مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

محمد أمنصور: رواية المؤتفكة (الفصل السابع)

mohammed-amansour

محمد أمنصـور

قال عـاشور:

- … وكنت قبل ثلاثين عاما قد نزحت مع أخي حدو من هذا الأطلس الأجرب إلى داخل أسوار تلك المدينة التي لم تكن ملعونة في ذلك الزمان القديم. وبين سيدي عمرو والزيتون وتولال وسيدي بابا والحبول وحمرية والبرج وعين السلوكي، صعدت وهبطت وصعدت وهبطت حتى أصابني ما أصاب أولاد الهادي بنعيسى من هوس الصعود والهبوط، وهو مس يثور كالبركان متى ألم بساكنة المدينة عيد المولد النبوي. على أنني وبعد أن قضيت كل تلك السنين لم أحصل في هذه المدينة على غير اللعنة واللعنة واللعنة، ثم الحزن. قلت أترك الحزن في هذه المدينة الملعونة وأرحل، لا أرجع إلى الأطلس الأجرب، ولكنني أرحل. أركب كار بني ملال . أبيت هناك ليلة أو ليلتين وأواصل الطريق إلى مراكش. من مراكش أسافر إلى سوس. وفي إنزكان أزوج نفسي بامرأة سوسية. أهمل لحيتي. أتركها تسترسل وتستطيل ومن سألني عن أصلي وفصلي أستجير بالله والهادي بنعيسى ثم أكتم عنه سري عساني أجد في التنكر بعض راحة البال. ولما يكون لي نسل في تلك البلاد، لا أسأل بعد ذلك عن الأطلس ولا عن مكناس أو أهل مكناس. أما إذا اشتد بي حنين الرجال إلى بلدانهم فأضربها بسكرة وتعربيطة حتى أنسى. فإن أنا استعصى علي نسيان هذه المدينة الملعونة وألم

بي هناك ما بها من حزن وغم، أو ما بالأطلس من جرب وقحط، أهجر زوجتي السوسية كما هجرت يامنة الزيانية، وأوصي بأبنائي هناك أحد فقهاء سوس، ثم أرجع مسلما أمري لله وبركة ولينا الصالح الشيخ الكامل رفع الله به الضر عنا وأبقانا في حماه، مخلصين لندائه، خاشعين، راكعين، رافعين عقيرتنا أمام الملأ أن شاي الله الهادي بنعيسى. نقطة عودة إلى السطر.

وفي الليلة الثالثة من شهر شعبان! سكر عاشور كعادته في بار لاكوبول وأراد أن يصحب معه منيكة المهدية، غير أن منيكة رفضت الذهاب معه وحذرته من غيرة الدركي محفوظ. وفي الصباح، طوق البوليس بيت عاشور في سيدي بابا. وما هي إلا دقائق معدودة حتى خرجوا به أمام الجيران مكتوف اليدين.

أما في شهادة المقدم الحسين، فقد ورد أن السي عاشور لما سكر حتى سكـر، بانت لويبيت منيكا المهدية في فندق الزاكي، وربما في فندق من درجة خمسة نجوم خارج الأسوار. استـنجدت بمعشوقها السي محفوظ فغضب الدركي. صفع السي عاشور على مرآى منها فاستفاق من نشوته تلك. كاد الشجار بينهما يتحول إلى فوضى شاملة في بار لاكوبول، لولا تدخل المعطي وبعض الرواد الهادئين .لكن فجر ذلك اليوم، عثر البوليس على جثة محفوظ مرمية بجوار بار لاكوبول . ومن الناس من زعم أنه رآها

أمام بار مريكان أو العيزر. أما طعنة السكين، فقد بدت غائرة في العنق وجهة القلب. في الصدر وكانت ثقوبا فار منها الدم حتى تجمد.

