مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

siel23

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

ناطالي صاغوط: الواقع بالنسبة للروائي هو المجهول واللامرئي / ترجمة: رشيد بنحدو

الواقع بالنسبة للروائي هو المجهول واللامرئي

nathalie-sarraut

ناطالي صاغوط

ترجمة : رشيد بنحدّو

 

الكتابة الروائية بحث دائم

لست فيلسوفة ولا عالمة اجتماع، لذلك لا يسعني إلا أن أعرض وجهة نظر كاتبة روائية، وأن أقدم بعض الآراء المتعلقة بممارستي الشخصية.

كثيرا ما يتساءل الناس اليوم: ما هي هذه الرواية الجديدة بالذات؟ ولعل الذين قرأوا إنتاجاتنا الروائية قد لاحظوا أن هناك اختلافا في تجاربنا. ومن ثم، يتساءلون عن حقيقة ما يجمعنا.

أعتقد أن تصورا ما للأدب هو ما يجمعنا، وأن هذا التصور المشترك ينبع أولا من مبدإ أساس، وهو أننا نؤمن بأن الأدب، كسائر الفنون، ينبغي أن يرتكز على بحث (Recherche).

وأن يكون الأدب بحثاً، فهذا الأمر يبدو بدهيّاً، بل أعتقد أنه جد بدهي، لدرجة أنه يبدو لي، وأنا أقول هذا، أنني أقرّ حقيقة لم تعد في حاجة إلى إقرار.

ولكن كلمة "بحث" – وهي في قواميس الموسيقيين والرسامين عادية بشكل نغبطهم عليه – ما تزال تغيظ بعض الناس حين يتعلق الأمر بالرواية، إذ يبدو أن لهذه الكلمة مظهراً متكلفاً وذهنياً وإرادياً لا يناسب الكاتب الروائي. ولعل هذا راجع إلى تلك الصورة المشينة التي يكرسها بعض النقاد، بل والتي يقدم بها بعض الروائيين أنفسهم للقراء، وهي أن الكاتب الروائي مخلوق تحركه قوى غامضة، يكتب بوحي خفي، لا يدري أين يسير، ولا يعرف كنه ما يفعل، مخلوق يكتب مثلما تغرد العصافير، بل هو، أكثر من ذلك، خالق عوالم استثنائية، ونبيّ يجترح المعجزات.

أعتقد أنه حان وقت نبذ مثل هذه المواقف الرومانسية. ولعل هذا ما يبرر حرص روائيين كبار مثل هنري جيمس Henry James وفيرجينا وولف Virgina Woolf ومارسيل بروست Marcel Proust... على كتابة مقدمات طويلة لرواياتهم يعرضون فيها أراءهم في الأدب، ويشرحون معاناتهم للكتابة الروائية. ذلك أن نصيب الغموض واللاوعي والإبهام في أية عملية إبداعية هو من الأهمية بحيث لا داعي قط لتغميض ما يمكن أن يكون واضحا.

سأستعمل إذن كلمة "بحث" هذه، على رغم كونها مشبوهة وصادمة لبعض الأذهان. ذلك أن لديّ اقتناعا راسخا، وهو أن الكتابة الروائية عملية بحث دائم، وهذا البحث يسعى إلى تعرية واقع مجهول، وإلى إيجاد هذا الواقع المجهول.

واقع الناس وواقع الروائي

أعرف أن البعض لن تعجبه هذه الفكرة. سيتعرض الفلاسفة قائلين: عن أي واقع تتحدثون؟ ما هو الواقع في تصوركم؟

لست فيلسوفة، كما قلت. لذلك، سأكون حذرة، بحيث لن أغامر بنفسي في مجالهم. أما في مجالي أنا، أي مجال الكتابة الروائية، فكلمة "واقع" تعني شيئا جد واضح، وهي ذات دلالة صريحة لدى كل كاتب روائي.

هناك واقع يراه كل الناس، ويدركونه بشكل فوري ومباشر، واقع معروف ومدروس ومحدد، واقع اجترّته أشكال تعبيرية أصبحت نفسها معروفة ومسطحة لكثرة تكرارها.

