يتم تنظيم هذا الملتقى الأدبي حول " الرواية العربية في
القرن الماضي: رؤى ومسارات" في وقت شهدت فيه الرواية العربية،
في العقد الأخير من القرن الماضي تحديدا، قفزة نوعية لافتة،
على مستوى التراكم النصي وتجديد الأسئلة وإنتاج أشكال سردية
جديدة، وأيضا على مستوى مواكبتها الممتدة للعديد من التحولات
الطارئة، وسريعة الإيقاع والحركة في مجتمعاتنا العربية.
ومن ثم، ارتأت وزارة الثقافة واتحاد كتاب المغرب، في إطار الاحتفاء
هذه السنـة بالرباط عاصمة للثقافـة العربية، تنظيم هذا الملتقى
العربي حـول الرواية العربية في تسعينيات القرن الماضي. ومرد
هذا الاختيار لهذه الفترة الزمنية إلى كونه العقد الزمني الذي
يتوج إبداعيا، وحتى نقديا، مرحلة زمنية مهمة من الرحلة الشيقة
التي قطعتها الرواية العربية على امتداد عقود زمنية خلت، مرت
خلالها هذه الرواية، منذ نشأتها، بالعديد من المحطات الأساسية،
كما تمكنت من تحقيق تراكم لافت على مستوى النصوص وإنتاج الأسئلة،
بما هي أسئلة الكتابة والنقد، على حد سواء..
كما أنها الفترة الزمنية التي عرفت فيها الرواية العربية حيوية
جديدة، أضحت ملامحها العامة تطبع مشهدنا الروائي العربي، في
العقد الخير من القرن الماضي وبداية العقد الحالي من القرن الجديد،
سواء على مستوى ظهور أسماء جديدة تكتب الرواية والنقد الروائي،
وتساهم بالتالي في ضخ دماء جديدة في المسار العام، المميز لتطور
الرواية العربية الجديدة، وتزايد التراكم في النصوص الصادرة
بهذا القطر العربي أو ذاك، وأيضا على مستوى إضافات الكيفية،
المرتبطة خصوصا بتجدد أسئلة الرواية وطرائق كتابتها، وتغير مستويات
وزوايا استيحائها للواقع، وقد ازداد بدوره شساعة وتشابكا وتحولا
وامتدادا، واتساع فضاء التخييل وتنوع مستويات تمثله واستثماره
الفني والدلالي، إلى جانب تزايد كشوفات الرواية وحضورها الواعد
داخل فضاء التلقي والنقد، واتساع أفقها الرحب، المفتوح دوما
على البحث والتجدد، وخصوصا منذ أن حصل نجيب محفوظ على جائزة
نوبر للآداب..
يحدث هذا، من منطلق كون الرواية العربية، اليوم، أضحت لها أهمية
جوهرية ومؤثرة في زمننا الإبداعي ومشهدنا الثقافي، وفي مجتمعاتنا
أيضا، من حيث قدرتها الفائقة على ملاحقة التطورات واستيعاب التبدلات
والتغيرات، في مختلف المجالات والمناطق والأزمنة المعقدة والمتحولة
باستمرار، تلك التي ترصدها هذه الرواية من منطلقات ومنظورات
جديدة ومتباينة..
هكذا، إذن، جاء هذا الطموح المشترك بين وزارة الثقافة واتحاد
كتاب المغرب لتنظيم هذا الملتقى العربي الجديد حول الرواية العربية،
الذي نعتبره، في اتحاد كتاب المغرب، بمثابة امتداد فكري وتأملي
لملتقى فاس حول:" الرواية العربية: واقع وآفاق"، الذي
نظمه اتحاد كتاب المغرب ، في وقت مبكر،عام 1979 ولغيره من الملتقيات
والمؤتمرات والندوات العربية الأخرى، التي نظمت بالمغرب وخارجه،
حول الرواية العربية ونقدها. وهو ما يجعل من "ملتقى الرباط"
فرصة جديدة، يلتقي فيها الكتاب والنقاد، من جيل ملتقى فاس، جيل
الستينيات، ومن الأجيال التالية الممثلة لحساسيات جديدة، والحاملة
لتصورات مغايرة في الكتابة وفي النقد الروائيين، وذلك من أجل
تجديد خطاباتنا النظرية والنقدية والتأملية، ومطارحة وصوغ أسئلة
جديدة بصدد التراكم الروائي الصادر في نهاية القرن الماضي، كما
كتبه الروائيون من الأجيال
السابقة ومن الأجيال الجديدة، بما هو تراكم يلتقي عند حدود بحثه
المتجدد عن أشكال وثيمات ,أسئلة مغايرة، واقتحامه المتزايد لفضاءات
وطابوهات أخرى..
