الواقع الستيني لأنه لم ينس أبدا أبعاده التأسيسية.فيعترض آخرون:بل كبرياءه البدوية الساذجة كانت هي مأساته...أوه..لنقل إنه كان مثاليا وحسب..

ثم بعد ذلك،لَيَسترسلنَّ أحدهم في الرجم بالغيب حتى يحصي دولة النساء في حياة مصطفى ولد للاّ هنية.خلال صفحات ممتدة وملتوية من مذكراته يتكلم عنهن تحت هذا الاسم الملتبس:دولة النساء.صَبر بنت الجيران والأستاذة هبة قنديل وفاطمة الصادق,وارحيمو الجبالية وسارة وبالوما وسيلفيا ولمياء وغيرهن.وأما الفتاة المستحيلة سعدى الجرّاح فلم يكن يوازيها في عذريتها الإنسانية لدى شقيقها الوحيد سوى رماد كاترينا وعنف تناقضاتها في وعيه المُتشظّي،حيث انعكست هذه المرأة الشهية في كسور مراياه بكم هائل من اللذات والارتكاسات ولحظات الصحوة الأليمة.أيضا سيشيرون الى أولئك العجزة الفانين الذين كانت الدار موطنهم.وهم حقيقة رأوا الدكتور مصطفى بل وقد عاشوا دهرا بالقرب منه(حتى أطل بعضهم بشيخوخته على جليد قارته المشتعلة)دون أن يعرفوا حقيقة ذلك الدخان الصاعد بصمت من عينيه.ثم بعد فوات الأوان تحوّلت سيرته عبر مخيّلاتهم إلى مجرد بخار أسطوري.

-أوه..ومن لا يعرف الفقير عبد السلام وسّي الحسن الدراز وخايْ أحمد الدرقاوي وعبد الله العسكري،وقدرتهم على تشقيق ذرّات الحكايات إلى أقصى خلاياها..؟...

-يقال أيضا الشيء الكثير عن فقدانه للذّاكرة...هل كان ذلك صحيحا؟...

-أوه..لنعترف وكفى!إن شأن النبوءات كشأن السحر …

&& && &&

ولكن لم لا يتتبع المرء سيرة المكان الذي آوى اليه مصطفى الجراح نفسه؟.مكان محيّر بالفعل؛أبرز ما فيه تاريخُه،لكونه يشكل جزءاَ هاما من تاريخ "البائدة" المدفون.وأبرز ما في قسمات تاريخه:اسمُه الذي لا يُعرف من ومتى أطلقه عليه.ثم فضاءُه الملتفع منذ كان بالعزلة والفناء المؤجل،كأنما هو يذكّر العابرين بمآل الأشياء.آية ذلك بناءُه الشاهق بكل شئ فيه،لذلك ترى ألوانه اللاهثة متسلّقة وجه طوابقه الأربعة،كما الأعشاب الوحشية تتسلق تجاعيد كتلة هرمة.وتقبع النوافذ العريضة في كنف تهتكها وبلاها غير مكترثة ولا مهتمة بطيّ الفصول.أشجار الكافور تتضرع هي الأخرى الى الفراغ بأغصانها النافرة لتنذر بالرهبة وبانصرام الوقت.في حين تشرف الربوة العالية منذ أعصر،على قباب وأسطح البلدة المبعثرة.الربوة العالية مثل الفيلسوف المتقاعد تقول أشياء وحكايا لا تصدق .والباب الكبيرة تنصت وتنصت وتنصت الى هذا الفيلسوف العجيب الذي أنفق عصورا وأجيالا في تأملاته، ويبدو الآن أنه يوشك أن يطوّح بالألواح احتجاجا أو عياء . ولذلك فهاهي حجارة القبور البالية تنبجس بخرس ميت ووجه مهموم أحدب ..

-آه..تلك قبور الأسرى ربما...

-تقصد قبور العشاق الذين تحدّوا المخزن..و..

-ومن أدراك أنت؟؟..لعلها قبور الجنود الاسبان أو البرتغال الغابرين..

