أصحاب السعادة
سيداتي سادتي
أود في البداية أن أرحب بكم
جميعا في هذا اللقاء، على أرض المغرب، وأن أتمنى لكم مقاما طيبا
وندوة جيدة.
إني أرحب بكم باسم الحكومة المغربية وباسم المثقفين والمبدعين
المغاربة الذين حضروا لهذه الندوة و أؤكد لكم حرصنا المشترك على
أن تكون فضاء حرا للحوار والتبادل، لأن المملكة المغربية وعلى
رأسها جلالة الملك محمد السادس حريص كل الحرص على توفير الحرية
والاستقلالية لهذا المنتدى الذي نتمنى أن يصبح تقليدا منتظما،
لضمان بناء جسور متينة بين عوالمنا المختلفة.
إن فكرة هذا الحوار نابعة من تصور ثقافي لدور المغرب في محيطه،
لقد كان هذا البلد دائماً معبراً لتيارات بشرية وحضارية مختلفة،
وقد مكنه ذلك من تجربة متميزة في التلاقح الثقافي بين الأمازيغ
والعرب والأفارقة والأوروبيين وانبثقت من كل ذلك تقاليد عريقة
في التعايش والتفاعل انبنت عليها مسارات ثرية لعب المغرب فيها
دور صلة الوصل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وبين أطراف إفريقيا..
وفي عالم اليوم حيث تحوم شكوك كبيرة حول إمكانيات اللقاء والتفاهم
بين هذه الضفاف كلها، فإن المملكة المغربية تود أن تقترح على حملة
الأفكار والقيم الإنسانية المشتركة حواراً يساهم في تبديد هذه
الشكوك وإعادة الأمل لأجيال من الشباب فتحت أعينها على صدامات
مرعبة يشكل فيها رفض الآخر صلب العداء المتبادل.
لقد نشطت في العقود الأخيرة، وبسبب الإدراك المشترك لمخاطر التوترات
الثقافية، أحاديث متعددة عن ضرورة الحوار بين الثقافات ومنها ما
امتد إلى ضرورة الحوار بين الديانات أيضا على اعتبار ما أصبحت
تنتجه من تيارات تطرفية خطيرة. وبينما تناسلت هذه الأحاديث بفعل
صداها المتضخم في الإعلام، شهد العالم تصاعد توترات اثنية وثقافية
ودينية في كل أنحاء العالم منها ما أنتج حروباً أهلية ومنها ما
أنتج حروباً عرقية ومنها ما أنتج عنفا استعماريا وعنفا مضادا،
ومنها ما أنتج حركات إرهابية لم تعد تعرف الحدود في عالم اليوم..
ولقد شاهدنا عقب كل تأزم من هذا النوع إحالات على الجذور الإنسانية
للعائلات الكبرى التي ينتظم فيها فكر و إبداع البشرية على اعتبار
أنها جذور منتجة لقيم التسامح والتآلف، حيث لم تنجح حتى الآن أية
تجربة حضارية قائمة على الوحدة، لأن التجربة التي تستطيع أن تتحول
إلى ملك إنساني مشترك هي تلك التي تقوم على حد أدنى من التعدد،
حتى الأديان والكتب السماوية قامت على مبدأي التحويل والتراكم.
لكن هذه الإحالة على المنابع العميقة تبدو أحيانا مثل يوطوبيا
حالمة، إذ ما الذي يجعل منابع صافية وعذبة تنتج مثل هذه الفظاعات،
أو ليس من حقنا أن نتساءل عما أنتجته ثقافاثنا خلال قرون متتالية
من رؤى وأفكار قد لا تكون بالضرورة موصلة إلى حد أدنى من التعايش
؟ أليس من حقنا أن نتساءل عما إذا لم يكن الحديث المتضخم عن حوار
الثقافات هو نوع من التعويض نجابه به تعدد الصراعات الدامية القائمة
بين الهويات والثقافات في عالم لم تعد فيه الأراضي المشاعة للفتح
جغرافيات بشرية وطبيعية، بل مساحات ثقافية.
