مشاريع قيد الإنجاز

vision2020

رؤية للثراث الثقافي 2020

vision2020

المخطط التنفيذي2017-2021

Plansectoriel2018 2021

دعم المشاريع الثقافية 2018

da3m

مجلة الإحصائيات الثقافية

revue statist2013 2015

وجدة عاصمة الثقافة العربية2018

oujda2018min1

مؤسسـات تحـت الوصايــة

bnrm logo archive logo theatre logo

معاهـد التكـويـن

inba logo isadac logo insap logo

دلا ئــــــــــــــــل

biblio guide2 festiv guide2 salles guide2 salles guide2

المعرض الدولي للنشر والكتاب

Affichesiel251

بطـاقـة الفـنــان

carteartiste15

جلبير غرانغيوم: التعريب في المشرق والمغرب العربيين / ترجمة: محمد أسليـم

التعريب في المغرب والمشرق العربيين

جلبير غرانغيوم / ترجمة: محمد أسليـم

 

لدى تأمل التبادلات القائمة بين المغرب والمشرق العربيين تحتل مسألة التعريب مكانة مركزية لأنها تتيح تحديد هذه العلاقات في صلتها بمشكلة أساسية في كل ثقافة، وهي مسألة اللغة.

واللغة العربية التي تُعدّ في الوقت ذاته علامة وحدة و«مرآة هُويّة»، على حد تعبير عبد الله العروي، تبوّأت في التاريخ القريب والحالي للمغرب والمشرق العربيين معا مكانةً مهمة ونوعية. وفي هذه المسألة، ثمة ثلاث نقط تسترعي الانتباه، وهي: اختلاف المعنى المراد بالتعريب في المغرب والمشرق العربيين، ثم العلاقات المُراعاة إزاء تنفيذ التعريب في المغرب العربي، وأخيرا دور التعريب مقارنة بالوطنيّة Nationalisme.

 

* التعريب في المغرب والمشرق العربيين :معنى مُختلـف

قد يبعث استخدام كلمة تَعْرِيب في سياقي المغرب والمشرق العربيين على الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بعملية واحدة، إلا أنه بخلاف ذلك. فبالرجوع إلى اللفظ العربي يتيسّر لنا تحديد معنى العملية :

التَّعْرِيبُ هو اللفظ المستعمل عالمياً ويُترجَمُ إلى اللغة الفرنسية بـ «arabisation»، بمعنى جعل [الشيء] عربيا ومعناه: جعله (يجعله) عربيا، سواء أكان هذا الشيء كلمة أو واقعا، وبذلك فهو يتضمن ترجمة لغة أجنبية إلى العربية. ولكن هناك لفظ آخر هو التعرّب المشتق من فعل تعرَّبَ بمعنى (صار عربيا) / (تحول إلى عربي) s’arabiser. والمصطلح الفرنسي arabisation يخلط بين المعنيين. مع ذلك، فالمعنى الأول (تعريب) يتواءم أفضل مع وضع المشرق العربي فيما يوافق (التعرب) وضعية المغرب العربي.

 

التعريب في المشرق العربي :

يوافق التعريب في المشرق العربي وضعية محدّدةً بدقة ظهرت في القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت، جعلَ تجدّد علاقات المشرق العربي بالغرب العالمَ العربيَّ يُدركُ وجود عالم معاصر مختلف، يتميّز بتقنيّته، سيبدو متفوّقا عليه في بعض مجالات الحياة، أقلّها ميدان التقنية الذي يمكّنه من السيطرة عسكريا.

وقد رافقت الوعيَ بجمود تلك الفترة وانحطاطها إرادةٌ سعت للانتفاع من مكتسبات تلك الحضارة المختلفة عبر محاولة إدماج مكتسباتها في المجتمع العربي، أي عبر تعريبها. وكان لا بد أن ينطلق ذلك المسار من اللغة عبر تسمية الحقائق الجديدة، وبذلك طرحَت مشكلة إيجاد كلمات عربية للوقائع المختلفة، كلمات تقنية جديدة، أي مصطلحات. ظهر كل ذلك في سياق امتلاك عالَم مختلف. التعريب في المشرق العربي سيرورة شاملة تتألف من تكييف للغة وحركة للترجمة وإرادة انفتاح على وقائع جديدة، وهي العملية الطبيعية التي تقوم بها ثقافة حيّة تزدهر وتغتني بإسهام خارجي ستجعل منه جزءا منها، ستعربه.

رغم أن تلك الحركة عيشت - ربما أحيانا - بشعور مثير للقلق جراء دونية وإن كانت مؤقتة ومحدودة في مجالات بعينها، فإنها تُعَاش باعتبارها اقتلاعا من الجذور. لأن المجتمع المشرقي العربي استطاع تحقيق جهود للانفتاح انطلاقا من قواعد لغوية وثقافية مستقرة. فاللغة الأم ظلّت كما هي، راسخة بقوة في الوقائع الجهوية والمحلية. والمجهود الأساسي ركز على اللغة المكتوبة، فوجدت نفسها معنية بعالَم العلوم والتقنية والأمور الدنيوية بعد أن كانت محصورة الاستعمال في الشؤون الدينية والأدبية.

