مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

زهرة زيراوي : مقطع من رواية " الفردوس البعيد"

zerraoui2

زهرة زيراوي

"  أوه ، كيف سيقاوم عبير أزهار الصيف

حصار الأيام القارعة المدمرة "

وليم شكسبير


تتساءل اليوم :

لماذا أحبت أعمال فريدا كالو ؟...

هل أحبت فريدا كالو أم أمها ؟...

ترى فريدا كالو بملابسها الاحتفالية،الملابس والحلي كانا جزء من حياتها. خاصة عندما تختار زي تيخوانا " Tehuana  " . لقد كان الثوب هو جلدها الثاني ، حتى وهي تموت . كانت في زيها كما لو أنها في حفل ، تتذكر ما قرأته عنها لغوينتس :

» لقد رأيتها مرة واحدة ولكن في الأول سمعتها «.

هي الأخرى قبل أن ترى أمها كانت تشم رائحتها ، عطرالغالية ، أو« Soir de paris »  هي عطورها المفضلة وتسمع هسيس ملابس الحرير. حتى الألوان كانت محصورة في القائمة :

البنفسجي ، الوردي الأبيض المطرز تطريزا يدويا . كانت تشم رائحتها و تسمع رنين حليها و حفيف ثوبها قبل أن تدخل عليهما غرفتهما .

كم تمنت لو رأت جسد أمها عاريا كله . كانت تريد أن تتأمل هذه الفتنة . لم تكن أمها في حاجة إلى جلد ثان . ولكنها تصرعلى أن يظل جسدها لغزا مشتهى من وراء حجاب . وهي صغيرة أخذتها معها أمها إلى الحمام . قالت الأم : سنستحم . فرحت نجمة . سترى جسدها الأبيض البض الناعم ، و ستقبله. ستعانقها عند إليتيها هذه المرة . وستقبلهما . ستفاجأ أن أمها تستحم بمئزرالدانتيل النازل حتى الساق . هكذا كانت تقدم أمها جسدها للمستحمين العراة. جسدا طيف روح.

إذا كانت "فريدا كالو" تدخل على الزوار كما يدخل الكهنة "المحراب" فأمها كانت تمر بهم أو تجلس إليهم كما تجلس أو تمر أميرة بالرعاة تجبرهم على التطلع إليها ، لسلطتها الأنثوية و الأميرية  بخشوع .

هل هذا أحد الأسباب التي جعلت الأب ينصاع إليها في رغبتها بإبعاد  نجمة ، منذ عامها الثاني عن البيت . لقد كانت محرابه . كانت تجعل العين تجوع مهما اغترفت من مشهدها . ضفائرها الشقراء ، وتكة السرير المزركشة التي تشد بها السروال المطرز حتى الكعب ، و الصديري المطرز المنسجم لونه مع لون السروال بتكته المجدولة من الحرير الخالص  و التي تظهر كلما رفعت أمها أطراف القميص . كان هذا ذرعها السحري .

ما سر هذا الجفاء ؟؟

لعلها الطفلة المولودة بلا رغبة . أو الطفلة التي سرقت أخاها في الطريق . أخفته في جهة "ما" من الرحم ونزلت هي إلى الدنيا دون أن تستشير أمها .

لقد عاشت دائما تدفع ثمن الخطيئة التي لا يد لها فيها  . جاءت دونما رغبة . و حتى عندما جاء أخوها لم يبدد شيئا من كراهية الأم لنجمة

 

*    *     *    *    *    *

 

تقول :

ــ لم أرث من مجدها كله شيئا.

تتذكر مرة و هي تستظهر دروس التاريخ صحبة أخيها  ،  و أن الدرس كان    "المغرب في عهد الحسن الأول " تتدخل أمهما لتحكي لهما عن جدهما الذي كان قائدا على سهول الشاوية الممتدة حتى الجنوب ، و أن السلطان خلال سفره إلى الجنوب يمر عابرا بهذه السهول فيصطف أعيان هذه الجهة لتحية الملك و قد أعد الجد هدية له :عشرة خيول مطهمة بسروج مذهبة يمسك بأعنتها عشرة من العبيد وقد ارتدوا الملابس الباذخة . كل منهم يمسك عنان الحصان بيد و يده الأخرى تحمل كيسا مملوء نقدا ذهبيا و إلى جانبهم عشرة  إماء فاتنات .

 

كانت ما تحكيه الأم يستمتعان به تلك اللحظة بعيدا عما لقنهم إياه معلم التاريخ ، المعلم لا يعرف جدهم و لا يستطيعان أن يضيفا إلى درس تاريخه شيئا . هذا تاريخ أمهم.

أما عندما كانت تحكي لهم عن أسفار جدهم للشرق وهي في ركابه فكانا يسألانها معا فتجيبهم

-         ولماذا سافر إلى الشرق ؟

-         كان وطنيا مقاوما.

