سجلماسة التاريخية تظل شاهدة على جزء هام من عظمة الحضارة المغربية (جامعة مولاي علي الشريف)

الريصاني 22 نونبر 2019/ومع/

أكد المشاركون في أشغال الدورة الرابعة والعشرين لجامعة مولاي علي الشريف، اليوم الجمعة بالريصاني، أن سجلماسة التاريخية تظل شاهدة على جزء هام من عظمة الحضارة المغربية.

وأوضحوا، خلال افتتاح أشغال هذه الدورة، التي تنظمها على مدى يومين وزارة الثقافة والشباب والرياضة (قطاع الثقافة) تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حول موضوع “سجلماسة والبعد الإفريقي للمغرب عبر التاريخ”، أن مدينة سجلماسة ناطقة بعبق التاريخ والمساهمات الحضارية لسكانها.

وفي هذا الصدد، أبرز السيد عبد الحق المريني، مؤرخ المملكة، ورئيس اللجنة العلمية لجامعة مولاي علي الشريف، أن تنظيم هذه الجامعة يأتي في إطار التعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الداعية إلى العناية بالرصيد التاريخي والثقافي الذي يشكل الركن الأساسي للرأسمال اللامادي المغربي.

وأكد أن الدورة الحالية ستتطرق لحاضرة سجلماسة وتاريخها وموقعها في المسالك التجارية الافريقية والصوفية، والدور الذي قامت به في تاريخ الدولة العلوية الشريفة.

وأضاف أن سجلماسة تعتبر ثاني مدينة إسلامية شيدت بالغرب الإسلامي بعد مدينة القيروان، ويعدها بعض المؤرخين أنها كانت عاصمة لأول دولة مغربية مستقلة عن الخلافة في المشرق.

وذكر باختلاف المؤرخين حول تاريخ تأسيسها من قبل إمارة بني مدرار، مؤكدا على موقعها الاستراتيجي الهام الذي كانت تتمتع به بالنسبة للشمال الافريقي وبلاد السودان الغربي، مشيرا إلى أن هذا الموقع قد ساعدها على لعب دور ريادي في تجارة القوافل، وتنظيم شبكاتها، واستطاعت سجلماسة أن تحافظ على استقلالها رغم أطماع الفاطميين بافريقيا والأمويين بالأندلس كما ورد ذلك في كتب التاريخ.

وشدد السيد المريني على أن سجلماسة دخلت بعد القرن الثامن الهجري تحت سيطرة المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين، مبرزا أن العديد من المؤرخين أكدوا على دورها الاقتصادي الهام واستقطابها لتجار من الشرق وافريقيا والأندلس، مما كان له أثر كبير على ازدهارها في مختلف نواحي الحياة العامة.

وسجل أن سجلماسة عرفت، إلى جانب دورها التجاري، نشاطا علميا مزدهرا من خلال المحاضرات والدروس التي كان يلقيها في مسجدها الجامع بالقصبة السجلماسية الفيلالية العلماء والفقهاء أمام طلاب العلم الوافدين عليها من عدة آفاق.

وخلص إلى أن أطلال سجلماسة الماثلة أمام العيان ستظل شاهدة على جزء هام من عظمة الحضارة المغربية وعلى أهمية موقعها التاريخي الهام في التلاقح التجاري والثقافي بين شمال المغرب وجنوبه وشرقه “فقد كانت بحق عبر إشعاعها الحضاري جوهرة تافيلالت كما قال أحد الرحالة”.

من جهته، أكد وزير الثقافة والشباب والرياضة الناطق الرسمي باسم الحكومة، السيد الحسن عبيابة، أن سجلماسة لعبت دورا أساسيا، سواء على المستوى الوطني في علاقتها بباقي مناطق المملكة كمعبر رئيسي بين الجنوب والشمال، أو في علاقات المغرب بباقي الدول الافريقية جنوب الصحراء، وكانت في صلب تعزيز الروابط التاريخية وتنشيط حركة القوافل التجارية وتيسير رحلات العلماء.

وأشاد الوزير، في كلمة تلاها بالنيابة عنه الكاتب العام لقطاع الاتصال، السيد مصطفى التميمي، بتنظيم هذا اللقاء المتميز الذي يجمع أهل المعرفة من أساتذة جامعيين ومؤرخين وباحثين وأكاديميين وطلبة وعموم المهتمين لمحاولة استجلاء الأهمية التاريخية والحضارية لسجلماسة ولمنطقة تافيلالت ككل.