-هيه..ومن يدري؟..لعلها بقية من لحود الرومان.أولئك الذين-يقال أنهم-حفروا ضفاف اللكوس وقيعانه المتعرجة بأظافر الأسرى، ثم بعد ذلك انغرسوا أفواجا في أتربة الوقت بحلول عتمة الفناء..

-يا عباد الله الرجوع لله..كان الراوي يحدثنا عن سيرة الدار ومآلاتها،فكيف انزلق بنا الى أخبار القبور وأهلها؟..

-وماذا تعرف أنت؟...

-آه...تاريخيا..ذلك البناء الموحش كان يشرف دوما من عليائه على أنات أولئك الغازين،وهم يساقون أمواتا أو أشباحا الى أفنائه الرحبة.وأما حقيقته اليوم فهو ينصت على مدار الساعة إلى تأوهات أولئك العجزة المتساقطين أفواجا كالهباء فوق أسرّتهم الصدئة.إذ من المؤكد أن الحياة لفظتهم الى غير رجعة...

-يا عباد الله الرجوع لله...اختصروا لنا الله يرضى عليكم مجمل التاريخ البعيد والقريب لهذا المكان:البارحة مستشفى للغزاة ،واليوم دارا لإيواء العجزة والأيتام...هه..

-وإذن.؟..

يعود الجميع الى الرجم بالغيب.

-ما الحكمة في اختيار مصطفى الجراح لهذا المكان الذاهل؟..

-أوه..لقد قيل الكثير...حتى فاطمة الصادق قالت الكثير...

-وإذن ما الفائدة؟.هل يجدي التوغل أكثر؟..

&& && &&

القسم الأوّل

في البحث عن الأبدية

أحزان الهارب

في إحدى عشيّات ذلك المساء البعيد من أماسي الشتاء السبعيني،لم يكن من حديث لأهل البلدة الغارقة في الوحل سوى عن مياه الفيضان الحمقاء،وقد ألقى بها ذلك النهر الجبالي معربدة على سهوله الممتدة نحو الغرب البحري.جحافل الفيضان القادمة من أودية الجبال الشمالية،وقد وجدت المجال أمامها ممهدا من قبل،اكتسحت سيولها بقوة وبلا تردد طرقات البلدة الوطيئة.وما إن توغلت في أعماق أزقتها الضيقة بمنعرجاتها،حتى مضت تعفّر العتبات الخالية والنوافذ الضيقة المقفلة بالوحل الطيني.وأما قضبان الشبابيك الأندلسية الصّدئة فأفسحت لسيول الماء الداهم ببلاهة،كي تتوغل في عتمات البيوتات من خلال شقوق النوافذ والأبواب المعقوفة.ولذلك نزح معظم الأهالي والجيران نحو أقاربهم المحظوظين ببيوتهم المستقرة بعيدا على الهضبة العالية أو بالقرب منها.وهناك يجثم البناء الموحش إلى جوار الضريح العامر بالمهمومين والعشاق الهائمين على وجوههم.

لكن الأولاد حفاة الأقدام كانوا مع ذلك فرحين مفعمين بغزو الفيضان الموسمي،إذ داهمهم هذه السنة شديدة الأمطار،ومعه هداياه الجميلة:رياحه البرّية الرّاكضة،وسيوله الطوفانية المعربدة،إذ إنها كانت تقتلع حتى قطع الزّلّيج سداسية الشكل من أحضان الأرصفة،ثم أخيرا يهديهم عطلته المفتوحة،التي بها يتخلصون وبضربة واحدة من اضطهاد المعلمين وتكلّس دروس الحساب والفرنسية.لذلك ترى مراتع المساء قد فازت بشغفهم،فانطلقوا يركضون حفاة متشاغبين في أمداء الهضبة برتقالية اللون،مندمجين كلية في سحر اللعبة (لعبة الشّفّارة والبوليس).

