مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

فليب جاكوتي: جد بسيطة هي الصور... جد مقدسـة

جد بسيطة هي الصور … جد مقدسة


فليب جاكوتي / ترجمة: رجاء الطالبي.


لا يوجد حداثي…يمكن أن يسأل بشكل مفيد خيال الآلهة اليونانية كهلدرلين، هاته الحضورات التي اخترقتني في أماكن حيث شيد القدماء هياكل، والتي كانت واقعية بالنسبة له لدرجة أنه الشاعر الوحيد بين شعراء زمانه الذي استطاع أن يسميهم ويدعوهم دون أن يبدو عليه الكذب. كانت تلك الآلهة بالنسبة للآخرين رموزا، زخرفا بينما بالنسبة له فبسبب كثافة ونقاء حنينه، فإن هاته الآلهة كانت تشع وتتنفس حقا.

كان العالم محيطا به، طفلا، ومراهقا كما يحيط بنا نحن جميعا، كانت تحيط بالكنيسة ضيعات يخترقها نهر هادئ، طرق حيث أخاديد الزمن لا تظهر سوى المتنزهين أو العربات، هضاب خصبة، غابات أو جبال بعيدة. كان هلدرلين لا يعير لهذا اعتبارا بحيث كانت تشوشه الحماسات والمخاوف الأولى لقلبه، الذي كان ممتلئا بأولى أفكاره التي كانت موجهة نحو الأعلى، والأحسن الذي كان يسميه بلا تمييز الله، الانسجام، الحرية، الخلود، العبقرية..لكن مقطعا من قصيدة كتبت وهو في سن الخامسة عشر تحكي عن ذكرى طفولة، كما هنا نص سفر سنة 1788 (كان عمر الشاعر ثماني عشرة سنة) يكشف أن عدم الانتباه إلى العالم الخارجي كان يخترق في بعض الأحيان، بحيث كان ولا بد من عنف تجل ما. في هاتين الحالتين المدهشتين واللتين أتحدث عنهما هناك تجل لنهر، وفي كلتا الحالتين يخلق لدى الشاعر نوعا من التأثر مصاحبا بحماسة، لا تفسير لهذا سوى أن هذا الأحسن، هذا الأعلى الذي يقتفي أثره على مستوى الأفكار قد تجلى له، بينما هو لا ينتظر تجليه أبدا في العالم أو عن طريق العالم (هنا، في النهر أو عن طريقه)، بينما هذه اللقاءات اللا منسية لم تكن مخصصة لجموح الشباب، فكل عمله يشهد على ذلك، لكن ضمنيا هناك مقطع من رسالة ربيع 1801، تأتي لاحقا بعد تجربة الفراق:” إن مشاهدة هذه الجبال المشتعلة، الخالدة، تملؤك بالإعجاب مثلي، إذا كان هناك إله للقدرة يمتلك عرشا على الأرض، فهنا على هذه القمم الرائعة، لا يمكنني إلا أن أتوقف كطفل مندهشا مسرورا في صمت، واقفا على أقرب رابية، مشاهدا من أعلى الأثير الجبال وهي تنحدر درجات إلى أن تصل إلى هذه الهضبة المحبوبة..”، هكذا في بعض أشكال العالم المرئي، فإن ما يأتي للقياه هو المجهول اللا مرئي، اللا نهائي: ليس هناك كلمات للتعبير عن هذا، يلتحق هلدرلين من هنا بالتجربة الدينية للقدماء، حيث يتغذى ببعض حوارات أفلاطون ومشاهد من الإلياذة أو التراجيديين، أو القصائد الإنشادية، قوة حبه لليونانيين كبيرة لدرجة أنه أضحى من الضروري أن تتجسد هاته التجليات في آلهتهم، لكن الانفعال والدهشة يبقيان هما ردة الفعل الأولى التي بدونها لن توجد سوى كوميديا فكرية، انحطاط سريع لشعره، كل شيء يولد دائما لديه من اللقاء، أو الاصطدام مع اللا محدود، الذي يسميه بسرور أيضا المقدس، لقاء لا يمتلك أدنى حد من الواقعية، رغم خاصيته الغامضة بالأساس بالمقارنة مع اللقاء بكائن أو شجرة، هذا المقدس، وتلك الآلهة، يحدث لهلدرلين أن يحس بها قريبة، لكن لديه فكرة أن اليونان تشكل الزمن الذي كان فيه هذا الحوار راسخا، ليس كتهديد، لكن كالنور المعادل للنهار، كعيد، قمة الانسجام الذي يسميه ب “النشيد” خلافا لنشيد “الفريد/L unique” الذي يرى نفسه اختزلت فيه.