هذا الواقع ليس أبدا واقع الكاتب الروائي، فهو مجرد مظهر يوهم بالواقع. الواقع بالنسبة للروائي هو المجهول واللامرئي، هو ما يراه بمفرده، وما يبدو له أنه أول من يستطيع رصده. الواقع لديه هو ما تعجز الأشكال التعبيرية المألوفة والمستهلكة عن التقاطه، مستلزما طرائق وأشكالا جديدة ليكشف عن نفسه.

ما هو إذن هذا الواقع، الذي ينافي الواقع المباشر والمبتذل والمكشوف، واقع معروف ومدروس يمكن لأي واحد أن يدركه فورا؟ يتشكل الواقع لدينا من عناصر متناثرة في فضاء العدم، نحزرها ونحدسها بشكل غامض، عناصر ذات تشابك معقد وسديمي، لا تنبض بالحياة، في كتلة الافتراضات والاحتمالات اللامتناهية هي تائهة، ووراء حجب المرئي والمبتذل والاتفاقي هي كامنة. وبقدر ما يكون الواقع جديدا، يكون النص الأدبي، الذي يكشف عن هذا الواقع، ذا شكل غير مألوف، مثلما يكون ذا تأثير عميق يسمح بهتك ذلك الستار السميك الذي يقي طرائق إدراكنا وإحساسنا من كل أنواع التشويش والانحراف.

هذا الستار الواقي يتشكل من تلك الرؤية الخادعة التي توهم بالواقع، ومن مجموع الكليشيهات الاتفاقية والصور الجاهزة التي تحول، في أي وقت، بين القارئ والواقع الجديد الذي يكشف عنه النص، مثلما تحول بين الكاتب والواقع الذي يريد أن يكشف عنه.

هذا العالم الخادع، عالم المظاهر، هو عالم كل واحد منا. إنه كذلك عالم صنف من الكتّاب الذين يسترخون، مطمئنين إلى السهولة، وقانعين بالحياة.

هذه الكتلة من الكليشيهات الجاهزة، والصور المتفق عليها، والإحساسات المبتذلة... هي ما يصدم آذاننا وأعيننا في كل مكان، هي ما ترشح به سلسلة من الأغاني والأشرطة السينمائية والإعلانات التجارية والصحافة والإذاعية والأحاديث والثرثرات والمعارف السيكولوجية الابتدائية التي نكتسبها من قراءتنا للكتب التبسيطية والمؤلفات الرخيصة.

هذه الكتلة تتشكل أيضا مما تختزنه أذهان الناس من روائع الماضي الخالدة، كما فهموها أو كما أفهمت لهم سابقا، تتشكل مما يترسب في ذاكرتهم من هذه الروائع بعد أن انقطعت صلتهم بها من زمن بعيد: بضع شخصيات مسطحة، مشاهد باهتة، انطباع عام يتلاءم والذوق الاعتيادي السائد.

إن الواقع المبتذل – واقع القارئ وواقع الكاتب – هو صورة للعالم يقدمها لنا رصيد معارفنا وثقافتنا وكل الآثار التي تكوّن التجربة الأدبية والفلسفية والفنية لكل واحد منا، صورة معروفة وتافهة للمجتمع وللطبيعة وللعلاقات الاجتماعية كما تصوغها آراؤنا المسبقة والجاهزة عن علم النفس والأخلاق والميتافيزيقا والشعر والجمال، أو على الأقل عمّا اعتدنا اعتباره كذلك، وعمّا اتفق في فترة ما على اعتباره كذلك، خاصة في مجال الأدب.

هذا الواقع العادي، المتشكل من هذه المجموعة من المفاهيم التي تصوغ رؤية كل واحد منا للعالم، يصمد بعنف أمام الواقع الجديد، الذي يبقى خفيا ومجهولا. بل إننا نكرس كل قوانا لردع هذا الواقع الجديد، باعتباره جسما غريبا ومزعجا، وربما ضارا، يعكر واقعنا المألوف والمريح حيث نعيش، جسما يذكر بالجرثومة التي يحاصرها عدد لا يحصى من الكريّات البيضاء بمجرد ما تتسرب إلى جسد الإنسان.