لقد ارتكزت هذه الحركة للتعريب بشكل واسع على معرفة اللغات الأجنبية، باعتماد منهجية اعتيادية متمثلةً في اكتساب التقنية باللغة الأجنبية ثم نشرها تدريجيا واستخدامها باللغة العربية. بيد أن هذه السيرورة للتعريب لم تكتمل في أي بلد من بلدان المشرق العربي. فإلى وقت قريب لم تعتمد أي جامعة عربية اللغة العربية في تدريس سائر المواد والمعارف، حيث كان بعضها لا يُلقَّنُ إلا بالإنجليزية أو بالفرنسية. وتعلق الأمر عامة بالقطاعات الأكثر تميُّزاً للتقنية أو العَصْريَّة modernité، كالعلوم والرياضيات والطب. ويجب الإشارة، من ناحية، إلى أنه تم إحياء هذه الحركة للتعريب مجددا في المشرق العربي، بعد أن كانت قد فترتْ، بتأثير من جهود التعريب المنجزة في المغرب العربي (تلك حالة العراق بالخصوص الذي أنشأ مؤسسات مكلّفة بالتعريب)، ومن ناحية أخرى، يُلاحَظ أن أي تنسيق لم يحصل في هذا المجال على الإطلاق. فالمجامع اللغوية الرئيسة ممثلة في القاهرة ودمشق وبغداد لا تتشاور في ما بينها لإدخال ألفاظ جديدة إلى اللغة العربية.

ومجمل القول إن التعريب في المشرق العربي هو حركة دينامية تأسست بدون شك على تأكيد على معاينة اختلاف وتأخر وتميزت بإرادة لتداركه. بهذا المعنى يكون التعريبُ حركة عصرنة للّغة وللمحيط وإرادة لاستيعاب إسهامات جديدة لا يُرادُ الاكتفاء باستعمالها في خارجيتها، عبر استعمال لغات أجنبية مثلا. وهذه الإرادة الدينامية التي نشأت في عصر ضَعُفت إلى حد ما فيما بعد، عندما تُركتْ قطاعات واسعة لسيطرة اللغة الأجنبية. وعدم إتمام مسعى التعريب في المشرق العربي هو ما سيسببُ مصاعب كبرى في المغرب العربي الذي ستعجز بلدانه عن العثور داخل اللغة والثقافة العربيتين على مجموع قادر على تمثيل معادل لما كانت قد اكتسبته في لغة أجنبية.

التعريب في المغرب العربي

ُطرح مشكلة التعريب من منظور مختلف تماما في بلدان المغرب العربي غداة نيلها الاستقلال، لأن هذه البلدان لا تنظر للتعريب باعتباره ضرورة للمعاصَرَة وإنما حاجة للأصَالة Authenticité.

خرجت هذه البلدان من فترة استعمار طويلة، تجاهل فيها الجهاز الاستعماري هويتها وكبح تطورها، غير أنه في الآن نفسه جعل تلك البلدان تنفتح على العالَم المعاصر، ولكن في إطار لغة أجنبية وفي سياق يُثَمِّن الحضارة الغربية بشكل مبالغ فيه. في الوقت نفسه، تم عزل المغرب العربي عن حركة تجديد اللغة العربية المنطلقة في المشرق العربي، بحث لم يعد يعرف منها سوى بعض لهجاتها أحيانا إلى جانب العربية الكلاسيكية ذات المرجعية القرآنية. وهذا الوضع واضح جدا في الجزائر التي عاشت أطول حقبة استعمار وأشد عملية تفكيك.

في ذاك الوقت، كان انشغال المغرب العربي متحورا حول الاتحاق بالعصر، لكن باستخدام لغة أجنبية. وبذلك يكون السلب الذي عانته هذه البلدان يندرج، في آن واحد، في اللغة وفي واقع التبعية للاستعمار. لذلك تم السعي لاستعادة لغة تطابق هوية خاصة قصد التعبير بداخلها (أي اللغة) عما لم يكن حتى ذاك الوقت سوى إسهام أجنبي. ومن هنا ستتضاعف العوائق. فاللغة العربية كانت إما غير معروفة أو معروفة لكن بشكل محدود غير عملي بما فيه الكفاية لتدبير مجتمع عصري. أخيرا، فما تحقق في المشرق العربي على الصعيدين اللغوي والتكنولوجي لم يكن بوسعه أن ينافس التأثير الثقافي الغربي في المغرب العربي.

لهذه الأسباب مجتمعة، سيتم إدراك التعريب في المغرب العربي، في صلته بالعصرية، باعتباره نكوصا، حيث صار السؤال هو: لماذا كل هذه الصعوبة في التعبير باللغة العربية عما يُعبَّر عنه بسهولة بالفرنسية؟ ويتعلق هنا بما يُشبه شللا كبيرا يحرم حركة التعريب في المغرب العربي من الوهج الدينامي والتقدّمي الذي اكتسبته نظيرتها في المشرق العربي.

هذا العائق هو من الوجود بحيث يدفع إلى التساؤل عن أي حوافز يمكن أن تشجع على التعريب في المغرب العربي وتُنجحه. إنها ليست دوافع ذات طابع تقني، لأن العصرنة تتحقق أساسًا باللغة الفرنسية، التي بها يسيَّرُ الجهاز الاقتصادي والإداري وبها يُنشر التعليم. الحافز الأساسي على العكس، وهنا أين يظهر فرق جذري عن وضعية التعريب في المشرق، هو البحث عن شخصية مختلفة. هذه الشخصية تحظى بتعلق كبير، تتأصل في التاريخ والثقافة والدِّين ولكنها تًدرك في الآن نفسه باعتبارها متعارضة مع الشخصية الغربية. بتعبير أدق، يتعلق الأمر بإعادة إدراج عنصر أساسي في الشخصية المغاربية كان الاستعمار قد بَترهُ.