لأنه إذا ما قارن هذا النور (حيث إن أعمال اليونان ما زالت تحافظ على بعض من إشعاعه) مع الظلمة الرديئة لعالمه ولزمنه فإنه لا يمكن أن يكون ذلك مرعبا، لا سيما وأن لا شيء يساعده في ظروفه الحياتية: يكتفي بممارسة مهنة المربي الوضيعة إذا لم يرض بما كانت تتمناه أمه بحرارة وكما كانت سوف تقوده إليه دراسته، الكهنوت المقدس، مهموما طيلة حياته القاسية، واعيا بالهموم التي كان يلقي بها على عاتق هاته الأم، لقد كان يرى نفسه أكثر وحدة مع مرور الوقت: بعيدا عن المرأة الوحيدة التي أحب، سوزيت غونتار، بعد سنتين من عاطفة استطاع أن يؤمثلها في هيبريون، كانت علاقة سرية محرومة من أقل الدعائم التي منحت له في بداية حياته ككاتب، لكن يجب أن يمتلك هذا الرجل الفائق الحساسية طاقة هائلة، يا له من يقين، ويا له من إيمان راسخ، بعيدا عن أن يغرق في افتتان بدون أمل لليونان فإنه حدس أن الاعتبار ذاته لآثارهم يجب أن يقود شاعر اليوم إلى فهم أن طريقه هو آخر، لأن نقطة انطلاقه ونهايته هما متساويتان، لقد كان يعرف أن الروح التي تغامر في المجهول (وروحه ما فتئت تطير نحو اليونان) يجب أن تجد موطنها، حتى ولو بخلاف ذلك كانت هي المنيعة، ففي حركة العودة التي تتم في أكثر من قصيدة، فإن هلدرلين يجب عليه إيجاد المسيح أيضا.

حقا، إذا ما أردنا أن نحتكم ظاهريا إلى رسائله وأعماله قبل سفره إلى هامبورغ، فإننا سنحاول أن نفكر بأنه نسي أو بالأحرى أقصى بوعي أو بدونه، الإله الذي كانت وظيفته الوعظ والتبشير، ليترك المجال لآلهة الإغريق الأكثر سعادة. لأنه لا يتحدث عن هذا إطلاقا، هو الموزع بين اكتشافين: اكتشاف اليونان واكتشاف كانط (وبعد ذلك سحر بديوتيما التي كانت تمثل لديه اليونان مجسدة)، كانت أمه خائفة من تحفظاته حيال مهنة القس، تسأله، فيتهرب كما لو أن إيمانه تزعزع، أو على الأقل فإنه لم يكن يتوافق مع الأرثوذكسية، رغم ذلك فإنه كان يحلم ببطل آخر ذاك الذي كان يمثل جدله السري، اختار أمبادوقليس، إننا نرى أنه حتى لو أن البطل والإطار الذي وجدا فيه هما إغريقيان، فإن صورة المسيح تظهر في أكثر من مكان، وخاصة فكرة التضحية بالحياة من أجل بعث شعب ما، أو إحياء الجنس البشري بأكمله. ونلاحظ أن تأمله منذ هذه الفترة انصب فقط على تلك العلاقة التي يجب تحديدها ما بين ظروف اليونان وما بين الغرب هو أكثر روحانية، أكثر باطنية بمعنى ما من مصير اليونان، وهذا لا يمكنه إلا أن يقوده إلى إيجاد المسيح، هكذا عندما نقرأ مسودات النشيد: عيد سلام (كتب في بداية 1801) أو النشيد الذي لم يتمه إلا متأخرا والذي عنونه الفريد “L unique”.

