باسم الله الرحمان الرحيم
المحترم السيد رئيس المؤتمر،
أصحابَ السَّعَادَةِ والسَّمَاحَةِ والفَضْل،
سيداتي سادتي،
أيها الحضور الكرام،
في مدينةِ فاس، العاصمة العِلْمية والروحية للمملكة المغربية، نلتقي اليومَ لنطْرَحَ السؤالَ الجوهري، ولنُعيدَ طَرْحَ السؤالِ العميق حول الحضارات، وحول التنوع الثقافي، وحول إِمكانيات الحوار والتواصل، أي أَننا نلتقي لنطرح السؤال الكوني مجدَّداً. وذلك لنتأمل جميعاً، مع بعضنا البعض، أَنْفُسَنا وأُفُقَنَا المشترك، ولنبحثَ مَعاً سَوِيّاً عن الإجابات الممكنة.
وإِذْ أَشْكرُكُم، مُنَظِّمينَ ومؤَطِّرِينَ، على الدعوة الكريمة، وعلى هذه الفرصة السَّانِحَة التي أُتيحتْ لي لأَحظى بلقاء أهل الفكر، وأَهل العقائد التوحيدية، وأَهل الفعل الثقافي والحضاري والإنساني الثَّرِي، إنني جئتُ لأحييكم وأُرحِّبَ بكم جميعاً – ضيوفَنا الأجلاَّء – في هذه المدينة العتيقة الكريمة التي سنحتفل بعد شَهْرٍ من الآن بمرور 1200 سنة على تأسيسها في بداية القرن التاسع الميلادي، ولأقولَ لكم بأن حواركم الحضاري والفكري والأَخلاقي يجد في فاس الفضاء الرمزي الملائم بما تمثله هذه المدينة تاريخياً ودينياً وحضارياً، وأن الفكر لا يكون ذا قيمة حقيقية إلا عندما يكون إِنسانياً، وعندما يكون متسامحاً، وعندما يتعامل مع الحقيقة البَشَرية كحقيقةٍ نِسْبيةٍ، وأَن الحقيقة الوحيدة الممكنة هي التي نَصْنَعُها جميعاً، ونَقْتَسِمُهَا جميعاً، ونبحثُ عنها جميعاً، ونهاجرُ إليها جميعاً، ونؤمن بها جميعاً.
إن الحقائق البَشرية المِطْلَقَة القائمة على أَفكار مُطْلَقَة، وعلى خِيَّاراتٍ إِيدْيولوجية أو سياسية مُطْلَقة هي التي أشعلت الحرائق ومَهَّدتِ للحروب وساهمت في الكثير من المجازر والمَحَارق والإبادات الجماعية. وفي العمق، ليس هناك صِرَاعُ حضاراتٍ، ولا صراعُ ثقافاتٍ، ولا صراع لغاتٍ، ولا صراع فنون وإبداعات، وإِنما هناك فقط صراعُ بَشَرٍ يُخْطئُ الفَهْمَ ولا يَعْرفُ كيف يتفاهم. صراع بَشَرٍ قَاصِرٍ عن إِدراكِ مَعْنَى وقيمةِ وضرورة الحوار والتكامل بين الأَفكار والمرجعيات والتيارات والأَجناس.
لذلك، أعرفُ أن هذا المؤتمر الدولي سيطرح الأَسئلة الضرورية حول الدين والثقافة، وحول الحضارات والعَوْلَمَة، وحول أنواع الحوار وقيَمه وصِيَّغه وإِمكانياته، وحول التنوع الثقافي والإِبداعي.. وما إِلى ذلك من المَحَاوِر الأَساسية. وإِذْ أَتمنَّى لأَشغال مؤتمرنا هذا النجاح والتوفيق، آمُلُ إِنْ شاءَ الله أن نجد في أَوراق المؤتمر وتوصياته وفي إعلان فاس الختامي ما يسَاعِدُنا على العثور على المفاهيم والكلمات التي تصنعُ ثقافةَ الحوار وتُبْعِدنا عن أَسباب التَّبايُن التي تُنْتجُها طبيعة اللغاتِ المتعددة أكثر مما تُعبّر عن إِرادة في الاختلافِ والصراع.
إننا في حاجةٍ إلى صياغةِ ميثاقٍ كوني حول المُوَاطَنَةِ العَالَمية. وذلك لنَضْمن لأَنفُسنا ولأَبنائنا وبناتِنا إِمكانية الانتماء إلى العَالَم، وإِمكانية أَن نَعْرفَ أَنفُسنا مقارَنَةً بغَيْرِنا، وأَن نَعْرِفَ غيرَنا دُونَ أَحكامٍ مسْبَقَة، ودونَ مَشَاعِرَ مُغْلَقَة، ودون تَصَوُّراتٍ جماعيةٍ خياليةٍ أو غَيْرِ موضوعيةٍِ.
وأَظن أَن على مؤتمراتِنَا أَن تَتَّجِهَ بخِطَابِها، وبأَفكارها، وبتوصياتها، وبإجراءاتها إلى عموم الناس بدلاًَ من أن تبقى مجرد دراساتٍ وأَطاريحَ تَقْرؤُهَا الخَاصَّةُ من النَّاس. ولي ثقة في أنكم تدركون أهمية مثل هذا التَّوَجُّه إلى النَّاس، وتعرفون أن الفكرة تَصِلُ وتنتشر أكثر عندما تَصِلُ عبر الفيلم السينمائي والمسلسل الدرامي التلفزيوني، وعَبْر الأُغنيةِ والنَّشيد.
مرةً أُخْرى، شكراً على كَرَمِ الدَّعْوة وفَضْلِ الاهتمام، وَمرحباً بضيوف المغرب الأَجلاَّء – أَصحابِ المعالي والسعادة والسَّماحَة – في مغربٍ جديدٍ يعطي المثال، المرَّةَ تِلْوَ المرَّة، على رهانِهِ الكبير على قيم الحوار والتسامح، وعلى أَهمية الفعل الثقافي في الانتقال إلى المستقبل، وفي تحريكِ مشاريع التنمية، وفي فهم الشعوب والحضارات واللغات وتكامُل بَعْضِها مع بعضٍ. وهذا ما ظَلَّ يردِّده صاحبُ الجلالة الملك محمد السادس أَعَزَّ اللهُ أَمْرَه في كلماتِهِ ورسائِلهِ السامية لإيمانه العميق بالدور الثقافي والحضاري، ولإدراكهِ حَفِظَهُ الله بِأن المغرب يَصْلُح كمثالٍ حَيٍّ، عَبْر التاريخ، على أَن التعدد الثقافي أو التنوع الثقافي لا يَنْتُج عَنْهُ بالضرورة تَبَايُنٌ في المعْنَى والدلالات.
شكراً لكم، والسلامُ عليكم ورحمةُ اللَّه وبرَكَاتُه |