منظوران مختلفان للتعريب والهُوِيَّة

إن كان المشرق العربي قد استطاع أن يعيش التعريب باعتباره سيرا نحو التقدم، فإن المغرب العربي كاد أن يعيشه باعتباره تقهقرا مقارنة بالمرحلة التي كان قد بلغها. فعلا، فقد وجد التعريب نفسه في هذه المنطقة مرتبطاً ليس بالعصرية، ولكن بالهُوِيَّة. فخلال فترة الاستعمار تكوَّنت لدى المغرب العربي نظرة أسطورية mythique عن المشرق العربي تعتبره معقل الأمة العربية الأصلي ومرتكز هوية أساسية.

وقد قوَّى الدّعم المقدّم لحركات تحرير المغرب العربي جاذبيّة هذه الصورة ممثلة بالخصوص في رمز شخصية الزعيم المصري جمال عبد الناصر. أما المشرق العربي، فقد كان يحمل عن المغرب العربي صورة مخالفة، إذ اعتبره دونه عروبة وإسلاما، لسببين: الأولُ أهمية أعداد السكان المغرب الذين، لكونهم يتكلمون لغة غير عربية، فإنهم كانوا يبدون بمثابة جزر صغيرة أفلتت من عملية التعريب-الأسلمة، ومن ثمة فإنهم يشهدون على نحو ما، من خلال بقائهم، على عدم اكتمال تلك العملية. أما السبب الثاني، فيتمثل في الاستعمال الذي، من خلال توسيعه استعمال اللغة العربية، فإنه جرَّد من العروبة ما كان غير عربي بما فيه الكفاية.

لهذه الأسباب المختلفة، كان التعريب يبدو بمثابة شرط ضمني، لكنه حقيقي، وضعه المشرق العربي على المغرب العربي لإعادة إدماجه كاملا في الأمة العربية. وكان ذلك بقدرة الإدماج الجديد وحده أن يضن للمغرب العربي اعترافا بهويته العربية الإسلامية، والتي أحس غداة الاستقلال بحرمانه منها. هذا هو السياق الذي اندرجت فيه سياسات التعريب في المغرب العربي.

التعريب وإسهام المشرق العربي

في سياسات التعريب المتبعة في المغرب العربي وتونس، ابتداء من 1956، ثم في الجزائر ابتداء من 1962، تم استهداف قطاع التعليم في المقام الأول، أما تعريب الإدارة فقد طرح مشكلة تعليم اللغة العربية للكبار. في حين، لم تشمل تدابير التعليم القطاع الاقتصادي إلا بشكل نسبي وقليل.

في التعليم الابتدائي، تمثلت الطريقة المتعبة في تعريب السنة الأولى كليا، ثم السنة الثانية، فالثالثة، إما كليا (كما في حالة الجزائر) أو بالإبقاء على السنوات الأخيرة مزدوجة اللغة.

في التعليمين الثانوي والعالي، تم التعريب حسب المواد، فكان الأدبي منها هو أول من عرب. أما المواد التقنية والعلمية، فإما تركت كليا على هامش التعريب أو عربت، لكن بإيقاع بطيء جدا مع الاحتفاظ بتخصصات تدرس بلغة أجنبية.

إذا كان للحذر المتوخى في تلك الخيارات مبررات براغماتية، فإنها أدت على الأقل إلى انتقاص من قيمة القطاع المعرب مقارنة مع القطاعات المفرنسة التي صارت رمزا للعصرية، بل وحتى للنجاح الاجتماعي. ولكن الحذر السابق يعكس أيضا مشكلة تخلف المجال الثقافي العربي في تلك الميادين. ولإنجاح هذا التعريب، لم تكن بلدان المغرب العربي تتوفر على العدد الكافي من المدرسين اللازمين ولا على الكتب المدرسية.

إذا كان المغرب وتونس قد استطاعا الحفاظ خلال الحقبة لاستعمارية على بعض مؤسسات تعليم اللغة العربية، فإن الجزائر لم تتوفر سوى على معربين تلقوا تكوينهم في الكتاتيب القرآنية ومدارس القطاع الخاص، وبذلك وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى التعاون الثقافي مع المشرق العربي.

وقد مارست البلدان الثلاثة هذا التعاون بكيفية غير متساوية: فتونس، بسبب توتر علاقاتها مع المشرق خلال السنوات الأولى للاستقلال وبسبب توفرها على مواردها الذاتية على صعيد الأطر مزدوجة اللغة والمعربة، اعتمدتْ على نفسها فلم تستقبل إلا بعد سنوات 1970 عددا محدودا من المدرسين المشارقة في التعليمين الثانوي والعالي. وبالموازاة مع ذلك، كانت المصالح البيداغوجية التونسية تؤلف كتبها المدرسية لتعليم اللغة العربية باعتماد مناهج عصرية.

