كلمة السيدة وزيرة الثقافة
ثريا جبران اقريتيف
في مهرجان جائزة الأركانة
العالمية للشعر - محمود درويش، 2008
مسرح محمد الخامس
الرباط، الجمعة 24 أكتوبر 2008
بسم الله الرحمان الرحيم
أصحاب المعالي السادة الوزراء والسفراء،
الأخوات والإخوة في بيت الشعر في المغرب،
ضيوف المغرب الأجلاء المبدعين والشعراء والنقاد،
الأخ الأستاذ أحمد درويش شقيق أخينا وصديقنا الشاعر العربي الكبير المرحوم محمود درويش،
أيها السادة والسيدات،
لا أستطيع في هذا المساء، إخفاءَ مشاعري الخاصة وأَنا أقف هذا الموقف، في هذا المسرح الوطني،وفي هذه الاحتفالية الكبرى التي كان الشاعر المرحوم محمود درويش هو من اختار تاريخها ومكانها بنفسه، وكان مبتهجا ممتلئا بالأمل وبالحياة وبالثقة في أنه سيحضر هو نفسه ليتسلم جائزة الأركانة العالمية للشعر التي شرفها باسمه مثلما شرفه المغرب الثقافي والشعري وبيت الشعر في المغرب بها في التفاتة رمزية كان جديرا بها حقا.
ولا أكتمكم، فكثيرًا ما أبكي وأخفي الدمع. وعندما بكيتُ محمود درويش تحديدا، لم أعلن فقط عن بكائي و أنا أتبادل العزاء مع عدد من الأصدقاء المشْتَرَكين، بل كنتُ وكأنني أشْعُر بواجب الدمعة، بالدمعة التي تعبر عن حالة إنسانية فتصبح أيضًا موقفًا.
ولكن محمود درويش بالتأكيد لا يستحق منا البكاء فقط، بل يستحق الوفاء لشخصه العميق النادر المتواضع، ولشعره الإنساني العظيم، وللقيم النضالية الرفيعة التي كرس حياته كشاعر، وكمثقف، وكمناضل، وكفلسطيني حقيقي صادق، للدفاع عنها وتَبنيها وترسيخها في الوجدان العربي وفي الوعي الإنساني.
ينبغي أن نظل أوفياء لأخينا وصديقنا محمود درويش، أوفياء لشعره ولأفق نضاله، أوفياء للمحبة التي اقتسمناها جميعًا معه، أوفياء لرسالته النبيلة التي لم يبتذلْ خلالها شعره من أجل موقفه السياسي الوطني، بل ارتقى بنبل الالتزام الوطني فيما ظل يرتقي بصفاء قصيدته وأناقة كلماته.
وإن في هذه الاحتفالية، المشتركة بين وزارة الثقافة وبيت الشعر في المغرب ومؤسسة الرعاية لصندوق الإيداع والتدبير مشكورة، بعضا من الوفاء لمحمود درويش كشاعر وكإنسان.
وسنواصل في المغرب إخلاصنا لروح شاعرنا الكبير، إخلاصنا لقضية حياته وقضية شعره، القضية الوطنية الفلسطينية. سنواصل تقديرنا للشاعر الذي كرم المغرب بحضوره المتميز الوافر، كما كرمه المغرب بمثقفيه ومبدعيه وقرائه، وبالأخص حين كرمه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، بأرفع وسام فكري في المملكة، وسام الكفاءة الفكرية. بل وآثر جلالته إلا أن يبعث برسالة سامية إلى الحفل التأبيني الذي نظمته القيادة الوطنية الفلسطينية في مدينة رام الله، تلك الرسالة المولوية التي أكد فيها صاحب الجلالة قائلا "ويشهد التاريخ أن محمود درويش ظل على الدوام، يتحلى بأنفة وشهامة الشاعر الكبير، الذي يعرف أن العفة والمروءة وصفاء اللسان، وسحر البيان، جزء من أخلاق الشاعر الحقيقي، وبعد من أبعاد مسؤوليته الثقافية والإبداعية والإنسانية" (انتهى كلام صاحب الجلالة).
والآن، وأنا أستعيد محمود درويش.. أحس بطعم شعره في اللسان، وأدرك من جديد معنى تعلقه الناعم بالحياة وتَغَنيه بها، وبالأرض، وبقيم الحب والسلام ودفء العلاقة الإنسانية.
الآن، أستعيد كَلماته واحدةً واحدةً. وأتذكر لقاءاتنا المتعددة معه وأنا أقدمُه للجمهور، وأنا أنصت لإنشاده الشعري الاستثنائي هنا في المسرح الوطني محمد الخامس، وأنا أضع باقة الورد قرب وقفته الناهضة، وأنا أضع كأس الماء قرب يديه وهو يقرأ، وأنا أخدمه في بيتي بالرباط حين استضفته داخل أسرتي الصغيرة مع ثلة من الأصدقاء المبدعين العرب والمغاربة. ذلك لأن حضوره كان يعطينا الإحساس الصادق العميق بقيمة الشعر والإبداع والفن في وجودنا، وفي كياننا، وفي علاقتنا الإنسانية والأخوية.
أخواتي إخواني، أيها السيدات والسادة
سنفتقد محمود درويش دائمًا شاعرًا وصديقًا وأخًا عزيزًا. سنفتقد تلك الآلة الروحية العجيبة التي كانت تلعب بالكلمات وباللغة لتصنع الأمل، وتزرع الثقة، وترسم المدى المفتوح للأشياء والناس.
فرحم الله الشاعر الكبير الفذ الذي كان إبنًا لفلسطين، وكان اسمه توأمًا لاسمها. ونجدد العزاء مرة أخرى لوالدته ولأشقائه وشقيقاته وأهله وكافة أصدقائه من الشعراء والمبدعين والفنانين والمثقفين في فلسطين والمغرب وفي فلسطين والعالم العربي، وفي كل أرض أحبت هذا الشاعر العظيم.
شكرا، والسلام عليكم
|