مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

دجاني تشيلاني : كيف يسير العالم نحو الأمام (قصة قصيرة) / ترجمةـ: محمد صوف

في قرية من قرى الناحية ببارما , غير بعيد من البو , روى لي أحد عمال الطباعة  , وهو شيخ  تقاعد  عن العمل لأنه كان يرغب في  كتابة مذكراته. بعد تفكير طويل في موضوع المذكرات  اختار أن يدرس كيف يسير العالم نحو الأمام.
و بما أنه كان متقاعدا فقد كان عامل الطباعة العجوز يقضي يومه  على دراجته النارية يجوب الطرقات ويقرٍا كل ما يراه مكتوبا. كان يحب القراءة كثيرا. وكان يرى أن إدراك كيفية سير العالم نحو الإمام  يتطلب كثيرا من القراءة.
مع مرور الأيام تبين له أنه كلما وضع عينيه على مكان ما  لم يجد بدا من قراءة كلام مطبوع. الإعلانات.الملصقات. كتابات على الواجهات.جدران تغطيها البيانات. وبذلك كان يقرأ خلال نصف يوم يقضيه خارج البيت آلاف العبارات المطبوعة. وعندما يعود إلى البيت متخما بالقراءة يفقد الرغبة في قراءة الكتب و في الكتابة. ويكتفي بمشاهدة مباريات كرة القدم في التليفزيون.
وبدأت تراوده فطرة. لن يفلح قط في كتابة مذكراته إذ ثمة أشياء كثيرة يجب أن تقرأ. وكلما تجول على متن دراجته رأى عبارات أكثر.بيانات أكثر , ملصقات أكثر , إشهارا أكثر في كل مكان.
و في يوم اعترته الرغبة في فهم ما يحدث, لماذا تتناسل العبارات يوميا و باستمرار ؟؟ لا بد أن شيئا ما وقع.
وسعى إلى الحديث في الأمر  مع تاجر في الجملة في الحوم من روسيا.سيروي له ماذا وقع.لأنه كثير التردد على روسيا.لم يقل له التاجر سوى أن الناس يعتقدون أنهم سيكونون في أحسن حال إذا هم أكلوا  اللحم دائما. و أن عليه هو أن يزود السوق باللحوم المطلوبة. وهذا سبب تردده الكثير على روسيا.
لا شيء غير ذلك,
ثم توجه عامل المطبعة إلى جامعة بارما.لم يجد غير طلبة لا يعرفون شيئا  و أساتذة يقضون عمرهم في الكلام. ورأى أنهم أصبحوا حمقى من كثرة القول  و أدرك أنهم لن يساعدوه في مسعاه.
بعد الزوال.. غالبا ما كان بحمل معه حفيدته  في المقعد الخلفي لدراجته  ويعرض عليها مشكلته , فنصحته بأن يعرض المشكلة على أستاذ مادة العلوم الذي  يقطن خارج القرية. وهو أيضا مخترع شاب ,
للمخترع الشاب شعر طويل ينسدل على ظهره. يرتدي دائما وزرة ميكانيكي. قال لعامل الطباعة إنه لم يفكر قط في الموضوع من قبل.
و هكذا شرع الثلاثة. عامل الطباعة. الحفيد. المخترع. يفكرون بالأمر. وبما أن عامل الطباعة كان يرى أنه من الضروري الانطلاق من جديد من مسألة كيف يتقدم العالم إلى الأمام حذا حذوه الآخران.
فكروا بالأمر. ناقشوه. وتوصلوا إلى الخلاصة التالية: أن العالم يزحف نحوا الأمام لأن الناس يفكرون في طلك , أي أنهم يفكرون في الدفع به نحو الأمام.
لكن.. كيف يفكر الناس في ذلك ؟ و ما هو التفكير ؟؟
اشترى الثلاثة ( لاسيما الفتاة التي كانت تحب الدراسات العلمية ) كتبا علمية من الأكشاك. واشتروا موسوعة بالتقسيط وكتبا أخرى. وشرعوا يدرسون , تعلموا أن النبض الخارجي والداخلي عبارة عن تيار كهربائي  يعبر الأعصاب   نحو خيوط تبرز من خلايا الدماغ  عابرة نقط تمازج  الألياف و خلايا الدماغ. ثمة  يقوم النبض بقفزة صغيرة تؤدي إلى انفصال الشحنة الكهربائية  على غرار ما يحدث في بطاريات السيارات. وهكذا لن يكون في الدماغ سوى أشكال كهربائية تتغير باستمرار.