أما المغرب، فقد استقدم في عام 1956 34 أستاذا مصريا و34 معلما سوريا لدعم إطلاق تعليم معرب. وقد نظم هذا البلد في عام 1962 أول مؤتمر للتعريب بالرباط. وفي عام 1962، تم فتح معهد مصري بمدينة الرباط لتكوين أساتذة الرياضيات والعلوم باللغة العربية. في السنة نفسها تم فتح معهد عراقي بمدينة الدار البيضاء لتكوين أساتذة لتدريس التاريخ والجغرافيا باللغة العربية. ولكن تلك المؤسسات سرعان ما أغلقت في عام 1963 بسبب تدهور علاقات المغرب بمصر أساسا لانحيازها إلى جانب الجزائر إبان نزاعها الحدودي مع المغرب. فيما بعد، تم استئناف تعاون في التعليم العالي، لكن ضمن سياق حساس دوما لتقلبات الوضع السياسي.

والجزائر هي البلد الوحيد الذي تحقق فيه تعاون مستمر مع المشرق. في أعوام الاستقلال الأولى، تم توظيف مدرسين مشارقة، مصريين أساسا، في التعليم الابتدائي. بيد أن السلطات البيداغوجية سرعان ما فضلت فصلهم عن هذا القطاع، لأن الرأي العام لم يستسغ أولئك المتعاونين، فاعتبرهم غير أكفاء، وهو زعم لا يمكن تأكيده أو نفيه في الواقع، والتلاميذ آخذوهم على مخاطبتهم إياهم باللهجة المصرية، أي بلغتهم الأم؛ ولكن من البديهي أن أولئك الأطفال لم يكن في وسعهم فهم العربية الكلاسيكية لو كانت هي لغة الحديث. والحقيقة أن أولئك المدرسين كانوا عاجزين عن مخاطبة التلاميذ لا باللهجة الجزائرية ولا بالبربرية ولا بالفرنسية. أخيرا، فإن المفتشين الجزائريين آخذوهم على نقصهم البيداغوجي، وهذه نقطة هامة سنعود إليها لاحقا.

وابتداء من سنتي 1967-1968، تم عموما سحب المدرسين المشارقة من التعليم الابتدائي لاستخدامهم في التعليمين المتوسط والثاوي والجامعي. في أثناء ذلك، أصرت نكسة عام 1967 بعمق بحضوة المشرق لدى المغرب العربي. واستمر التعاون بعد ذلك، فحل تدريجيا مدرسون وطنيون معربون محل المتعاونين المشرقيين.

سوء التفاهم البيداغوجي

كشفت المسألة البيداغوجية عن وجود خلاف ثقافي كبير بين المغرب والمشرق العربيين. فمفتشو التعليم الابتدائي الجزائريون تلقوا تعليمهم في المدرسة الفرنسية، ضمن بيداغوجيا تهدف إلى إيقاظ ذكاء الطفل وجعله قادرا على الانفتاح على عالم مختلف، وعلى تفضيل التفكير الشخصي على الحفظ والاستظهار، من أجل القدرة على التكيف مع عالم في تحول دائم.

لقد أراد المفتشون الجزائريون نقل هذا التوجه البيداغوجي، رغم مثاليته، إلى تعليم اللغة العربية، وبذلك استنسخوا باللغة العربية سائر تمارين اللغة الفرنسية، وهو ما لم يفت المدرسون المشرقيون ملاحظته، بيد أن الجزائريين كانوا يرون في كل طريقة تدريسية أخرى نوعا من التقهقر والنكوص.

فالبيداغوجيا المعتمدة في التعليم التقليدي للغة العربية كانت من نوع آخر، إذ كانت تقوم قبل كل شيء على نقل مخزون يجب الحفاظ عليه؛ وهو مفهوم حاضر في الاصطلاح العربي «حفظ» الذي يعني في آن واحد «تعلم» و«حفظ عن ظهر قلب» و«حفظ الوديعة وحافظ عليها». والمثال المحتذى في ذلك طريقة تعليم القرآن للأطفال الصغار، حيث يُلزمون بحفظه عن ظهر قلب دون الاكتراث بتفسيره لهم، كما لو كان الفهم سيتجلى بعد ذلك تلقائيا جراء الحفظ الجيد. في حالة القرآن، كان الأمر يتعلق طبعا بنقل طقوسي تلقيني. ومع ذلك، فقد تم تصور البيداغوجيا وفق النموذج نفسه: المعرفة شيء يُنقل ويُتناقل، وأفضل طريقة لامتلاكها هو حفظها عن ظهر قلب. هذا التصور له سلبيات قليلة في سياق تكون فيه المعارف في حالة استقرار، ولكن سلبياته تتزايد في فترات التحول.

ويبدو أن هذه الطريقة كانت تشكل البيداغوجيا التلقائية التي كان يزاولها المدرسون المشارقة في كافة الأسلاك التعليمية. فالأستاذ فلان لمادة الجغرافيا كان يمنح أعلى نقطة في الجامعة للطلبة الذين كانوا يعيدون إليه بضاعته كاملة، بدون زيادة ولا نقصان، في حين يمنح نقطا أقل للذين كانوا يعيدونها إليه ناقصة. لا يتعلق الأمر هنا برسم صورة كاريكاتورية لهيأة تدريس كانت، كسائر الهيآت، تتضمن عناصر جيدة وأخرى أقل جودة، ولكن فقط للتشديد على عمق الاختلاف الثقافي المتضمن في الممارسات البيداغوجية.