أحيانا يستعين الروائي بواقع عادي تكون مهمته الكشف عن واقع جديد، أو هو يستهدف واقعا جديدا من خلال رصده للواقع العادي. حينئذ، يكون هذا الواقع العادي هو ما يلتقطه القراء وأغلب النقاد. إنه واقع يخفي في رأيهم واقعا جديدا.

وحين تكشف الرواية عن واقع جديد، فإن هؤلاء القراء والنقاد ينزعون إلى اختزاله وإدماجه ضمن أنساق أصبحت معروفة، باحثين له عن نماذج وأنماط تماثله، إنهم بذلك يشلون هذا الواقع الجديد ويمسخونه بواسطة ما تفرزه ذكرياتهم وتصوراتهم المبتسرة من عصارة مبتذلة، ثم يستهلكونه، دبقا، مخنوقا، لا نبض فيه.

وإذا حدث أن قرأ هؤلاء نصا جديدا، ولم يعثروا فيه على تلك المكونات التي تبدو لهم ضرورية في كل إبداع روائي، فإنهم يعتبرونه نصا مستهجنا ومخالفا للمألوف، واسمين إياه بالتجارب المخبرية التي لا يمكن أن تنتج آثارا فنية حقيقية، مادامت لا تعكس ذلك الواقع المرئي والمبتذل الذي لا يستطيعون الاستغناء عنه.

كيف يمكن إذن للنص الجديد، ذلك الذي ينبض بواقع جديد، أن يقهر ما يبديه هؤلاء القراء والنقاد من مقاومة ورفض لواقع يشذ عن المألوف؟

بكل بساطة، يمكنه ذلك بالإمعان في البحث عن واقع ظل مجهولا حتى الآن. وهذا البحث – الذي يمنع النص من ولوج دائرة إدراك وتذوق القارئ بطريقة مباشرة وفورية – هو بالذات ما سيمنح لهذا القارئ قوة الانتصار على كل مقاوماته للواقع الجديد، إما بواسطة تعوّده المثابر عليه، وإما عن طريق اقتحامه بالعنف.

جدلية الواقع الجديد والتجريب

هذا البحث، الذي يحث الروائي على استغلال مادة جديدة ومجهولة وذات صمود أمامه، هو ما يثير فضوله وانفعاله ويغريه بالتجريب. إنه يرغمه على أن يرفض باستمرار كل الأعراف والمعايير والطرائق التي تحول بينه وبين هذه المادة الجديدة، مانعة إياه من إدراك كنهها.

إن البحث يحفز الكاتب الروائي إلى تجاوز الأشكال المستهلكة والعقيمة، وإلى تجريب أدوات جديدة وخلق أشكال حية، كما يمنعه من العمل وسط المجانية واللامسؤولية، ومن استنفاد الجهد في توخي "أشكال جميلة"، أي أشكال تتفق مع مقاييس جمالية مقررة سلفا. إنه يستحثه على التماس الفعالية وحدها: فعالية تلك الحركة التي بواسطتها ينكشف الواقع الخفي ويتشكل.

إن البطل الرياضي لا يفكر إلا في ضرب الكرة بأدق طريقة وأسرعها وأقواها، وليس في إنجاز حركة جميلة. ومن ثم، وبدون إدراك منه، تدرك حركته جمالية عفوية.

التماس الفعالية هذا هو ما ضمن لكبار رواد الواقع الخفي أدق الأساليب وأكثرها أصالة وحدة ومباشرة، كما ضمن لهم أقرب السبل وأنجع التقنيات لتجلية هذا الواقع الخفي الذي كانوا يطمحون إلى إعادة خلقه، لأن ما كان يهمهم أساسا هو موضوع البحث الذي كانوا يجهدون أنفسهم في تجليته بأقل الأدوات.