-         وما معنى مقاوم ؟

-         لا يحب الفرنسيين الغزاة المحتلين لوطننا.

-         لكن لماذا ذهب إلى الشرق ولم يبق بالشاوية ليحارب الإستعمار الفرنسي ؟

-         ذهب إلى الشرق ليلتقي بالزعماء هناك . ليتفقوا .  كان بحارا حقيقيا ،

الاستعمار الفرنسي الذي استعمر بلادنا  المغرب ، دخل لسوريا أيضا و استعمرها .

تنسى الأم أنها تتحدث إلى مراهقين لا يتجاوز عمرهما الثانية عشرة ، تنسى  أن مستواهما  العقلي مرتبط بمستواهما  السني.

تختم حديثها هذه الليلة بنصيحتها لهم : الاستعمار عدو ، و الإنجليز أكبر عدو للعرب عرق أزرق يجرب كل أحقاده في العرب و المسلمين.لقد استبدلوا استعمارا  باستعمار علماني و ملحد .

ما أن تنهي الأم درس التاريخ حتى يسألها الإبن الذي لم يتعد عمره الأحد عشر عاما :

-         وكيف سافرتم ؟...هل ركبتم الخيول ؟...

تبتسم الأم ابتسام من يحس بأنه يمرر جزء من تاريخ الأسرة لأولاده ، حتى يسيروا على نهج أجدادهم ، ثم تجيبه :

-         بل ركبنا الباخرة.

تبتسم الأخت ، أما هو فيبسط كفيه صارخا بإعجاب :

-         واه ، ركبتم الباخرة ، لكن في مدينة سطات لا يوجد بحر، قرأنا في الجغرافيا  ليس لها ميناء ، لأنها على الطريق الصحراوي .

تمعن الأم في شحنهم بتاريخهم فتقول :

-         جئنا آنذاك بسيارة المرسيديس إلى الدار البيضاء ومن مينائها امتطينا الباخرة صحبة الشيخ ماء العينين

-         ومن هو الشيخ ماء العينين ؟

-         بطل مغربي من أبطال الصحراء ، كان بمدينة السمارة .

هكذا . كانت تصر على أن تضيف لدروس التاريخ  ما عاشته هي وما لم تقله المدرسة . أما ما كانت تحكيه الأم لفاطمة الصديقة الوحيدة ، فقد كان له طعم آخر الأول للشحن ، و الثاني عله للمفاخرة ، كانت تعد لهذه الجلسة ركوة  القهوة و صحن الكعك الصغير ، و تحكي لها عن ترحالهم في الأرض شرقا و غربا ، تحكي لها عن نوادر الأب القايد المعطي أبو رزق ، الذي عين لبلاده  سفيرا أولا  للمغرب في إيطاليا أواخر القرن التاسع عشر . في أول حفل شاي يقيمه بمقر السفارة و يدعو إليه رجال السلك الديبلوماسي كان يصر على أن يشرف على توزيع كؤوس الشاي و حلوى كعب الغزال و لغريبة بنفسه فيشير لرجاله " المخازنية " بسبابته لمن يقدمون  الشاي و الحلوى بحسب الترتيب الديبلوماسي ، ثم تبتسم و تتابع :

 

كان  يخاف أن يخطئ أحد هؤلاء البسطاء الحديثي عهد بأوربا فيمد للتماثيل التي كانت منتصبة بقاعة  الحفل ، الشاي و الحلوى ، ثم تبتسم  إذ  تحكي عن ليالي والدها في القاهرة و كيف كان يزور سعد زغلول نهارا ، و الليل يمضيه في جلسات منيرة المهدية .

 

*    *     *    *    *    *

 

تسوقها قدماها يوما وهي في الثلاثين عاما إلى حي سيدي " لغليمي " بمدينة سطات تفكر في البيت الذي عاشت فيه ما يقرب من عام بأحد تلك الأحياء . تتذكر ذلك الرياض الفسيح بنافورته  ، و  بمشربياته و دهاليزه ، بنسائه السريات ، تحاول أن تنسى الحجرة التي كانت

تنام فيها و الفرو، والحصير ، وتنظر للمدينة بعين أمها . تلج الزقاق المسدود ، أين الخوخة ؟..أو الباب العالي ذو القوس الحديدي الكبير ؟.. هنا كان يقف المخازني في فم الرحم المؤدي إلى " الروى" فناء البيت الكبير.

أين المنزه الذي في الطابق الثاني من الطرف الشمالي للبيت الكبير و الذي لا يدخله النساء ، هو فقط مجلس القائد و ضيوفه تقول الأم :

كم اشتقت و أنا صغيرة أن أصعد درج المنزه و أختلس نظرة من هذا المكان المحظور .