وإذا كان من المحتمل أن أغلب بلدان المشرق العربي قد بادرت إلى العمل ببيداغوجيا متجددة، فإن المتعاونين المشارقة الذين وفدوا إلى الجزائر مارسوا بالأحرى تعليما تقليديا وهو ما بدا بوضوح، ومن ثمة ساهم في تقوية النزعة التقليدية للمدرسين الجزائريين ذوي الثقافة المعربة المحضة بسبب عزلتهم السابقة عن المشرق على مستويي اللغة وطرق التدريس على السواء.

منظوران مختلفان للتعريب والهُوِيَّة

إن كان المشرق العربي قد استطاع أن يعيش التعريب باعتباره سيرا نحو التقدم، فإن المغرب العربي كاد أن يعيشه باعتباره تقهقرا مقارنة بالمرحلة التي كان قد بلغها. فعلا، فقد وجد التعريب نفسه في هذه المنطقة مرتبطاً ليس بالعصرية، ولكن بالهُوِيَّة. فخلال فترة الاستعمار تكوَّنت لدى المغرب العربي نظرة أسطورية mythique عن المشرق العربي تعتبره معقل الأمة العربية الأصلي ومرتكز هوية أساسية.

وقد قوَّى الدّعم المقدّم لحركات تحرير المغرب العربي جاذبيّة هذه الصورة ممثلة بالخصوص في رمز شخصية الزعيم المصري جمال عبد الناصر. أما المشرق العربي، فقد كان يحمل عن المغرب العربي صورة مخالفة، إذ اعتبره دونه عروبة وإسلاما، لسببين: الأولُ أهمية أعداد السكان المغرب الذين، لكونهم يتكلمون لغة غير عربية، فإنهم كانوا يبدون بمثابة جزر صغيرة أفلتت من عملية التعريب-الأسلمة، ومن ثمة فإنهم يشهدون على نحو ما، من خلال بقائهم، على عدم اكتمال تلك العملية. أما السبب الثاني، فيتمثل في الاستعمال الذي، من خلال توسيعه استعمال اللغة العربية، فإنه جرَّد من العروبة ما كان غير عربي بما فيه الكفاية.

لهذه الأسباب المختلفة، كان التعريب يبدو بمثابة شرط ضمني، لكنه حقيقي، وضعه المشرق العربي على المغرب العربي لإعادة إدماجه كاملا في الأمة العربية. وكان ذلك بقدرة الإدماج الجديد وحده أن يضن للمغرب العربي اعترافا بهويته العربية الإسلامية، والتي أحس غداة الاستقلال بحرمانه منها. هذا هو السياق الذي اندرجت فيه سياسات التعريب في المغرب العربي.

التعريب وإسهام المشرق العربي

في سياسات التعريب المتبعة في المغرب العربي وتونس، ابتداء من 1956، ثم في الجزائر ابتداء من 1962، تم استهداف قطاع التعليم في المقام الأول، أما تعريب الإدارة فقد طرح مشكلة تعليم اللغة العربية للكبار. في حين، لم تشمل تدابير التعليم القطاع الاقتصادي إلا بشكل نسبي وقليل.

في التعليم الابتدائي، تمثلت الطريقة المتعبة في تعريب السنة الأولى كليا، ثم السنة الثانية، فالثالثة، إما كليا (كما في حالة الجزائر) أو بالإبقاء على السنوات الأخيرة مزدوجة اللغة.

في التعليمين الثانوي والعالي، تم التعريب حسب المواد، فكان الأدبي منها هو أول من عرب. أما المواد التقنية والعلمية، فإما تركت كليا على هامش التعريب أو عربت، لكن بإيقاع بطيء جدا مع الاحتفاظ بتخصصات تدرس بلغة أجنبية.

إذا كان للحذر المتوخى في تلك الخيارات مبررات براغماتية، فإنها أدت على الأقل إلى انتقاص من قيمة القطاع المعرب مقارنة مع القطاعات المفرنسة التي صارت رمزا للعصرية، بل وحتى للنجاح الاجتماعي. ولكن الحذر السابق يعكس أيضا مشكلة تخلف المجال الثقافي العربي في تلك الميادين. ولإنجاح هذا التعريب، لم تكن بلدان المغرب العربي تتوفر على العدد الكافي من المدرسين اللازمين ولا على الكتب المدرسية.

إذا كان المغرب وتونس قد استطاعا الحفاظ خلال الحقبة لاستعمارية على بعض مؤسسات تعليم اللغة العربية، فإن الجزائر لم تتوفر سوى على معربين تلقوا تكوينهم في الكتاتيب القرآنية ومدارس القطاع الخاص، وبذلك وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى التعاون الثقافي مع المشرق العربي.

وقد مارست البلدان الثلاثة هذا التعاون بكيفية غير متساوية: فتونس، بسبب توتر علاقاتها مع المشرق خلال السنوات الأولى للاستقلال وبسبب توفرها على مواردها الذاتية على صعيد الأطر مزدوجة اللغة والمعربة، اعتمدتْ على نفسها فلم تستقبل إلا بعد سنوات 1970 عددا محدودا من المدرسين المشارقة في التعليمين الثانوي والعالي. وبالموازاة مع ذلك، كانت المصالح البيداغوجية التونسية تؤلف كتبها المدرسية لتعليم اللغة العربية باعتماد مناهج عصرية.