لا أعرف شيئا عما درسوه غير الخلاصات اللاجدوى منها  والتي توصلوا إليها  و أعلن عنها عامل الطباعة في الحانة التي يرتادها.  و في ذات الحانة شرح أن لا أحد ولا موسوعة ولا قاموس  يستطيع أن يفسر كيف أن الواحد يتذكر طبق السلاطة الذي أكله قبل شهر مع أنه بم يعد هناك أثر كهربائي لتلك السلاطة في دماغه.
ثم خاض الثلاثة غمار التجارب العلمية بواسطة جهاز يسجل الذبذبات الكهربائية في الدماغ اشتراه المخترع من مزاد علني. ودرسوا مختلف أنواع موجات الدماغ أثناء النوم واليقظة والحلم والغضب. ثم انتقلوا إلى التجارب على نبتة في إناء ,
علقوا على أوراق النبتة  منفذيك كهربائيين مربوطين إلى  جهاز فحص الدماغ و رأوا أن للنبتة  رد فعل  مختلف إذا وقف أحد ما أمامها. على الشاشة تظهر ذبذبات و تغير مسارها حسب ما يفكر فيه أو يفعله الشخص الواقف أمام النبتة.
مثلا.
قام ذات يوم المخترع الشاب بصفع الفتاة.فإذا برسم الذبذبات يصبح عبارة عن مسننات كما لو أن النبتة غضبت, ومرة قال كلاما كثيرا فيه إطراء لحارس المدرسة الذي كان واقفا أمام النبتة.فبدت الذبذبات على الشاشة تتمدد دون مسننات تماما كموجات الدماغ النائم,
حثت هذه النتائج الباحثين الثلاثة على السعي إلى فهم كيف يفكر الناس بواسطة نبتة وجهاز فحص للدماغ. وشرعوا يتساءلون كيف يفكر الناس بواسطة نبتة و جهاز فحص الدماغ. وشرعوا يتساءلون كيف يفكر الأغنياء مثلا ؟
اكتروا شاحنة صغيرة و انتظروا حلول الليل للوقوف أمام بيوت الأغنياء الذين يقيمون في الضواحي. و بينما كان عامل الطباعة و الفتاة يراقبان الشارع تسلق المخترع الشاب جدار إحدى الفيلات و راح يضع المنافذ الكهربائية على فروع  شجرة قريبة من نافذة الفيلا. وبدؤوا يسجلون أنواع الذبذبات التي كانت تظهر على الشاشة داخل الشاحنة الصغيرة.
في هذه الفيلات توجد الأشجار دائما في الواجهة.تتدلى أغصانها حتى تلامس النوافذ. وضع الثلاثة المنافذ الكهربائية على أحد الأغصان. وحاولوا أن يقرؤوا عبر ردود فعل الشجرة ما يدور في ذهن هؤلاء  الذين يغلقون على أنفسهم  بيوتهم ويشاهدون  التليفزيون. أهم أحياء؟ أم أموات ؟ أم هم فقط نائمون ؟  هل يفكرون ؟ أم لا يفكرون ؟أم لعلهم ينتظروه أن يقع شيء ما ؟
تابع الثلاثة جولاتهم عبر البلد.جمعوا عددا كبيرا من الرسوم. قارنوها ببعضها البعض  ثم قارنوها بالرسوم الأخرى الموجودة في الكتب. وفي النهاية فهموا أنهم لم يفهموا شيئا مما يحدث.
ثم خطر ببالهم فكرة مكاتبة عمدة المدينة يزينون بها فشلهم. أحال العمدة الرسالة على المستشار الثقافي. ونظم هذا الأخير محاضرة عامة في الموضوع الذي شغل الثلاثة. كيف يتقدم العالم نحو الأمام ؟
دعي للمحاضرة محاضرة متجول. يحاضر في كل شيء و غالبا ما يتحدث عن طفولته و ذكرياته. وفي أقل من ساعة حل المشكلة و رد على اعتراض عامل الطباعة والفتاة والمخترع. أنهى المحاضرة. صفق الحضور مبتهجين لأنهم علموا أنه هناك في الخارج يوجد عالم يسهل تفسيره و أن الواحد يستطيع أن يقتنع بذلك ويرضى عنه في ظرف نصف ساعة,
خرج الجميع من القاعة. وما  أن أدركوا الشارع حتى نسوا ما سمعوه. و نسي المحاضر ما قاله. و في اليوم الموالي  لا أحد سيتذكر حتى عنوان المحاضرة.
و في البلدة الصغيرة استمر كل شيء على ما هو عليه.غير أن الجدران تزداد امتلاء بالعبارات والعلامات التجارية والكتابات الإشهارية. يرى ذلك عامل الطباعة أينما ولى بصره.

دجاني تشيلاني
قاص و روائي
ولد سنة 1937 بسوندريو. أستاذ الأدب الأنجلو أمريكي بجامعة بولونيا. أول أعماله '' الساحل" صدرت سنة 1971 و آخر أعماله رواية  ''سينما الطبيعة '' سنة 2001.

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018