وقال إن جامعة مولاي علي الشريف تعنى بدراسة تاريخ المغرب على عهد ملوك الأسرة العلوية المجيدة، لكنها أيضا فضاء للانفتاح والحياة من خلال مواضيعها المختارة بالعناية المتماهية مع التحولات الوطنية والدولية.

وأبرز السيد عبيابة أن موضوع هذه الدورة هو “إعادة اكتشاف للذات الوفية لأبعادها المتنوعة والغنية، المتجذرة في ماضيها الحضاري العريق”.

وأضاف أن اختيار موضوع الدورة يستمد صوابه أيضا من عمق تاريخي كان فيه لهذه المنطق وجود تفاعلي بارز وطني وافريقي ودولي.

واعتبر أن هذه الجامعة تعرف نجاحا متواصلا أسفر عن تراكم رصيد تنظيمي دام ثلاثة عقود، وآخر أغنى البحث العلمي الجامعي، وزود الخزينة التاريخية المغربية بمخزون وثائقي هام.

من جهته، أشاد الكاتب العام لولاية جهة درعة-تافيلالت، السيد ادريس دكوج، بتنظيم هذه الجامعة، مشيرا إلى أن موضوعها يربط بين الماضي والحاضر ويستشرف المستقبل.

وأوضح أن المشاركين في هذا الحدث الثقافي والبحثي مشهود لهم بالكفاءة العلمية وبدورهم الكبير من أجل استمرار هذه المبادرة المتميزة.

من جانبه، أكد السيد أحمد العلاوي، رئيس بلدية مولاي علي الشريف، على الغنى والزخم الحضاري الذي بلغته مدينة سجلماسة التاريخية التي كان لها وصال حضاري مع العالم.

وأضاف أن المحافظة على التراث اللامادي المتعلق بسجلماسة تتطلب المعرفة الكافية به بغية جعله رافعة للتنمية المحلية، مشيرا إلى أن هذه الدورة تشكل مناسبة لإبراز الصفحات المجيدة من تاريخ المنطقة.

وبالمناسبة، قدمت عواطف حيار، رئيسة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، عرضا حول “المدن الذكية”، مشيرة إلى أن المدن العريقة “متكاملة”.

وأكدت أن الحديث حاليا عن المدن المستدامة يأتي لاستشعار وجود خطر يتهدد مستقبل البشرية، خاصة أن الموارد الطبيعية الحالية لا يمكن أن تستوفي المتطلبات المستقبلية.

وأشارت إلى المقاربات الموضوعة لمعالجة هذه الإشكاليات من حيث استعمال مفاهيم مثل “التوفير” و”التقاء التنمية المستدامة والانترنت”، داعية إلى ضرورة تقنين الاستهلاك مع الاعتماد على تكنولوجيا الاتصال التي تساعد على ذلك.

وأضافت أن المدن الذكية ليست هدفا في حد ذاتها، بل يأتي تشييدها ليستفيد الانسان من محيطه ويتمكن من التطور، مقترحة اعتماد “المتحف الافتراضي” من أجل تعزيز تثمين التراث المادي واللامادي لمدينة سجلماسة التاريخية والمحافظة عليه.

وتم خلال افتتاح أشغال الملتقى، الذي جرى بحضور رئيس المجلس الإقليمي، ورؤساء المصالح الخارجية وممثلي الهيئتين القضائية والأمنية والمنتخبون، عرض شريط وثائقي حول “سجلماسة” من إنتاج الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

وقام أعضاء اللجنة العلمية للجامعة بزيارة لمعرض الصور التاريخية حول “البعد الإفريقي للمملكة المغربية” من إعداد قطاع الاتصال ومعرض حول الكتب والمنشورات الخاصة بالدولة العلوية.

ويتضمن برنامج هذه الدورة، التي تعرف مشاركة العديد من الباحثين والمهتمين بالمجال التاريخي، إلقاء محاضرات تناقش، على الخصوص، “إسهام حاضرة سجلماسة في التواصل الحضاري مع افريقيا جنوب الصحراء من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن الخامس للهجرة”، و”مكانة سجلماسة وقصورها في المسالك التجارية الافريقية”.

كما يتطرقون خلال هذه الجامعة إلى “مكانة مدينة سجلماسة التاريخية ودورها في تدعيم جسور التواصل بين المغرب والسودان الغربي”، و”سجلماسة بين هجرة القبائل العربية وزحف القبائل الفلانية”.