أما المغرب، فقد استقدم في عام 1956 34 أستاذا مصريا و34 معلما سوريا لدعم إطلاق تعليم معرب. وقد نظم هذا البلد في عام 1962 أول مؤتمر للتعريب بالرباط. وفي عام 1962، تم فتح معهد مصري بمدينة الرباط لتكوين أساتذة الرياضيات والعلوم باللغة العربية. في السنة نفسها تم فتح معهد عراقي بمدينة الدار البيضاء لتكوين أساتذة لتدريس التاريخ والجغرافيا باللغة العربية. ولكن تلك المؤسسات سرعان ما أغلقت في عام 1963 بسبب تدهور علاقات المغرب بمصر أساسا لانحيازها إلى جانب الجزائر إبان نزاعها الحدودي مع المغرب. فيما بعد، تم استئناف تعاون في التعليم العالي، لكن ضمن سياق حساس دوما لتقلبات الوضع السياسي.

والجزائر هي البلد الوحيد الذي تحقق فيه تعاون مستمر مع المشرق. في أعوام الاستقلال الأولى، تم توظيف مدرسين مشارقة، مصريين أساسا، في التعليم الابتدائي. بيد أن السلطات البيداغوجية سرعان ما فضلت فصلهم عن هذا القطاع، لأن الرأي العام لم يستسغ أولئك المتعاونين، فاعتبرهم غير أكفاء، وهو زعم لا يمكن تأكيده أو نفيه في الواقع، والتلاميذ آخذوهم على مخاطبتهم إياهم باللهجة المصرية، أي بلغتهم الأم؛ ولكن من البديهي أن أولئك الأطفال لم يكن في وسعهم فهم العربية الكلاسيكية لو كانت هي لغة الحديث. والحقيقة أن أولئك المدرسين كانوا عاجزين عن مخاطبة التلاميذ لا باللهجة الجزائرية ولا بالبربرية ولا بالفرنسية. أخيرا، فإن المفتشين الجزائريين آخذوهم على نقصهم البيداغوجي، وهذه نقطة هامة سنعود إليها لاحقا.

وابتداء من سنتي 1967-1968، تم عموما سحب المدرسين المشارقة من التعليم الابتدائي لاستخدامهم في التعليمين المتوسط والثاوي والجامعي. في أثناء ذلك، أصرت نكسة عام 1967 بعمق بحضوة المشرق لدى المغرب العربي. واستمر التعاون بعد ذلك، فحل تدريجيا مدرسون وطنيون معربون محل المتعاونين المشرقيين.

سوء التفاهم البيداغوجي

كشفت المسألة البيداغوجية عن وجود خلاف ثقافي كبير بين المغرب والمشرق العربيين. فمفتشو التعليم الابتدائي الجزائريون تلقوا تعليمهم في المدرسة الفرنسية، ضمن بيداغوجيا تهدف إلى إيقاظ ذكاء الطفل وجعله قادرا على الانفتاح على عالم مختلف، وعلى تفضيل التفكير الشخصي على الحفظ والاستظهار، من أجل القدرة على التكيف مع عالم في تحول دائم.

لقد أراد المفتشون الجزائريون نقل هذا التوجه البيداغوجي، رغم مثاليته، إلى تعليم اللغة العربية، وبذلك استنسخوا باللغة العربية سائر تمارين اللغة الفرنسية، وهو ما لم يفت المدرسون المشرقيون ملاحظته، بيد أن الجزائريين كانوا يرون في كل طريقة تدريسية أخرى نوعا من التقهقر والنكوص.

فالبيداغوجيا المعتمدة في التعليم التقليدي للغة العربية كانت من نوع آخر، إذ كانت تقوم قبل كل شيء على نقل مخزون يجب الحفاظ عليه؛ وهو مفهوم حاضر في الاصطلاح العربي «حفظ» الذي يعني في آن واحد «تعلم» و«حفظ عن ظهر قلب» و«حفظ الوديعة وحافظ عليها». والمثال المحتذى في ذلك طريقة تعليم القرآن للأطفال الصغار، حيث يُلزمون بحفظه عن ظهر قلب دون الاكتراث بتفسيره لهم، كما لو كان الفهم سيتجلى بعد ذلك تلقائيا جراء الحفظ الجيد. في حالة القرآن، كان الأمر يتعلق طبعا بنقل طقوسي تلقيني. ومع ذلك، فقد تم تصور البيداغوجيا وفق النموذج نفسه: المعرفة شيء يُنقل ويُتناقل، وأفضل طريقة لامتلاكها هو حفظها عن ظهر قلب. هذا التصور له سلبيات قليلة في سياق تكون فيه المعارف في حالة استقرار، ولكن سلبياته تتزايد في فترات التحول.