أثناء شغبهم ذاك؛كان هو يقف مشدودا إلى رفافة أجسادهم الطيفية وهي تمرُق من حوله صاخبة،مثل رسوم كرطونية بالأبيض والأسود.لذلك نسي دوار الإنهاك وقد أثقل جفنيه،ليتّكئ على حافة الصندوق الخلفي لسيارة رجل غريب يحاول إقناعه منذ أيام بأنه نسيبه ورفيق دربه شهاب الجفري.وانتبه أخيرا إلى برد العشية وهو يقرص ضلوعه شبه العارية.استنتج أن هذا هو أول ليل يدركه خارج تلك الأسوار المتوحشة،فانسابت في عروقه الجافة دماء الحياة مصحوبة بآلام الفرح.إلا أنه انتبه أيضا إلى أن سترة المستشفى التي لم تعد ناصعة البياض،ما تزال ناشبة مخالبها المسوّسة حول جسده.وذكرته هالات السواد فوق نسيجها المترهل بضيق الصندوق الذي اختبأ داخله ساعات طوالا.ورائحة البنزين الثقيلة كانت تحفر شقوقا عميقة في شعاب رئتيه لكنه وجدها أرحم بكثير من رائحة الخواء التي كانت تخرّب كيانه وهو مرهون داخل حجرته اللعينة بمستشفى الغازي أو الرازي(فهو أيضا غير متأكد).

ومن الحمق عقد أية مقارنة ولو على سبيل السخرية بين تلك الحجرة "الملعونة" التي لا يحدد مكانها وبين غرفة "للاّ هنية" بالقصبة.

-أية قصبة؟؟..

-آه..(يضحك شهاب الجفري)تلك هي غرفتك في دار للاّ هنية والدتك..أتذكرها؟..

-والدتي؟..

أين هي هذه القارة الوحيدة فوق ما تبقّى من الأرض؟؟..الآن وهو يبتعد عنها أكثر فأكثر يتغير في حلقه طعم الهواء والفرح،ومعنى هذا فلا النهار سيبقى نهارا ولا الليل ليلا.ولبث جسده يطل- عبر كتف الربوة العالية- على ربوع الأسطح والقباب البعيدة والغارقة في ضباب الشتاء.سأل نفسه هل يعرفها من قبل؟؛إن مرآة عينيه غائمة للغاية،وصور المساء تتأرجح أمام بصره وتشتبك معالمها.ومع ذلك تبدو أليفة لديه رغم غموضها،على الخصوص وهي تغتسل من بحار تلك الأنوار الوردية المهروقة.أوه..تلك إذن شمس غاربة خلف ركام هائل من السحاب القاتم.متى وقف أمام هذا الوجه الغريب لآخر مرة؟.ها هو يسقط كالعادة في رومانسيته المعمّرة.وسأله قلبه حائرا:هل هي فعلا نهاية العمر الذي يبدو هو الآخر مجهولا لديه؟.حدّثه رفيقه شهاب الجفري بأن عمره ذاك كان مثخنا بالنضال والحب والخذلان والظلام والهروب من ذلك الشيء البعيد الذي لا معنى له.هل تأتي البداية حقا على يد هذا البناء الهرم الأخرس؟.

ولكي يمنح نفسه مساحة أكبر بالأمان(بكونه يوجد حقيقة لا خيالا خارج تلك الأسوار العنكبوتية،التي رماه جلاّدوه خلفها)،تشبث بصره المنهك الغائم ببقايا اللهب المنهدمة في جوف الأفق البنفسجي،تماما كما كان يفعل بصحبة رفاق وعاشقات لا يذكر منهن ولا واحدة.وهكذا بدت له أنوارها البنفسجية رجراجة بطوفان من النيران والسحر والغيب.وكأن جيشانها الغامض سيزجي القلب والفكر معا في نشوة وهول لا ينتهيان.نشوة الخلاص أخيرا ربما.نشوة الاحساس بأقدار وتحولات هيباء تهدد الكيان كله بالفرح والخوف معا.