وهكذا، فبقدر ما يكون البحث عسيرا، يكون الواقع الذي يستكشفه الكاتب جديدا، ويكون شكله جديدا كذلك. وبقدر ما يكون الواقع باهتا ومبتذلا وسطحيا، يكون الشكل أيضا مسطحا ومبتذلا وباهتا.

إن ما برهن عنه كبار روائيي القرن الماضي من سعي موفق وجرأة وحيوية وقوة مواجهة هو بالذات ما يكفل خلود أعمالهم، لأنه حتى حينما يتحول الواقع الجديد، الذي كشفوا عنه، إلى واقع مبتذل، فإن أعمالهم تحتفظ بالفعالية والدقة وقوة تأثير الأسلوب وصرامة البناء التي اقتضاها الجهد المنجز من أجل الكشف عن واقع مجهول وإعادة خلقه.

هذا الانتقال الدائم من المعلوم إلى المجهول، من المرئي إلى الخفي، يجعل الأدب، كسائر الفنون، في حالة تحول مستمر. لكن الغريب أن هذه الفكرة، رغم بساطتها وبداهتها، تغيظ معظم النقاد، بحيث لا يكفون عن السؤال: "ما تخريفاتكم هذه عن البحث والتجريب، وما هذه اللغة التي بها تتحدثون؟". ألم أقل إن لغتنا لا تروقهم ؟.

إنهم يعتقدون بأن "الأدب هو العالم منظوراً إليه من خلال مزاج معين"، قاصدين بذلك إلى أن هناك عدة "أمزجة" متناثرة عبر مسيرة الأدب، "أمزجة" تعاين بنفس الطريقة نفس الواقع الثابت، ومن ثم تعبّر عنه بنفس الكيفية.

إننا كثيرا ما نسمع بعض النقاد وقراءهم يهنئون أنفسهم بكون هذه السنة أو تلك قد سجلت بزوغ كاتب موهوب له حظ التوفر على مزاج بنجمان كونسطان Benjamin Constant أو ستندال Stendhal أو غيرهما... ومن ثم، فهو يمتلك رؤية للعالم تماثل رؤيتهم له، ويكتب روايات تشبه رواياتهم !

ومع ذلك، فالواقع المرئي حيث يعيشون يتغير باستمرار. فما كان خفيا يتحول إلى واقع مرئي ومبتذل. إن كل عمل جديد، بمجرد ما يتم استيعابه واستهلاكه، يغير الواقع الذي نعرف، فيصبح جزءا من ذلك الواقع المرئي الذي لم يعد يغري بالاستكشاف.

إن كل روائي، حين يشرع في الكتابة، ينطلق من هذا الواقع المعروف في فترة معينة، والذي تصوغه إسهامات الروائيين الذين سبقوه. ولأجل ذلك، فهو لا يحتاج إلى قراءة كل الروايات، لأن الواقع الذي يكتنفه يمور بالأحداث التي تصورها هذه الروايات. وكما قال يوما أحد الكتاب الشباب في ندوة شاركتُ فيها: "لنصارح أنفسنا: إن أي واحد منا لم يقرأ جويس Joyce، لكنه أثر فينا جميعا!".

إن كاتبا موهوبا يحظى بامتلاك مزاج ستندال أو بلزاك Balzac ويكتب اليوم، تبعا لذلك، روايات تماثل روايتهما، ليذكّر بعالم فيزيائي معاصر يقوم بأبحاث وتجارب دون أن يعتبر تجارب إنشتاين Einstein أو بلانك Planck.

وهكذا، فحين بدأنا نكتب، كان الواقع الذي نعرف قد تغير على أيدي الكتاب الذين سبقونا.

نحو تفكك الشخصية الروائية

لقد اجتاحت الأدبَ ثورة حقيقية في الربع الأول من هذا القرن، ثورة صنعها بروست وجويس وفرجينا وولف و كافكا Kafka، بحيث إن هؤلاء الروائيين أعادوا النظر في الشخصيات الروائية، باعتبارها مركز الثقل في الرواية التقليدية، سيما حين تكيف هذه الشخصيات بواسطة الحبكة الروائية.