ويبدو أن هذه الطريقة كانت تشكل البيداغوجيا التلقائية التي كان يزاولها المدرسون المشارقة في كافة الأسلاك التعليمية. فالأستاذ فلان لمادة الجغرافيا كان يمنح أعلى نقطة في الجامعة للطلبة الذين كانوا يعيدون إليه بضاعته كاملة، بدون زيادة ولا نقصان، في حين يمنح نقطا أقل للذين كانوا يعيدونها إليه ناقصة. لا يتعلق الأمر هنا برسم صورة كاريكاتورية لهيأة تدريس كانت، كسائر الهيآت، تتضمن عناصر جيدة وأخرى أقل جودة، ولكن فقط للتشديد على عمق الاختلاف الثقافي المتضمن في الممارسات البيداغوجية.

وإذا كان من المحتمل أن أغلب بلدان المشرق العربي قد بادرت إلى العمل ببيداغوجيا متجددة، فإن المتعاونين المشارقة الذين وفدوا إلى الجزائر مارسوا بالأحرى تعليما تقليديا وهو ما بدا بوضوح، ومن ثمة ساهم في تقوية النزعة التقليدية للمدرسين الجزائريين ذوي الثقافة المعربة المحضة بسبب عزلتهم السابقة عن المشرق على مستويي اللغة وطرق التدريس على السواء.

نشر إيديولوجيات مختلفة

من تأثيرات الاستعمار على المغاربة أنه جعلهم يستضمرون هم أنفسهم التفوق المطلق للثقافة الغربية، أحيانا إلى حد فقدان الثقة نهائيا في قيمهم الخاصة. وهذا الشعور الذي قلما يراه المغاربون بوضوح، كان يتجلى بوضوح للمدرسين المشارقة الذين كانت كفاءتهم، مهما بلغت، لا تقدر إلا بحسب اندماجهم في الثقافة الغربية. وبذلك، اضطر بعضهم لتعلم اللغة الفرنسية لأنه لاحظ أن الإدارة الجزائرية (أو على الأقل بعض عناصرها) كانت تنظر إلى جهلهم بهذه اللغة باعتباره علامة على تخلف عميق ليس إلا.

ولم يكن رد فعلهم سوى إثبات صارم لهويتهم العربية التي كان المغاربيون غالبا ما يفسرونها باعتبارها بمثابة تعاظم وعجرفة. ومع أن هذا السوء للتفاهم أساسي لفهم الثقافتين وجوهر اختلاف التعريب بينهما، فإن عمقه نادرا ما تناوله الباحثون بالدراسة لأن الحديث عنه عسير.

لقد تم تخفيف حدة رد الفعل «العربية» لأولئك المدرسين المشرقيين، ولكن بشكل عدواني في بعض الأحيان، مضى إلى حد اتهام التلاميذ بأنهم ليسوا عربا ولا مسلمين بما فيه الكفاية، بل مضى أحيانا إلى حد أخذ معه شكل استنطاق للتلاميذ لدفعهم للتشهير بالممارسات السيئة لآبائهم أو أفراد محيطهم، كشرب الخمر أو الكلام بالفرنسية، أو ارتداء ملابس غير لائقة، وعدم ارتداء الحجاب، الخ. بما جعل العديد من المغاربيين البالغين يظنون أن نجاح الحركات الأصولية في استقطاب الشباب إنما هو نتيجة لتلك الممارسات.

لقد كان من بين أولئك المدرسين طبعا مناضلون من أجل القضية العربية. لن نحاول هنا تقويمهم من الناحية الكمية، لكن لاشك في وجود عملية دعاية، تمت على واجهتين:

الأولى: الترويج لتيارات أصولية مرتبطة بالإخوان المسلمين، يطلق عليها الرأي العام دائما هذا الاسم. وتطابق هذه الحركة تعظيما أقصى لممارسة دينية متشددة مرفوقة بتشهير صارم بأشكال الفساد والظلم الاجتماعي المرتبطين بالنمو وبنشاط الدولة.

أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في نزعة قومية غربية على النمط البعثي، ينشطها غالبا متعاونون عراقيون (وأحيانا سوريون)، وتمضي في اتجاه تعريب البلاد بشكل راديكالي. وكانت ترتكز على إيديولوجيا نضالية لفائدة الأمة العربية، وتبدي عداوة عنيفة ليس إزاء الحضور الثقافي الغربي فحسب، بل وكذلك تجاه آثار النزعات المحلية متمثلة في اللهجات، وبشكل أخص اللهجات الأمازيغية الأكثر بعدا عن العروبة.

هذان التياران الأصولي والبعثي لم يكونا ممثلين بالمتعاونين العرب فحسب، ولكن هؤلاء كانوا يشكلون قوة مُعاونة، بل ومحرضة أحيانا، لعناصر جزائرية تابعة لهما بفعل التأثيرات التي خضعوا لها أثناء إقامتهم في المشرق العربي. وقد تزايدت أهمية هذين التيارين بشكل كبير نتيجة مزاولة ممثليهما مهنة التدريس، مما مكنهم من التأثير في الشباب، ومن ثمة عندما نهجت دول المغرب العربي سياسة التعريب، فإنها سهلت نشر التيارين.