الخلاص؟..من أي شيء يا ترى بالتحديد؟.الكوابيس التي كان يحلم بالخلاص منها كثيرة،وفجأة حدث أن انهار ذلك الحاجز الواقف بين الحلم والحقيقة ثم وجد نفسه حرا طليقا.وانطلقت مقلتاه – كأنهما- تنبشان عن شيء تاه في غموض الحقول الممتدة تحت قدميه؛غبش المساء كان قد لفّ الأمداء نهائيا فتوارت خلف حجاب ظل ممتدا.أحس بالبرد الذي بدا قارحا،على أن جسمه الهزيل عاد ليحترق مرة أخرى بجحيم الهواجس والشكوك التي يبدو له الآن فوات أوانها.ولكن ما تزال بقية من جدل سحيق عالقة بذاكرته..

-الجحيم هو ما كنت فيه فلا تعد إليه بذاكرتك..

-لا بل الجحيم هو..

-ماذا؟؟..تبحث عن ذلك المشجب؟..

-كلا ... لا شيء...و

-ومع ذلك لم يتغير أي شيء في ذاكرتك...أوه ذلك هو الجحيم..ضياع وعيك بحقيقة ماضيك ثم حاضرك..

وتساءل بيأس عمّن كان يجادله ومتى،وهو يتلمس نهاية لهذا الدوار الذي لا يعي أيضا فيما لو كانت له نهاية.كان يحاول أن يفكر ويتحدث الى جراحه،آخذا بيديها الى حقول تلك الأسئلة التي بدت بعد تحرُّره من مستشفى المجانين متجاوزة،مستعرضا أمام عينيه النازفتين شريط ذكريات دارسات ممزقة الأشلاء،محتارا في وجدانه العائد اليه بنفس الإحساس الذي كان قد باغته في عزلته ذات يوم.الآن ذلك العهد يبدو له بعيدا للغاية ومع ذلك لا يفتأ يومض بعمائه كما يومض النجم السحيق بشعاعه الغامض تارة ويخبو أخرى.آه..ذلك إحساس بارد ألقى به يومئذ في قاع إحساس مهول بالعبث الشامل.لكنه الآن يشك في حقيقة هذا الشعور المهول بذلك العبث الشامل.ضاعت منه حتى تلك المتاهة المخيفة فأين الآن يمضي؟ أحقا كان هاربا طوال هذه السنوات؟..ترى ما أسماء الأمكنة التي هرب منها أو إليها؟..

أما يزال هاربا من ذاته!؟.هل ما يزال غائبا؟.حتى هذا لا يصدقه. حتى هذا لا يقتنع به رغم كونه غارقا في سحابه المركوم الى أذنيه. ياللحسرة! انه لم يعد يصدق حتى تلك الحقيقة التي غاص في منحدراتها عمرا ذاهبا. الفراغ.الفراغ...ذلك البياض الأعمى كان مجرد فراغ!؟ في هذه الحالة،هل يمكن الوقوف على معنى الفراغ!؟..

ووجد نفسه يبتعد بحذر وبطء عن حقيبة الملابس،متحسسا طريقه خلف سيارة نسيبه وصديقه الوفي شهاب الجفري. كان هذا الأخير يقف بمقربته ويرسل اليه بطرفه الحزين،ومع ذلك كان يشعر أنه يوشك أن يصرخ فرحانا:هنيئا يا ولد للاّ هنية فقد نجوت أخيرا من قبضة الجلاّدين.سوى أنه كان هو الآخر غارقا في سيل من الآمال الكبار والآلام. ولم لا؟ أليس ذلك الواقف العنيد هناك هو رفيق صباه؟..

واستدعى عهود الصبا التي قضياها معا في حي القصبة بالمحمدية.مثلت أمام ذاكرته ملامح الجدار العالي والبوابة الحجرية وسوق الورد ودكان للاّهنية فيه.لن ينس مواسم الرحلة الى مزارع الورود أو صخور ذلك الشاطيء الوحشي وأسماكه البضّة. وهاهما معا يافعان،يصرفان دفء الأيام وبرودتها بين ساعات الدراسة والساعات الممتدة ما بين بيع باقات الورد،وبين الهجوع فوق صخور الشاطىء السوداء عسى يجود البحر بأسماك الصول الرائعة.ولكن..-افتر ثغره عن بسمة حزينة- هل كان هذا السمك المدلل يرضى يومئذ بزيارة الأطراف؟..ومع ذلك كانا قد اشتركا في شراء قصبة صيد واحدة،يتناوبان على الاصطياد بها في أوقات الفراغ من الدرس،وكم هي الفرص التي كانا يعودان خلالها غانمين.وفكر بحزن وتأثر؛كنت وإياك،يا مصطفى الجراح أخوين لانسيبين فقط...المحمدية..الرباط..إفران..مارتيل..طنجة..إسبانيا..