لقد فقدت الشخصية الروائية التقليدية قوتها الاقناعية، فأصبحت في العمق تجسيدا للابتذال والوهم، وذلك لكثرة استنساخها عبر أنماط لا حصر لعددها. فقد ولى منذ عهد ذلك الوقت الذي كنا نؤمن فيه بقدرة الشخصية الروائية على أن تعبّر وحدها ليس فقط عن واقع مجهول ما، بل كذلك عن الواقع المرئي واليومي الذي نعرف، وكما علمنا رؤيته فرويد Freud وبروست وجويس وكافكا.

لذلك، نلاحظ في الرواية الراهنة نزوعا إلى إهمال هذا التقليد الروائي الصرف الذي أصبح يمثله بطل الرواية، بحيث إن الشخصية الروائية بدأت تدريجيا تتقلص وتتفكك، لدرجة أنها أضحت لا تشكل إلا دعامة هشة وغير ثابتة للمادة الجديدة التي تطفح بها من كل جانب. بل إن هذه المادة الجديدة بلغت درجة من التعقيد بحيث أصبح بطل الرواية التقليدية عاجزا عن احتوائها داخل حدوده المرسومة بصرامة ودقة. وإذا كان بعض الكتاب ما يزالون اليوم يعتمدون في رواياتهم على الشخصية، فليس ذلك إلا باعتبارها دعامة تمليها الصدفة، أو عنصرا يوهم بالواقع.

لقد سجل الرسم مثل هذا التحول الذي عرفه الأدب، حيث اقتنع الفنانون بضرورة إهمال الذات من أجل استجلاء المادة التشكيلية في حالتها الخالصة الناصعة. غير أن هذا التحول، الذي مهدت له في مجال الأدب روايات الكتاب الذين ذكرت أسماءهم، لم يحظ باعتراف النقاد وقبول القراء الذين ما يزالون، في أغلبيتهم، يحكمون على الروايات وفق مقاييس مستهلكة ومبتذلة، محتكمين بغباء إلى مبدإ "الشخصية الحية" العتيق، وكأن عجلة التطور قد توقفت !

أتساءل: ماذا يعني أن تكون الشخصية حية؟ ولماذا يقال عنها إنها حية ؟ هل يقال إن ما يجعل البارون دو شارلوس de Charlus شخصية حية، أو الطبيب كوطار Cottard كذلك، هو تلك الحركية الماهرة والمعقدة التي كان مارسيل بروست يشيعها في رواياته، مما أكسبها خلودا؟ أم يقال إن ما يضفي الحياة على البارون والطبيب هو كونهما، ومهما يفعل بروست، شخصيتين تستجيبان لتلك الصورة المقررة والمتفق عليها، صورة ترسبت في أذهاننا عما ينبغي أن يكون عليه سيد إقطاعي ذو شخصية بارزة أو طبيب نفعي وفظ؟

إن حكم بعض القراء أو النقاد على شخصية روائية ما بأنها "حية" يرجع بالأساس إلى كونها تتصرف وتفكر وتتكلم وفقا للطريقة التي يرون بها (أو يعتقدون أنهم يرون بها) مجموع النماذج البشرية المحيطة بهم تتصرف وتفكر وتتكلم، نماذج يسهل التعرف عليها لكثرة ترددها في نوع من الأدب، بل وحتى في بعض الروائع المنتمية إلى الماضي. بل إن حكم هؤلاء على شخصية ما بأنها حية- وهي حياة مقلدة واتفاقية ! – يختلف بحسب مقاييس كل منهم. فقراء – ديلي Delly يجدون شخصياته الروائية حية. أما بالنسبة إلى المعجبين ب – جورج أوهنيط Georges Ohnet، فليست هناك شخصية أنبض بالحياة من السيد دو فورج de forges !

لا، إنني أعتقد بأن الحياة التي تستحق أن يُكتب عنها هي بدون منازع حياة الواقع الجديد، حياة جانب مجهول من العالم يمكن للقارئ أن يكتشفه بدوره، وذلك بفضل مجهود يخلصه من جميع طرائق الرؤية والإحساس المتفق عليها، ومن كل الأوهام التي بها يطفح وعيه.