ماذا إذن، عن

الضفاف القديمة السعيدة

التي تقيدني هكذا، لأحمل لها

مثل موطني كل هذا الحب الكبير إلى الآن

مع ذلك

أيتها الآلهة القديمة، أنتم جميعا

ينحدر من سلالتكم أبناء باسلون

واحد منهم ما زلت أبحث عنه (الوحيد

بينكم والذي أحبه أكثر).

إننا لا نشك أن صورة المسيح قد بقيت قريبة جدا منه بطريقة أخرى كتلك التي رسمها للآلهة اليونانية، ليست مقترنة هذه الطريقة، بلقاء حدث في العالم، ولكن ارتبطت نسبيا بذكريات الطفولة، وخاصة بقراءاته للكتاب المقدس، قراءة جد متحمسة لدرجة أن بعض المشاهد ليست أقل من أخرى مقتبسة من الحكاية اليونانية، وتأخذ في نظره (أيضا نحن الذين نقرؤها) الكثافة نفسها للواقع كتلك التي تمتلكها المظاهر الطبيعية.

العاصفة، سفع شمسي على الأرض، أزيز النحل، أو مطر مدلى “يشبه اللبلاب”.

لكن بقراءة هذا الأناشيد حيث تتم مناداة المسيح بحنان لا مثيل له: الفريد، عيد سلام، باتموس، أو مرثية خبز ونبيذ، يتعلق الأمر بوضوح بهاته النداءات، حتى وهي مشبعة باسترجاعات إنجيلية، فإنها ليست مطابقة للأرثوذكسية حتى وإن كان المسيح يتضمنها، محبوبا، كما آخر الآلهة الإغريق، الأكثر قيمة بدون شك، لكن وهو شقيق ديونيزيوس وهيراقليطس، فإنه يكمل بموته ابتعاد الإلهي ويفتتح ليل غياب الآلهة.

لا يمكن للشاعر خلال هذا الليل سوى أن يسهر على آثارهم (ثم، أ ليس هذا ما قاله هلدرلين نسيان هذه الآثار من أجل وفاء حقيقي لها)، بدلا من المسيح المصلوب، المؤلم المقدم كتضحية كبرى لمحو خطيئة آدم، فإن مسيح هلدرلين هو ذلك الذي قطع كلامه من قبل “مصير قاتل” ليس عبثا، ولكن من أجل أن يحافظ على البشر الذين لا يستطيعون تحمل جوار الإلهي، ليس ذلك الذي عبرت عنه القصائد الأخيرة، أي قبل جنونه هجرانا لآلهة الإغريق لصالح المسيح كما يحتمه ذلك الانتساب الكلي للتجلي.

يبدو لي من الصعب استخلاص معنى حتى ولو من القصائد المنقحة أو الأكثر زوغانا، تلك التي تنتمي لهاته الفترة، لكن ما تجسده هو غريب ومؤثر، يتهيأ لنا كما لو أن كل شيء يقترب من الشاعر ( كل شيء، بمعنى الآلهة والأشياء، ولكن أيضا الأفكار التي تأتي ملحاحة. إن الإحساس الذي يخلفه هذا يترجمه هذا القدوم لبعيد ما، لشخص غامض في إطار كبير في السينما)، بعيدة إن لم نقل غائبة في أشعار شبابه، أو محجوبة من قبل الكآبة في هبريون.

في حدود سنة 1800 أقامت المظاهر مسافة أتاحت لبعض القصائد الكبار نوعا من التوازن العاهل، أما الآن، وخاصة في المقاطع (يبدو هلدرلين في هاته المقاطع أقرب إلينا) فإنها تأخذ كثافة الرؤيا. تبتدئ قصيدة “باتموس” بهذين البيتين:

قريب هو

ومن الصعب إمساكه، الإله.