ترى ماذا تعلما من قاموس الماضي المشترك بينهما؟ تساءل شهاب الجفري.دخلُ الأب لم يكن ليكفي،وكالعادة،وحده.وهكذا فالحياة من وجهة نظر رفيق صباه على الأقل،كان يمكن تعريفها بكلمة واحدة فحسب؛إنها صخرة الأطلس الكبير الجنوبي التي على الإنسان دحرها..هذا إذا ما أرادا الاستمرار في الاحتفاظ بأحلامهما عالية القامة.ولم لا؟ ساعات طوال جمعت بينهما خلال عهود اليفاعة،وحتى الطفولة،وهما يغوصان في عجائن الاسمنت،أو يحملان فوق ظهريهما الغضين قطع الحجارة والآجر أو يتعاونان على كيس الرمل.وكثيرة هي المرات التي تعرضا فيها لتقريعات "الوقّاف" قاسي القلب والنفس.فلا يجد أبو مصطفى الكهل سوى التنكر لدعائهما وشكواهما بشعاره الشهير:ليس رجلا من لم يحمل الاسمنت فوق ظهره وكتفيه...فيتقهقران صاغرين بالدعاء على الوقّاف والورشة برمتها.لكن موت الأب المباغت فتح الباب على قساوته،فتح باب الدكان الأخضر الصغير كليا أمام مصطفى إلى جانب سعدى وللاّهنية..أو لنقل:إنه فتح باب التحولات على مصراعيه أمام ذلك الدكان الصغير نفسه.

كل هذه الذكريات العزيزة، مرت أفواجا أمام كواشف مخيلته على ما فيها من آلام وضنك.وهو جامد في وقفته يتأمل رفيق حياته مصطفى الجراح.كان قرص الشمس المتعبة قد استسلم منذ لحظات الى مثواه الأخير.والوجود كله قد تدثر بمعطف المساء الجميل،فتوارت الأشجار والحقول خلف ظلال رصاصية اللون،في حين سبحت في عرض الفضاء البعيد قطع السحاب مخضبة بلون الحناء والقرنفل،وحتى ذلك البناء المترهل الضخم ناء بيقظة الأشياء فأغمد جبهته المتغضنة في سقف الليل.

وأخيرا ترك سيارته "السيمكا" الخضراء،ثم اقترب وئيدا من شبح مصطفى الذي كانت وقفته الجامدة قد تحولت الى مجرد سواد مهشم.حاذاه بمنكبيه العريضين ورمى ببصره بعيدا الأفق دامي القسمات.تساءل أخيرا بنبراته

- هل نذهب يا مصطفى؟..

ظل صامتا والدهشة تُلوّن له اسمه المجهول لديه.كانت دهشته تؤثث لعينيه أشباح الأولاد أيضا،وهي تنطّ أو تخبّ من حوله مثل فراش الليل يلعب حول المصباح.وتراجع شهاب الجفري تاركا إياه مستفردة به لواعجه المعتّقة بالوحل.أجل،ابق قليلا يا صاحبي سيء الحظ.فمن عاش معتقلا بين الأشباح البيضاء،ولسنوات،هو أولى الناس بزمن واسع الصدر كي يتنفس هواء نقيا.ولكن..هل مكان كهذا يملك هواءك المُلوَّن النقي؟..هو خير على كل حال من هواء ذلك العالم المفلس.ذلك العالم الأملس البارد الفوّار بلا شيء.أجل..ابق قليلا يا صاحبي التعس.قليلا أو كثيرا من وقتك الجديد.فرصة أخرى للميلاد والإشراف على نهر الحياة المضيء،بعد أن داعبك العدم طويلا في قاعه المعتَّم.ولكن..أتراك تفعل؟..