إن هذا الموقف الحديث، الذي يقضي بتركيز البحث على مادة مجهولة وليس على الشخصية، كان بالقوة موقف كبار كتاب بداية هذا القرن، بحيث إنّ هاجس كل من بروست و جويس وكافكا... كان الكشف عن واقع جديد، وليس خلق نماذج جديدة مرصودة لمنافسة الحالة المدنية، مثل أبطال الرواية البلزاكية.

المجازفة بمصير الرواية

و لقد ساد الاعتقاد بأن هذا التحول النوعي الذي عرفته الممارسة الروائية في بداية هذا القرن سيدفع بالرواية الحديثة إلى آفاق مستقبلية، وبأن لا شيء يمكنه تعطيل ذلك.

لكن العكس هو ما حدث، إذ عطلت التحول تياراتٌ كانت تعمل في اتجاه معاكس، فخمدت الثورة الرائعة التي اجتاحت الرواية.

فبعد الحرب، ارتادت الرواية آفاقا أخرى. وأنتم تعرفون أن السنوات التي أعقبت الحرب شهدت سيادة مطلقة للأدب السلوكي، أي ما يسمى في الولايات المتحدة الأمريكية ب "البيهافيورية".

لقد قيل إن بروست و جويس وغيرهما من كتّاب بداية القرن قد تجاوزوا حدود البحث المعقولة، وإن المونولوج الداخلي كما ابتدعه جويس أصبح تقنية مبتذلة، وإن المغالاة في التدقيق والتحليل على طريقة بروست بدعة غير مجدية، ولا ينتح عنها سوى تفتيت لا نهائي للشخصيات الروائية. فاقتنع الجميع بعبثية التعلق بمثل هذه التجارب.

وقيل أيضا إن الإنسان، في الواقع، تكشف عنه أفعاله كاملا غير مجزء، وإن هذه الأفعال، وهي غريبة وغير مألوفة في الغالب، تعكس بمفردها الواقع الجديد، بل هي أقدر من كل الكلمات على التعبير عن هذا الواقع، مهما يكن معقدا، وإن على القارئ أن يستكشف جوانب هذا الواقع بواسطة ما يختزنه لا وعيه من ذخائر.

كل هذه المواقف كانت تجازف بمصير الرواية. فهي، وإن أدت في أقل الأحوال إلى نتائج مقبولة، قد جعلت القارئ في أغلبها يجهد نفسه في ملء فراغ شخصيات الرواية، سيما وأن وعي القارئ لم يكن يلتقط عن هذه الشخصيات، وهي تتصرف، سوى انطباعات بسيطة.

كان القارئ إذن يملأ فراغ الشخصيات بواسطة ما يتوفر عليه من وسائل، تلك التي بسطتها قبل قليل. فكان بطريقة ما يؤثث ذلك الفراغ بما تكونت لديه من معارف سيكولوجية رخيصة، ومن تصورات مبسترة وإحساسات مبتذلة، كما كان يصطنع نماذج تحركها عواطف في منتهى التبسيط.

كانت النتيجة إذن أن شخصيات الرواية التقليدية استعادت خفية تشكلها ومركزها في الأدب، بعد أن كان وجودها قد تفكك بفضل تجارب كبار روائيي بداية القرن.

ثم كانت موجة الأدب الملتزم.

و نحن نعرف سبب احتقار أنصار هذا الأدب للبحث عن واقع جديد، عن مادة روائية جديدة. فهم يعتقدون أن هذا البحث يفضي إلى اكتشاف مادة مجهولة، ومتماثلة عند الجميع، وأنه لا يقيم وزنا للمواقف والفوارق الطبقية، وأنه يسيء للتقدم المجتمعي، وأن كل أدب يستند إلى بحث هو أدب يكتبه بورجوازيون ويخاطب بورجوازيين، وأن المطلوب أدب يصف الصراعات الاجتماعية ويصور الإنسان ملتزما ومنخرطا في الفعل الاجتماعي.