في ظهيرة اليوم الموالي لتلك الليلة الثالثة من شهر شعبان، أنجبت زوجة عاشور بنتها مريم وهي في شهرها السابع من فرط وقع الصدمة وفرط الذهول. كانت حاملا، وكان عمر زواجهما قد أنجب فاطمة وخديجة ومينة. وهاهي مريم تولد ساعات قليلة بعد إلقاء القبض إلى عاشور.

لم تكن يامنة الزيانية تعرف الشيء الكثير عن زوجها خارج الدار. فهو يشتغل في كاريان الخضر جمركيا من النوع الرهيب، وفي كل فصل من فصول العام، تتراكم في ثلاجتها أصناف الخضر والفواكه الملازمة للموسم الفلاحي. فعاشور يوفر كل حاجيات البيت؛ لكنه يقضي ثلثي الليل خارج الدار. ولما تحاول يامنة أن تمنعه من الخروج بعد الشغل، أو من مضاجعتها في حالة سكر، يضربها ضربا مبرحا لا أول له ولا آخر. تصرخ يامنة ويضرب عاشور، وتصرخ ويضرب حتى تهتز سيدي بابا للصراخ من أقصاها إلى أقصاها . لكن …

لم يكن عاشور يلقي بالتحية أو السلام على أي أحد من سكان سيدي بابا متى كان خارجا من البيت أو راجعا إليه. ووحده المعطي صديقه القديم يربت على كتفه أو يهمس في أذنه ببعض الكلام الغامض أحيانا. أما عبد الرحمان

ولد حدو الزياني، العزري العاطل الذي درس في كثير من المدارس، وحصل على شواهد لا تعد ولا تحصى من الجامعة قبل أن يتبين لسكان سيدي بابا إفلاس علمه ودوام عطالته، فقد امتنع عن الكلام فيما لا يعنيه لما سأله السيد التحقيق عن عمه عاشور وجريمة القتل تلك. لقد أكد أن في أقوال المقدم الحسين ما يكفي وما يزيد عن الحاجة ! ولما تبين للسيد التحقيق أن لا خير يرجى من هذا العاطل، ولا في أقواله، حذف إسمه من لائحة الشهود، وتم تعويض شهادته بما تبقى من كلام المقدم وهو مستفيض وزائد عن الحاجة.

أما محضر الضابطة القضائية، فقد حبر فيما حبر أن السيد عاشور لما سكر وحاول إرغام منيكا المهدية على الذهاب معه إلى إحدى الغرف المحجوزة بأكبر فنادق المدينة، اعترض الدركي محفوظ طريقهما على بعد عدة أمتار من بار لاكوبول، وربما بار مريكان أو العيزر؛ فإذا بالسي عاشور يشهر سلاحه الأبيض، وكان سكينا صدئة ومهترئة. طعن محفوظ طعنة أولى في العنق واستل السكين من بين حبال صوته المختلطة في فورة الدم. ثم طعنه طعنة ثانية وثالثة ورابعة في الصدر، جهة القلب أو في القلب نفسه. ولم يرد في مجرى التحقيق ما يشير بالتحديد إلى مكان الجريمة ولا ظروفها، إذ يجهل حسب محضر الضابطة القضائية ما إذا كان الطعن قد تم أمام الملأ

وعلى رؤوس الأشهاد، أم إن ما وقع قد وقع في ركن مجهول من أركان المدينة الجديدة !

وحدها يامنة الزيانية صرخت وولولت في ذلك الصباح المشـؤوم مـن أيـام سيدي بابا، حتى إن سكان الحي ما عرفوا أمن هول الطلق ووجع الوضع تصرخ أم هو الثبور والويل الذي سلطه عاشور على بناتها وبطنها؟ بعد الظهيرة، استفاقت يامنة من إغماء الوضع فأقسمت بكل ما تملك ولا تملك من أيمان مغلظة أن زوجها السي عاشور الزياني كان نائما معها في تلك الليلة المشؤومة بالذات، وانه لم يبرح الفراش أبدا، بل ضاجعها الليل كله كما لم يضاجعها من قبل. وقالت إن الجيران لو يشهدون بالحق سيقولون نفس الكلام. وكانت تقـول مـا تـقول في مستشفى محمد الخامس وهي ما تزال تخضع لمراقبة الممرضات! نقطة،عودة إلى السطر.