** ** ***

كان الأولاد منخرطين بكلياتهم في لعبة"الشّْفّارة والبوليس"،وطلقاتهم النارية الخيالية تتجاوب كالرعد في ردهات أوهامهم اليافعة وأخيلتهم البكر،فتتعقبها صرخاتهم السكرانة بدغدغات المساء والبرد المغسول.

-دلال...أحذّرك..انسحب من جهة البوليس أنت شفّار..هذا اتفاقنا...

-لا..رضا أنت أصغر مني...إبتعد..ستموت بين يدي...

فيقهقه رضا عاليا ونوبات السّعال تخنقه..

-وهل ستقطع رأس البوليسي أيضا؟..أنا بوليسي..هاها...هل تسمعني؟..

ويجري عاري الصدر في الظلام ودلال يتعقبه بالويل..

-آويلي على غدايدي...انتا مريض..خاي محمد هو لّي غادي يديرها..ماشي آنا..

وبعد لحظات فحسب من هروب رضا يدركه دلال فيسقط هو على الأرض وصراخه يختنق بسعاله..لكن،وبغتة،يخرج جسد محمد الفارع من ثنايا الظلمة المبللة.كان يبدو كالخفاش الأسطوري وهو يتوعد...

-آلمساخيط...أقول لكم في الصباح والعشية ألا تتأخروا بعد غروب الشمس..هه؟..هل تبغون وصول خبركم إلى "نَهيم" الكلب..سيسلخ جلودكم الموسّخة..وفي هذه الحالة سأقطع رأسه الخانز قبل وقته...و..

-تقصد المدير؟...

قاطعه رضا وهو يقفز حوله في العراء

-قالت لي فاطمة بأنه لن يحضر إلا في يوم...

-ادخلوا إلى أعشاشكم الله ينعل باباكم آلمساخيط..أنتم الذين ستدخلونني الحبس وليس هو..ذوبوا من قدّامي..

فيركض الجميع ويبتلعهم جراب العتمة،في حين ينفرد هو بأشجار الكافور مثل طير الليل.كانت جمرة الشفق هي الأخرى قد تعبت من صخبهم الطفولي المعربد،فمضت تنكمش رويدا حول أنوارها الأرجوانية القانية حتى لم يعد ثمة منها غير لون الرماد الأسود.وبهذا الانسحاب السماوي الكلي أعلنت طيور العشي بأنها ذاهبة إلى حضرة ذلك العالم الجميل الآخر،فمضت الأجواء تتمترس خلف برودتها المظلمة القارسة؛وهذا هو شأن الخريف.بالأمس واليوم ودائما؛غالبا ما يوصف بكونه موسم الريح وتعرية الوقت واندلاع الولادات.وكان لابد له،هو الآخر،من أن يضع لدهشته حدا تؤوب اليه،إذ استنتج بصعوبة أن أجراس المساء قد أعلنت عن موت النهار وهي ذاتها قد أسرت اليه بحقائق جديدة وصعبة.هل يصدقها؟ أروعها أنه أخيرا يعود اليه مجرد الاحساس المحض بالزمن.بالليل والنهار وما يحكيانه عن الحياة ومكارمها الفقيدة.ولكنه يكاد ألا يصدق ذلك لأن ذاك الخيط الرفيع الممدود بين الوهم والحقيقة لمّا ينسج سُداه الوهّاجة بعد في وعيه منذ سنوات الجمر.آه..كم هو لذيذ شعور الانسان ولو بدفقة شاحبة من سيل الحياة الحقيقية الواقعية!..

ومضى يتفقد أشباح الأولاد الصاخبين حوله فلم يعثر على أحد منهم.ذابوا في أسداء الليل كالدخان ولم يتبقّ منهم سوى أصداء صياحهم المترددة في سمعه ونفسه مثل طفولته المنسية.كان يتذوق طعم صخبهم الجميل الراحل وإحساس الافتقاد الكريه يعبث به.أوه..ربما يكون أجمل ما في هذه الحياة- حدث نفسه معزيا- هو الشعور بها وتذوق بعض زخّاتها المنفلتة من بين مخالب الوهم.هيهات أن يستحم ضائع مثله،تارة أخرى،في نهرها الهادر.