هكذا، فإن الأدب الملتزم، عجزا منه عن تحقيق كلا الهدفين، قد اختار الأخلاق على حساب الواقع المجهول، وفضل تربية الجماهير وتثقيفها على استكشاف عالم خفي هو أساسا ما يشكل جوهر الأدب ووظيفته.

ومهما تكن مثل هذه النوايا قابلة للتأويل، فإنها كانت تعني المخاطرة بترك الغنيمة والتعلق بالطيف. والطيف هنا ليس سوى تلك الشخصية الروائية العتيقة التي لا تتوانى في الاستجابة لأول نداء، مستعيدة مكانها، ومسترجعة امتيازاتها... بل الطيف هنا هو نمط من الشخصيات تنعدم فيه أبسط مستويات الدقة والتعقيد اللتين تسمان شخصيات الروايات التقليدية، بحيث ساد الرواياتِ أبطال إيجابيون أو سلبيون لم يكونوا، في الغالب، سوى صورة ل إيبينال Epinal أو تمثال من متحف كريفان Grévin !

أما الشكل الذي كان يؤطر هؤلاء الأبطال ويمنحهم نوعا من الحياة، فهو أكثر الأشكال مباشرة وبساطة، معتمدا على لغة مبتذلة بشكل عفوي. إنه الشكل الواقعي كما أورثه طولسطوي Tolstoï، واقعية منحطة عاشت عصرها الذهبي في القرن الماضي.

وقد أدى مثل هذا الموقف إلى إيجاد وضعية غير معقولة: وهي أن أشكالا منتمية إلى الأدب البورجوازي، أشكالا منحطة وجامدة وعتيقة، تُرْصَدُ رغم ذلك لخدمة الثورة أو لصيانة المكتسبات الثورية، بينما المفروض أن تكون الأشكال الأدبية الحية هي ما يُرصد لإنجاز هذه المهمة!

هل أكون في حاجة إذن إلى تكرار ما هو معروف، وهو أن روائيين رجعيين مثل بلزاك وفلوبير Flaubert ودوستويفسكي Dostoïevsky قد ساهموا بقوة في تحطيم الهياكل الاجتماعية المتحجرة، لأن كشفهم عن واقع جديد وحي كان يحمل في ذاته بذورا ثورية حقيقية عملت على تعرية الواقع المزيف، وفضح الأحكام المسبقة، وهدم الأعراف الاجتماعية، مثلما عملت على تجلية ما هو حي وحر، وفرض ما هو صادق وجدير بالاحترام؟

طبعا، لست أنفي هنا أعمالا ملتزمة استطاعت فعلا أن تحرض على انبثاق واقع مجهول وجديد من صلب الواقع الاجتماعي السائد، سيما إذا كانت هذه الأعمال ثمرة العفوية، لا الترصد. ولعل مسرح بريخت Brecht أصدق مثال على ذلك.

تحدثتُ إذن عن عائقين تسببا في تعطيل المسيرة التحولية للرواية الحديثة. وأراني هنا ملزمة بالإشارة إلى نمط روائي ما يزال يحظى بسلطة قوية، معرقلا هو الآخر مسيرة الرواية نحو البحث والتغير، جهود روائيين مثل سيلين Celine أو كوينو Queeneau في تخليص الأدب منها.

وقد بلغ عدد الكتاب الذين يوظفون هذا الشكل النيوكلاسيكي، القائم على التحليل، نسبة أصبحت معها رواياتهم ذات استهلاك واسع. بل إن هذا الشكل أصبح يعتبر ماهية الأدب الثابتة، لدرجة أن كل روائي مبتدئ يتبناه في كتابته، مستعيرا من روائيي القرن الثامن عشر لغتهم التي تذكّر بلغة الفروض المدرسية، ينال التشجيع والتنويه.

إن هذا الصنف من الروائيين يكتبون وكأنهم لم يسمعوا قط بإنجازات جويس أو كافكا في مجال الرواية، متمادين في تحليل المشاعر والعواطف على طريقة روائيي القرن الماضي أو الذي قبله، فلا يحاولون نقل إحساسات بطريقة مباشرة، بل بتأويلها بواسطة مفاهيم، وبلغة مجردة، مثلما كان يفعل رواد الواقع النفساني الأوائل.