مثل شجر السنديان والكرز والعنقود والنحل بينما يعقب هذا الجمال المثالي حضورا أشد عنفا: “قيود” غانيماد تصبح “حمما” و”البستان الممتلئ بالزهور” لباتموس في الروايات الأخيرة يصبح، “البستان الشبه غاف من التوابل” كما أن الكواكب التي كانت دائما من “ذهب” تصبح في الرواية الثالثة لليونان “أكثر صفرة” هذا الاقتحام للأشياء ضد الحساسية ينفجر أخيرا في مقطع “هي الهاوية بالفعل الذي يأتي بعد السفر إلى بوردو:

..هي المدينة

حيث نتألم لدرجة أن تصعد للأنف

رائحة ليمون وزيت البروفانس

تدوين ملموس لا يدهش في شعرنا ولكنه كان يبعث الدهشة في بداية القرن التاسع عشر، من جهة ثانية، ينقبض الفكر، يشتعل عنف ما في أعماق الروح فينفجر في أماكن: يقارن “ظل” المسيح الذي يرافق أتباعه بعد موته في باتموس في رواية لاحقة ب “طاعون” وكما لو أنه ليس بأشد قوة حيث يضيف: “متلفا وجه الإله كطاعون يمشي بجانبهم ظل الحبيب” يضاعف غضب الرب علاماته في السماء، في كل مكان تنبثق أشياء وكائنات تحرق، وتخرب. لدينا الحق في أن نقول هنا وبدون مبالغة بأن هلدرلين يمشي نحو النار، التي يشتهيها ويخشاها، وهو يعرف هذا، لذلك فهو يضاعف من وعظه حتى لا يهلك وفي الخير في “ترتيبها الجميل” تتصادم الصور، تتصارع في نوع من الدوار، غريبة دائما، تختلط الأمكنة والأزمنة، تتفجر الصرخات الأكثر نقاء والتي لم يعرفها شاعر (ما عدا رامبو)، تقول اليقين القديم، الآمال القديمة بشكل عنيف:

آه، أصبح قلبي

منيعا، بلوريا

يعاني الضوء فيه

من روائعه الكثيرة، ويوجد في مسودته نشيد إلى كولومب:

لأنه،

كما بسبب شيء ضئيل

كان غير مدوزن، من الثلج مثلا

الجرس الذي يدق

لعشاء المساء

[إنه من الصعب الوقوف عند علاقة هذه الأبيات بالنشيد ذاته، لكنها هي الآن معلقة، والصورة تجعلنا نفكر في الهايكو، وقليلون هم ربما من يفهمونني إذا قلت أنني أجد في هذه الكلمات القليلة الانفتاح اللا نهائي الذي يجعلني أحيا].

ثم يشف حتى المسودات الأخيرة، قبل احتجاز حلم الانسجام الكلي:

هكذا يرتفع النشيد الزفافي للسماء

راحة مطلقة. أرجوان مذهب. ثم ها هو الشاطئ يصدى

الرملي يحتضن الأرضي في صنيع الإله

هندسة ضمنية، أخضر الليل

والروح، تنسيق هذه الأعمدة، علاقة

كلية حقا، ومركز في نفس الآن..

هكذا هي الحركة المزدوجة للانطلاق والعودة.

ثم تأتي بعد نقطة اتصال المسودات الأخيرة وأعمال الجنون المختلفة القصيدة الرائعة التي أنقدها فيبلنجر “Waiblinger”، أزرق فاتن، حيث هلدرلين يتمثل بأوديب، “الغريب المسكين في اليونان” يكتب:

جد بسيطة هي الصور، جد مقدسة

لدرجة أننا نخاف في أحيان كثيرة

من وصفها..

هذه الحشمة أمام العالم، قد سيقت الآن إلى المظاهر الأكثر ألفة، والأكثر شيوعا، بدون أن يمتنع عن الظهور كقديس، إنها المهيمنة في أشعاره الأخيرة، ابتداء من سنة 1807 استضاف زيمر “Zimer” النجار الشاعر، حيث قضى عنده مدة 36 سنة، هي بمثابة نصف عمره (حياته)، وكأنه تنبأ بهاته السنوات حين كتب لأخته في يوليو 1799:” كل واحد يجد سعادته لا يستطيع أن يستهين بها كلها؟ بالنسبة لي، إنه الجو الصحو، الشمس المرحة، الخضرة، ولا يمكن أن ألام على هذه السعادة، مهما يكن الاسم الذي تمنحه لها، من جهة أخرى لا أمتلك شيئا آخر، وحتى إذا ما عثرت على سعادة أخرى، فإنني لن أتخلى عن هاته ولن أنساها أبدا، لأنها لا تؤذي أحدا، ولا تشيخ، بينما تجد فيها الروح معاني كثيرة، عندما أصير طفلا بشعر رمادي، فإنني أريد أن يصيرني الربيع والفجر والغروب أكثر شبابا كل يوم إلى أن أجس مقدم النهاية، فانطلق للجلوس خارجا لأذهب نحو الشباب الأبدي”.