نهر الحياة هادر بالخصب والعطاء ولكنه مفتقر إلى لذة الوعي به.فهل يستقيم العيش بنسيان ملامح الأوغاد الماضين كذلك؟.كلا..يجب أن أستعيد قسماتهم النتنة.والتفت غائم البصر نحو هذا الإنسان الحاني عليه ويزعم أيضا بأنه صديقه الوفي شهاب الجفري.إنه لا يعرفه.إن ملامحه توحي إليه بأمان غير مفهوم لديه،لكنه(كما هو موقفه من كل ما حوله)خائف منه.أجل هو خائف منه ومن أمانه المنبعث منه كذلك.هل يكون هذا الرجل مجرد شبح؟.أيكون واحد من أولئك السفاحين الذين أذلّوه طويلا؟.هل هذه اللحظات نفسها مجرد وهم؟.أين هو الآن؟.يشعر أنه لن يكتشف أسباب التعاسة المائرة تحت جلده.لم يشعر بهذا القدر من التعاسة؟.لم حلقه مُرٌّ إلى هذه الدرجة؟.

وحدث نفسه معزيا؛سيرة الليل الحميدة دائما أن يكتم الأسرار مهما كانت..فلينتظر الصباح.أخيرا هاهو يولي ظهره الى الحقول البعيدة.تقدمه صديقه،وسارا معا بخطوات وئيدة.كان شهاب قلقا فتساءل.هل ما زلت لا تصدقني يامصطفى..أجل(أجاب هو في نفسه)..تذكر ما اتفقنا عليه..أجل..(كأنه يقول ذلك لنفسه..)وحاول شهاب الجفري كسر الدائرة المقفلة.يجب أن أمتحنك..هه؟..ندت عنه بسمة لا معنى لها.لملم شظاياها بسرعة بالسؤال.تذكر.. أنت الآن.. اسمك..رفيق..

فكر ببؤس القناع وقلبه المكسور يتلفظ به ..رفيق.. الجفري...كان وعيه العائد إليه يعانقه بشوق ولذلك كان مصمما.أما شهاب فقد ابتسم مواسيا.لم تكذب..ها..ها..أعرف..لكنه استدرك وهو يرجوه.مصطفى..انتبه لنفسك..وانت..كان يبدو ممزقا. فتح فمه ليتكلم، لكن صديقه الوفي اعترضه راجيا.لا حاجة الى الوصية.. انا ..وسعدى، سنكون بخير..مادمت انت كذلك..من سعدى هذه؟؟. اعتن بنفسك ولا تفكر في شيء..لا تنس انك هنا- انطلقت الكلمة الأخيرة بإصرار-..مجرد إنسان أمي لا تعرف حتى كتابة اسمك..انا .. فعلا أجهل اسمي..لا أقصد..انما كن حذرا..فالله وحده يعلم كم تعبنا انا وأختك سعدى حتى نهيئ لك مثل هذا المخبأ..وحرك مصطفى الجراح جبهته وهو يردد اسم أخته الوحيدة.لوجه سعدى تسد ابواب الجحيم وتشرع ابواب الجنات.والآن..قطع شهاب حبل هواجسه..الى الامتحان الأخير.. ما اسمك.

كان هو يحرك جبهته بحزن.رفيق..الجفري..من أي البلاد انت..من بلاد الشاوية..الحالة العائلية..سأله شهاب مداعبا وقلبه يتمزق من الأسى.رد هو بصوته المبحوح.مقطوع عن الدنيا..ولا عائلة لي..حرفتك..لاشيء..وانتصب أخيرا كالمحقق.معلومات أخرى..

كان هو يلهث.مل قناعه منذ بدء الطريق غير المتناهية.ما تبقى هو الصدق..أحلم بال.. وأحلم ب..

-أرجوك يا دكتور مصطفى..انس أنك من ذلك الماضي البائد..

ظلت جبهته تهتز بطوفان الأحاديث،وأشباح الأولاد المختفين من حوله تهتز بضحكاتها العارية...

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018