وقد يحدث لهؤلاء الروائيين أن يتخلوا عن تحليل نفسيات شخصياتهم، اعترافا منهم بتفاهة هذه التقنية. غير أن ولعهم بالأسلوب الجميل، ذلك الأسلوب الكلاسيكي الرفيع والرقيق التخلف، الذي يبدو لهم، وللنقاد أيضا، بأنه سمة العبقرية والموهبة والذوق المرهف والثقافة الأصيلة – أقول: غير أن ولعهم ذلك يحفزهم إلى صيانة هذا الأسلوب وترسيخه، لكن بمحاولة تسخيره لغايات أخرى غير ذلك التحليل العتيق الذي رُصِدَ له في الأصل.

إنهم يعتقدون قدرتهم على تسخيره لأنبل غاية يتوخاها الكاتب الروائي الحقيقي، وهي ارتياد آفاق البحث والتجريب الأكثر حداثة، ناسين أن الشكل والمضمون شيء واحد، وأنه لا يمكن خلق واقع جديد واستكشافه بنفس الأدوات والأساليب التي استخدمت في الكشف عن واقع سابق أصبح اليوم متجاوزا.

كل هذه التيارات – أدب السلوك، الأدب الملتزم، الرواية النيوكلاسيكية – عاقت الرواية إذن عن الاستمرار في مسار التحرر القوي، الذي دشنه كبار ثوريي الربع الأول من القرن الحالي.

صحيح أن بعض الروائيين ذوي الأصالة قد استطاعوا تفادي مثل هذه التيارات المحافظة وما تعتمده من طرائق مدرسية، فارتادوا بإخلاص آفاقا خصبة من البحث أدت إلى نتائج تثير أحيانا الإعجاب.

صراع تقليدي ضد التقليد

لكن يبدو أن الأدب قد أدرك منذ سنوات درجة مهولة من التشبع والتخمة بسبب هذه التيارات المحافظة، حيث إن قطاعا هاما من الكتاب والقراء يعبّرون عن نفس النفور من الأشكال العتيقة، وعن نفس التقزز من بعض التقليد، ويستشعرون نفس الحاجة إلى التحرر من بعض الترسيمات الجاهزة التي يتعاطف معها باستمرار معظم النقاد، فيطمحون إلى الكشف عما هو أساسي، أي ذلك الجزء الخفي من العالم، الواقع الجديد، الذي تعجز عن تجليته الأحداث والشخصيات الروائية التقليدية.

إن هذه المواقف الجديدة هي ما حفز الرواية إلى "ضرورة التفكير في نفسها"، على حد تعبير سارتر Sartre، فتشكل تيار جديد اجتاح كذلك المسرح، وهو بصدد اجتياح السينما.

وهكذا، لا يحاول الروائيون الجدد تقليد كبار الكتاب الباحثين الذين ظهروا في بداية القرن، بل إنهم يحذون حذوهم ليتجاوزوهم، ساعين، كل في اتجاه خاص وبأدوات خاصة، إلى تجديد المادة الروائية.

وكسائر الحركات التي انبثقت، خلال مسيرة الأدب الطويلة، لتناهض التقليد، فإن هذه الحركة الجديدة، وهي صراع تقليدي ضد التقليد، تأخذ مكانها ضمن تيار الأدب الحي.

طبعا، ليس اعتقادي هذا حكما على القيمة الداخلية للروايات المنتمية إلى هذه الحركة. لذلك، فأنا أتساءل: ما هي طبيعة الواقع الجديد الذي تكشف عنه هذه الروايات؟ وما هي ميزة ذلك الشكل الذي يعطي الحياة لهذا الواقع الجديد؟ لعل المستقبل كفيل بالإجابة.

إن الأهم، بالنسبة لأصدقائي ولنفسي، ليس هو إتقان روايات مكتملة. الأهم، في اعتقادي، هو المجهود والمجازفة والمغامرة، لأن الاكتمال، كما كان يقول برونينغ Browning، يكمن أساسا في البحث.

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018