بخصوص هاته السنوات هناك مقطع في ذكريات فيبلنجر حيث يذكر أن الشاعر كان يتجنب كل ما يذكره بالمخاوف التي أبعدها:” هل كان غاضبا وساخطا كما اليوم الذي فكر فيه بالعودة إلى فرانكفورت، لقد كان يفكر، تحركه مرارة ما بتقليص غرفته إلى فضاء محدود (كما لو أنه يقلص فيها العالم) حتى يحس بأنه أكثر أمانا، وأكثر حصانة، أفضل حتى يستطيع تحمل معاناته، لينام…” يجعلنا هذا التقوقع المؤلم نلمس الاقتحام الذي تعرض له والحمل الذي ينوء به، عموما، لقد كان أكثر هدوءا، وازداد هدوءه مع مرور الزمن، لأن العالم الذي كان قريبا لحد الإيلام بدأ يتراجع، إنه يراه من نافذته فوق النكار “Neckar”، دائما هو في دورة الفصول، كانت نافذته بمثابة الإطار الذي يمنع من تشتت المرئي، بينما كان الزجاج يمنع أي احتياج، لم يكن هناك مكان في هذا الإطار إلا للصور “جد بسيطة، جد مقدسة”.

وفي نفس الوقت، فإن الدوار الذي كان يستولي على رؤاه في أناشيده الأخيرة، وخاصة عندما كان فكره يلمس نقطا أكثر غرابة، أكثر إحراقا، وأكثر إيلاما، كل ذلك سيتوقف، بينما سوف يشبه شكل القصيدة الرباعية بأبياتها المنتظمة والمقفاة النافذة، إنها لا تجسد سوى التصالح الرتيب بين الأرض والسماء لا بطل لا آلهة لا مسيح، لا شيء سوى ما أحسته رسالة 1799:” الربيع، الفجر، الغروب”.

هذا الأسر الطويل في الصومعة، على ضفاف الماء، استبقت قوله الأبيات الغريبة:

“هل هناك شخص ما

يريد السكن

في سلالم،

حيث يقيم

هناك منزل معلق

على ضفاف الماء

ما تحتاجه

هو أخذ نفس

ها هناك شخص ما

علاه في وضع النهار

في المنام سيجده.

ستلقاه

حيث تكون الأعين مغطاة

والأقدام مشدودة”

لا تحليق نحو آسيا، باتجاه اليونان، لا رؤى (هاته الأبيات هي الشطر الثاني من قصيدة متأخرة يحتفي فيها بتحليق النسر “نحو الأولمب”، ينتهي عند هذا السؤال:” أين نريد أن نقيم؟”) لكن هذا السكون شبيه بجمود الفقير أو السجين، أ ليس الأعلى والأحسن هو أيضا الأقرب، والذي لا نراه؟

لكن هذا العالم المرسوم ك “عنوان النزل” على النافذة، في أشعار السنوات الأخيرة، والتي كان يمضيها الشاعر باسم مستعار مرفقة بعبارات الأدب الجم (لاحظ زيمر، أن حكمة الصانع التقليدي الفائقة كانت وسيلة لإبعاد الآخر عنه)، كان هذا العالم لا يكف عن الابتعاد، رغم العناوين التي كانت تعين دائما الفصول، في حركة مضادة لتلك التي ظهرت ما بين سنة 1803 و 1806، فإنها كانت تخلو تدريجيا من التفاصيل الملموسة لأن لا تترك المجال سوى للشفافية:

الغابة مضيئة، ولا أحد يمر

من الطرق المنعزلة، يولد الصمت

الجلالة..

نلاحظ بفرح

السماء من بعيد لا تتبدل تقريبا.

إلى حد أنه يبدو لنا بقراءة الشهادات الأخيرة لروح هلدرلين نراه يبتعد عن العالم، يفقد جسده، يقترب ليس من النار هاته المرة ولكن من الفراغ، ليصبح شبحا، غيابا، فيبدو لنا أننا نرى روح إيكار تنطفئ.

 

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018