لأجل ذلك وضعنا لهذا اللقاء عنوانا استفهاميا يكشف شكنا وحذرنا
وتخوفنا وأملنا أيضا خصوصا في هذا الجزء من العالم الذي أصبح تحت
المجهر وأعني بها العالم العربي الإسلامي.
إن الحوار ليس مجرد رياضة ذهنية، إنه مسار متعدد الأبعاد، له منطلقات
معرفية، ومنهجية تعطي الاعتبار لضرورة الاختلاف والتعدد، ونتائج
عملية تمنح إمكانات فعلية للتبادل والتقارب واكتشاف الآخر.
لذلك لابد أن نستحضر الخيبات المتراكمة في عالمنا بسبب الطابع
الشكلي أحيانا الذي يسم هذا الحوار، حيث يظل بعيدا عن صياغة أجوبة
ملموسة في ساحات النزاع، و في أوضاع الثقافات المهمشة و من أخطر
هذه الخيبات ما يعبر عن نفسه بانصراف الشباب عن المشاركة في الحياة
العامة، و انخراطهم بحماس و أمل في بناء عالمهم.
إن ظهور بعض الصراعات الاقليمية بمظهر المشاكل التي لا أفق لها
واستفحال الفوارق بين المجتمعات الغنية والفقيرة، وعجز البعد الانساني
للثقافات على العثور على طريقه إلى القرارات السياسية باحلال صيغ
للسلام و التعايش كل هذا يعدد مكامن التوتر و الرفض المتبادل و
يجعل مجتمعات بأكملها مغلقة في وجه أي حوار منتج، و في خضم ذلك
تترعرع التيارات العدمية و المتطرفة و يعلو صوت العنف على كل الأصوات.
إننا مقتنعون بأن الحوار بين الثقافات ممكن و ضروري، و لكننا مقتنعون
أيضا بأن أفضل السبل لجعل هذا الحوار حاملا للأمل، و بانيا لجسور
الثقة هو أن يكون أداة مستمرة لصياغة حلول ممكنة. و في هذا الإطار
ندعو إلى بلورة تيار ثقافي عام للدفاع عن السلم و التضامن و لمواجهة
دعاوى التطرف و الإرهاب و لمناصرة نظام ثقافي دولي يحفظ تعددنا
الثقافي و يسعى إلى حمايته، و يمنع الثقافات المهيمنة من تسليع
الإبداع الإنساني و جعله مجرد بضاعة تخضع لقوانين السوق العمياء.
إن إعادة تملك الثقافات الإنسانية في تعددها و اختلافها يقتضي
إقامة نظام لانتقال هذه الثقافة و تداولها على نطاق واسع، و من
البديهي ان العلاقات الاقتصادية الدولية لا تسمح اليوم بذلك، بل
تفرض نموا في اتجاه واحد تستغل فيه الصناعات الثقافية الكبرى كثيرا
من إبداع العالم في شروط مجحفة لا تبيح أي حوار متكافئ بين الثقافات،
و فيما تفرض هذه الصناعات الكبرى نمطا أحاديا بقوة السوق تستمر
شعوب مختلفة في إبداعها الصامت مستلهمة في أحيان كثيرة روح ثقافات
ألوفية ساهمت الانسانية في حفظها و انتقالها حتى الآن.
إن من شروط نجاح حوارنا الثقافي أن ننصت لهذا الإبداع بتعبيراته
الجريئة و الذي يعد في كثير من البلدان المنبع الوحيد للحرية و
الكرامة و سيكون في هذا الإنصات المشترك ما يجعلنا نتعرف على ملامح
المجتمعات التي تولد تحت بصرنا و التي هي أبعد ما تكون عن صورة
المجتمعات المعتمة المشدودة إلى الماضي أو الخائفة من المستقبل.
نعم، حوار الثقافات ممكن إذا لم نجعل منه مجرد تعبير دفاعي تجاه
العنف الذي يحمله كل يوم انسداد الآفاق. إنه ممكن وضروري للخروج
من منطق حماية الهوية الخالصة إلى منطق صياغة هويات متعددة قابلة
للاغتناء كل يوم بما يوفره الإنسان من انتصارات يومية باهرة على
المسافات والحدود.