ماذا لو تفرست وجه هذا الأب الأسطوري القريب من السياسة و الحكم أكثر مما هو قريب لنسائه    وأولاده ؟؟؟

في هذا المكان " سيدي لغليمي" تاريخ أمها الذي ظلت ترقبه كمن يرقب عالما غرائبيا قادما من الحكايا التي تقص على الأطفال ليلا ، من جزر الواق الواق.

تسمع أمها و هي تحكي لصديقة لها عن والدها المغرم بالترحال إلى الشرق و الغرب ، في ذلك الزمان ، وعن الحيطة التي اتخذها لأيام "السيبة" أيام الفوضى و الاقتتال ، إذ عندما

كان يخرج إلى أدغال الجنوب للصيد ،  يعمد إلى صورة له بحجم هيأته .أتى بها من إيطاليا

أيام عين سفيرا هناك ، فيسندها إلى الجدار القبلي ، و المقابل لباب الزقاق حيث يبدو القائد يحمل بندقيته واقفا ، مبتسما تلك البسمة الوقورة ، والهازئة . بالمارين من المعبر الذي يتقاطع مع الزقاق ، فيسرعون الخطو دون أن يجرؤوا على التطلع أكثر . ..كان هذا يحفظ بيته من السبي .

من يصدق اليوم أن هذه المدينة الصغيرة أسهمت في تاريخ بلد و جاسرت أطرافا من العالم ؟ ...يخامرها هذا السؤال فتعتذر لتاريخ لم تعطه شيئا

تحس وهي تعبر الطريق المؤدي للبيت العتيق بأنها مرفوضة حتى في بقايا هذا الاندثار . لقد كانت أمها تؤكد لها هذا الإحساس . لم تقل لها ذلك يوما . غير أن ملامح وجهها كانت تشي بهذا عندما تلتفت إلى أخيها لتزرع فيه حقول جده كأن تقول له . أنت تشبه جدك الشعر الكث و القامة الربعة و الذكاء .

هل يمكن أن يبدل الحكي وحده حياة إنسان ؟ ..

ما عشته يا أمي هو ما بدلني وجعلني مع تاريخك ، أو تاريخ بلدي ، بهذا الحياد . كان هذا الإحساس الثاوي تحت الجلد : أنني لست منكم و لا أنتم مني . كأني مجرد لقيطة التقطتموها يوما من إحدى الجادات ، من قارعة طريق "ما" هو كل ما يشغلني.

هل يا أمي كان طبعي حادا و رديئا ، ومنذ عامي الثاني . أو شيء ما في وجهي لا يمنحني الحق في أن أنتمي لسلالة الجد ، بل يحيلني على بداوة والدي .

 

*    *     *    *    *    *

 

لم تفلح في أن تكون لها ذكريات كأمها ، فهل القطار الموكل بأسفارها يعجز على أن يأخذها لدروب شبيهة بدروب أمها ؟...

هل ستظل مصلوبة الظهر على حياة التشرد و الملل؟...

هل القدر ما يزال يصر على أن يبقيها و يبقيهم على الخط التناظري :

هــــــــــي / هــــــم

 

تبتسم و هي تتذكر أخبار البحارة

 

"قبل أن تترك الباخرة رصيفها ، يتم إسقاط جثة البحار من السطح وهي ملفوفة في غطاء و مربوطة إلى حبل.

كانت حاشية الثوب مخيطة بمنخار المتوفى ورجلاه مثبتتان بحجر"Qarandra" أو لوح معدني ، أو بكرة مدفع ، ليغطس البحار الميت واقفا في البحر ...كبحار حقيقي...كبحار حقيقي  «

*    *     *    *    *    *

أن تحب وطنك ، وأن تموت كبحار حقيقي . درس الأم الذي لا يمحى .

فهل كان جدها بحارا مقاوما ؟...بحار حقيقي ، أم هو في ذاكرة أمها فقط ؟...

ولماذا لم يقل لهم عنه أستاذ التاريخ شيئا ؟...

وهل تاريخ الشعوب هو رهن بمشيئة السلطة فتجعلنا نذكر من تشاء و نحيي ذكر من تشاء و نغض النظر عما تشاء و عمن تشاء...كثيرون كانوا بحارة حقيقيين لكن لفهم النسيان .

مقاوم وطني  بحار حقيقي /  وملك خائن ، إنهما طرفي المعادلة

ابن عرفة الملك الذي أتت به فرنسا للحكم ، ونفت ابن عمه محمد الخامس. و الشهيد علال بن عبد الله الذي تأبط سكينه وخرج ليهاجم به الاستعمار الفرنسي ،فتلقى رصاصهم رضيا  و ملقنا درسا في التاريخ .

الإنسان الحق / و الباطل .

كلاهما على طرفي معادل رياضي

المناضل / و الخائن

 

اليوم نسينا البحار الحقيقي ، و الخائن : معا على كفتي ميزان

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018