بعد ذلك النهار بأعوام غير قليلة، كان عاشور في زنزانته بسيدي سعيد قد بدأ يكلم الجدران والظلمة والرطوبة بصوت مسموع ومجروح ، يقول :

-… وانا مالي يا سيدي ربي مالي ؟!

مادامت عدالة السماء والأرض قد حكمتا علي بعشرين عاما سجنا نافذة؛ فهل يليق بي بعد اليوم أن أفكر في هجرة مكناس كما كنت أرغب دائما؟ سأبقى هنا مقيما في سيدي سعيد أبرد في صقيع هذه الرطوبة إلى أن تعطف العطفة. ومن يدري ؟ فقد أخرج من هذا السجن بعفو ملكي أو أي سبب آخر

فأترك الذل في هذه المدينة الملعونة وأرحل. أركب كار بني ملال. أبيت هناك ليلة أو ليلتين وأواصل الطريق إلى مراكش. من مراكش أسافر إلى سوس، وفي إنزكان أزوج نفسي بامرأة سوسية. أترك لحيتي تستطيل ومن سألني عن أصلي وفصلي أستجير بالله والشيخ الكامل ثم أكتم عنه سري عساني أجد في التنكر بعض راحة البال. ستكون بناتي آنئذ قد صرن نساء متزوجات، وربما قحابا … ومن يدري؟ فما أكثر ما تغدر النساء في هذا الزمن الغدار. وهل غير الغدر سبب هذه الورطة التي أنا فيها ؟

… هناك في سوس، أمتهن تجارة بيع الأعشاب. ولم لا؟ فأنا أعرف كثيرا من تجار العشوب والحلايقية وفقهاء الليل السوسي. أمدهم بما يغريهم من المال ويمدونني بما أحتاجه من الحيل والسلع وأغراض المتاجرة بأرزاق الناس وأسرار الجن وحرائق الوسواس الخناس. سأمتهن تجارة السحر أيضا ولا أسأل بعد ذلك عن مكناس ولا أهل مكناس. أما إن اشتد بي حنين الرجال إلى بلدانهم فأضربها بسكرة وتعربيطة وأهبط إلى بحر أكادير.

في البحر، أستلقي على الرمال الذهبية مع السواح. ياعيني على السواح، وتفركيس السواح! أنا أحب السواح. أستلقي على الرمال مع الألمان والمريكان والفرنسيس وأتعرى، وقد ألقي بجسمي كاملا في الماء أمامهم فينظرون إلي من خلف نظاراتهم وأنا أعود من الماء إلى الشاطئ. أما إذا اشتد بي الجوع فأعرج علـى المينـاء، وهنـاك ألتهـم وجبـة من الحوت

والكروفيت والسردين بما لدي من دراهم. ولما تشبع الكرش أنسى مكناس. كم أحب أن أنسى مكناس! فإن استعصى علي نسيان هذه المدينة الملعونة وألمّ بي الحنين إلى يامنة الزيانية وبناتها الأربع، أشد الرحال إلى سيدي بابا؛ ومن يدري؟ فقد أجدها صارت قوادة لبناتها المومسات، أولا أجدها إطلاقا بسيدي بابا، فأسأل عنها عبد الرحمان؛ فإن هو أطلعني على سر رحيلها ألحق بها، أولا أفعل فينوب عني عبد الرحمان في الرحيل بحثا عن يامنة، أو بحثا عن نفسه إن لم يمنعه حدو من الإنصات إلي؟ ولم لا ينصت إلي؟ أو لست عمه المجرب الذي يفخر به وهو العاطل الأبدي؟ أفلا يكون له في الرحيل متعقبا آثار سلالة عمه بعض ما حرمته منه السكويلة ؟

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018