| فاطمة
المرنيسي
الشعيبية أو الصدق الفني
في هذه الرسالة التي لن تقرئيها, عزيزتي الشعيبية – لأنك مثل
أمي لم تتعلمي تهجية الحروف أو لم يلقونك دروس محو الأمية كما
يقول الموظفون - أود أن أقول لك بلغة أجنبية مقدار الإعجاب والحب
اللذين أكنهما لك واللذين قد لا أوفق في التعبير عنهما جيدا بعاميتنا
.
إنني معجبة بك لأنك تمكنت، في مجتمع مبرمج لإهانة المرأة, من
إحباط المخططات وتفكيك الآليات, دونما تعمد و مجردة من كل سلاح,
لأن البحث عن الكرامة صار هو رد الفعل الأكثر تلقائية للبقاء وللحياة,
بشهادات أو بدونها .
فبعض المجتمعات، كما تعلمين، تنظم إذلال الفرد مثلما تنظم الاحتياط
الاجتماعي أو العطل المؤدى عنها... وفي مجتمعنا، جرت العادة على
اعتبار اللواتي والذين لم يحالفهم الحظ في تعلم القراءة والكتابة
غير مؤهلين لدخول عالم الإبداع: فوحدهم جامعوا الألقاب مرخص لهم
بذلك. أما الآخرون والأخريات – مثلك عزيزتي الشعيبة ومثل أمي أو
ابنة خالتي- فلأن حظكن العاشر شاء لكن أن تولدن قبلي ببضع سنوات،
في زمن مبكر أو بعيدا جدا عن الحواضر الكبرى (حيث لم يبدأ التمدرس
المكثف في المغرب إلا بعد الاستقلال، في أواخر الخمسينات)، وجدتن
أنفسكن ممنوعات من الإقامة في فضاءات الإبداع، غير أنك، عزيزتي
الشعيبية، اخترت هذه المرحلة بالذات لتدخلي المشهد، مخلخلة السيناريوهات
وأصحابها، مزعجة الممثلين والملقنين، ومعيدة إظهار سراب الجمال
طبقا لقانونك الخاص، قانون الموهبة اللامعة. |


|
| لقد تسربت إلى عالم محروس
بصرامة، عالم الفن التشكيلي الحديث الوافد من جهة أخرى بقماشة
عمودية وفرشاة ولون اصطناعي... من مدينة بعيدة اسمها باريس. تسربت
بصمت، كما لا تقدر على ذلك سوى النساء العربيات، إلى مواقع السلطات:
سلطة الإبداع ، سلطة التعبير، سلطة بيع العمل بثمنه الاعتباري،
وسلطة ترصيع اللوحة بقيمتها الحقيقية. وهي قيمة صارت أصالتها تقدر
اليوم بأقوى العملات الصعبة عبر المتاحف وقاعات العرض... وأنت
تقومي بكل هذا مرتدية لباسك التقليدي ومجوهراتك نكاية بالموضات
الزائلة، ومزخرفة يديك بالحناء، ومكر شعرك باد تحت وشاحك الذي
لا علاقة له بالشارات المعروفة، وهي مجرد تدلل وضحك وسخرية من
الدار البيضاء.
لهذا كله أنا معجبة بك، وكذا لمكرك... حين تحيينني بذلك الهزل
المحير الذي يبعث على الخوف: "آش كتكولي آلقارية؟" .فبإلحاحك
–بلطف- على ما حرمت منه- أي متابعة الدراسة والحصول على شهادات
– تعريننا جميعا، معيدة إيانا إلى الإنساني بعظمته ومسؤوليته.
وعندما سألتك ذات يوم: "لماذا تحدثينني دوما عن التعليم؟
إنك تتدبرين أمرك أفضل من العديد من أساتذة الجامعة..."،
جاء جوابك مضيئا أكثر مما يستطيعه بحث طويل: "ألح على التعليم
لأن الأمية جرح. ينبغي إعداد مغرب لا تكون فيه أية امرأة جريحة.
فحتى عندما نلاقي النجاح، فإن هذا الجرح لا يندمل أبدا".
إنني أحبك، عزيزتي الشعيبية، لأنك توقظين ضمائرنا، ليس بأبواق
المناضلين، بل بنجاحك، وصدقك. وأنت تحبين المختلف لتعبري عما هو
داخلي بنحو أفضل. هكذا أنت منفتحة على الغرب، وتحبين الفرنسيين
والأمريكيين وكل الذين يختلفون عنك حديثا وسلوكا، لأنه ما من تهديد
يطال الجوهري فيك، أي صدق كينونتك. إنك ناجحة لأنك واثقة مما أنت
عليه: شعاع من الضوء يتموج ويومض ويسمى إنسانا حتى لو كنت امرأء
يعتبرها بعضهم هنا وهناك تافهة وثانوية وعديمة الأهمية... وردك
على المجتمعات التي تحتقر المرأة هو تلطيخ لياليها بألق ألوانك،
وكنس القوالب الجاهزة بالإبداع الهادئ لجمال لا يحتاج لإثبات نفسه
أمام أي كان، لأنه بكل بساطة ينير من يراه. |
 |
مع كل احترامي لهذه القارئة
التي هي في غنى عن القراءة، لأنها مستغرقة تماما في مصيرها المتواضع
واللانهائي، المتمثل في اجتراح معجزات بصمت، ومبادرتك بالقول حين
تصادفها، وعيناها الكحيلتان تشعان بلمعان ماكر: "آش كتكولو
آلقاريين؟".
"ما قولكم أيها المتعلمون؟" أجل، عزيزتي الشعيبية،
لقد مكرت بنا وتفوقت بموهبتك علينا بما نحمله من شهادات. |