التعريب والقومية

تطرح قضية التعريب مسألة طبيعة المجتمع العربي. هناك تصور قديم أحياه في العصر الحديث تيار البعث، ويعتبر أن العالم العربي أمة واحدة ترتكز على تاريخ ولغة مشتركين. ولكن الواقع الراهن هو واقع أمم متفرقة ومتنوعة، بل وأحيانا متعارضة، ومع ذلك لا يجب تجاهل الأثر الرمزي الهام الذي تخلفه في الرأي العام موضوعات الوحدة، التي تحيل إلى سمة أساسية للهوية. وبذلك فإن النجاحات السياسية التي حققها العالم العربي ابتداء من عام 1974، عاشها المغاربيون الأقل ارتباطا بالمشرق فيما يبدو، عاشوها باعتبارها عنصر افتخار. أما تدخلات الغرب المفرطة في الشؤون الداخلية أو لصالح إسرائيل، فتوجد إزاءها حساسية عربية دولية في غاية الحيوية، وذلك بمعزل عن تصرفات الدول. ويتطابق أحد مطالب التعريب مع هذه الحساسية العربية في الوعي المغاربي، كما يتمفصل بقوة مع وعي بهوية إسلامية.

بيد أن اللغة العربية العصرية التي تميل سياسات التعريب إلى فرضها توجد في طور أوسط، وبذلك فهي تبدو في المغرب العربي بمثابة ند، غير متكافيء، بالأحرى للغة الفرنسية. كما تُدركُ باعتبارها لغة تحاول فرض نفسها في الاستعمال اليومي بواسطة وسائل الإعلام.

أما الدول، فترى فيها لغة لتكريس شرعيتها، بجعلها تستفيد من الشرعية الوحيدة المعترف بها وهي الشرعية المرتبطة بالإسلام.

ويُلاحَظ في كل هذا إلى أي حد كان المغرب العربي ضحية «وعيه الشقي» بأنه سبق وأن تعرض للاستعمار. في حين للمشرق العربي إزاء هذه المشاكل موقف أكثر براغماتية وغير مشوب باعتبارات سياسية أو ثقافية. فلهجة كل بلد هي واسعة الاستعمال حتى في التعليم. أما العربية العصرية، فمحصورة في الاستعمال الكتابي أو الرسمي. أخيرا، فاللغة الأجنبية (الأنجليزية أو الفرنسية) تتيح إبقاء الاتصال مع التكنولوجيا والعلم العصريين.

على العكس من ذلك، للمغرب العرب بلهجاته علاقات صعبة جدا مع لهجاته، خاصة في المغرب والجزائر حيث يوجد حضور هام للغة البربرية. فهناك ميلٌ لحضر استعمال هذه اللهجات، ولكن ذلك متعذر في الواقع. واللغة العربية؟؟؟. هناك تجاهل للدور التأصيلي الأول الذي قامت به هذه اللهجات. واللغة العربية العصرية يُحاوَل تعميمها ونشرها بمشقة، ولكن بدون تحديد وظيفتها الأساسية. ومحاولة إحلال هذه اللغة محل اللغة الفرنسية، علاوة على تبديها قلما تصادف تحقيرا؟؟؟، تصطدم ليس بصعوبات معرفة اللغة، بل وكذلك بغياب تعريب شامل في العالم العربي. أخيرا، فاستعمال اللغة الأجنبية، وهو متحقق وهو متحقق بشكل واسع، يتم في سياق حرج وشجب؟؟؟، بمثابة نوع من الخجل. والمغرب العربي لا يجرؤ على تقليد ما يمارسه المشرق العربي بدون مركب نقص، وهو: الاستعمال البراغماتي لتعدد لغوي مرن. وبذلك فتشدد المغرب العربي يجعله في وضعية صعبة مقارنة مع المشرق العربي الذي عرف كيف يوقظ وعي واجب تعريب ما كان قد شرع في الفتور.

خلاصـة

يتوافق التعريب في المشرق والمغرب العربيين مع حركتين مختلفتين: متطور في حالة ومتقهقر في أخرى. في المغرب العربي، تكفلت الدول بالتعريب في البداية، ضمن حركة لبناء الوحدة الوطنية، لكن الواقع أنه بفعل تنقل الأشخاص والأفكار، يميل التعريب إلى الإفلات من احتكار الدول وخلق شبكة تتردد بداخلها نداءات للوحدة العربية ولرفض الغرب.

وليس هذا البعد الجديد بمطمئن لهذه الدول التي ترى أداتها المفضلة تفلت من بين أيديها. فمن شأن هذا الحرمان أن يبديها بمثابة بنيات مغتربة، أجنبية عن جوهر العالم العربي، لا سيما وأن سياساتها التنموية عجزت عن إدماج مجموع سكانها. ومن ثمة فقد آل التكفل بالتعريب إلى حركتين متعارضتين: أصولية وبعثية.

وبذلك آل الأمر بالتعريب الذي نشدته دول المغرب العربي لصهر الكينونات الوطنية المجزأة، آل به الأمر إلى أنه قاد في الواقع إلى الانفتاح على الإيديولوجيا العربية الدولية والارتباط بمجموع عربي وإسلامي بنوع إلى الطعن في شرعية هذه الدول المصطبغة بالنزعة الغربية.

لقد أعيت هذه الحركات الدولَ فاستعصت على التحكم مؤكدة أحقيَّتها في الأمر، لذا فقد يقود هذا الوضع الدول إلى وجوب انتهاج الطريقة المشرقية في التعريب، المُؤَسَّسَة على التّعدّديّة اللّغويّة، والتقدير الواقعي للأماكن الأكثر استحقاقا للهُوية الوطنية.

 

وزارة الثقافة المغربية @ 2009-2018