كما يشكل هذا الملتقى، أيضا، فرصة سانحة للبحث في بعض ما تكون
رواية التسعينيات قد حققته من إضافات نوعية للمنجز الروائي العربي
ككل، سواء عبر ربطها بما سبق من تراكم وأسئلة، باعتبارها أسئلة
مشتركة وممتدة على مستوى الكتابة والتلقي والنقد، أو عبر البحث
في خصوصيات رواية نهاية القرن، وفي تحققاتها النصية ومكوناتها
المشتركة بين مختلف التجارب والحساسيات، وكذا البحث في تمفصلات
متخيلها العام، وهو ما سيوفر للمشاركين في هذا الملتقى مجالا
أوسع لصياغة وتوسيع أسئلة مغايرة، ولإثراء الحوار والنقاش بصدد
بين مختلف الأجيال والاتجاهات بصدد تراكم نصي محدد..
وقد تم اختيار مساءلة الموضوع العام لهذا الملتقى، انطلاقا من
محاور رئيسية، تتخللها شهادات بعض الروائيين حول طبيعة تصوراتهم
الشخصية الجديدة لكتابة الرواية اليوم،أما ما يكون قد طال الأدب
عموما من تحول ورحابة في المفهوم والوظيفة والفهم والتأثير،
وأيضا عبر دراسات ومداخلات سوف تركز على رصد بعض القضايا والإشكالات
والأسئلة التي تثيرها رواية التسعينيات، كتلك التي تخص البحث
في أشكالها وتداخل لغاتها وتعدد تقنياتها وأبعادها اللعبية،
وفي مادة تخييلها ورموزها وعلاماتها ودلالاتها، وكذا البحث في
السمات المؤتلفة والمختلفة، المميزة لرواية نهاية القرن، إلى
جانب البحث كذلك في طبيعة العلاقة القائمة اليوم بين الرواية
والنقد...
كما ارتأى المنظمون في هذا الإطار نفسه، تخصيص مائدة مستديرة
للبحث وإثراء الحوار وتعميقه حول موضوع أصبح يطرح نفسه بحدة
على المنجز السردي العربي، الصادر في العقد الأخير من القرن
الماضي، في تعدد مغايراته وأشكاله، ويتعلق الأمر، هنا، بمسألة"
كتابة التاريخ والتأريخ الذاتي في الرواية"، انطلاقا من
هذه العودة المتجددة من قبل الروائيين والكتاب العرب، إلى مساءلة
مناطق جديدة من التاريخ العام ، في مختلف أبعاده الإنسانية والزمنية
والتخييلية،وإلى إعادة قراءته وإنتاجه في نصوصهم، وذلك في سبيل
إنتاج معرفة كاشفة بشأنه، إلى جانب إقبالهم المتزايد على استيحاء
التاريخ الذاتي، سواء تم ذلك في إطار فضاء السيرة الذاتية، أو
في إطار ما يحايتها من أجناس مجاورة، كرواية السيرة الذاتية
والمذكرات والتخييل الذاتي وغيرها، عبر اللجوء إلى الكشف عن
الكينونة والتأريخ للذات ورغائبها وصراعاتها الداخلية وتجاربها
في الحياة، في بحث من هؤلاء جميعا عن خطاب جديد يصل التاريخ
الفردي بالتاريخ العام، بالأبعاد المعرفية والشعورية، وذلك في
إطار نوع من التفاعل القائم بين هاتين المنطقتين والفضاءين..
تلك، إذن، بعض الخطوط العريضة لهذا الملتقى، الذي يأمل اتحاد
كتاب المغرب أن يشكل منعطفا جديدا وعلامة أخرى مضيئة في المسار
الإبداعي والنقدي للرواية العربية الجديدة، في أفق تعميق الحوار
المتكافئ اليوم بين مختلف الأجيال الروائية والاتجاهات النقدية،
بعد نهاية قرن حافل من الرواية العربية، وأيضا في سياق الاحتفاء
بالمغرب الثقافي..
محاور الندوة:
1-
شهادات حول :